فَإِنَّهُ لَا يَلْحَقُهُ الفَسْخُ مِنْ جِهَةِ المُوصِي، وَغَيْرُهُ يَلْحَقُهُ. وَكَذَلِكَ المُحَابَاةُ لَا يَلْحَقُهَا الفَسْخُ مِنْ جِهَةِ المُوصِي، وَإِذَا تَقَدَّمَ ذَلِكَ فَمَا بَقِيَ مِنْ الثُّلُثِ بَعْدَ ذَلِكَ يَسْتَوِي فِيهِ مَنْ سِوَاهُمَا مِنْ أَهْلِ الوَصَايَا، وَلَا يُقَدَّمُ البَعْضُ عَلَى البَعْضِ. لَهُمَا فِي الخِلَافِيَّةِ: أَنَّ العِتْقَ أَقْوَى، لِأَنَّهُ لَا يَلْحَقُهُ الفَسْخُ، وَالمُحَابَاةُ يَلْحَقُهَا، وَلَا مُعْتَبَرَ بِالتَّقْدِيمِ فِي الذِّكْرِ، لِأَنَّهُ لَا يُوجِبُ التَّقَدُّمَ فِي الثُّبُوتِ. وَلَهُ: أَنَّ المُحَابَاةَ أَقْوَى، لِأَنَّهَا تَثْبُتُ فِي
أما العتق المنفذ والتدبير الصحيح كالدين، والدين مقدم، وصاحب الدين ينفرد باستيفائه إذا ظفر بجنس حقه، والعتق المنفذ أو التدبير الصحيح يصير مستحقا بمجرد الموت، فصار كالدين فيقدم.
قوله: (وغيره) أي: غير العتق المنفذ (يلحقه) الفسخ من جهة الموصي؛ لأنه يصح الرجوع عنه، ولا يصح الرجوع عن العتق، وكذا المحاباة لا يلزمه الفسخ من جهة الموصي؛ لأنها تثبت في ضمن عقد المعاوضة، [ومن قضية المعاوضة] (١) اللزوم، فلزمت الوصية التي في ضمنها بمنزلة العتق.
قوله: (ولا معتبر بالتقدم في الذكر) وهو جواب عن قول أبي حنيفة أنه قدم المحاباة، وعن قول زفر أيضًا، فإن عنده العتق والمحاباة سواء في القوة، فيقدم الأول كما في سائر الوصايا بالقرب كما يجيء، فقال: (ولا معتبر بالتقديم في الذكر)؛ لأن التقديم في الذكر لا يوجب تقدمًا في الثبوت؛ لأن زمان تقرير الوصية بعد الموت، فالكل مقرر معًا.
وفي الأسرار: أنه إذا أوصى بثلث ماله لزيد وعمرو وبكر كان الثلث بينهم أثلاثًا وصل أم فصل، ولا عبرة في البداية؛ لأن الموصى لهم مختلفون، فكذا فيما نحن فيه العتق وصية للمعتق، والمحاباة للمشتري.
وذكر في الكتاب قبيل باب الوصية بالثلث لو أوصى بعبد لرجل، ثم أوصى به لآخر أنهما يشتركان في العبد؛ لأن المحل يحتمل الشركة، فعلم أنه لا اعتبار للتقديم، بخلاف ما لو أوصى بوصايا في القُرَبِ النوافل، حيث يبدأ بما بدأ به الموصي؛ لأن المستحق واحد على ما يجيء.
стр. 7387
ضِمْنِ عَقْدِ المُعَاوَضَةِ، فَكَانَ تَبَرُّعًا بِمَعْنَاهُ لَا بِصِيغَتِهِ، وَالإِعْتَاقُ تَبَرُّعُ صِيغَةً وَمَعْنَى، فَإِذَا وُجِدَتْ المُحَابَاةُ أَوَّلًا دُفِعَ الأَضْعَفُ، وَإِذَا وُجِدَ العِتْقُ أَوَّلًا وَثَبَتَ وَهُوَ لَا يَحْتَمِلُ الدَّفْعَ كَانَ مِنْ ضَرُورَتِهِ المُزَاحَمَةُ، وَعَلَى هَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رَحَهُ اللهُ: إِذَا حَابَى
قوله: (فكان تبرعا بمعناه لا بصيغته) أي: البيع بالمحاباة تبرع من حيث المعنى، لا من حيث الصيغة، فإن البيع بالمحاباة عقد تجارة حتى يجب للشفيع الشفعة في الكل، والشفعة تختص بالمعاوضات، ولهذا أن البيع بالمحاباة يصح من العبد المأذون، والصبي المأذون وبالمرض لا يلحقه الحجر عن التجارة.
أما العتق تبرع محض صيغة ومعنى لا تجارة فيه، والمريض محجور عن التبرعات، فكانت المحاباة أقوى سببًا من العتق؛ لأن سببها التجارة، فمن حيث الحكم العتق أولى؛ لأنه لا يحتمل الفسخ، ومن حيث السبب المحاباة أولى كما ذكرنا، فاستويا (١) في القوة، فإذا سبقت المحاباة كان أولى؛ لأن العتق جاء، والمحاباة ثبت في الثلث، فلا يدفعه العتق بعد ذلك.
أما إذا ثبت العتق أولًا، وثبت وهو لا يحتمل الدفع، كان من ضرورته المزاحمة.
(وعلى هذا) أي: وعلى هذا الأصل (قال أبو حنيفة ﵀ كذا.
فإن قيل: ينبغي أن يقسم الثلث بين الكل أثلاثا؛ لأن المحاباة الثانية مساوية للأولى، والعتق (٢) مساوٍ للمحاباة الثانية، فكان مساويا للأولى؛ لأن المساوي للمساوي مساوٍ.
قلنا: العتق مساوٍ للثانية بمعنى يخصه، وهو تقدمه عليها، فلا يساوي الأولى، وبهذا خرج الجواب عن إشكال آخر، وهو أن يقال: المحاباة الأولى ترجحت على العتق، والثانية مساوية للأولى، فينبغي أن يترجح على العتق كالأولى؛ لأن المساوي للراجح راجح؛ لما مر أن رجحان الأولى بمعنى يخصه، وهو تقدمه عليه.
стр. 7388
ثُمَّ أَعْتَقَ، ثُمَّ حَابَى: قُسِمَ الثُّلُثُ بَيْنَ المُحَابَاتَيْنِ نِصْفَيْنِ، لِتَسَاوِيهِمَا، ثُمَّ مَا أَصَابَ المُحَابَاةَ الأَخِيرَةَ قُسِمَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ العِتْقِ، لِأَنَّ العِتْقَ مُقَدَّمٌ عَلَيْهَا فَيَسْتَوِيَانِ، وَلَوْ أَعْتَقَ ثُمَّ حَابَى، ثُمَّ أَعْتَقَ، قُسِمَ الثُّلُثُ بَيْنَ العِتْقِ الأَوَّلِ وَالمُحَابَاةِ نِصْفَيْنِ، وَمَا أَصَابَ العِتْقَ، قُسِمَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ العِتْقِ الثَّانِي، وَعِنْدَهُمَا: العِتْقُ أَوْلَى بِكُلِّ حَالٍ.
قَالَ: (وَمَنْ أَوْصَى بِأَنْ يُعْتَقَ عَنْهُ بِهَذِهِ المِائَةِ عَبْدٌ، فَهَلَكَ مِنْهَا دِرْهَمْ، لَمْ يُعْتَقْ عَنْهُ بِمَا بَقِيَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَإِنْ كَانَتْ وَصِيَّتُهُ بِحَجَّةٍ يُحَجُّ عَنْهُ بِمَا بَقِيَ مِنْ حَيْثُ يَبْلُغُ، وَإِنْ لَمْ يَهْلِكُ مِنْهَا، وَبَقِيَ شَيْءٌ مِنْ الحَجَّةِ: يُرَدُّ عَلَى الوَرَثَةِ، وَقَالَا: يُعْتَقُ عَنْهُ بِمَا بَقِيَ) لِأَنَّهُ وَصِيَّةٌ بِنَوْعِ قُرْبَةٍ، فَيَجِبُ تَنْفِيذُهَا مَا أَمْكَنَ اعْتِبَارًا بِالوَصِيَّةِ بِالحَجِّ.
وكذا لو قال: ينبغي ألا يكون للمحاباة الثانية شيء؛ لأنه مساو للعتق، والعتق مرجوح والمساوي للمرجوح مرجوح، كذا في الفوائد الحميدية.
قوله: (قسم الثلث بين العتق الأول والمحاباة) إلى آخره، وفي المبسوط:
فإن قيل: ينبغي أن يسترد صاحب المحاباة، فما أخذ صاحب العتق الثاني كمال حقه؛ لأن ما أضاف إليه كمال حقه؛ لأن المحاباة مقدم على العتق الثاني، كما لو كانا معًا، وتقدمت المحاباة.
قلنا: لو استرد ذلك منه لاسترد صاحب العتق الأول من صاحب المحاباة الثاني؛ لأن العتق الأول والمحاباة الثانية سواء في الثلث، فيؤدي ذلك إلى دور لا ينقطع، والسبيل فيه أن ينقطع، ولو نقص صاحب المحاباة البيع لما لزمه من زيادة الثمن كان الثلث بين العتقين نصفين لاستواء حقهما.
قوله: (وبقي شيء يردّ) قال الكِساني إلا إن جعل الموصي الفضل للذي يحج عنه فيكون له وقال أبو يوسف ومحمد يعتق عنه ما بقي وهو قياس قول الأئمة الثلاثة كما في الوصية بالحج ولو فضل شيء من الحج يصرف إلى الحج ولا يُرَدُّ إلى الورثة عند الأئمة الثلاثة وعلى هذا الخلاف لو أوصى بأن يُشترى بكل ماله عبد فيعتق عنه ولم تُجز الورثة بطلت الوصية عند أبي حنيفة ﵀ وعندهما يُشتَرَى بالثلث عبد ويعتق.
стр. 7389
وَلَهُ: أَنَّهُ وَصِيَّةٌ بِالعِتْقِ لِعَبْدِ يَشْتَرِي بِمِائَةٍ، وَتَنْفِيذُهَا فِيمَنْ يَشْتَرِي بِأَقَلَّ مِنْهُ تَنْفِيذٌ لِغَيْرِ المُوصَى لَهُ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ، بِخِلَافِ الوَصِيَّةِ بِالحَجِّ، لِأَنَّهَا قُرْبَةٌ مَحْضَةٌ، وَهِيَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى: وَالمُسْتَحَقُّ لَمْ يَتَبَدَّلْ، فَصَارَ كَمَا إِذَا أَوْصَى لِرَجُلٍ بِمِائَةٍ، فَهَلَكَ بَعْضُهَا يَدْفَعُ البَاقِيَ إِلَيْهِ، وَقِيلَ: هَذِهِ المَسْأَلَةُ بِنَاءً عَلَى أَصْلٍ آخَرَ مُخْتَلَفٍ فِيهِ، وَهُوَ أَنَّ العِتْقَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَهُمَا، حَتَّى تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ دَعْوَى فَلَمْ يَتَبَدَّل المُسْتَحَقُّ، وَعِنْدَهُ: حَقُّ العَبْدِ حَتَّى لَا تُقْبَلُ البَيِّنَةُ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ دَعْوَى، فَاخْتَلَفَ المُسْتَحَقُّ وَهَذَا أَشْبَهُ.
قَالَ: (وَمَنْ تَرَكَ ابْنَيْنِ وَمِائَةَ دِرْهَمٍ، وَعَبْدًا قِيمَتُهُ مِائَةُ دِرْهَمٍ، وَقَدْ كَانَ أَعْتَقَهُ فِي مَرَضِهِ، فَأَجَازَ الوَارِثَانِ ذَلِكَ: لَمْ يَسْعَ فِي شَيْءٍ) لِأَنَّ العِتْقَ فِي مَرَضِ المَوْتِ وَإِنْ كَانَ فِي حُكْمِ الوَصِيَّةِ، وَقَدْ وَقَعَتْ بِأَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ، إِلَّا أَنَّهَا تَجُوزُ بِإِجَازَةِ الوَرَثَةِ، لِأَنَّ الِامْتِنَاعَ لَحِقَهُمْ وَقَدْ أَسْقَطُوهُ.
قَالَ: (وَمَنْ أَوْصَى بِعِتْقِ عَبْدِهِ، ثُمَّ مَاتَ فَجَنَى جِنَايَةً وَدُفِعَ بِهَا، بَطَلَتِ الوَصِيَّةُ)
قوله: (تنفيذ) أي: للوصية (لغير الموصى له) إذ الموصى له عبد يُشترى بمائة، فلو اشترى بأقل منها يكون تنفيذ الوصية لغير المستحق بخلاف الحج؛ لأنه عبادة محضة، والمستحق للعبادة هو الله تعالى، ولم يتبدل.
قوله: (وهذا أشبه) أي: كون هذه المسألة بثابتة أشبه بالصواب؛ لأنه ثبت بالدليل أنه حق العبد عنده أي الغالب حق العبد.
وعندهما: لما ثبت أن حق الله تعالى غالب حتى تقبل الشهادة عليه بدون الدعوى، فإن الغالب في العتق حق الله تعالى، فصار كالحج.
وفي الكافي: لو أوصى بأن يُحَجّ عنه من ثلثه، فقيل له: الثلث لا يكفي، فقال: أعينوني في الحج يعان به في الحج على الفقراء؛ لأن اللفظ يدل عليه؛ لأن الإعانة إنما تكون للفقير المحتاج.
وعند الشافعي وأحمد في قول: يتمم له من كل المال؛ لأنه إذا أوصى له بحج في قول من جميع المال.
قوله: (ومن أوصى بعتق عبده) أي: بإعتاقه.
стр. 7390
لِأَنَّ الدَّفْعَ قَدْ صَحَّ لِمَا أَنَّ حَقَّ وَلِيِّ الجِنَايَةِ مُقَدَّمٌ عَلَى حَقِّ المُوصِي، فَكَذَلِكَ عَلَى حَقِّ المُوصَى لَهُ، لِأَنَّهُ يَتَلَقَّى المِلْكَ مِنْ جِهَتِهِ، إِلَّا أَنَّ مِلْكَهُ فِيهِ بَاقٍ، وَإِنَّمَا يَزُولُ بِالدَّفْعِ، فَإِذَا خَرَجَ بِهِ عَنْ مِلْكِهِ بَطَلَت الوَصِيَّةُ، كَمَا إِذَا بَاعَهُ المُوصِي أَوْ وَارِثُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَإِنْ فَدَاهُ الوَرَثَةُ كَانَ الفِدَاءُ، فِي مَالِهِمْ، لِأَنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ التَزَمُوهُ، وَجَازَت الوَصِيَّةُ، لِأَنَّ العَبْدَ طَهُرَ عَنْ الجِنَايَةِ بِالفِدَاءِ كَأَنَّهُ لَمْ يَجْنِ فَتَنْفُذُ الوَصِيَّةُ.
قَالَ: (وَمَنْ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ لِآخَرَ، فَأَقَرَّ المُوصَى لَهُ وَالْوَارِثُ أَنَّ المَيِّتَ أَعْتَقَ هَذَا العَبْدَ، فَقَالَ المُوصَى لَهُ: أَعْتَقَهُ فِي الصِّحَّةِ، وَقَالَ الوَارِثُ: أَعْتَقَهُ فِي المَرَضِ، فَالقَوْلُ قَوْلُ الوَارِثِ، وَلَا شَيْءَ لِلْمُوصَى لَهُ، إِلَّا أَنْ يَفْضُلَ مِنْ الثُّلُثِ شَيْءٌ، أَوْ تَقُومَ لَهُ البَيِّنَةُ أَنَّ العِتْقَ فِي الصِّحَّةِ) لِأَنَّ المُوصَى لَهُ يَدَّعِي اسْتِحْقَاقَ ثُلُثِ مَا بَقِيَ مِنْ التَّرِكَةِ بَعْدَ العِتْقِ، لِأَنَّ العِتْقَ فِي الصِّحَّةِ لَيْسَ بِوَصِيَّةٍ، وَلِهَذَا يَنْفُذُ مِنْ جَمِيعِ المَالِ، وَالوَارِثُ يُنْكِرُ، لِأَنَّ مُدَّعَاهُ العِتْقُ فِي المَرَضِ، وَهُوَ وَصِيَّةٌ، وَالعِتْقُ
(لأنه) أي: الموصى له (يتلقى الملك) أي: يأخذ (من جهته) أي: من جهة الموصي (إلا أن ملكه فيه باق) لحاجة الميت؛ لما بينا أن ملك الميت باق بعد لحاجته حتى لو كان العبد ذا رحم محرم من الورثة لا يعتق؛ إذ ملك الورثة ملك خلافة، فلا يثبت ما لم يستغن الأصل منه، كذا في مبسوط فخر الإسلام.
قوله: (أو وارثه) أي باعه وارثه بسبب الدين كان الفداء من مالهم، إن كانوا متطوعين.
قوله: (ومن أوصى بثلث ماله لآخر) معناه ترك عبدًا ومالا ووارثا، والعبد مقدار ثلث ماله، وبه صرح قاضي خان.
(قال الموصى له: أعتقه في الصحة) يعني: إعتاق لم يقع وصية، ووصيتي بثلث ماله صحيح فيما وراء العبد؛ إذ الإعتاق لو وقع في المرض لرجع وصية، وقيمة العبد ثلث المال لم يكن للموصى له بالثلث شيء؛ لأن الوصية بالعتق مقدمة بالاتفاق، والوارث بدعواه أنه وقع في المرض ينكر استحقاق الثلث فيما وراء العبد؛ لأنه وصية والعتق مقدم فلا يصدق الموصى له في دعواه استحقاق الثلث فيما وراء العبد إلا بحجة، فيحلف الوارث بالله ما أعتقه في الصحة وأعتقه في المرض.
стр. 7391
فِي المَرَضِ مُقَدَّمُ عَلَى الوَصِيَّةِ بِثُلُثِ المَالِ، فَكَانَ مُنْكِرًا، وَالقَوْلُ قَوْلُ المُنْكِرِ مَعَ اليَمِينِ؛ وَلِأَنَّ العِتْقَ حَادِثٌ، وَالحَوَادِثُ تُضَافُ إِلَى أَقْرَبِ الْأَوْقَاتِ لِلتَّيَقُنِ بِهَا، فَكَانَ الظَّاهِرُ شَاهِدًا لِلْوَارِثِ فَيَكُونُ القَوْلُ قَوْلَهُ مَعَ اليَمِينِ، إِلَّا أَنْ يَفْضُلَ شَيْءٌ مِنْ الثُّلُثِ عَلَى قِيمَةِ العَبْدِ، لِأَنَّهُ لَا مُزَاحِمَ لَهُ فِيهِ، أَوْ تَقُومَ لَهُ البَيِّنَةُ أَنَّ العِتْقَ فِي الصِّحَّةِ، لِأَنَّ الثَّابِتَ بِالبَيِّنَةِ كَالثَّابِتِ مُعَايَنَةٌ، وَهُوَ خَصْمٌ فِي إِقَامَتِهَا لِإِثْبَاتِ حَقِّهِ.
قَالَ: (وَمَنْ تَرَكَ عَبْدًا، فَقَالَ لِلْوَارِثِ: أَعْتَقَنِي أَبُوكَ فِي الصِّحَّةِ، وَقَالَ رَجُلٌ: لِي عَلَى أَبِيكَ أَلْفُ دِرْهَمٍ، فَقَالَ: صَدَقْتُمَا، فَإِنَّ العَبْدَ يَسْعَى فِي قِيمَتِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ)، وَقَالَا: يَعْتِقُ وَلَا يَسْعَى فِي شَيْءٍ (*) لِأَنَّ الدَّيْنَ وَالعِتْقَ فِي الصِّحَّةِ ظَهَرَا مَعًا بِتَصْدِيقِ الْوَارِثِ فِي كَلَامٍ وَاحِدٍ، فَصَارَا كَأَنَّهُمَا كَانَا مَعًا، وَالعِتْقُ فِي الصِّحَّةِ لَا يُوجِبُ السِّعَايَةَ، وَإِنْ كَانَ عَلَى الْمُعْتِقِ دَيْنٌ.
وَلَهُ: أَنَّ الإِقْرَارَ بِالدَّيْنِ أَقْوَى، لِأَنَّهُ يُعْتَبَرُ مِنْ جَمِيعِ المَالِ، وَالْإِقْرَارُ بِالعِتْقِ فِي
قوله: (وهو خصم في إقامتها) هذا جواب عن إشكال، وهو أن الدعوى في العتق شرط لإقامة البينة عنده، فكيف تصح إقامة البينة من غير خصم؟
فقال: هو خصم في إقامة البينة في إثبات حقه؛ لأنه مضطر على إقامتها على حرية العبد ليفرغ الثلث عن الاشتغال [بغير] (١)(٢) فصار كمعير الرهن.
قال فخر الإسلام ويجب أن يستحلف الوارث إن لم يقم البينة الموصى له بالثلث. قوله: (والعتق في الصحة لا يوجب السعاية وإن كان على المعتق دين) حتى لو أعتق عبده في الصحة ومات مديونا لا يسعى العبد للدين بالإجماع.
قوله: (وله أن الإقرار) إلى آخره. ولأبي حنيفة وجهان:
أحدهما: أن الإقرار بالدين أقوى على ما ذكروا.
الثاني: أن العتق لا يمكن إسناده إلى حالة الصحة، والدين يمكن إسناده، فيثبت الدين من كل وجه، ويثبت العتق من حيث الصورة لا من حيث المعنى؛
стр. 7392
المَرَضِ يُعْتَبَرُ مِنْ الثُّلُثِ، وَالأَقْوَى يَدْفَعُ الأَدْنَى، فَقَضِيَّتُهُ أَنْ يَبْطُلَ العِتْقُ أَصْلًا، إِلَّا أَنَّهُ بَعْدَ وُقُوعِهِ لَا يَحْتَمِلُ البُطْلَانَ، فَيُدْفَعُ مِنْ حَيْثُ المَعْنَى بِإِيجَابِ السِّعَايَةِ، وَلِأَنَّ الدَّيْنَ أَسْبَقُ، لِأَنَّهُ لَا مَانِعَ لَهُ مِنْ الاسْتِنَادِ فَيَسْتَنِدُ إِلَى حَالَةِ الصِّحَّةِ، وَلَا يُمْكِنُ إِسْنَادُ العِتْقِ إِلَى تِلْكَ الحَالَةِ، لِأَنَّ الدَّيْنَ يَمْنَعُ العِتْقَ فِي حَالَةِ المَرَضِ مَجَانًا فَتَجِبُ السِّعَايَةُ، وَعَلَى هَذَا الخِلَافُ: إِذَا مَاتَ الرَّجُلُ وَتَرَكَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، فَقَالَ رَجُلٌ: لِي عَلَى المَيِّتِ أَلْفُ دِرْهَمٍ دَيْنٌ، وَقَالَ الْآخَرُ: كَانَ لِي عِنْدَهُ أَلْفُ دِرْهَمٍ وَدِيعَةٌ، فَعِنْدَهُ الوَدِيعَةُ أَقْوَى وَعِنْدَهُمَا سَوَاءٌ.
لأن إعتاق المريض المديون يرد من حيث المعنى بوجوب السعاية، وصار تصديق الوارث بمنزلة تصديق الميت.
ولو قال العبد لمولاه: أعتقتني في صحتك، وقال رجل آخر: لي عليك ألف درهم، فقال المريض: صدقتما، عتق العبد ويسعى في قيمته للغريم، كذلك هاهنا، كذا في الجامع الصغير لقاضي خان وغيره.
قوله: (عنده) أي عند أبي حنيفة (الوديعة أقوى)، ولكن فخر الإسلام، والكساني ذكرا أن عندهما الوديعة أقوى، فكان الخلاف على عكس ذلك، وهكذا ذكر في المنظومة في كتاب الإقرار في باب أبي حنيفة، وفي شرح المنظومة، وفي الكافي.
والأصح ما ذكر في المنظومة وشرحه وشروح الجامع.
وجه قولهما (١) أن الوديعة تثبت في عين الألف، والدين يثبت في الذمة أولا ثم ينتقل إلى العين، فكانت الوديعة أسبق، فكان صاحبها أحق، كما لو كان المورث حيًّا وقال: صدقتما، بعدما قالا.
ولأبي حنيفة أنهما سواء؛ لأن ثبوتهما بقول الوارث: صدقتما، وكلاهما دين؛ لأنه لما مات مجملا صار كل واحد منهما دينا، والإقرار من الوارث بالدين يتناول التركة لا الذمة، فقد وقعا معًا بخلاف المورث.
стр. 7393
فَصْلٌ: [أَوْصَى بِوَصَايَا مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى]
قَالَ: (وَمَنْ أَوْصَى بِوَصَايَا مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى، قُدِّمَتِ الفَرَائِضُ مِنْهَا، قَدَّمَهَا المُوصِي أَوْ أَخَّرَهَا، مِثْلُ الحَجِّ وَالزَّكَاةِ وَالكَفَّارَاتِ) لِأَنَّ الفَرِيضَةَ أَهَمُّ مِنْ النَّافِلَةِ،
(فَصْلٌ)
قدم العتق على هذا الفصل لقوة العتق لأنه لا يلحقه الفسخ.
اعلم أن من مات وعليه حقوق الله من زكاة، أو صدقة فطر، أو كفارة، أو صوم، أو حج، أو صلاة، أو ما أشبه ذلك من غير وصية لا يؤخذ ذلك عندنا، إلا أن يتبرع ورثته بذلك وهم أهل التبرع، وإن امتنعوا لم يجبروا على ذلك، وإن أوصى بذلك يجوز وينفذ من الثلث.
وهذا عندنا ومالك، إلا أن مالكًا يبدأ بالعتق في المرض، ثم بالتدبير، ثم بعدها الزكاة المفروضة، ثم عِتْقُ عبد بعينه أوصى بأن يُشترى فيعتق، ثم الكتابة أي: بالوصية بكتابة عبد، ثم الحج، ثم الإقرار بالدين لمن لا يجوز إقراره به، ثم بعتق رقبة عن ظهار أو قتل، أو يتحاص رقبة الظهار مع رقبة القتل، ثم ما أوصى به من كفارة يمين، ثم بالإطعام عما فرط من قضاء رمضان، ثم النذر.
وقال الشافعي، وأحمد، وأصحاب الظاهر، وأبو ثور، وأبو سليمان، وإسحاق، والحسن، وعطاء، وابن المسيب، والثوري: إلا أن الشافعي [قال] (١): يتحاص ديون الله وديون العباد في قول، وفي قول ديون الله مقدم، وهو قول أصحاب الظاهر.
يؤخذ من تركته؛ لأنه دين في الذمة كسائر الديون، قال ﵊: «لو كان على أبيك دينٌ أَكُنتِ تَقْضِيهِ؟» قالت: نعم، قال: «فَدَينُ اللهِ أَحقُّ».
وقلنا: ما وجب عليه من العبادة لا يلزم الوارث كالصلاة والواجبات كلها عبادة فلا يلزم، وقد مر في الزكاة، وإذا كانت وصيته في التطوعات يبدأ بما بدأ به الموصي بلا خلاف إذا لم يكن فيها عتق مُنفّذ ولا محاباة مُنجزة، وقد بينا الخلاف إذا كان فيها محاباة أو عتق.
стр. 7394
وَالظَّاهِرُ مِنْهُ البُدَاءَةُ بِمَا هُوَ الأَهَمُّ (فَإِنْ تَسَاوَتْ فِي القُوَّةِ، بُدِئَ بِمَا قَدَّمَهُ المُوصِي إِذَا ضَاقَ عَنْهَا الثُّلُثُ) لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ يَبْتَدِئُ بِالأَهَمُّ. وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ: أَنَّهُ يَبْتَدِئُ بِالزَّكَاةِ وَيُقَدِّمُهَا عَلَى الحَجِّ، وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ أَنَّهُ يُقَدِّمُ الحَجَّ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ.
وَجْهُ الأُولَى: أَنَّهُمَا وَإِنْ اسْتَوَيَا فِي الفَرِيضَةِ فَالزَّكَاةُ تَعَلَّقَ بِهَا حَقُّ العِبَادِ فَكَانَ أَوْلَى. وَجْهُ الأُخْرَى: أَنَّ الحَجَّ يُقَامُ بِالمَالِ وَالنَّفْسِ، وَالزَّكَاةُ بِالمَالِ قَصْرًا عَلَيْهِ، فَكَانَ الحَجُّ أَقْوَى، ثُمَّ تُقَدَّمُ الزَّكَاةُ وَالحَجُّ عَلَى الكَفَّارَاتِ لِمَزِيَّتِهِمَا عَلَيْهَا فِي القُوَّةِ، إِذْ قَدْ جَاءَ فِيهِمَا مِنْ الوَعِيدِ مَا لَمْ يَأْتِ فِي الكَفَّارَاتِ، وَالكَفَّارَةُ فِي القَتْلِ وَالظُّهَارِ وَاليَمِينِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى صَدَقَةِ الفِطْرِ، لِأَنَّهُ عُرِفَ وُجُوبُهَا دُونَ صَدَقَةِ الفِطْرِ، وَصَدَقَةُ الفِطْرِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الأَضْحِيَّةِ لِلاِتِّفَاقِ عَلَى وُجُوبِهَا بِالقُرْآنِ وَالِاخْتِلَافِ فِي الأُضْحِيَّةِ،
قوله: (وإن تساوت في القوة) بأن كان كلها فرائض أو نوافل كالجسور والرباطات والمساجد.
قوله: (فالزكاة تعلق بها حق العباد)؛ إذ حق الفقير في القبض ثابت، فكان ممتزجا بحقين، والحج تمحص حقا لله تعالى، فكانت الزكاة أقوى.
قوله: (فكان الحج أقوى) لما فيه من تأدية الوظيفتين البدنية والمالية في الزكاة تأدية وظيفة واحدة ولأن الحج فرضُ العُمرِ فكان العمر أقوى لشموله من فرض السنة.
قوله: (جاء فيهما من الوعيد) قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ [التوبة: ٣٤]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧]. وقال ﵊: «من مات وعليهِ حَجَّةُ الإسلام إن شاءَ مَاتَ يهوديًا، وإن شاءَ نَصرانيا، وإن شاءَ مَجوسيا».
قوله: (والكفارة في القتل) إلى قوله: (مقدمة على صدقة الفطر) قيد بالكفارات الثلاث؛ لما أن صدقة الفطر مقدمة على كفارة الإفطار؛ لأن كفارة الفطر تثبت بخبر الواحد، وصدقة الفطر وجبت بأخبار مستفيضة، والإجماع.
قوله: (والاختلاف في الأضحية) أي: في وجوب الأضحية، فإنها غير واجبة عند الشافعي.
стр. 7395
وَعَلَى هَذَا القِيَاسِ يُقَدَّمُ بَعْضُ الوَاجِبَاتِ عَلَى البَعْضِ.
قَالَ: (وَمَا لَيْسَ بِوَاجِبِ قُدِّمَ مِنْهُ مَا قَدَّمَهُ المُوصِي) لِمَا بَيَّنَّا، وَصَارَ كَمَا إِذَا صَرَّحَ بِذَلِكَ. قَالُوا: إِنَّ الثُّلُثَ يُقْسَمُ عَلَى جَمِيعِ الوَصَايَا، مَا كَانَ لِلَّهِ تَعَالَى، وَمَا كَانَ لِلْعَبْدِ، فَمَا أَصَابَ القُرَبَ صُرِفَ إِلَيْهَا عَلَى التَّرْتِيبِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ، وَيُقْسَمُ عَلَى عَدَدِ القُرَبِ، وَلَا يُجْعَلُ الجَمِيعُ كَوَصِيَّةٍ وَاحِدَةٍ، لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ المَقْصُودُ بِجَمِيعِهَا رِضًا لِلَّهِ تَعَالَى، فَكُلُّ وَاحِدَةٍ فِي نَفْسِهَا مَقْصُودٌ، فَتَنْفَرِدُ كَمَا تَنْفَرِدُ وَصَايَا الْآدَمِيِّينَ.
والأضحية مقدمة على النوافل عندنا؛ لأنها واجبة عندنا.
(يقدم بعض الواجبات) إلى آخره، فتقدم صدقة الفطر على النذر؛ لأنها واجبة بإيجاب الشرع، والنذر واجب بإيجاب العبد، والنذور والكفارات كلها مقدمة على الأضحية؛ لما ذكرنا من الخلاف في وجوب الأضحية، ولا خلاف في وجوب النذور والكفارات.
ثم الترتيب بين الكفارات الثلاث أن كفارة القتل تقدم على غيرها؛ لأنها أقوى وأكثر تغليظًا من غيرها، ألا ترى أن الإسلام شرط فيها دون سائرها، ثم كفارة اليمين تقدم على كفارة الظهار؛ لأنها وجبت لهتك حرمة اسم الله تعالى، وكفارة وجبت بإيجاب حرمة على نفسه، فكانت كفارة اليمين أقوى.
قوله: (لما بينا) وهو قوله: (لأن الظاهر بأن يبتدئ بالأهم).
قوله: (إن الثلث) إلى آخره يعني إن كانت مع شيء من هذه الوصايا الثابتة حقا الله تعالى وصية لآدمي، بأن قال: ثلث مالي في الحج والزكاة والكفارات ولزيد (تقسم على أربعة أسهم بعدد القرب) إلى آخره.
وقال الشافعي، وأحمد: إذا ضاق الثلث عن الكل يبدأ بما بدأ به الموصي، ثم بالأول فالأول، سواء كان الأول عتقا أو غيره.
وعند مالك بدأ بالعتق، ثم على ما بدأ به الموصي، وقد مر.
قوله: (وإن كان المقصود بجميعها رضا الله تعالى)، في المبسوط، والإيضاح والذخيرة والمقصود وإن كان متحدًا وهو القربة، ولكن تغيير الجهة المسماة؛ لأن الجهة هي المنصوص عليه وهو كما لو أوصى للفقراء والمساكين وابن السبيل يصرف لكل جهة سهم، وإن كان المقصود من الجميع القربة.
стр. 7396
قَالَ: (وَمَنْ أَوْصَى بِحَجَّةِ الإِسْلَامِ، أَحَجُّوا عَنْهُ رَجُلًا مِنْ بَلَدِهِ يَحُجُّ رَاكِبًا) لِأَنَّ الوَاجِبَ لِلَّهِ تَعَالَى الحَجُّ مِنْ بَلَدِهِ، وَلِهَذَا يُعْتَبَرُ فِيهِ مِنْ المَالِ مَا يَكْفِيهِ مِنْ بَلَدِهِ، وَالوَصِيَّةُ لِأَدَاءِ مَا هُوَ الوَاجِبُ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا قَالَ رَاكِبًا: لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَحُجَّ مَاشِيًا، فَانْصَرَفَ إِلَيْهِ عَلَى الوَجْهِ الَّذِي وَجَبَ عَلَيْهِ. قَالَ: (فَإِنْ لَمْ تَبْلُغِ الوَصِيَّةُ النَّفَقَةَ، أَحَجُّوا عَنْهُ مِنْ حَيْثُ تَبْلُغُ) وَفِي القِيَاسِ: لَا يَحُجُّ عَنْهُ، لِأَنَّهُ أَمَرَ بِالحَجَّةِ عَلَى صِفَةٍ عَدِمْنَاهَا فِيهِ، غَيْرَ أَنَّا جَوَّزْنَاهُ لِأَنَّا نَعْلَمُ أَنَّ المُوصِيَ قَصَدَ تَنْفِيذَ الوَصِيَّةِ، فَيَجِبُ تَنْفِيذُهَا مَا أَمْكَنَ، وَالمُمْكِنُ فِيهِ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَهُوَ أَوْلَى مِنْ إِبْطَالِهَا رَأْسًا، وَقَدْ فَرَّقْنَا بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الوَصِيَّةِ بِالعِتْقِ مِنْ قَبْلُ.
قَالَ: (وَمَنْ خَرَجَ مِنْ بَلَدِهِ حَاجًا، فَمَاتَ فِي الطَّرِيقِ، وَأَوْصَى أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ، يَحُجُّ عَنْهُ، مِنْ بَلَدِهِ) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: يَحُجُّ عَنْهُ مِنْ حَيْثُ بَلَغَ اسْتِحْسَانًا، وَعَلَى هَذَا الخِلَافِ: إِذَا مَاتَ الحَاجُّ عَنْ غَيْرِهِ فِي الطَّرِيقِ. لَهُمَا: أَنَّ السَّفَرَ بِنِيَّةِ الحَجِّ وَقَعَ قُرْبَةٌ وَسَقَطَ فَرْضُ قَطْعِ المَسَافَةِ بِقَدْرِهِ، وَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، فَيَبْتَدِئُ مِنْ ذَلِكَ المَكَانِ كَأَنَّهُ مِنْ أَهْلِهِ، بِخِلَافِ سَفَرِ التِّجَارَةِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَقَعْ قُرْبَةٌ فَيَحُجُّ عَنْهُ مِنْ بَلَدِهِ … ... … .
قوله: (أحجوا عنه رجلًا من بلده) وبه قال أحمد، ومالك، والشافعي في قول آخر من الميقات.
قوله: (على الوجه الذي وجب عليه وهو راكبًا)؛ لأنه ثابت عنه، فيجب عليه على الوجه الثاني يجب على المنوب، وفي الواقعات المأمور بالحج لو حج ماشيًا فالحج عن نفسه، وهو ضامن للنفقة؛ لأن الحج المعروف أن يحج راكبا، فانصرفت الوصية إليه.
قوله: (من حيث تبلغ) وبه قال أحمد.
قوله: (من قبل) أي: في باب الوصية (بالعتق) وهذا الفرق وقع على قول أبي حنيفة ﵀ بقوله: (وله أنه وصية بعتق عبد يشترى بمائة) إلى آخره.
قوله: (ومن خرج من بلده حاجا) قيد بقوله: (حاجا)؛ لأنه لو خرج تاجرا ومات فإنه يحج من بلده بالاتفاق، وإليه أشار بقوله: (بخلاف سفر التجارة) إلى
стр. 7397
وَلَهُ: أَنَّ الوَصِيَّةَ تَنْصَرِفُ إِلَى الحَجِّ مِنْ بَلَدِهِ عَلَى مَا قَرَرْنَاهُ أَدَاءً لِلْوَاجِبِ عَلَى الوَجْهِ الَّذِي وَجَبَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
آخره. وبقولهما قال أحمد، والشافعي في قول، ثم هذا الخلاف فيما إذا كان له وطن، فإن لم يكن فمن حيث مات بالاتفاق؛ لأنه لو تجهز بنفسه للحج إنما يتجهز من حيث هو، فكذا إذا أوصى؛ إذ من لا وطن له فوطنه حيث حل، ولو حجوا عنه من موضع آخر فإن كان ذلك الموضع أقرب إلى مكة فهم ضامنون، وإن كان أبعد لا؛ لأن في الأول لا يحصل مقصوده على وجه الكمال، والإطلاق يقتضي ذلك، وفي الثاني حصل مقصوده وزيادة.
قوله: (وله أن الوصية إلى آخره). في المبسوط، والأسرار: لأبي حنيفة وجهان:
أحدهما: أنه ﵊ قال: «كلُّ عَمل ابنِ آدَمَ ينقطع بموتِهِ إِلَّا ثلاثة»، والخروج للحج ليس من الثلاثة فينقطع بالموت.
والثاني: أن خروجه إنما يكون قربة بطريق أنه يتوصل إلى أداء الحج، وقد تبين أن هذا الخروج ما كان موصله إليه، بل ظهر أن هذا سفر موته لا سفر الحج، كما روي أنه ﵊ قال: «إذا أراد الله تعالى قبض روح عبد بأرض جعل له إليها حاجةً»، فكان هذا في المعنى، وخروجه للتجارة سواء، ثم هناك يحج عنه من وطنه فكذا هاهنا.
وهذا بخلاف ما لو أطعم بعض المساكين في الكفارة ومات، فأوصى حيث لا يجب الاستئناف، بل يجب الإكمال بما بقي بالاتفاق؛ لأن سفر الحج لا يقبل التجزؤ في حق الأمر بدليل أن المأمور الأول لو بدا له أن لا يحج بنفسه بعدما مشى بعض الطريق وفوض الأمر إلى غيره برضا الوصي لا يجوز، ولزمه رد ما أنفقه.
وأما الإطعام فإنه يقبل التجزؤ، حتى إن المأمور بالإطعام إذا أطعم البعض وترك، ثم أمر غيره يجزيه، كذا في الأسرار.
وقوله: (على ما قررنا). إشارة إلى قوله: (ومن أوصى بحجة الإسلام أحجوا عنه رجلا من بلده راكبًا) (١) إلى آخره.
стр. 7398
بَابُ الوَصِيَّةِ لِلْأَقَارِبِ وَغَيْرِهِمْ
قَالَ: (وَمَنْ أَوْصَى لِجِيرَانِهِ، فَهُمْ المُلَاصِقُونَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: هُمْ المُلَاصِقُونَ وَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ يَسْكُنُ مَحَلَّةَ المُوصِي، وَيَجْمَعُهُمْ مَسْجِدُ المَحَلَّةِ) وَهَذَا اسْتِحْسَانُ. وَقَوْلُهُ قِيَاسٌ، لِأَنَّ الجَارَ مِنْ المُجَاوَرَةِ، وَهِيَ المُلَاصَقَةُ حَقِيقَةٌ، وَلِهَذَا يَسْتَحِقُّ الشَّفْعَةَ بِهَذَا الجِوَارِ، وَلِأَنَّهُ لَمَّا صَرَفَهُ إِلَى الجَمِيعِ يُصْرَفُ إِلَى أَخَصٌ الخُصُوصِ، وَهُوَ المُلَاصِقُ وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ: أَنَّ هَؤُلَاءِ كُلَّهُمْ يُسَمَّوْنَ جِيرَانًا عُرْفًا، وَقَدْ تَأَيَّدَ بِقَوْلِهِ ﷺ : «لَا صَلَاةَ لِجَارِ المَسْجِدِ إِلَّا فِي المَسْجِدِ» وَفَسَّرَهُ بِكُلِّ
بَابُ الْوَصِيَّةِ لِلْأَقَارِبِ وَغَيْرِهِمْ
أخر هذا الباب لما فيه من ذكر أحكام وصية خاصة بباب خاص معين، وكان كالجزئي من الكلي، والفرع من الأصل، وكان مؤخرا.
قوله: (يجمعهم مسجد المحلة) حتى لو كان في المحلة مسجدين صغيرين متقاربين ويجمع الجيران.
وقال الشافعي، وأحمد، والأوزاعي: هم أهل أربعين دارًا من كل جانب، وفي الأمصار التي فيها القبائل فالجوار على الأفخاذ؛ لما روى أبو هريرة أنه عليه الصلاة السلام قال: «الجارُ أربعون دارًا هَكَذا وهَكَذا وهَكَذا وهكذا».
وفي المغني لابن قدامة: وهذا نص إن صح وإلا فالجار هو المقارب ويرجع في ذلك إلى العرف.
قوله: (وقوله قياس) أي: قول أبي حنيفة، وهو قول زفر؛ لأن الجار أحق بسقبه، والمراد هو الملازق.
(ولأنه لما تعذر صرفه) (١) أي صرف لفظ الجار (إلى الجميع)، ألا ترى أنه لا يدخل فيها جار المحلة، وجار الأرض، وجار القرية، صرف إلى أخص الخصوص، وهو الملاصق.
стр. 7399
مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ، وَلِأَنَّ المَقْصِدَ بِرُّ الجِيرَانِ وَاسْتِحْبَابُهُ يَنْتَظِمُ المُلَاصِقَ وَغَيْرَهُ، إِلَّا أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الاخْتِلَاطِ، وَذَلِكَ عِنْدَ اتِّحَادِ المَسْجِدِ، وَمَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ ﵀: الجِوَارُ إِلَى أَرْبَعِينَ دَارًا بَعِيدٌ، وَمَا يُرْوَى فِيهِ ضَعِيفٌ. قَالُوا: وَيَسْتَوِي فِيهِ السَّاكِنُ وَالمَالِكُ، وَالذَّكَرُ وَالأُنْثَى، وَالمُسْلِمُ والذُّمِّيُّ، لِأَنَّ اسْمَ الجَارِ يَتَنَاوَلُهُمْ، وَيَدْخُلُ فِيهِ العَبْدُ السَّاكِنُ عِنْدَهُ، لِإِطْلَاقِهِ، وَلَا يَدْخُلُ عِنْدَهُمَا، لِأَنَّ الوَصِيَّةَ لَهُ وَصِيَّةٌ لِمَوْلَاهُ، وَهُوَ غَيْرُ سَاكِنِ.
قوله: (ينتظم الملاصق وغيره) وهو المقابل فإن بر المقابل مقصود كالملاصق غير أنه لا بد من اختلاط وذلك أي الاختلاط عند اتحاد المسجد وإذا اختلف المسجد زال الاختلاط.
قوله: (وما يروى فيه ضعيف)، وإليه أشار ابن قدامة كما ذكرنا، وقال في شرح الأقطع: هذا خبر لا يعرف، وقد طعن في رواته مع ذلك.
قوله: (ويستوي فيه الساكن والمالك) إلى آخره، قال محمد في الزيادات: وينبغي على قياس قول أبي حنيفة أن يدخل السلطان من الجيران المتلازقين، وإن كانوا لا يملكون المسكن، ومن كان مالكا ولم يكن ساكنا لا يدخل.
قال أبو بكر بن شاهويه: فهذه كرخدانية مِنْ مُحَمَّدٍ فِي مَذْهَبِ أبي حنيفة، وليس كذلك، فإنه بنى هذا الحكم على استحقاق الشفعة، وهو للملاك دون السكان.
قوله: (ويدخل فيه العبد الساكن عنده) إلى آخره.
وذكر في الزيادات، والمحيط ولا يدخل فيه العبيد والإماء والمدبّرون وأمهات الأولاد؛ لأنهم لا جوار لهم؛ لأنهم أتباع في السكنى، والمكاتب يدخل [من غير] (١) ذكر خلاف.
وفي الذخيرة، والإيضاح: والأرملة تدخل؛ لأن سكناها مضاف إليها، والتي هي ذات بعل لا تدخل؛ لأن سكناها غير مضاف إليها، فلم تكن جارًا حقيقة.
стр. 7400
قَالَ: (وَمَنْ أَوْصَى لِأَصْهَارِهِ، فَالوَصِيَّةُ لِكُلِّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْ امْرَأَتِهِ) لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ لَمَّا تَزَوَّجَ صَفِيَّةَ أَعْتَقَ كُلَّ مَنْ مَلَكَ مِنْ ذِي رَحِمِ مَحْرَمٍ مِنْهَا إِكْرَامًا لَهَا وَكَانُوا يُسَمَّوْنَ أَصْهَارَ النَّبِيِّ ﵊. وَهَذَا التَّفْسِيرُ اخْتِيَارُ مُحَمَّدٍ وَأَبِي عُبَيْدَةَ، وَكَذَا يَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْ زَوْجَةِ أَبِيهِ، وَزَوْجَةِ ابْنِهِ، وَزَوْجَةِ كُلِّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ، لِأَنَّ الكُلَّ أَصْهَارٌ. وَلَوْ مَاتَ المُوصِي وَالمَرْأَةُ فِي نِكَاحِهِ، أَوْ فِي عِدَّتِهِ مِنْ طَلَاقٍ رَجْعِي، فَالصِّهْرُ يَسْتَحِقُّ الوَصِيَّةَ، وَإِنْ كَانَتْ فِي عِدَّةٍ مِنْ طَلَاقٍ بَائِن لَا يَسْتَحِقُهَا، لِأَنَّ بَقَاءَ الصِّهْرِيَّةِ بِبَقَاءِ النِّكَاحِ، وَهُوَ شَرْطٌ عِنْدَ المَوْتِ.
قَالَ: (وَمَنْ أَوْصَى لِأَخْتَانِهِ، فَالوَصِيَّةُ لِزَوْجِ كُلِّ ذَاتِ رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ، وَكَذَا مَحَارِمُ الأَزْوَاجِ) لِأَنَّ الكُلَّ يُسَمَّى خَتَنَا. قِيلَ: هَذَا فِي عُرْفِهِمْ. وَفِي عُرْفِنَا: لَا يَتَنَاوَلُ
قوله: (لأصهاره) أي: لأقرباء امرأته
وفي الصحاح: الأصهار: أهل بيت المرأة.
قوله: (من زوجة أبيه) أي: أب الموصي، وزوجة ابن الموصي، وزوجة ذي رحم محرم الموصي؛ لأن الكل أصهار لما قلنا من حديث صفية، ولا تدخل فيه زوجته، ولا زوجة أبيه أو ابنه، ولا امرأة أخيه؛ لأن الأصهار من أهل الزوجة.
قوله: (ولو مات الموصي والمرأة في نكاحه) إلى آخره يعني إنما (١) يدخل في الوصية من كان صهرا للموصي يوم موته، فإن كانت المرأة منكوحته أو معتدته يوم الموت بطلاق رجعي؛ لأن المعتبر في الوصية حالة الموت؛ وإن كانت في عدة من طلاق بائن لا تدخل، وإن كانت ترث بأن كان الطلاق في حالة المرض، كذا في المغني.
قوله: (وكذا محارم الأزواج) أي: محارم أزواج كل رحم محرم من الموصي.
стр. 7401
الأَزْوَاجُ المَحَارِمَ، وَيَسْتَوِي فِيهِ الحُرُّ وَالعَبْدُ، وَالأَقْرَبُ وَالْأَبْعَدُ، لِأَنَّ اللَّفْظَ يَتَنَاوَلُ الكُلَّ.
قَالَ: (وَمَنْ أَوْصَى لِأَقَارِبِهِ، فَهِيَ لِلْأَقْرَبِ فَالأَقْرَبِ مِنْ كُلِّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ، وَلَا يَدْخُلُ فِيهِ الوَالِدَانِ وَالوَلَدُ، وَيَكُونُ ذَلِكَ لِلاثْنَيْنِ فَصَاعِدًا، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَ صَاحِبَاهُ: الوَصِيَّةُ لِكُلِّ مَنْ يُنْسَبُ إِلَى أَقْصَى أَبِ لَهُ فِي الإِسْلَامِ) (*) وَهُوَ أَوَّلُ أَبِ أَسْلَمَ، أَوْ أَوَّلُ أَبِ أَدْرَكَ الإِسْلَامَ وَإِنْ لَمْ يُسْلِمْ عَلَى حَسَبِ مَا اخْتَلَفَ
وفي شرح الكافي: الأَخْتانُ: أزواج البنات والأخوات والعمات والخالات، وكذا زوج كل ذي رحم محرم من أزواج هؤلاء، كذا ذكره محمد؛ لأن الكل يسمى ختنا، هذا في عرفهم، وفي عرفنا لا يتناول أزواج المحارم.
قوله: (ومن أوصى لأقاربه)، وفي الكافي: أو لذي قرابته، أو لذي أرحامه، أو لذي أنسابه، فهي عند أبي حنيفة الأقرب فالأقرب من كل ذي رحم محرم، منه الجد والجدة وولد الولد في ظاهر الرواية.
وعن أبي حنيفة، وأبي يوسف: أن الجد وولد الولد لا يدخل فيه الوالدان والولد والوارث، ويكون للاثنين فصاعدًا، ويستوي فيه الصغير والكبير، والذكر والأنثى، والمسلم والكافر، وهكذا في المبسوط.
وفيه: عندهما ذو الرحم المحرم وغيره سواء، فكل من ينسب إلى أقصى أب له في الإسلام، أو أب أدرك الإسلام، سواء أسلم أو لا.
واختلف المشايخ في اشتراط إسلام أقصى الأب، قيل: يشترط، وقيل: لا يشترط، وتفاوت ما بين القولين أن الموصي إذا كان علويًا فعلى القول الأول أقصى الأب في الإسلام عليّ، فلا يدخل في الوصية عقيل وجعفر، وعلى الطريق الثاني أقصى الأب هو أبو طالب؛ لأنه أدرك الإسلام وإن لم يسلم، فيدخل فيه أولاد عقيل وجعفر.
وإليه أشار محمد في الأصل، قال: كل أب يجمعهم منذ كان الإسلام،
стр. 7402
فِيهِ المَشَايِخُ. وَفَائِدَةُ الاخْتِلَافِ تَظْهَرُ فِي أَوْلَادِ أَبِي طَالِبٍ، فَإِنَّهُ أَدْرَكَ الإِسْلَامَ وَلَمْ يُسْلِمْ. لَهُمَا: أَنَّ القَرِيبَ مُشْتَقٌ مِنْ القَرَابَةِ، فَيَكُونُ اسْمًا لِمَنْ قَامَتْ بِهِ، فَيَنْتَظِمُ بِحَقِيقَته مَوَاضِعِ الخِلَافِ. وَلَهُ: أَنَّ الوَصِيَّةَ أُخْتُ المِيرَاثِ، وَفِي المِيرَاثِ يُعْتَبَرُ الأَقْرَبُ فَالأَقْرَبُ، وَالمُرَادُ بِالجَمْعِ المَذْكُورِ فِيهِ اثْنَانِ فَكَذَا فِي الوَصِيَّةِ، … ... … ...
وهذا معنى قوله: (وفائدة الاختلاف تظهر) إلى آخره.
وقال الشافعي، وأحمد في رواية: قرابته من قبيل أبيه وأمه الذين ينسبون إلى الأب الأدنى الذي ينسب إليه، ويستوي فيه القريب والبعيد؛ لأنهم قرابته عرفًا.
وقال مالك: قريبه كل من جاز أن يرث دون من لا يرث من ذوي الأرحام، ويقسم على الأقرب فالأقرب بالاجتهاد.
وقال أحمد في رواية: قريبه أولاده، وأولاد أبيه، وأولاد جده، وأولاد جداته، لا من هو أبعد منهم، ويستوي فيه الذكر والأنثى، والقريب والبعيد حتى لو أوصى لقرابة النبي أعطى أولاده، وأولاد عبد المطلب، وأولاد هاشم، ولم يعط بني عبد شمس ولا بني نوفل شيئًا، ولهذا دخلوا في قوله تعالى: ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الأنفال: ٤١] أولاد هؤلاء دون بني عبد شمس وبني نوفل.
يحمل مطلق كلام الموصي على ما حمل عليه المطلق من كلامه تعالى، وفسر بما فسر به.
وفي مبسوط البزدوي: قول أبي يوسف، ومحمد: إنه كل من ينسب إلى أقصى الأب في الإسلام إنما يستقيم في زمانهما؛ لأن الإسلام في زمانهما قريب، فتكون القرابة بينه وبين أولاد أول أب في الإسلام معلوم، فتكون الوصية لقوم محصورين فيجوز.
فأما اليوم فقد طال العهد في الإسلام، فتكون الوصية لأقوام غير معلومين، فلا يصح، بل يجب أن يصرف ذلك إلى أولاد أبيه، وأولاد جده، وأولاد جداته، وإلى أولاد أمه، وأولاد جدته وجدة أمه؛ لأن هذا القدر معلوم.
قوله: (والمراد بالجمع المذكور فيه) أي: عقد الوصية (اثنان) خلافًا
стр. 7403
وَالمَقْصِدُ مِنْ هَذِهِ الوَصِيَّةُ تَلاقِي مَا فَرَّطَ فِي إِقَامَةِ وَاجِبِ الصِّلَةِ، وَهُوَ يَخْتَصُّ بِذِي الرَّحِمِ المَحْرَمِ مِنْهُ، وَلَا يَدْخُلُ فِيهِ قَرَابَةُ الوِلَادِ، فَإِنَّهُمْ لَا يُسَمَّوْنَ أَقْرِبَاءَ، وَمَنْ سَمَّى وَالِدَهُ قَرِيبًا كَانَ مِنْهُ عُقُوقًا، وَهَذَا لِأَنَّ القَرِيبَ فِي عُرْفِ اللِّسَانِ مَنْ يَتَقَرَّبُ إِلَى غَيْرِهِ بِوَسِيلَةِ غَيْرِهِ، وَتَقَرُّبُ الوَالِدِ وَالوَلَدِ بِنَفْسِهِ لَا بِغَيْرِهِ، وَلَا مُعْتَبَرَ بِظَاهِرِ اللَّفْظِ بَعْدَ
للشافعي وأحمد، فإن الجميع يدخل في الوصية إذا كانوا معلومين، ولا يصرف إلى الثلاثة عملا بلفظ الجمع.
قوله: (والمقصد من هذه الوصية) أي: المقصود منها (تلاقي ما فرط) إلى آخره يعني يستحق الوصية من يختص بواجب الصلة؛ لأن صلة ذي الرحم المحرم واجب دون غيره بالإجماع.
ولهذا لا يجوز الرجوع في هبته، ويستحق النفقة دون غيره، فيستحق ذو الرحم المحرم بحقيقة أن قرابة غير ذي الرحم المحرم ليس بثابت من وجه، فإن في حرمة المناكحة استحقاق النفقة، والرجوع في الهبة كالأجانب، وتعتبر قرابته في حكم الميراث، فكانت قرابته ثابتة من وجه دون وجه، فلا يدخل في مطلق الاسم، كما أن الصلاة عند الإطلاق لا يتناول صلاة الجنازة.
واعتبار الأقرب فالأقرب؛ لأن الصلة في حق الأقرب أوجب، ويشترط كون الأقرب غير وارث له؛ لأن مقصود الموصي تصحيح وصيته، ولا وصية للوارث شرعًا، واعتبار المثنى فصاعدًا بخلاف ما لو قال: لذي قرابتي، فصيغة اللفظ هنا تتناول الواحد فصاعدا، كذا في المبسوط.
قوله: (ولا يدخل فيه قرابة الولاد) وقال الشافعي، وأحمد في رواية:
يدخل الوالد والولد، وهو القياس؛ لأن كل من يتصل بغير واسطة إليه كان أقرب ممن يتصل بواسطة.
وقلنا: لا يسمى الوالد قريبا عرفًا.
وفي الخبر من سمى والده قريبًا فقد عَقَّهُ، وقد عطف الله تعالى الأقربين على الوالدين في قوله تعالى: ﴿الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠]، ويعطف الشيء على غيره حقيقة، فعرف أن القريب في لسان الناس من يتقرب إلى غيره بواسطة، كذا في المبسوط.
قوله: (ولا معتبر بظاهر اللفظ) إلى آخره جواب عن قولهما: إن القريب
стр. 7404
انْعِقَادِ الإِجْمَاعِ عَلَى تَرْكِهِ، فَعِنْدَهُ يُقَيَّدُ بِمَا ذَكَرْنَاهُ، وَعِنْدَهُمَا: بِأَقْصَى الْأَبِ فِي الإِسْلَامِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ بِالْأَبِ الْأَدْنَى.
قَالَ: (وَإِذَا أَوْصَى لِأَقَارِبِهِ، وَلَهُ عَمَّانِ وَخَالَانِ: فَالوَصِيَّةُ لِعَمَّيْهِ) عِنْدَهُ، اعْتِبَارُ لِلْأَقْرَبِ كَمَا فِي الْإِرْثِ، وَعِنْدَهُمَا: بَيْنَهُمْ أَرْبَاعًا، إِذْ هُمَا لَا يَعْتَبِرَانِ الْأَقْرَبَ (وَلَوْ تَرَكَ عَمَّا وَخَالَيْنِ، فَلِلْعَمِّ نِصْفُ الوَصِيَّةِ، وَالنِّصْفُ لِلْخَالَيْنِ) لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِ
مشتق من القرابة؛ فيكون اسما لمن قامت به.
وفي شرح الأقطع: قولهما: إن القرابة سبب الاستحقاق في الاسم المشتق كما لو أوصى لبني فلان غير مستقيم؛ لأن تَعلُّق الاستحقاق باسم القريب مخالف الإجماع.
(فعنده) أي عند أبي حنيفة (يقيد بما ذكرناه) وهو الأقرب (وعندهما بأقصى أب في الإسلام).
وعند الشافعي بالأب الأدنى، وما خالف الإجماع لا يصح.
قوله: (وعندهما بينهما أرباعًا)، وبه قال الشافعي، وأحمد.
وعند أبي حنيفة: إذا كان للموصي ولد يحرز الميراث فالثلث لعميه؛ لأنهما أقرب إليه من الخالين ولهذا ينفذ ما في الميراث على الحالين، فبالعمومة يستحق العصوبة، وأقوى ما يستحق بالقرابة العصوبة.
قوله: (فللعم نصف الوصية)؛ لأنه إذا كان العم اثنين، وكل الوصية لهما، فعلم أن الواحد يستحق النصف.
فإن قيل: يلزم من هذا أن نصيبه مع المزاحم كنصيبه مع غير المزاحم، وليس كذلك، فإن نصيبه قد يكون الثلث أو الربع إذا كان ثلاثة أعمام أو أربعة أعمام.
قلنا الاعتبار لأدنى الجمع وغيره ساقط؛ لتعذر اعتباره، وأدنى الجمع في الوصية اثنان النصف للعم، والنصف للخالين؛ لأن العم إذا استحق النصف ولم يبق له حق في الزيادة صار وجوده فيها كعدمه، وعلى قولهما الثلث بينهم أثلاثا؛ لاستواء الكل، كذا في المبسوط.
стр. 7405
مَعْنَى الجَمِيعِ، وَهُوَ الاِثْنَانِ فِي الوَصِيَّةِ كَمَا فِي المِيرَاتِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا أَوْصَى لِذِي قَرَابَتِهِ، حَيْثُ يَكُونُ لِلْعَمِّ كُلُّ الوَصِيَّةِ، لِأَنَّ اللَّفْظَ لِلْفَرْدِ، فَيُحْرِزُ الوَاحِدُ كُلَّهَا، إِذْ هُوَ الْأَقْرَبُ، وَلَوْ كَانَ لَهُ عَمَّ وَاحِدٌ: فَلَهُ الثُّلُثُ لِمَا بَيَّنَّاهُ، وَلَوْ تَرَكَ عَمَّا وَعَمَّةٌ، وَخَالًا وَخَالَةٌ: فَالوَصِيَّةُ لِلْعَمِّ وَالعَمَّةِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ، لِاسْتِوَاءِ قَرَابَتِهِمَا وَهِيَ أَقْوَى، وَالعَمَّةُ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ وَارِثَةٌ فَهِيَ مُسْتَحِقَّةٌ لِلْوَصِيَّةِ، كَمَا لَوْ كَانَ القَرِيبُ رَقِيقًا أَوْ كَافِرًا، وَكَذَا إِذَا أَوْصَى لِذَوِي قَرَابَتِهِ، أَوْ لِأَقْرِبَائِهِ، أَوْ لِأَنْسِبَائِهِ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا، لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ لَفْظُ جَمْعِ، وَلَوِ انْعَدَمَ المَحْرَمُ، بَطَلَت الوَصِيَّةُ لِأَنَّهَا مُقَيَّدَةٌ بِهَذَا الوَصْفِ.
قَالَ: (وَمَنْ أَوْصَى لِأَهْلِ فُلَانٍ فَهِيَ عَلَى زَوْجَتِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ)، وَقَالا: يَتَنَاوَلُ كُلَّ مَنْ يَعُولُهُمْ وَتَضُمُّهُمْ نَفَقَتُهُ (*)، اعْتِبَارًا لِلْعُرْفِ، وَهُوَ مُؤَيَّدٌ بِالنَّصْ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [يوسف: ٩٣] وَلَهُ: أَنَّ اسْمَ الأَهْلِ حَقِيقَةٌ
وقوله: (لما قلنا) إشارة إلى قوله: لا بد من اعتبار معنى الجمع.
قوله: (وهو (١) أقوى) أي: قرابة العمومة أقوى من قرابة الخؤولة وقد بيناه.
قوله: (أو كافرًا) خلافًا لأحمد، فإن الكافر لا يدخل عنده في رواية؛ لأنه لم يدخل في المستحق من قربى النبي ﷺ .
وقلنا: الوصية للكافر صحيحة فيدخل، وإنما لم يدخل في قرابة النبي ﷺ ؛ لأنهم يستحقون باعتبار النصرة، ولا يوجد ذلك في الكافر.
قوله: (لأنسبائه) جمع النسيب، كالأنصباء جمع النصيب، وفي بعض النسخ: (لأنسابه في جميع ما ذكرنا) من الوفاق والخلاف.
قوله: (بطلت الوصية)؛ لأن الوصية عنده لذي رحم محرم، فإذا لم يكن كانت للمعدوم فيبطل، وتضمهم نفقته اعتبارًا للعرف، لكن لا تدخل مماليكه، وإن [كان] (٢) يضمهم نفقته، ذكره في المغني؛ إذ الأهل لا يطلق على المماليك عرفا.
стр. 7406
في الزَّوْجَةِ، يَشْهَدُ بِذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَسَارَ بِأَهْلِهِ﴾ [القصص: ٢٩] وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: تَأَمَّلَ بِبَلْدَةِ كَذَا، وَالمُطْلَقُ يَنْصَرِفُ إِلَى الحَقِيقَةِ. قَالَ: (وَلَوْ أَوْصَى لِآلِ فُلَانٍ، فَهُوَ لِأَهْلِ بَيْتِهِ) لِأَنَّ الآلَ القَبِيلَةُ الَّتِي يُنْسَبُ إِلَيْهَا، وَلَوْ أَوْصَى لِأَهْلِ بَيْتِ فُلَانٍ: يَدْخُلُ فِيهِ أَبُوهُ وَجَدُّهُ، لِأَنَّ الأَبَ أَصْلُ البَيْتِ، وَلَوْ أَوْصَى لِأَهْلِ نَسَبِهِ، أَوْ لِجِنْسِهِ: فَالنَّسَبُ عِبَارَةٌ عَمَّنْ يُنْسَبُ إِلَيْهِ، وَالنَّسَبُ يَكُونُ مِنْ جِهَةِ الْآبَاءِ، وَجِنْسُهُ أَهْلُ بَيْتِ أَبِيهِ دُونَ أُمِّهِ، لِأَنَّ الإِنْسَانَ يَتَجَنَّسُ بِأَبِيهِ، بِخِلَافِ قَرَابَتِهِ، حَيْثُ تَكُونُ مِنْ جَانِبِ
قوله: (والمطلق ينصرف إلى الحقيقة) لغة وعرفًا، أما الأهل في قوله تعالى: ﴿وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [يوسف: ٩٣] عما تضمهم النفقة، وفيه تأمل.
ولو قال لأهل بيت فلان أولًا لا (١) يدخل فيه أبوه وجده وإن علا.
وعن أحمد أن أهل البيت بمنزلة قوله: لقرابته؛ لأنه ﷺ قال: «لَا تَحِلُّ الصَّدقَةُ لِي وَلَا لِأَهْلِ بَيْتِي» فجعل سهم ذوي القربى لهم عوضًا من الصدقة التي حرمت عليهم، فكان ذوو القربى الذين سماهم الله تعالى أهل بيته الذين حرمت عليهم الصدقة.
وقلنا: في الوصية تعتبر الحقيقة والعرف ولو قال: لنسبه أو لحسبه يدخل فيه كل من ينسب إلى أقصى أب له في الإسلام الأقرب والأبعد فيه سواء، وكذا الذكر والأنثى، والكبير والصغير والكافر والمسلم، ولا يدخل فيه أولاد البنات، وأولاد الأخوات، ولا أحد من قرابة أم الموصي؛ لأنهم لا ينسبون إلى أبي الموصي الأكبر، ولا يدخل الأب الأكبر لو كان حيًا؛ لأن الوصية للمضاف لا للمضاف إليه، وإنما ينسبون إلى آبائهم فكانوا من جنس آخر ومن أهل بيت آخر.
(لأن الإنسان يتجنس بأبيه) أي: يتخذ الجنس من أبيه، إذ الجنس عبارة عن النسب والنسب من جانب الأب لا من جانب الأم، فإن إسماعيل ﵇ كانَ مِنْ هاجر وكان من جنس قوم أبيه، وإبراهيم ابن النبي ﷺ كان من
стр. 7407
الأُمُّ وَالأَبِ، وَلَوْ أَوْصَى لِأَيْتَامِ بَنِي فُلَانٍ، أَوْ لِعُمْيَانِهِمْ، أَوْ لِزَمْنَاهُمْ، أَوْ لِأَرَامِلِهِمْ إِنْ كَانُوا قَوْمًا يُحْصَوْنَ، دَخَلَ فِي الوَصِيَّةِ، فُقَرَاؤُهُمْ وَأَغْنِيَاؤُهُمْ، ذُكُورُهُمْ وَإِنَاتُهُمْ،
جنس قريش، وكذا أولاد الخلفاء من الإماء يصلحون للخلافة، كذا في المبسوط.
قوله: (ولو أوصى لأيتام [بني] (١) فلان) إلى قوله: (إن كانوا قوما يحصون).
اليتيم: صغير لا أب له؛ لقوله ﷺ : «لا يتم بعد الحُلُم»، ولأن اليتم عبارة عن الانفراد، يقال: درة يتيمة، أي: لا نظير [لها] (٢) فهي مفردة.
وفي الجامع الكبير لشمس الأئمة: فإن قيل: أليس أن الكفار يسمون رسول الله ﷺ يتيم أبي طالب؟
قلنا: هذا لطف من الله تعالى له ﵊؛ فإنهم كانوا يسبون اليتيم، فهو ليس بيتيم فلا يتناوله سبهم، كما يسمونه مذمما (٣) وهو ليس كذلك بل كان محمدا ﷺ .
ثم يدخل فيه الغنى والفقر هاهنا، وبه قال الشافعي في وجه وأحمد، وقال الشافعي في وجه: لا يدخل الغنى؛ لأن المقصود من الوصية سَدُّ خَلَّة المحتاج.
والأرامل: جمع أرملة، وهي من لا زوج لها من النساء، يقال: أَرمَلَ القومُ: إذا نفد زادهم وصاروا محتاجين، ومن لا زوجة له من الرجال يدخل فيه، وقال الشافعي في وجه والشعبي وإسحاق: يدخل، وعند أكثر أهل العلم لا يدخل، قال الشعبي: هذا اللفظ يطلق على الذكر لغةً، قال الشاعر (٤):
هذي الأرامل قد قضيت حاجتها … فَمَنْ لحاجةِ هَذا الأَرمَلِ الذكر
стр. 7408
لِأَنَّهُ أَمْكَنَ تَحْقِيقُ التَّمْلِيكِ فِي حَقِّهِمْ، وَالوَصِيَّةُ تَمْلِيكٌ. وَإِنْ كَانُوا لَا يُحْصَوْنَ، فَالوَصِيَّةُ فِي الفُقَرَاءِ مِنْهُمْ، لِأَنَّ المَقْصُودَ مِنْ الوَصِيَّةِ القُرْبَةُ، وَهِيَ فِي سَدِّ الخَلَّةِ، وَرَدٌ الجَوْعَةِ.
وَهَذِهِ الأَسَامِي تُشْعِرُ بِتَحَقَّقِ الحَاجَةِ، فَجَازَ حَمْلُهُ عَلَى الفُقَرَاءِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا أَوْصَى لِشُبَّانِ بَنِي فُلَانٍ وَهُمْ لَا يُحْصَوْنَ، أَوْ لِأَيَامَى بَنِي فُلَانٍ وَهُمْ لَا يُحْصَوْنَ،
قلنا: المعروف من كلام الناس أنه النساء، وفي الشعر إطلاقه بطريق المجاز، ولهذا وصفه بالذكر، والشيء لا يوصف بنفسه، ولئن كان حقيقة فقد هجرت الحقيقة بالعرف كما في سائر الحقائق العرفية.
ثم حد الإحصاء عن أبي يوسف أن لا يحصون بكتاب ولا حساب، فهم لا يحصون.
وقيل: بحيث لا يحصاهم المحصي حتى يلد فيهم مولود أو يموت فيهم أحد، فإنهم لا يحصون. وقال محمد: إذا كانوا أكثر من مائة لا يحصون.
وقال بعضهم: هو مفوض إلى رأي القاضي، وعليه الفتوى، والأيسر ما قاله محمد، كذا في فتاوى قاضي خان.
وعند الأئمة الثلاثة: الوصية للكل سواء كانوا يحصون أو لا، ويدخل فيهم الأغنياء والفقراء.
قوله: (لِشُبَّانِ بني فلان) إلى آخره. في الصحاح: السُّبَّانُ: جمع شاب، والأَيَامَى: جمع أَيم.
وفي الإيضاح: قال أبو يوسف: لو أوصى لشبان بني فلان أو لكهولهم أو لشيوخهم، فالشباب: من خمسة عشر إلى خمسين سنة إلى أن يغلب عليهم الشَّمَطُ.
والكهل: من ثلاثين إلى آخر (١) عمره، والشيخ: ما زاد على خمسين سنة، فجعل أبو يوسف الشيخ والكهل سواء فيما زاد على الخمسين.
стр. 7409
حَيْثُ تَبْطُلُ الوَصِيَّةُ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي اللَّفْظِ مَا يُنْبِئُ عَنْ الحَاجَةِ، فَلَا يُمْكِنُ صَرْفُهُ إِلَى
وعن محمد الغلام: ما كان له أقل من خمس عشرة (١) سنة، والفتى: من بلغ خمسة عشر وفوق ذلك، والكهل: إذا بلغ أربعين فزاد عليه ما بين خمسين إلى ستين، إلى أن يغلب عليه الشيب حتى يكون شيخًا.
وعند أكثر أهل العلم الكهل: ابن ثلاثين حتى يبلغ خمسين، فإذا جاوز خمسين يكون شيخًا إلى أن يموت.
ثم لفظ الأيم يطلق على الأنثى والذكر، ولكن في الوصية لا يدخل كما في الأرملة، حتى قيل إنهما اسمان مترادفان، وبه قال الشافعي في الأظهر، ومالك وأحمد.
وقال الكرخي من أصحابنا: يدخل الرجل في الوصية أيضًا، وبه قال الشافعي في وجه، وبعض أصحاب أحمد.
ثم في لفظ الشبان والأيامى إنما تصح الوصية عندنا إذا كانوا قومًا يحصون، وتبطل الوصية إذا كانوا لا يحصون، وبه قال الشافعي في قول.
وقال أحمد والشافعي في وجه: تجوز الوصية لهم وإن كانوا لا يحصون، ويدفع إلى واحد منهم عند أحمد.
وعند الشافعي: إلى ثلاثة منهم؛ لأنه أقل الجمع، وكذا الخلاف في الوصية لقبيلة عظيمة لا يحصون، أو قوم لا يحصون.
قوله: (لأنه) الضمير للشأن (ليس في اللفظ) أي: في لفظ الشبان والأيامى (ما ينبئ عن الحاجة) إذ التأيم: هو البعد عن الزوج، سواء كانت بكرًا أو ثيبا، وهو لا ينبئ عن الحاجة، وإذا لم ينبئ عن الحاجة لم تكن القربي فيها مقصودة، بل كان المقصود هو التمليك، ولا يمكن تمليك الكل؛ للجهالة الفاحشة، كما إذا أوصى لبني آدم أو لأهل الدنيا، بخلاف لفظ الأرامل؛ فإن اللفظ ينبئ عن الحاجة؛ لأن معنى أَرْمَلَ: افتقر، يقال: أَرْمَلَ القوم: إذا نفد زادهم وصاروا محتاجين.
стр. 7410
الفُقَرَاءِ، وَلَا يُمْكِنُ تَصْحِيحُهُ تَمْلِيكًا فِي حَقِّ الكُلِّ لِلْجَهَالَةِ المُتَفَاحِشَةِ، وَتَعَذَّرَ الصَّرْفُ إِلَيْهِمْ، وَفِي الوَصِيَّةِ لِلْفُقَرَاءِ وَالمَسَاكِينِ يَجِبُ الصَّرْفُ إِلَى اثْنَيْنِ مِنْهُمْ، اعْتِبَارًا لِمَعْنَى الجَمْعِ، وَأَقَلُّهُ اثْنَانِ فِي الوَصَايَا عَلَى مَا مَرَّ.
وَلَوْ أَوْصَى لِبَنِي فُلَانٍ، يَدْخُلُ فِيهِمْ الإِنَاتُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ: أَوَّلُ قَوْلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُهُمَا، لِأَنَّ جَمْعَ الذُّكُورِ يَتَنَاوَلُ الإِنَاثَ، ثُمَّ رَجَعَ وَقَالَ: يَتَنَاوَلُ الذُّكُورَ خَاصَّةٌ، لِأَنَّ حَقِيقَةَ الِاسْمِ لِلذُّكُورِ، وَانْتِظَامُهُ لِلْإِنَاثِ تَجَوُّزُ، وَالكَلَامُ لِحَقِيقَتِهِ،
وسميت الأرامل للنساء اللاتي لا زوج لهن أو مات عنهن الزوج؛ لأن زادهن - وهو النفقة - نفد، وصرن محتاجين إلى النفقة، ولهذا لفظ الأرملة يختص بالنساء عرفًا وشرعًا؛ لما أن الرجل لم ينفد زاده مدة الفرقة؛ إذ ليس عليها شيء من زاده فلا يكون أرمل، إليه أشار شمس الأئمة السرخسي في الجامع الكبير، وإليه أشار في المغرب أيضًا.
وفي المبسوط: فإذا لم يكن فيه ما ينبئ عن الحاجة كان المقصود هو التمليك، وجهالة التمليك مانعة لصحة التمليك؛ إذ الصرف إلى الكل غير ممكن، وليس بعضهم بأولى من بعض، فكانت الوصية باطلة.
أما إذا كان الاسم ينبئ عن الحاجة كالفقير والمسكين تصح الوصية؛ لأن المقصود منها إزالة الحاجة وجهة القربة ولو كانت الوصية لجهة القربة صار المراد بها وجه الله تعالى وهو واحد لا شريك له فلم يكن للجهالة فيه تصور وكان هذا والوصية في الصدقة المطلقة سواء.
قوله: (يجب الصرف إلى اثنين)، وعند الشافعي إلى ثلاثة؛ لأنه أقل الجمع، وعند أحمد إلى الواحد كما في الزكاة وقد ذكرناه.
قوله: (يتناول الذكور خاصة)، وبه قالت الأئمة الثلاثة، وأكثر أهل العلم.
وقال أبو يوسف، ومحمد، وأبو ثور، والثوري، والحسن، وإسحاق: لفظ البنين يتناول الذكور والإناث، وإن كن بنات بلا ذكر لا شيء لهن بلا خلاف، ويدخل الإناث فيه إذا كان المراد اسم قبيلة أو فخذ بلا خلاف.
قوله: (وانتظامه للإناث تجوز)، ألا ترى أنه يصح أن ينفى اسم البنين عن
стр. 7411
بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ بَنُو فُلَانٍ اسْمَ قَبِيلَةٍ، أَوْ فَخِذِ، حَيْثُ يَتَنَاوَلُ الذُّكُورَ وَالإِنَاثَ، لِأَنَّهُ لَيْسَ يُرَادُ بِهَا أَعْيَانُهُمْ، إِذْ هُوَ مُجَرَّدُ الانْتِسَابِ كَبَنِي آدَمَ، وَلِهَذَا يَدْخُلُ فِيهِ مَوْلَى العَتَاقَةِ وَالمُوَالَاةُ وَحُلَفَاؤُهُمْ.
البنات، ولا يصح في الذكور، فلو تناولهما معا يكون جمعًا بين الحقيقة والمجاز.
فإن قيل: خطاب الذكور يتناول الإناث بالإجماع مع أن الحقيقة والمجاز لا يجتمعان.
قلنا: خطاب التكليف دل على أن المراد العقلاء؛ إذ التكليف مبني على العقل، فيتناولهم عموم المجاز، أما هاهنا لم يدل على العموم دليل بل دل على الخصوص (١)، وهو أن الموصي لم يقل: لأولاد فلان، بل قال: لبني فلان.
قوله: (فلهذا يدخل فيه موالي العتاقة) أي: الفقراء منهم.
قال الإمام السرخسي في الجامع الكبير: يدخل في بني فلان موالي عتاقة فقراء، وموالي أسلموا على أيديهم ووالوهم، وفقراء موالي الموالي، وعديدهم تقسم الوصية بين من تعذر عليهم من فقرائهم.
والحليف: اسم من يأتي قبيلة فيحلف لهم ويحلفون على التناصر.
والعديد: من يعد نفسه منهم، و [هم] (٢) وعدوا لذلك (٣) من غير حلف، وإنما دخل الكل؛ لأن الإيجاب هاهنا تعلق بالنسبة إلى القبيلة، وهم في هذه سواء للتناصر بهذه الأسباب، يؤيده قوله ﷺ : «مَوْلَى القومِ مِنهُم وحَلِيفُهُم منهم»، وفي هذه النسبة حقيقة النسب منقطع بالامتداد، كما يقال إنه من بني آدم، وينسبون كلهم [إلى] (٤) آدم بالنسبة لا بالنسب، بخلاف ما إذا قال: لبني فلان إلى الأولاد؛ لأن حقيقة النسب متصل غير منقطع، فيتعلق الاستحقاق بحقيقة النسب، فلا يدخل الموالي.
стр. 7412
قَالَ: (وَمَنْ أَوْصَى لِوَلَدِ فُلَانٍ فَالوَصِيَّةُ بَيْنَهُمْ، وَالذَّكَرُ وَالْأُنْثَى فِيهِ سَوَاءٌ) لِأَنَّ اسْمَ الوَلَدِ يَنْتَظِمُ الكُلَّ انْتِظَامًا وَاحِدًا.
(وَمَنْ أَوْصَى لِوَرَثَةِ فُلَانٍ فَالوَصِيَّةُ بَيْنَهُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ) لِأَنَّهُ لَمَّا نَصَّ عَلَى لَفْظِ الوَرَثَةِ آذَنَ ذَلِكَ بِأَنَّ قَصْدَهُ التَّفْضِيلَ كَمَا فِي المِيرَاثِ. وَمَنْ أَوْصَى لِمَوَالِيهِ، وَلَهُ مَوَالٍ أَعْتَقَهُمْ، وَمَوَالٍ أَعْتَقُوهُ: فَالوَصِيَّةُ بَاطِلَةٌ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي بَعْضِ كُتُبِهِ: إِنَّ الوَصِيَّةَ لَهُمْ جَمِيعًا، وَذَكَرَ فِي مَوْضِعِ آخَرَ: أَنَّهُ يُوقَفُ حَتَّى يُصَالِحُوا لَهُ: أَنَّ الاِسْمَ يَتَنَاوَلُهُمْ، لِأَنَّ كُلَّا مِنْهُمْ يُسَمَّى مَوْلًى فَصَارَ
قوله: (ومن أوصى لولد فلان) دخل الذكر والأنثى، ولا يعلم فيه خلاف، وهل يدخل ولد الولد؟
قالوا إذا ثبتت قرينة تدل على (١) دخولهم دخلوا، فإن لم يكن لفلان إلا أولاد، أو قال الموصي: ولا يعطى لولد البنات، أو قال: إلا ولد فلان، أو قال: فضلوا ولد فلان على غيرهم.
أما إذا انتفت القرينة لا يدخل ولد الولد؛ لأن الولد حقيقة عبارة عن ولد الصلب، ولا يلزم قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] أي: يورثكم، ثم ولد الابن يدخل في الميراث مع البنت الصلبية؛ لأنه دخل في الميراث مع البنت بدليل آخر، وهو أنه عصبة على ما ذكر في الفرائض، فكان دخوله بقرينة.
قوله: (ومن أوصى لورثة) إلى قوله: (فالوصية باطلة)، وهو ظاهر الرواية، وبه قال الشافعي في قول.
وروي عن أبي حنيفة وأبي يوسف: أن الوصية لهم جميعا، وهو قول زفر، وأحمد، والشافعي في قول.
وقال أبو ثور: الكل يدخلون في الوصية، ولكن يقرع بينهما؛ لأن أحدهما ليس بأولى من الآخر.
стр. 7413
كَالإِخْوَةِ. وَلَنَا: أَنَّ الجِهَةَ مُخْتَلِفَةٌ، لِأَنَّ أَحَدَهُمَا يُسَمَّى مَوْلَى النِّعْمَةِ، وَالآخَرَ مُنْعَمُ عَلَيْهِ، فَصَارَ مُشْتَرَكًا، فَلَا يَنْتَظِمُهُمَا لَفْظُ وَاحِدٌ فِي مَوْضِعِ الإِثْبَاتِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ مَوَالِيَ فُلَانٍ، حَيْثُ يَتَنَاوَلُ الأَعْلَى وَالأَسْفَلَ، لِأَنَّهُ مَقَامُ النَّفْيِ وَلَا تَنَا فِي فِيهِ، … ... .
وقال أحمد، وزفر: إن الاسم يتناولهم، فصار كما لو أوصى لأخويه، وله إخوة مختلفون (١) من الأب والأم.
وقول أبي ثور: (يقرع؛ لأن أحدهما ليس بأولى من الآخر) غير صحيح؛ لأن بالتعميم يحصل التعيين، وإمكان العمل.
وقال الشافعي في قول: الوصية للأعلى؛ لأنه أقوى بدليل أنهم عصبة بخلاف الأسفل، وهو رواية عن أبي يوسف.
وعنه في قول: يوقف (٢) الأمر حتى يصطلحوا؛ لأن الوصية لا تخرج عنهما، وكل واحد يمكن أن يكون مقصودا، ولا ترجيح، فإذا اصطلحوا أخذوها.
ولنا: أن اسم المولى مشترك بين الأعلى والأسفل، ولا عموم له، كما بين في الأصول ولا لأحدهما؛ لأن الجهة مختلفة، فقد يكون مقصود الموصي مجاراة النعمة بخلاف لفظ الإخوة؛ لأنه يتناول المختلفين في الجهة باعتبار اسم الأخوة، وهو المجاورة في الرحم، أو الصلب، وهو عام وإن اختلفت جهاته لا مشتركًا.
أما المولى يطلق على الأعلى باعتبار معنى الإنعام؛ لأنه مُنعم، وعلى الأسفل باعتبار أنه مُنعم عليه، ولا عموم له؛ لأن العام ما يشمل الأفراد باعتبار معنى واحد.
قوله: (لأنه) أي: قوله: لا أكلم موالي فلان (مقام النفي ولا تنافي فيه) يعني لا تنافي في عموم النفي في المختلفين إذ نفي المختلفين في محل واحد لا
стр. 7414
وَيَدْخُلُ فِي هَذِهِ الوَصِيَّةِ مَنْ أَعْتَقَهُ فِي الصِّحَّةِ وَالمَرَضِ، وَلَا يَدْخُلُ مُدَبَّرُوهُ وَأُمَّهَاتُ أَوْلَادِهِ، لِأَنَّ عِتْقَ هَؤُلَاءِ يَثْبُتُ بَعْدَ المَوْتِ، وَالوَصِيَّةُ تُضَافُ إِلَى حَالَةِ المَوْتِ، فَلَا بُدَّ مِنْ تَحَقُّقِ الِاسْمِ قَبْلَهُ.
يستحيل وفي الإثبات يستحيل ألا ترى أن اجتمع الحنطة والشعير في معيار واحد مستحيل في حالة واحدة ولا يستحيل انتفاؤهما وكذا في اليوم الواحد يستحيل اجتماع صومين مختلفين أما انتفاؤهما لا يستحيل فيصح أن يقال: لا يوجد فيه صوم فرض ولا نفل.
فإن قيل: سلمنا أن لفظ المولى مشترك، ولكن يمكن ترجيح الأعلى، كما رجح الشافعي في قول، وأبو يوسف في رواية؛ لأن الوصية في حق الأعلى شكر الإنعام، وفي حق الأسفل زيادة الإنعام، وشكر الإنعام واجب، وفضل الإنعام مندوب، وكان صرفها إلى الواجب أولى.
قلنا: إن هذا الوجوب لا يدخل تحت الحكم، فإن القاضي لا يجبره على شكره بالإيصاء، فصار كالمندوب، ولأن الغالب والمعروف في الوصية بالثلث للفقراء طلبًا لمرضاته تعالى كالزكاة، والغالب في مولى الأسفل الفقر، وفي الأعلى الغنى، والمعروف عرفًا كالمشروط شرطًا، فكان الصرف إلى الأسفل أولى من هذا، وهو مروي عن أبي يوسف أيضًا، وإلى الأعلى أولى من ذلك الوجه، فتعارض المرادان على السواء، فلم يمكن الترجيح فبطلت الوصية.
فلو كان الموصي عربيًا لا تبطل الوصية؛ لأن الأعلى لا يكون له؛ لأن العرب (١) لا تسترق، فتعين الأسفل، إليه أشار في الذخيرة، والجامع الكبير لصدر حميد.
قوله: (ويدخل في هذه) أي: في الوصية لمواليه.
قوله: (ولا بد من تحقق الاسم) أي: من اسم المولى (قبله) أي: قبل الموت ولم يتحقق لأن اسم المولى لهم بعد عتقهم وعتقهم بعد الموت.
стр. 7415
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: أَنَّهُمْ يَدْخُلُونَ، لِأَنَّ سَبَبَ الِاسْتِحْقَاقِ لَازِمٌ، وَيَدْخُلُ فِيهِ عَبْدٌ قَالَ لَهُ مَوْلَاهُ: إِنْ لَمْ أَضْرِبْكَ فَأَنْتَ حُرٌّ، لِأَنَّ العِتْقَ يَثْبُتُ قُبَيْلَ المَوْتِ عِنْدَ تَحَقُّقِ عَجْزِهِ، وَلَوْ كَانَ لَهُ مَوَالٍ وَأَوْلَادُهُ مَوَالٍ، وَمَوَالِي مُوَالَاةٍ: يَدْخُلُ فِيهَا مُعْتَقُوهُ وَأَوْلَادُهُمْ دُونَ مَوَالِي المُوَالَاةِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: أَنَّهُمْ يَدْخُلُونَ أَيْضًا، وَالكُلُّ شُرَكَاءُ، لِأَنَّ الاِسْمَ يَتَنَاوَلُهُمْ عَلَى السَّوَاءِ. وَمُحَمَّدٌ يَقُولُ: الجِهَةُ مُخْتَلِفَةٌ، فِي المُعْتِقِ الإِنْعَامُ، وَفِي المَوَالِي عَقْدُ الالتِزَامِ، وَالإِعْتَاقُ لَازِمٌ، فَكَانَ الاسْمُ لَهُ أَحَقَّ، … ... .
قوله: (لأن سبب الاستحقاق لازم) أي: سبب الاستحقاق ولاؤهم ثابت، ألا ترى أن المدبر بين الشريكين أعتقه أحدهما وضمن نصيب شريكه كان ولاؤه بينهما، فدل أن بنفس التدبير استحق ولاءهم، فكانوا من جملة مواليه، و [به] (١).
قال أحمد في رواية.
ولكن ما ذكر محمد أصح؛ لأنهم لا ينسبون إليه بنفس الاستحقاق، بل بالإحياء الحاصل، وذلك يكون (٢) بعد موته، كذا في الجامع الكبير لشمس الأئمة.
(ويدخل فيه عبد) إلى آخره، وهذا بالإجماع، ولا يعلم فيه خلاف لأحد.
(دون مولى الموالاة) أي: لا يدخل، وبه قالت الأئمة الثلاثة؛ لعدم صحة مولى الموالاة عندهم.
(وعند أبي يوسف: أنهم) أي: موالي الموالاة (يدخلون).
قوله: (والإعتاق لازم) هذا بيان أن جهة الإعتاق رجحت للزومه، فكأنه جواب سؤال هو أن يقال: لما كانت الجهة مختلفة فصار كالمشترك، فلم رجحت جهة الإعتاق؟
فقال: للزومه وقوته.
وذكر شمس الأئمة المسألة في الجامع الكبير من غير ذكر خلاف، بل ذكر فيه القياس والاستحسان.
стр. 7416
وَلَا يَدْخُلُ فِيهِمْ مَوَالِي المَوَالِي، لِأَنَّهُمْ مَوَالِي غَيْرِهِ حَقِيقَةٌ، بِخِلَافِ مَوَالِيهِ وَأَوْلَادِهِمْ، لِأَنَّهُمْ يُنْسَبُونَ إِلَيْهِ بِإِعْتَاقِ وُجِدَ مِنْهُ، وَبِخِلَافِ مَا إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَوَالٍ وَلَا أَوْلَادُ المَوَالِي، لِأَنَّ اللَّفْظَ لَهُمْ مَجَازُ، فَيُصْرَفُ إِلَيْهِ عِنْدَ تَعَذُّرِ اعْتِبَارِ الحَقِيقَةِ. وَلَوْ كَانَ لَهُ مُعْتَقٌ وَاحِدٌ وَمَوَالِي المَوَالِي: فَالنِّصْفُ لِمُعْتِقِهِ وَالبَاقِي لِلْوَرَثَةِ، لِتَعَذُّرِ الجَمْعِ بَيْنَ الحَقِيقَةِ وَالمَجَازِ، وَلَا يَدْخُلُ فِيهِ مَوَالٍ أَعْتَقَهُمْ ابْنُهُ، أَوْ أَبُوهُ، لِأَنَّهُمْ
قال في القياس: يدخل لإطلاق الاسم عليه بمباشرة سبب الولاء من عقد أو عتق؛ لأن الاسم للفريقين حقيقة.
وفي الاستحسان: لا يدخل؛ لأنه مختلف فيه، وسببه عقد يحتمل الفسخ، بخلاف الإعتاق فإنه لا يحتمله والمزاحمة لا تتحقق بين الضعيف والقوي، وفيه لو لم يكن له إلا مولى الموالاة كان الثلث لهم؛ لأن الأحق إذا لم يوجد وجب العمل بما دونه.
[قوله] (١): (ولا يدخل فيهم موالي الموالي).
قوله: (ولا يدخل فيهم) أي: فيما إذا أوصى لمواليه (موال أعتقهم) كذا وقع في النسخ، ولكن الصواب أعتقهم ابنه أو أبوه كما ذكر في الإيضاح، والجامع الكبير لصدر حميد، والكافي وغيرها؛ لأن التعليل الذي ذكره إنما يصح فيمن أعتقهم أبوه أو ابنه، فإن موالي أبيه أو ابنه لا يدخل في الوصية لمواليه إذا كان له موال وموالي موال عند أكثر أهل العلم إلا عند زفر، فإنه يدخل عنده لوجود اسم المولى، وليس بصحيح؛ لأنه لا يكون مولاه لا حقيقة ولا مجازا. أما عند عدم مواليه وموالي مواليه لا يدخل أيضًا عند العامة إلا عند أبي جعفر الحنبلي، فإنه يقول عند عدمهم يدخل؛ لأن اسم المولى يطلق عليه مجازا فيصرف إليه عند عدم الحقيقة تصحيحا لتصرفه.
وقال أبو [يوسف] (٢) يدخل موالي أبيه إذا مات أبوه وورث ولاءهم؛ لأنهم مواليه حكمًا، ولهذا يحرز ميراثهم.
стр. 7417
لَيْسُوا بِمَوَالِيهِ لَا حَقِيقَةٌ وَلَا مَجَازًا، وَإِنَّمَا يُحْرَزُ مِيرَاثُهُمْ بِالعُصُوبَةِ، بِخِلَافِ مُعْتَقِ البَعْضِ، لِأَنَّهُ يُنْسَبُ إِلَيْهِ بِالوَلَاءِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
وقلنا: معتقوه مواليه حقيقة؛ لأنه أعتقهم، ومعتقو معتقه مجازا؛ لأنه سبب لإعتقاهم، فكانت بسبب ولائهم إليه مجازا، ولم يوجد التسبيب والإعتاق في معتق أبيه أو ابنه، فلا يكون مواليه حقيقة ولا مجازا.
أما الميراث باعتبار أن الشرع أقام عصبة المعتق مقام المعتق في حق الميراث لا؛ لأن الولاء انتقل إليه، وهذا لأن الولاء بمنزلة النسب كما نطق به الحديث، والنسب لا يورث.
ألا ترى أن الرجل قد يكون من قبيلة أخرى بأن كان الرجل وابنه عبدين، فاشترى الأب رجلٌ تميمي، والابن رجل أسدي، فأعتق الأسدي الابن، والتميمي الأب، ثم إن الابن اشترى عبدًا فأعتقه ثم مات، ثم مات الابن، ثم مات معتق الأب ولم يترك عصبة، فإن ميراثه يكون للأب بحكم أنه قام مقام ابنه في التعصيب، لا لأن الولاء انتقل بموت الأب؛ لأنه لو انتقل ولاؤه إلى الأب بعد موت الابن كان ولاؤه لبني تميم؛ لأن ولاء الأب لبني تميم، ولم يصر الولاء لبني تميم بالاتفاق، حتى إن مولى الابن لو جنى لا يكون عقله على بني تميم، بل على بني أسد، فعلم أن الولاء لم ينتقل، كذا في الجامع الكبير لصدر حميد.
قوله: (بخلاف معتق البعض) هكذا وقع في النسخ، ولكن الصواب أن يقول: (بخلاف معتق المعتق)، كما هو المذكور في الإيضاح والكافي وغيرهما، يعني بخلاف معتق المعتق، فإنه مولاه مجازا.
أما معتق البعض لم ينسب إليه بالولاء بعد؛ لأنه كالمكاتب عند أبي حنيفة، والمكاتب حال قيام الكتابة لا يدخل تحت اسم المولى عندهما لو نسب إليه، إنما ينسب بالولاء حقيقة، فلا يحتاج إلى ذكره.
وفي فتاوى العطر: وصَّى (١) العلماء (٢) لا يدخل المتكلم في بلادنا ويدخل في بلاد خوارزم، وهكذا قال صاحب المحيط.
стр. 7418
بَابُ الوَصِيَّةِ بِالسُّكْنَى وَالخِدْمَةِ وَالثَّمَرَةِ
قَالَ: (وَتَجُوزُ الوَصِيَّةُ بِخِدْمَةِ عَبْدِهِ،
وقال الترجماني: يدخل المتكلم والمحدث، ولو أوصى للفقهاء يدخل من يدقق النظر في مسائل الشرع، وإن كان يعلم ثلاث مسائل مع أدلتها.
قال بعض المشايخ: إن من يحفظ من المسائل دون أدلتها لا يدخل، ونص مالك في كتابه: لو أوصى للعقلاء ينصرف إلى العلماء الزاهدين؛ لأنهم هم العقلاء (١) في الحقيقة، كذا في القنية.
بَابُ الْوَصِيَّةِ بِالسُّكْنَى وَالْخِدْمَةِ وَالثَّمَرَةِ
لما فرغ من بيان الوصية في الأعيان شرع في بيان الوصية بالمنافع، وأخره لما أن المنافع بعد الأعيان.
قوله: (وتجوز الوصية بخدمة عبده) إلى آخره.
تجوز الوصية بالمنفعة مؤقتًا ومؤبدًا عند أكثر أهل العلم، وكذا بالغلة إلا عند ابن أبي ليلى، فإنه قال: لا تصح أصلا؛ لأن المنفعة معدومة، ولا تصح الوصية بالمعدوم، ولو حدثت المنفعة والغلة بعد موت الموصي يكون ملك الوارث، واعتبار الوصية بعد الموت.
وقلنا: يجوز تمليك المنفعة ببدل وغير بدل في حال الحياة، فيحتمل التمليك بعد الممات كالإعتاق، وهذا لأن الموصي تبقي العين على ملكه بجعله مشغولا بتصرفه موقوفًا على حاجته، فإنما تحدث المنفعة على ملكه، كما يستوفي الموقوف عليه منفعة الوقف على حكم ملك الواقف، وإذا ثبت هذا في المنفعة فكذا في الغلة؛ لأنها بدل المنفعة، [فالوصية] على خلاف الميراث، فالإرث لا يجري في الخدمة بدون الرقبة؛ لأن الوراثة خلافة.
وتفسيرها: أن يقوم الوارث مقام المورث فيما كان ملكا للمورث، وهذا لا يتصور إلا فيما يبقى وقتين، والمنفعة لا تبقى وقتين، وأما الوصية إيجاب ملك بالعقد بمنزلة الإجارة والإعارة فتصح، كذا في المبسوط.
стр. 7419
وَسُكْنَى دَارِهِ سِنِينَ مَعْلُومَةٌ، وَتَجُوزُ بِذَلِكَ أَبَدًا) لِأَنَّ المَنَافِعَ يَصِحُ تَمْلِيكُهَا فِي حَالَةِ الحَيَاةِ بِبَدَلٍ وَغَيْرِ بَدَلٍ، فَكَذَا بَعْدَ المَمَاتِ لِحَاجَتِهِ كَمَا فِي الأَعْيَانِ، وَيَكُونُ مَحْبُوسًا عَلَى مِلْكِهِ فِي حَقِّ المَنْفَعَةِ حَتَّى يَتَمَلَّكَهَا المُوصَى لَهُ عَلَى مِلْكِهِ، كَمَا يَسْتَوْفِي المَوْقُوفُ عَلَيْهِ مَنَافِعَ الوَقْفِ عَلَى حُكْمِ مِلْكِ الوَاقِفِ، وَتَجُوزُ مُؤَقَّتًا وَمُؤَبَّدًا كَمَا فِي العَارِيَّةِ، فَإِنَّهَا تَمْلِيكُ عَلَى أَصْلِنَا، بِخِلَافِ المِيرَاتِ، لِأَنَّهُ خِلَافُهُ فِيمَا يَتَمَلَّكُهُ المُوَرِّثُ، وَذَلِكَ فِي عَيْنٍ تَبْقَى، وَالمَنْفَعَةُ عَرْضٌ لَا يَبْقَى، وَكَذَا الوَصِيَّةُ بِغَلَّةِ العَبْدِ وَالدَّارِ، لِأَنَّهُ بَدَلُ المَنْفَعَةِ، فَأَخَذَ حُكْمَهَا، وَالمَعْنَى يَشْمَلُهُمَا.
قَالَ: (فَإِنْ خَرَجَتْ رَقَبَةُ العَبْدِ مِنْ الثُّلُثِ، يُسَلَّمُ إِلَيْهِ لِيَخْدُمَهُ) لِأَنَّ حَقَّ المُوصَى لَهُ فِي الثُّلُثِ لَا يُزَاحِمُهُ الوَرَثَةُ (وَإِنْ كَانَ لَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُ، … ... … ... … ... …
قوله: (وكذا بعد الممات) بل أولى؛ لأن الوصية أسرع نفاذًا.
قوله: (محبوسًا على ملكه) أي: ملك الموصي.
وقوله: (على أصلنا) يحترز به عن قول الشافعي، فإن العارية عنده إباحة المنافع لا تمليكها، وقد مر في العارية.
قوله: (والمعنى) وهو الحاجة (يشملهما) أي: المنفعة والغلة.
قوله: (يسلم إليه) أي: العبد يسلم إلى الموصى له ليخدمه، وهو قول كل من قال بصحة الوصية في المنفعة.
قوله: (وإن كان لا مال له غيره) إلى آخره، وقال الشافعي وأحمد: إن لم يخرج العبد من الثلث أجيز منها بقدر الثلث، كسائر الوصايا أو كالأعيان، فيقوم العبد مسلوب المنفعة تلك المدة، ثم تقوم المنفعة في تلك المدة فينظر كم قيمتها، ولو كانت الوصية مؤبدة تقوم الرقبة بقيمتها جميعًا، ويعتبر خروجها من الثلث.
وقال مالك: إذا أوصى بخدمة عبده سنة ولم يخرج من الثلث فالورثة بالخيار بين تسليم خدمته سنة وبين ثلث المال.
وعندنا وأبي ثور: يخدم العبد للموصى له يوما وللورثة يومين أي: أبدا إذا كانت الوصية مؤبدًا.
стр. 7420
خَدَمَ الوَرَثَةَ يَوْمَيْنِ، وَالمُوصَى لَهُ يَوْمًا) لِأَنَّ حَقَّهُ فِي الثُّلُثِ، وَحَقَّهُمْ فِي الثُّلُثَيْنِ، كَمَا فِي الوَصِيَّةِ فِي العَيْنِ، وَلَا تُمْكِنُ قِسْمَةُ العَبْدِ أَجْزَاءً، لِأَنَّهُ لَا يَتَجَزَّأُ، فَصِرْنَا إِلَى المُهَايَأَةِ إِيفَاءً لِلْحَقَّيْنِ، بِخِلَافِ الوَصِيَّةِ بِسُكْنَى الدَّارِ إِذَا كَانَتْ لَا تَخْرُجُ مِنْ الثُّلُثِ، حَيْثُ تُقَسَّمُ عَيْنُ الدَّارِ ثَلَاثًا لِلانْتِفَاعِ، لِأَنَّهُ يُمْكِنُ القِسْمَةُ بِالأَجْزَاءِ، وَهُوَ أَعْدَلُ لِلتَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمَا زَمَانًا وَذَانًا، وَفِي المُهَايَأَةِ تَقْدِيمُ أَحَدِهِمَا زَمَانًا. وَلَوْ اقْتَسَمُوا الدَّارَ مُهَايَأَةٌ مِنْ حَيْثُ الزَّمَانُ، تَجُوزُ أَيْضًا، لِأَنَّ الحَقَّ لَهُمْ، إِلَّا أَنَّ الْأَوَّلَ وَهُوَ الْأَعْدَلُ أَوْلَى، وَلَيْسَ لِلْوَرَثَةِ أَنْ يَبِيعُوا مَا فِي أَيْدِيهِمْ مِنْ ثُلُثَيْ الدَّارِ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀: أَنَّ لَهُمْ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ خَالِصُ مِلْكِهِمْ. وَجْهُ الظَّاهِرِ: أَنَّ حَقَّ المُوصَى لَهُ ثَابِتٌ فِي سُكْنَى جَمِيعِ الدَّارِ، بِأَنْ ظَهَرَ لِلْمَيِّتِ مَالٌ آخَرُ، وَتَخْرُجُ الدَّارُ مِنْ الثُّلُثِ، وَكَذَا لَهُ
وفي المؤقت بقدر ذلك الوقت، إذا لم يجز الورثة الوصية في الزيادة. وقلنا: لا يمكن قسمة العبد أجزاءً؛ لأنه لا يتجزأ، وكذا المنافع لا تحتمل القسمة بالأجزاء.
(فصرنا إلى المهايأة) أي: المناوبة بالأزمان ليتمكن الموصى له إيفاء حقه بهذا الطريق، فلا يحتاج إلى اعتبار القيمة.
قوله: (لأن الأول) (١) وهو تقسيم عين الدار أثلاثا (أعدل)؛ لأن كل واحد يستوفي نصيبه من السكنى في الوقت يستوفيه صاحبه بخلاف ما لو تهايئا، فإن هناك يسبق أحدهما بالزمان.
قوله: (وليس للورثة أن يبيعوا) إلى آخره، وبه قال الشافعي، ومالك، وأحمد في رواية.
وعن أبي يوسف ومحمد: يجوز، وبه قال أحمد في المنصوص منه. ([لأنه]) (٢) أي: ما في أيديهم (خالص ملكهم) فنفذ بيعهم.
قوله: (فإن ظهر للميت مال آخر) ويعتبر هذا الاحتمال؛ لأنه نشأ من دليل،
стр. 7421
حَقُّ المُزَاحَمَةِ فِيمَا فِي أَيْدِيهِمْ إِذَا خَرِبَ مَا فِي يَدِهِ.
وَالبَيْعُ يَتَضَمَّنُ إِبْطَالَ ذَلِكَ فَمَنَعُوا عَنْهُ. قَالَ: (فَإِنْ كَانَ مَاتَ المُوصَى لَهُ، عَادَ إِلَى الوَرَثَةِ) لِأَنَّ المُوصِيَ أَوْجَبَ الحَقَّ لِلْمُوصَى لَهُ لِيَسْتَوْفِيَ المَنَافِعَ عَلَى حُكْمِ مِلْكِهِ، فَلَو انْتَقَلَ إِلَى وَارِثِ المُوصَى لَهُ، اسْتَحَقَّهَا ابْتِدَاءً مِنْ مِلْكِ المُوصِي مِنْ غَيْرِ مَرْضَاتِهِ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ.
(وَلَوْ مَاتَ المُوصَى لَهُ فِي حَيَاةِ المُوصِي، بَطَلَتْ) لِأَنَّ إِيجَابَهَا تَعَلَّقَ بِالْمَوْتِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ مِنْ قَبْلُ. وَلَوْ أَوْصَى بِغَلَّةِ عَبْدِهِ، أَوْ دَارِهِ فَاسْتَخْدَمَهُ بِنَفْسِهِ، أَوْ سَكَنَهَا بِنَفْسِهِ، قِيلَ: يَجُوزُ ذَلِكَ، لِأَنَّ قِيمَةَ المَنَافِعِ كَعَيْنِهَا فِي تَحْصِيلِ المَقْصُودِ. وَالأَصَحُ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، لِأَنَّ الغَلَّةَ دَرَاهِمُ أَوْ دَنَانِيرُ وَقَدْ وَجَبَتْ الوَصِيَّةُ بِهَا، وَهَذَا اسْتِيفَاءُ المَنَافِعِ، وَهُمَا مُتَغَايِرَانِ وَمُتَفَاوِتَانِ فِي حَقِّ الوَرَثَةِ، فَإِنَّهُ لَوْ ظَهَرَ دَيْنٌ يُمْكِنُهُمْ أَدَاؤُهُ مِنْ الغَلَّةِ بِالِاسْتِرْدَادِ مِنْهُ بَعْدَ اسْتِغْلَالِهَا، وَلَا يُمْكِنُهُمْ مِنْ المَنَافِعِ بَعْدَ اسْتِيفَائِهَا بِعَيْنِهَا، وَلَيْسَ لِلْمُوصَى لَهُ بِالخِدْمَةِ وَالسُّكْنَى أَنْ يُؤَاجِرَ العَبْدَ أَوْ الدَّارَ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَهُ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ بِالوَصِيَّةِ مَلَكَ المَنْفَعَةَ،
وهو إيصاء الميت بكل منافع الدار مع علمه أن الإيصاء بالزيادة على الثلث حرام شرعًا، فلو لم يكن له مال سوى هذه الدار لم يوص بجميع منافعها احترازًا عن المحرم شرعًا، كذا قيل.
قوله: (على ما بيناه من قبل) أي: في فصل اعتبار الوصية، وقد روى بعض أصحاب الشافعي وجها منه، أن المنفعة تنتقل إلى ورثة الموصى له.
قوله: (استخدمه بنفسه) أي: استخدم الموصى له العبد الذي أوصى بغلته.
قوله: (وقال الشافعي: له ذلك)، وبه قال مالك، وأحمد (لأنه) أي: الموصى له (ملك المنفعة)؛ لأن تمليك المنفعة بعقد مضاف إلى ما بعد الموت كتمليك المنفعة حال الحياة، فإنه لو ملك المنفعة حال الحياة بالاستئجار لملك الإجارة من غيرها، فكذا إذا (١) تملكها بالوصية بعد الموت، بخلاف الإعارة
стр. 7422
فَيَمْلِكُ تَمْلِيكَهَا مِنْ غَيْرِهِ بِبَدَلٍ أَوْ غَيْرِ بَدَلٍ، لِأَنَّهَا كَالْأَعْيَانِ عِنْدَهُ، بِخِلَافِ العَارِيَّةِ، لِأَنَّهَا إِبَاحَةٌ عَلَى أَصْلِهِ وَلَيْسَ بِتَمْلِيكِ، وَلَنَا: أَنَّ الوَصِيَّةَ تَمْلِيكُ بِغَيْرِ بَدَلٍ مُضَافٍ إِلَى مَا بَعْدَ المَوْتِ، فَلَا يَمْلِكُ تَمْلِيكَهُ بِبَدَلِ، اعْتِبَارًا بِالْإِعَارَةِ، فَإِنَّهَا تَمْلِيكُ بِغَيْرِ بَدَلٍ فِي حَالَةِ الحَيَاةِ عَلَى أَصْلِنَا، وَلَا يَمْلِكُ المُسْتَعِيرُ الإِجَارَةَ، لِأَنَّهَا تَمْلِيكُ بِبَدَلِ، كَذَا هَذَا.
وَتَحْقِيقُهُ: أَنَّ التَّمْلِيكَ بِبَدَلٍ لَازِمٌ، وَبِغَيْرِ بَدَلٍ غَيْرُ لَازِمٍ، وَلَا يَمْلِكُ الْأَقْوَى بِالأَضْعَفِ، وَالأَكْثَرَ بِالأَقَلِّ، وَالوَصِيَّةُ تَبَرُّعٌ غَيْرُ لَازِمٍ، إِلَّا أَنَّ الرُّجُوعَ لِلْمُتَبَرِّعِ لَا لِغَيْرِهِ، وَالمُتَبَرِّعُ بَعْدَ المَوْتِ لَا يُمْكِنُهُ الرُّجُوعُ، فَلِهَذَا انْقَطَعَ، أَمَّا هُوَ فِي وَضْعِهِ فَغَيْرُ لَازِمٍ، وَلِأَنَّ المَنْفَعَةَ لَيْسَتْ بِمَالٍ عَلَى أَصْلِنَا، وَفِي تَمْلِيكِهَا بِالمَالِ إِحْدَاثُ صِفَةِ المَالِيَّةِ فِيهَا تَحْقِيقًا لِلْمُسَاوَاةِ فِي عَقْدِ المُعَاوَضَةِ، فَإِنَّمَا تَثْبُتُ هَذِهِ الوِلَايَةُ لِمَنْ يَمْلِكُهَا تَبَعًا لَمِلْكِ الرَّقَبَةِ، أَوْ لِمَنْ يَمْلِكُهَا بِعَقْدِ المُعَاوَضَةِ حَتَّى يَكُونُ مُمَلَّكًا لَهَا بِالصِّفَةِ الَّتِي تَمَلَّكَهَا، أَمَّا إِذَا تَمَلَّكَهَا مَقْصُودَةٌ بِغَيْرِ عِوَضٍ، ثُمَّ مَلَكَهَا بِعِوَضٍ، كَانَ مُمَلَّكًا أَكْثَرَ مِمَّا تَمَلَّكَهُ مَعْنَى، وَهَذَا لَا يَجُوزُ، وَلَيْسَ لِلْمُوصَى لَهُ أَنْ يُخْرِجَ العَبْدَ مِنْ الكُوفَةِ إِلَّا
فإنها إباحة المنفعة على أصل الشافعي، فلا يملك الإعارة من غيره.
قوله: (فإنها) أي: الإعارة (تمليك بغير بدل في حال الحياة على أصلنا) حتى لو قال: ملكتك منافع هذه الدار كان عارية صحيحة، وإنما لا يتعلق بها اللزوم؛ لكونها متعرية عن البدل، وكذلك الوصية غير لازم إلا أن غير الموصي لا يتمكن من الرجوع بعد موت الموصي؛ لأن الرجوع للمتبرع لا لغيره، والموصي لا يقدر على الرجوع بعد الموت.
قوله: (وإنما تثبت هذه الولاية لمن يملكها) أي: المنفعة (تبعا لملك الرقبة) إلى قوله: (وهذا لا يجوز) وهكذا قرره في المبسوط.
وقيل: يرد عليه إجارة الحر نفسه فإنها تجوز مع أن الحر لا يملك نفسه ويملك منفعته، إلا أن يقيد ويقول كلامنا في المملوك لا في الحر، فإن الوصية بمنفعة الحر لا تجوز.
قوله: (وليس للموصى له أن يخرج العبد) إلى آخره، وقال الشافعي،
стр. 7423
أَنْ يَكُونَ المُوصَى لَهُ وَأَهْلُهُ فِي غَيْرِ الكُوفَةِ، فَيُخْرِجُهُ إِلَى أَهْلِهِ لِلْخِدْمَةِ هُنَالِكَ إِذَا كَانَ يَخْرُجُ مِنْ الثُّلُثِ لِأَنَّ الوَصِيَّةَ إِنَّمَا تَنْفُذُ عَلَى مَا يُعْرَفُ مِنْ مَقْصُودِ المُوصِي، فَإِذَا كَانُوا فِي مِصْرِهِ، فَمَقْصُودُهُ أَنْ يُمَكِّنَهُ مِنْ خِدْمَتِهِ فِيهِ بِدُونِ أَنْ يَلْزَمَهُ مَشَقَّةُ السَّفَرِ، وَإِذَا كَانُوا فِي غَيْرِهِ، فَمَقْصُودُهُ أَنْ يَحْمِلَ العَبْدَ إِلَى أَهْلِهِ لِيَخْدُمَهُمْ.
وَلَوْ أَوْصَى بِغَلَّةِ عَبْدِهِ، أَوْ بِغَلَّةِ دَارِهِ، يَجُوزُ أَيْضًا، لِأَنَّهُ بَدَلُ المَنْفَعَةِ، فَأَخَذَ حُكْمَ المَنْفَعَةِ فِي جَوَازِ الوَصِيَّةِ بِهِ، كَيْفَ وَأَنَّهُ عَيْنٌ حَقِيقَةٌ، لِأَنَّهُ دَرَاهِمُ أَوْ دَنَانِيرُ، فَكَانَ بِالجَوَازِ أَوْلَى، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ، كَانَ لَهُ ثُلُثُ غَلَّةِ تِلْكَ السَّنَةِ، لِأَنَّهُ عَيْنُ مَالِ يَحْتَمِلُ القِسْمَةَ بِالأَجْزَاءِ،
وَأحمد، وأبو ثور: له إخراجه مطلقا؛ لأنه مالك لمنفعته، فله إخراجه كالمستأجر.
وقلنا: الوصية تنفذ على ما يعرف من مقصود الموصي فإذا (١) كان الموصى له وأهله في موضع آخر فمقصود الموصي أن يحمل العبد إلى أهله ليخدمهم.
أما إذا كانوا في مصره فمقصوده أن يمكنه من خدمة العبد من غير أن يلزمه مشقة السفر، فلا يكون له أن يخرجهم من بلده.
قوله: (لأنه) أي: الغلة على تأويل المال أو ذكره بتذكير الخبر وهو المال، ولا يعلم فيه خلاف.
قوله: (فكان) أي الإيصاء بالغلة بالجواز أولى بالنسبة إلى الخدمة، فإن الخدمة منفعة محضة ليست فيها شائبة العينية، فالغلة التي هي عبارة عن مال عين، وهو الدراهم أو الدنانير بالجواز أولى.
(كان له ثلث غلة تلك السنة) يعني لو كانت الوصية بغلة عبده سنة، ولا يعلم فيه خلاف.
وقوله: (يحتمل القسمة بالأجزاء) احتراز عن الوصية بخدمة العبد، فإن هناك لم تحتمل نفس العبد القسمة بالأجزاء، وصرنا إلى استيفاء الخدمة بطريق المهايأة.
стр. 7424
فَلَوْ أَرَادَ المُوصَى لَهُ قِسْمَةَ الدَّارِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الوَرَثَةِ لِيَكُونَ هُوَ الَّذِي يَسْتَغِلُّ ثُلُثَهَا، لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ إِلَّا فِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ، فَإِنَّهُ يَقُولُ: المُوصَى لَهُ شَرِيكُ الوَارِثِ، وَلِلشَّرِيكِ ذَلِكَ، فَكَذَلِكَ لِلْمُوصَى لَهُ، إِلَّا أَنَّا نَقُولُ: المُطَالَبَةُ بِالقِسْمَةِ تُبْتَنَى عَلَى ثُبُوتِ الحَقِّ لِلْمُوصَى لَهُ فِيمَا يُلاقِيهِ القِسْمَةُ إِذْ هُوَ المُطَالِبُ، وَلَا حَقَّ لَهُ فِي عَيْنِ الدَّارِ، وَإِنَّمَا حَقَّهُ فِي الغَلَّةِ، فَلَا يَمْلِكُ المُطَالَبَةَ بِقِسْمَةِ الدَّارِ، وَلَوْ أَوْصَى لَهُ بِخِدْمَةِ عَبْدِهِ، وَلَآخَرَ بِرَقَبَتِهِ، وَهُوَ يَخْرُجُ مِنْ الثُّلُثِ: فَالرَّقَبَةُ لِصَاحِبِ الرَّقَبَةِ، وَالخِدْمَةُ عَلَيْهَا لِصَاحِبِ الخِدْمَةِ، لِأَنَّهُ أَوْجَبَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَيْئًا مَعْلُومًا عَطْفًا مِنْهُ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ، فَتُعْتَبَرُ هَذِهِ الحَالَةُ بِحَالَةِ الإِنْفِرَادِ.
قوله: (عطفا منه) أي من محمد أو الموصي، فإنه عطف قوله: (ولآخر برقبته) بالواو على قوله: (أوصى له بخدمة عبده).
وما أوجب لكل واحد منهما بطريق العطف يحتمل الوصية بانفراده، فبعطف إحدى الوصيتين على الأخرى لا تتحقق مشاركة بينهما فيما أوجبه لكل واحد منهما.
وفي المبسوط، والجامع للتمرتاشي: نفقة العبد الموصى بخدمته وكسوته على صاحب الخدمة، وبه قال الإِصْطَخْرِي من أصحاب الشافعي، وأحمد في رواية.
وقال الشافعي وأحمد في ظاهر مذهبهما على صاحب الرقبة، وبه قال أبو ثور، كالعبد المستأجر؛ لأن النفقة مؤنة، فتجب على مالك الرقبة، ولهذا تجب فطرته عليه، وفي قول للشافعي في كسبه فإن لم يف ففي بيت المال.
قلنا: العبد لا يقوى على الخدمة إلا بالنفقة، فنفقته على من يخدمه، كالمستعير فإنه ينفق على المستعار وينتفع به.
وفي المغني لابن قدامة: وهو الأصح.
أما لو أوصى بخدمة عبد لا يقدر على الخدمة وبرقبته لآخر وهو يخرج من الثلث، فالنفقة على صاحب الرقبة حتى يدرك الخدمة، فإذا استقل بالخدمة صارت نفقته على صاحب الخدمة؛ لأن بالنفقة عليه في حال الصغر تنمو العين،
стр. 7425
ثُمَّ لَمَّا صَدَّتْ الوَصِيَّةُ لِصَاحِبِ الخِدْمَةِ، فَلَوْ لَمْ يُوصِ فِي الرَّقَبَةِ مِيرَاثًا لِلْوَرَثَةِ مَعَ كَوْنِ الخِدْمَةِ لِلْمُوصَى لَهُ، فَكَذَا إِذَا أَوْصَى بِالرَّقَبَةِ لِإِنْسَانٍ آخَرَ، إِذِ الوَصِيَّةُ أُخْتُ المِيرَاثِ، مِنْ حَيْثُ إِنَّ المِلْكَ يَثْبُتُ فِيهِمَا بَعْدَ المَوْتِ. وَلَهَا نَظَائِرُ، وَهُوَ مَا إِذَا أَوْصَى بِأَمَةٍ لِرَجُلٍ، وَبِمَا فِي بَطْنِهَا لِآخَرَ، وَهِيَ تَخْرُجُ مِنْ الثُّلُثِ، أَوْ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِخَاتَم وَلِآخَرَ بِفَصِّهِ، أَوْ قَالَ: هَذِهِ القَوْصَرَةُ لِفُلَانٍ، وَمَا فِيهَا مِنَ التَّمْرِ لِفُلَانٍ، كَانَ كَمَا أَوْصَى، وَلَا شَيْءَ لِصَاحِبِ الظَّرْفِ فِي المَظْرُوفِ فِي هَذِهِ المَسَائِلِ كُلِّهَا، أَمَّا إِذَا فَصَلَ أَحَدُ الإِيجَابَيْنِ عَنْ الْآخَرِ فِيهَا فَكَذَلِكَ الجَوَابُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ.
وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ: الأَمَةُ لِلْمُوصَى لَهُ بِهَا، وَالوَلَدُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ، وَكَذَلِكَ فِي أَخَوَاتِهَا لِأَبِي يُوسُفَ: أَنَّ بِإِيجَابِهِ فِي الكَلَامِ الثَّانِي تَبَيَّنَ أَنَّ مُرَادَهُ مِنْ الكَلَامِ الأَوَّلِ
والمنفعة في ذلك لصاحب الرقبة؛ إذ الأصل أن نفقة المملوك على المالك، إلا أن يصير معدا لانتفاع الغير، كالأمة إذا زوجها وبرأها (١) فنفقتها على الزوج، وإن لم ينوها فالنفقة على المولى.
ولو جني هذا العبد ورقبته جنايته فالفداء على صاحب الخدمة؛ لأن الاستخدام يختص به المالك بالفداء ليسلم الخدمة له، ولا يسلم لصاحب الرقبة شيء في الحال، فإذا خدمه على حاله لأنه طهره من الجناية.
وفي المحيط: لو أبي صاحب الخدمة أن (٢) يفدي فداه صاحب الرقبة أو يدفعه ويطلب وصيته.
القوصرة بالتشديد والتخفيف وعاء التمر يتخذ من قصب.
(ولا شيء لصاحب الظرف) وهو الموصى له بالأمة والخاتم والقوصرة (في [المظروف]) (٣) أي: في الولد والفص والتمر.
قوله: (وكذلك الجواب عند أبي يوسف) أي: كان كما أوصى (ولا شيء لصاحب الظرف في المظروف).
قوله: (وكذلك في أخواتها) والصواب (في أختيها) وهو الخاتم مع