← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30179

معراج الدراية في شرح الهداية

الكاكي

Полный текст (7 597 стр.). Показаны 7421–7460 · переход к 7426.

стр. 7421

حَقُّ المُزَاحَمَةِ فِيمَا فِي أَيْدِيهِمْ إِذَا خَرِبَ مَا فِي يَدِهِ. وَالبَيْعُ يَتَضَمَّنُ إِبْطَالَ ذَلِكَ فَمَنَعُوا عَنْهُ. قَالَ: (فَإِنْ كَانَ مَاتَ المُوصَى لَهُ، عَادَ إِلَى الوَرَثَةِ) لِأَنَّ المُوصِيَ أَوْجَبَ الحَقَّ لِلْمُوصَى لَهُ لِيَسْتَوْفِيَ المَنَافِعَ عَلَى حُكْمِ مِلْكِهِ، فَلَو انْتَقَلَ إِلَى وَارِثِ المُوصَى لَهُ، اسْتَحَقَّهَا ابْتِدَاءً مِنْ مِلْكِ المُوصِي مِنْ غَيْرِ مَرْضَاتِهِ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ. (وَلَوْ مَاتَ المُوصَى لَهُ فِي حَيَاةِ المُوصِي، بَطَلَتْ) لِأَنَّ إِيجَابَهَا تَعَلَّقَ بِالْمَوْتِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ مِنْ قَبْلُ. وَلَوْ أَوْصَى بِغَلَّةِ عَبْدِهِ، أَوْ دَارِهِ فَاسْتَخْدَمَهُ بِنَفْسِهِ، أَوْ سَكَنَهَا بِنَفْسِهِ، قِيلَ: يَجُوزُ ذَلِكَ، لِأَنَّ قِيمَةَ المَنَافِعِ كَعَيْنِهَا فِي تَحْصِيلِ المَقْصُودِ. وَالأَصَحُ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، لِأَنَّ الغَلَّةَ دَرَاهِمُ أَوْ دَنَانِيرُ وَقَدْ وَجَبَتْ الوَصِيَّةُ بِهَا، وَهَذَا اسْتِيفَاءُ المَنَافِعِ، وَهُمَا مُتَغَايِرَانِ وَمُتَفَاوِتَانِ فِي حَقِّ الوَرَثَةِ، فَإِنَّهُ لَوْ ظَهَرَ دَيْنٌ يُمْكِنُهُمْ أَدَاؤُهُ مِنْ الغَلَّةِ بِالِاسْتِرْدَادِ مِنْهُ بَعْدَ اسْتِغْلَالِهَا، وَلَا يُمْكِنُهُمْ مِنْ المَنَافِعِ بَعْدَ اسْتِيفَائِهَا بِعَيْنِهَا، وَلَيْسَ لِلْمُوصَى لَهُ بِالخِدْمَةِ وَالسُّكْنَى أَنْ يُؤَاجِرَ العَبْدَ أَوْ الدَّارَ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَهُ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ بِالوَصِيَّةِ مَلَكَ المَنْفَعَةَ، وهو إيصاء الميت بكل منافع الدار مع علمه أن الإيصاء بالزيادة على الثلث حرام شرعًا، فلو لم يكن له مال سوى هذه الدار لم يوص بجميع منافعها احترازًا عن المحرم شرعًا، كذا قيل. قوله: (على ما بيناه من قبل) أي: في فصل اعتبار الوصية، وقد روى بعض أصحاب الشافعي وجها منه، أن المنفعة تنتقل إلى ورثة الموصى له. قوله: (استخدمه بنفسه) أي: استخدم الموصى له العبد الذي أوصى بغلته. قوله: (وقال الشافعي: له ذلك)، وبه قال مالك، وأحمد (لأنه) أي: الموصى له (ملك المنفعة)؛ لأن تمليك المنفعة بعقد مضاف إلى ما بعد الموت كتمليك المنفعة حال الحياة، فإنه لو ملك المنفعة حال الحياة بالاستئجار لملك الإجارة من غيرها، فكذا إذا (١) تملكها بالوصية بعد الموت، بخلاف الإعارة

стр. 7422

فَيَمْلِكُ تَمْلِيكَهَا مِنْ غَيْرِهِ بِبَدَلٍ أَوْ غَيْرِ بَدَلٍ، لِأَنَّهَا كَالْأَعْيَانِ عِنْدَهُ، بِخِلَافِ العَارِيَّةِ، لِأَنَّهَا إِبَاحَةٌ عَلَى أَصْلِهِ وَلَيْسَ بِتَمْلِيكِ، وَلَنَا: أَنَّ الوَصِيَّةَ تَمْلِيكُ بِغَيْرِ بَدَلٍ مُضَافٍ إِلَى مَا بَعْدَ المَوْتِ، فَلَا يَمْلِكُ تَمْلِيكَهُ بِبَدَلِ، اعْتِبَارًا بِالْإِعَارَةِ، فَإِنَّهَا تَمْلِيكُ بِغَيْرِ بَدَلٍ فِي حَالَةِ الحَيَاةِ عَلَى أَصْلِنَا، وَلَا يَمْلِكُ المُسْتَعِيرُ الإِجَارَةَ، لِأَنَّهَا تَمْلِيكُ بِبَدَلِ، كَذَا هَذَا. وَتَحْقِيقُهُ: أَنَّ التَّمْلِيكَ بِبَدَلٍ لَازِمٌ، وَبِغَيْرِ بَدَلٍ غَيْرُ لَازِمٍ، وَلَا يَمْلِكُ الْأَقْوَى بِالأَضْعَفِ، وَالأَكْثَرَ بِالأَقَلِّ، وَالوَصِيَّةُ تَبَرُّعٌ غَيْرُ لَازِمٍ، إِلَّا أَنَّ الرُّجُوعَ لِلْمُتَبَرِّعِ لَا لِغَيْرِهِ، وَالمُتَبَرِّعُ بَعْدَ المَوْتِ لَا يُمْكِنُهُ الرُّجُوعُ، فَلِهَذَا انْقَطَعَ، أَمَّا هُوَ فِي وَضْعِهِ فَغَيْرُ لَازِمٍ، وَلِأَنَّ المَنْفَعَةَ لَيْسَتْ بِمَالٍ عَلَى أَصْلِنَا، وَفِي تَمْلِيكِهَا بِالمَالِ إِحْدَاثُ صِفَةِ المَالِيَّةِ فِيهَا تَحْقِيقًا لِلْمُسَاوَاةِ فِي عَقْدِ المُعَاوَضَةِ، فَإِنَّمَا تَثْبُتُ هَذِهِ الوِلَايَةُ لِمَنْ يَمْلِكُهَا تَبَعًا لَمِلْكِ الرَّقَبَةِ، أَوْ لِمَنْ يَمْلِكُهَا بِعَقْدِ المُعَاوَضَةِ حَتَّى يَكُونُ مُمَلَّكًا لَهَا بِالصِّفَةِ الَّتِي تَمَلَّكَهَا، أَمَّا إِذَا تَمَلَّكَهَا مَقْصُودَةٌ بِغَيْرِ عِوَضٍ، ثُمَّ مَلَكَهَا بِعِوَضٍ، كَانَ مُمَلَّكًا أَكْثَرَ مِمَّا تَمَلَّكَهُ مَعْنَى، وَهَذَا لَا يَجُوزُ، وَلَيْسَ لِلْمُوصَى لَهُ أَنْ يُخْرِجَ العَبْدَ مِنْ الكُوفَةِ إِلَّا فإنها إباحة المنفعة على أصل الشافعي، فلا يملك الإعارة من غيره. قوله: (فإنها) أي: الإعارة (تمليك بغير بدل في حال الحياة على أصلنا) حتى لو قال: ملكتك منافع هذه الدار كان عارية صحيحة، وإنما لا يتعلق بها اللزوم؛ لكونها متعرية عن البدل، وكذلك الوصية غير لازم إلا أن غير الموصي لا يتمكن من الرجوع بعد موت الموصي؛ لأن الرجوع للمتبرع لا لغيره، والموصي لا يقدر على الرجوع بعد الموت. قوله: (وإنما تثبت هذه الولاية لمن يملكها) أي: المنفعة (تبعا لملك الرقبة) إلى قوله: (وهذا لا يجوز) وهكذا قرره في المبسوط. وقيل: يرد عليه إجارة الحر نفسه فإنها تجوز مع أن الحر لا يملك نفسه ويملك منفعته، إلا أن يقيد ويقول كلامنا في المملوك لا في الحر، فإن الوصية بمنفعة الحر لا تجوز. قوله: (وليس للموصى له أن يخرج العبد) إلى آخره، وقال الشافعي،

стр. 7423

أَنْ يَكُونَ المُوصَى لَهُ وَأَهْلُهُ فِي غَيْرِ الكُوفَةِ، فَيُخْرِجُهُ إِلَى أَهْلِهِ لِلْخِدْمَةِ هُنَالِكَ إِذَا كَانَ يَخْرُجُ مِنْ الثُّلُثِ لِأَنَّ الوَصِيَّةَ إِنَّمَا تَنْفُذُ عَلَى مَا يُعْرَفُ مِنْ مَقْصُودِ المُوصِي، فَإِذَا كَانُوا فِي مِصْرِهِ، فَمَقْصُودُهُ أَنْ يُمَكِّنَهُ مِنْ خِدْمَتِهِ فِيهِ بِدُونِ أَنْ يَلْزَمَهُ مَشَقَّةُ السَّفَرِ، وَإِذَا كَانُوا فِي غَيْرِهِ، فَمَقْصُودُهُ أَنْ يَحْمِلَ العَبْدَ إِلَى أَهْلِهِ لِيَخْدُمَهُمْ. وَلَوْ أَوْصَى بِغَلَّةِ عَبْدِهِ، أَوْ بِغَلَّةِ دَارِهِ، يَجُوزُ أَيْضًا، لِأَنَّهُ بَدَلُ المَنْفَعَةِ، فَأَخَذَ حُكْمَ المَنْفَعَةِ فِي جَوَازِ الوَصِيَّةِ بِهِ، كَيْفَ وَأَنَّهُ عَيْنٌ حَقِيقَةٌ، لِأَنَّهُ دَرَاهِمُ أَوْ دَنَانِيرُ، فَكَانَ بِالجَوَازِ أَوْلَى، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ، كَانَ لَهُ ثُلُثُ غَلَّةِ تِلْكَ السَّنَةِ، لِأَنَّهُ عَيْنُ مَالِ يَحْتَمِلُ القِسْمَةَ بِالأَجْزَاءِ، وَأحمد، وأبو ثور: له إخراجه مطلقا؛ لأنه مالك لمنفعته، فله إخراجه كالمستأجر. وقلنا: الوصية تنفذ على ما يعرف من مقصود الموصي فإذا (١) كان الموصى له وأهله في موضع آخر فمقصود الموصي أن يحمل العبد إلى أهله ليخدمهم. أما إذا كانوا في مصره فمقصوده أن يمكنه من خدمة العبد من غير أن يلزمه مشقة السفر، فلا يكون له أن يخرجهم من بلده. قوله: (لأنه) أي: الغلة على تأويل المال أو ذكره بتذكير الخبر وهو المال، ولا يعلم فيه خلاف. قوله: (فكان) أي الإيصاء بالغلة بالجواز أولى بالنسبة إلى الخدمة، فإن الخدمة منفعة محضة ليست فيها شائبة العينية، فالغلة التي هي عبارة عن مال عين، وهو الدراهم أو الدنانير بالجواز أولى. (كان له ثلث غلة تلك السنة) يعني لو كانت الوصية بغلة عبده سنة، ولا يعلم فيه خلاف. وقوله: (يحتمل القسمة بالأجزاء) احتراز عن الوصية بخدمة العبد، فإن هناك لم تحتمل نفس العبد القسمة بالأجزاء، وصرنا إلى استيفاء الخدمة بطريق المهايأة.

стр. 7424

فَلَوْ أَرَادَ المُوصَى لَهُ قِسْمَةَ الدَّارِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الوَرَثَةِ لِيَكُونَ هُوَ الَّذِي يَسْتَغِلُّ ثُلُثَهَا، لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ إِلَّا فِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ، فَإِنَّهُ يَقُولُ: المُوصَى لَهُ شَرِيكُ الوَارِثِ، وَلِلشَّرِيكِ ذَلِكَ، فَكَذَلِكَ لِلْمُوصَى لَهُ، إِلَّا أَنَّا نَقُولُ: المُطَالَبَةُ بِالقِسْمَةِ تُبْتَنَى عَلَى ثُبُوتِ الحَقِّ لِلْمُوصَى لَهُ فِيمَا يُلاقِيهِ القِسْمَةُ إِذْ هُوَ المُطَالِبُ، وَلَا حَقَّ لَهُ فِي عَيْنِ الدَّارِ، وَإِنَّمَا حَقَّهُ فِي الغَلَّةِ، فَلَا يَمْلِكُ المُطَالَبَةَ بِقِسْمَةِ الدَّارِ، وَلَوْ أَوْصَى لَهُ بِخِدْمَةِ عَبْدِهِ، وَلَآخَرَ بِرَقَبَتِهِ، وَهُوَ يَخْرُجُ مِنْ الثُّلُثِ: فَالرَّقَبَةُ لِصَاحِبِ الرَّقَبَةِ، وَالخِدْمَةُ عَلَيْهَا لِصَاحِبِ الخِدْمَةِ، لِأَنَّهُ أَوْجَبَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَيْئًا مَعْلُومًا عَطْفًا مِنْهُ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ، فَتُعْتَبَرُ هَذِهِ الحَالَةُ بِحَالَةِ الإِنْفِرَادِ. قوله: (عطفا منه) أي من محمد أو الموصي، فإنه عطف قوله: (ولآخر برقبته) بالواو على قوله: (أوصى له بخدمة عبده). وما أوجب لكل واحد منهما بطريق العطف يحتمل الوصية بانفراده، فبعطف إحدى الوصيتين على الأخرى لا تتحقق مشاركة بينهما فيما أوجبه لكل واحد منهما. وفي المبسوط، والجامع للتمرتاشي: نفقة العبد الموصى بخدمته وكسوته على صاحب الخدمة، وبه قال الإِصْطَخْرِي من أصحاب الشافعي، وأحمد في رواية. وقال الشافعي وأحمد في ظاهر مذهبهما على صاحب الرقبة، وبه قال أبو ثور، كالعبد المستأجر؛ لأن النفقة مؤنة، فتجب على مالك الرقبة، ولهذا تجب فطرته عليه، وفي قول للشافعي في كسبه فإن لم يف ففي بيت المال. قلنا: العبد لا يقوى على الخدمة إلا بالنفقة، فنفقته على من يخدمه، كالمستعير فإنه ينفق على المستعار وينتفع به. وفي المغني لابن قدامة: وهو الأصح. أما لو أوصى بخدمة عبد لا يقدر على الخدمة وبرقبته لآخر وهو يخرج من الثلث، فالنفقة على صاحب الرقبة حتى يدرك الخدمة، فإذا استقل بالخدمة صارت نفقته على صاحب الخدمة؛ لأن بالنفقة عليه في حال الصغر تنمو العين،

стр. 7425

ثُمَّ لَمَّا صَدَّتْ الوَصِيَّةُ لِصَاحِبِ الخِدْمَةِ، فَلَوْ لَمْ يُوصِ فِي الرَّقَبَةِ مِيرَاثًا لِلْوَرَثَةِ مَعَ كَوْنِ الخِدْمَةِ لِلْمُوصَى لَهُ، فَكَذَا إِذَا أَوْصَى بِالرَّقَبَةِ لِإِنْسَانٍ آخَرَ، إِذِ الوَصِيَّةُ أُخْتُ المِيرَاثِ، مِنْ حَيْثُ إِنَّ المِلْكَ يَثْبُتُ فِيهِمَا بَعْدَ المَوْتِ. وَلَهَا نَظَائِرُ، وَهُوَ مَا إِذَا أَوْصَى بِأَمَةٍ لِرَجُلٍ، وَبِمَا فِي بَطْنِهَا لِآخَرَ، وَهِيَ تَخْرُجُ مِنْ الثُّلُثِ، أَوْ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِخَاتَم وَلِآخَرَ بِفَصِّهِ، أَوْ قَالَ: هَذِهِ القَوْصَرَةُ لِفُلَانٍ، وَمَا فِيهَا مِنَ التَّمْرِ لِفُلَانٍ، كَانَ كَمَا أَوْصَى، وَلَا شَيْءَ لِصَاحِبِ الظَّرْفِ فِي المَظْرُوفِ فِي هَذِهِ المَسَائِلِ كُلِّهَا، أَمَّا إِذَا فَصَلَ أَحَدُ الإِيجَابَيْنِ عَنْ الْآخَرِ فِيهَا فَكَذَلِكَ الجَوَابُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ. وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ: الأَمَةُ لِلْمُوصَى لَهُ بِهَا، وَالوَلَدُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ، وَكَذَلِكَ فِي أَخَوَاتِهَا لِأَبِي يُوسُفَ: أَنَّ بِإِيجَابِهِ فِي الكَلَامِ الثَّانِي تَبَيَّنَ أَنَّ مُرَادَهُ مِنْ الكَلَامِ الأَوَّلِ والمنفعة في ذلك لصاحب الرقبة؛ إذ الأصل أن نفقة المملوك على المالك، إلا أن يصير معدا لانتفاع الغير، كالأمة إذا زوجها وبرأها (١) فنفقتها على الزوج، وإن لم ينوها فالنفقة على المولى. ولو جني هذا العبد ورقبته جنايته فالفداء على صاحب الخدمة؛ لأن الاستخدام يختص به المالك بالفداء ليسلم الخدمة له، ولا يسلم لصاحب الرقبة شيء في الحال، فإذا خدمه على حاله لأنه طهره من الجناية. وفي المحيط: لو أبي صاحب الخدمة أن (٢) يفدي فداه صاحب الرقبة أو يدفعه ويطلب وصيته. القوصرة بالتشديد والتخفيف وعاء التمر يتخذ من قصب. (ولا شيء لصاحب الظرف) وهو الموصى له بالأمة والخاتم والقوصرة (في [المظروف]) (٣) أي: في الولد والفص والتمر. قوله: (وكذلك الجواب عند أبي يوسف) أي: كان كما أوصى (ولا شيء لصاحب الظرف في المظروف). قوله: (وكذلك في أخواتها) والصواب (في أختيها) وهو الخاتم مع

стр. 7426

إِيجَابُ الأَمَةِ لِلْمُوصَى لَهُ بِهَا دُونَ الوَلَدِ، وَهَذَا البَيَانُ مِنْهُ صَحِيحٌ وَإِنْ كَانَ مَفْصُولًا، لأَنَّ الوَصِيَّةَ لَا تُلْزِمُ شَيْئًا فِي حَالِ حَيَاةِ المُوصِي فَكَانَ البَيَانُ المَفْصُولُ فِيهِ وَالمَوْصُولُ سَوَاءٌ، كَمَا فِي وَصِيَّةِ الرَّقَبَةِ وَالخِدْمَةِ. وَلِمُحَمَّدٍ: أَنَّ اسْمَ الخَاتَمِ يَتَنَاوَلُ الحَلْقَةَ وَالفَصَّ. وَكَذَلِكَ اسْمُ الجَارِيَةِ يَتَنَاوَلُهَا وَمَا فِي بَطْنِهَا. وَاسْمُ القَوْصَرَةِ كَذَلِكَ، وَمِنْ أَصْلِنَا: أَنَّ العَامَّ الَّذِي مُوجِبُهُ ثُبُوتُ الحُكْمِ عَلَى سَبِيلِ الإِحَاطَةِ بِمَنْزِلَةِ الخَاصِّ، فَقَد اجْتَمَعَ فِي الفَصِّ وَصِيَّتَانِ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا وَصِيَّةٌ بِإِيجَابٍ عَلَى حِدَةٍ، فَيُجْعَلُ الفَصُّ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، وَلَا يَكُونُ إِيجَابُ الوَصِيَّةِ فِيهِ لِلثَّانِي رُجُوعًا عَنْ الأَوَّلِ، كَمَا إِذَا أَوْصَى لِلثَّانِي بِالخَاتَمِ، بِخِلَافِ الخِدْمَةِ مَعَ الرَّقَبَةِ، لِأَنَّ اسْمَ الرَّقَبَةِ لَا يَتَنَاوَلُ الخِدْمَةَ، وَإِنَّمَا يَسْتَخْدِمُهُ المُوصَى لَهُ بِحُكْمِ أَنَّ المَنْفَعَةَ حَصَلَتْ عَلَى مِلْكِهِ، فَإِذَا أَوْجَبَ الخِدْمَةَ لِغَيْرِهِ لَا يَبْقَى لِلْمُوصَى لَهُ فِيهِ حَقٌّ، … ... … الفص، والقوصرة مع التمر. قوله: (كما في وصية الرقبة والخدمة) فإن هناك الموصول والمفصول سواء في الحكم، ثم تأخير تعليل محمد ﵀ في الكتاب. وفي المبسوط: وذكر التعليل على مذهب محمد في أصول فخر الإسلام وشمس الأئمة من غير خلاف أحد دليل على أن المعتمد والمأخوذ قول محمد. قوله: (بخلاف الخدمة مع الرقبة) يعني في الوصية بالرقبة لإنسان وبخدمته لآخر كان كما أوصى وإن كان مفصولا، ولا يكون للموصى له بالرقبة من الخدمة شيء؛ (لأن اسم الرقبة لا يتناول الخدمة) ولهذا لو أوصى بالعبد واستثنى الخدمة، أو بالدار واستثنى السكنى، أو بالبستان واستثنى الغلة المعدومة فإنه لا يصح الاستثناء، فكذلك في التخصيص؛ لما أن شرط صحة التخصيص والاستثناء أن يكون صدر الكلام متناولا للمستثنى والمخصوص، كذا في زيادات صاحب الهداية. وقوله: (وإنما يستخدمه الموصى له) أي: الموصى له بالرقبة إنما يستخدمه باعتبار أن المنفعة تحدث على ملكه، ولا حق للغير فيه، فإذا أوجب الخدمة لغيره لا يبقى للموصى له بالرقبة (فيه) أي: في الاستخدام (حق)، وكذا اسم

стр. 7427

بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ الكَلَامُ مَوْصُولًا، لِأَنَّ ذَلِكَ دَلِيلُ التَّخْصِيصِ وَالِاسْتِثْنَاءِ، فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ أَوْجَبَ لِصَاحِبِ الخَاتَمِ الحَلْقَةَ خَاصَّةٌ دُونَ الفَصِّ. قَالَ: (وَمَنْ أَوْصَى لِآخَرَ بِثَمَرَةِ بُسْتَانِهِ، ثُمَّ مَاتَ وَفِيهِ ثَمَرَةٌ، فَلَهُ هَذِهِ الثَّمَرَةُ وَحْدَهَا، وَإِنْ قَالَ: لَهُ ثَمَرَةُ بُسْتَانِي أَبَدًا، فَلَهُ هَذِهِ الثَّمَرَةُ، وَثَمَرَتُهُ فِيمَا يُسْتَقْبَلُ مَا عَاشَ، وَإِنْ أَوْصَى لَهُ بِغَلَّةِ بُسْتَانِهِ: فَلَهُ الغَلَّةُ القَائِمَةُ، وَغَلَّتُهُ فِيمَا يُسْتَقْبَلُ) وَالفَرْقُ: أَنَّ الثَّمَرَةَ اسْمٌ لِلْمَوْجُودِ عُرْفًا، فَلَا يَتَنَاوَلُ المَعْدُومَ إِلَّا بِدَلَالَةٍ زَائِدَةٍ، مِثْلُ التَّنْصِيصِ الدار لا يتناول السكنى، واسم النخيل لا يتناول الثمرة، وإنما تستحق هذه الأشياء بملك الأصل إذا لم يوجد المانع، وهنا المانع وهو الوصية للثاني موجود، فلا يمكن حمله على البيان والتخصيص. قوله: (بخلاف ما إذا كان الكلام موصولا) إلى آخره. قيل: إنما عطف الاستثناء على التخصيص بلفظ، أو لأن في التخصيص شبهة؛ لما أنه مبني على العموم، وفي العموم هاهنا قصور؛ لأن أقل العام ثلاثة، وفي الاستثناء لا يشترط كون المستثنى منه موصوفًا بهذه الصفة، كذا قيل، وفيه نوع تأمل. قوله: (ثم مات وفيه ثمرة فله هذه الثمرة) أي: الموجودة وقت الموت وإنما قيد بقوله: (وفيه ثمرة) (١) فإنه إذا لم يكن فيها والمسألة بحالها فمسألة الثمرة كمسألة الغلة، فإنه يتناول المعدوم ما عاش، ذكره في المبسوط. ثم سقي البستان وخراجه وما فيه صلاحه على صاحب الغلة؛ لأنه هو المنتفع به، كما في النفقة، والخلاف فيه كالخلاف في النفقة. قوله: (الثمرة اسم للموجود عرفًا)، في المبسوط: الثمرة اسم للموجود حقيقة، ولا يتناول الحادث إلا مجازا. أما الغلة اسم للموجود والحادث جميعًا، وإذا كان كذلك ففي الوصية بالثمرة مطلقا يدخل الموجود عند الموت لا الحادث بعده؛ لاستحالة الجمع بين الحقيقة والمجاز.

стр. 7428

عَلَى الأَبَدِ، لِأَنَّهُ لَا يَتَأَبَّدُ إِلَّا بِتَنَاوُلِ المَعْدُومِ، وَالمَعْدُومُ مَذْكُورٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا، أَمَّا الغَلَّةُ فَتَنْتَظِمُ المَوْجُودَ وَمَا يَكُونُ بِعَرَضِ الوُجُودِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى عُرْفًا، يُقَالُ: فُلَانٌ يَأْكُلُ مِنْ غَلَّةِ بُسْتَانِهِ، وَمِنْ غَلَّةِ أَرْضِهِ وَدَارِهِ، فَإِذَا أُطْلِقَتْ يَتَنَاوَلُهُمَا عُرْفًا غَيْرَ مَوْقُوفٍ عَلَى دَلَالَةٍ أُخْرَى أَمَّا الثَّمَرَةُ إِذَا أُطْلِقَتْ لَا يُرَادُ بِهَا إِلَّا المَوْجُودُ، فَلِهَذَا يَفْتَقِرُ الإِنْصِرَافُ إِلَى دَلِيلٍ زَائِدٍ. قَالَ: (وَمَنْ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِصُوفِ غَنَمِهِ أَبَدًا، أَوْ بِأَوْلَادِهَا، أَوْ بِلَبَنِهَا، ثُمَّ مَاتَ، فَلَهُ مَا فِي بُطُونِهَا مِنْ الوَلَدِ، وَمَا فِي ضُرُوعِهَا مِنْ اللَّبَنِ، وَمَا عَلَى ظُهُورِهَا مِنْ الصُّوفِ يَوْمَ يَمُوتُ المُوصِي، سَوَاءٌ قَالَ أَبَدًا، أَوْ لَمْ يَقُلْ) لِأَنَّهُ إِيجَابٌ عِنْدَ المَوْتِ، فَيُعْتَبَرُ قِيَامُ هَذِهِ الأَشْيَاءِ يَوْمَئِذٍ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ. وَالفَرْقُ: أَنَّ القِيَاسَ أما إذا اقترن به ذكر الأبد يراد به المجاز؛ فيجب استعماله في المجاز، ويكون له ما يحدث من الثمار ما عاش بمنزلة الغلة. قوله: (والمعدوم مذكور) يعني إذا نص على الأبد تدخل الثمار المعدومة باعتبار أنه مذكور لا باعتبار أن المعدوم شيء، كما إذا أوصى بثلث ماله لزيد ولا مال له، ثم اكتسب مالا عند الموت يستحق ثلثه باعتبار أن المعدوم مذكور، ولا باعتبار أن المعدوم شيء. وذكر التمرتاشي فرقا بين الغلة والثمرة أن الموصى له بالغلة إذا مات بطلت الوصية، أما الموصى له بالثمرة إذا مات وظهرت الثمرة ولها قيمة لا تبطل الوصية، وتصير الثمرة لورثة الموصى له؛ لأنه عين مال. وفي المبسوط: أنه لو باعه في حياته وأخذ ثمنه جاز البيع، وكان الثمن لورثته بعد موته. قوله: (فإذا أطلقت) أي: الغلة (يتناولهما) أي (١): القائمة والحادثة. قوله: (وهذا بخلاف) أي: الوصية بالصوف واللبن بخلاف الوصية بالثمرة والغلة.

стр. 7429

يَأْبَى تَمْلِيكَ المَعْدُومِ، لِأَنَّهُ لَا يَقْبَلُ المِلْكَ، إِلَّا أَنَّ فِي الثَّمَرَةِ وَالغَلَّةِ المَعْدُومَةِ جَاءَ الشَّرْعُ بِوُرُودِ العَقْدِ عَلَيْهَا كَالمُعَامَلَةِ وَالإِجَارَةِ، فَاقْتَضَى ذَلِكَ جَوَازَهُ فِي الوَصِيَّةِ بِالطَّرِيقِ الأَوْلَى، لِأَنَّ بَابَهَا أَوْسَعُ. أَمَّا الوَلَدُ المَعْدُومُ وَأُخْتَاهُ، فَلَا يَجُوزُ إِيرَادُ العَقْدِ عَلَيْهَا أَصْلًا، وَلَا تُسْتَحَقُّ بِعَقْدِ مَا، فَكَذَلِكَ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الوَصِيَّةِ، بِخِلَافِ المَوْجُودِ مِنْهَا، لِأَنَّهُ يَجُوزُ اسْتِحْقَاقُهَا بِعَقْدِ البَيْعِ تَبَعًا، وَبِعَقْدِ الخُلْعِ مَقْصُودًا، فَكَذَا بِالوَصِيَّةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. قوله: (كالمعاملة) أي: على قول من يجيزها، يعني لما جاز استحقاقها بعقد من العقود، فكذا بالوصية؛ لأنها أوسع العقود. أما (١) الولد المعدوم وأختاه وهو الصوف واللبن فلم يشرع استحقاقها بشيء من العقود، فلم يصلح استحقاقها بالوصية أيضًا. وفي المبسوط: إذ يقول: القياس في مسألة الصوف واللبن والولد أن يستحق الموجود، والحادث عند التنصيص على التأبيد؛ لأن المحل الذي تحدث منه هذه الزوائد يجعل مبقى على ملك الميت حكمًا لاستعماله بوصيته كما في ثمرة البستان، ولكنه استحسن فقال: ما في بطون الحيوان ليس في وسع البشر إيجاد ما ليس بموجود، فلا يصح إيجابه للغير بشيء من العقود. بخلاف الثمار فإن لصنع العباد تأثيرًا في إيجاده، ولهذا جاز عقد المعاملة، وهي شركة في الخارج، فيصح إيجاب الوصية فيما يحدث منه عند التنصيص على التأبيد، والدليل على الفرق أنه لو أوصى بيد عبده لإنسان أو رجل شاته لم تصح الوصية، ولو أوصى بقوائم الخلاف أو سعف النخل، وإن كان وصفًا للنخل فإنه يحتمل التمليك ببعض العقود، بخلاف أطراف الحيوان، فإذا ظهر الفرق فيما هو موجود منهما، وكذا فيما يحدث. قوله: (وبعقد الخلع مقصودًا) وفي الشامل: قالت لزوجها: خالغني على ما في بطن جاريتي أو غنمي صح وله ما في بطنها، وإن لم يكن في البطن شيء

стр. 7430

بَابُ وَصِيَّةِ الذِّمِّيِّ فلا شيء له، وما حدث بعده للمرأة؛ لأن ما في البطن قد يكون له قيمة وقد لا يكون، فلم يُقَوَّم، حتى لو قالت: على حمل جاريتي - وليس في بطنها حمل - تَرُدُّ المهر. وفي المحيط: أوصى بما في نخيله من الكُفُرَّى، فصار بُسْرًا أو رُطَبًا قبل موته تبطل الوصية، ولو أوصى بعنب فصار زبيبًا قبل موته بطلت، ولو أوصى برطب فصار تمرًا قبل موته لا تبطل الوصية استحسانًا لا قياسًا، كما لو أوصى بحمل أو صغير فصار كبشًا أو كبيرًا، ولو حصل هذه التغييرات بعد موت الموصي لا تبطل الوصية، والوكالة كالوصية، حتى لو حصلت هذه التغييرات قبل بيع الوكيل فلها حكم الوصية، وبعد بيعه لا تبطل الوكالة. أوصى أن يجعل داره مسجدًا إن خرج من الثلث أو لم يخرج، وأجازت الورثة يجعل مسجدًا، وإن لم يخرج من الثلث، ولم تجز الورثة يجعل ثلث داره مسجدا. أوصى بظهر مركبه في سبيل الله بطلت الوصية عند أبي حنيفة؛ لأن من أصله أن الوقف المنقول لا يجوز وإن كان مضافًا إلى ما بعد الموت. وعندهما: يصح لصحة وقف المنقول عندهما. ولو أوصى بشيء للمسجد الحرام لم يجز إلا أن ينفق على المسجد؛ لأنه ليس من أهل الملك، وذكر النفقة بمنزلة الوقف على مصالحه. وعند محمد: يصح، ويصرف إلى مصالحه تصحيحا لكلامه. ولو قال: أوصيت لفلان أو فلان لا تصح الوصية عند أبي حنيفة ﵀؛ لجهالة الموصى له. وعند أبي يوسف: لهما أن يصطلحا على أخذ الثلث. وعند محمد: الخيار للورثة أعطوا أيهما شاءوا. بَابُ وَصِيَّةِ الذِّمِّيِّ ذكر وصية الكافر بعد وصية المسلم؛ إذ الكافر تابع للمسلم في أحكام المعاملات، فذكر التابع بعد المتبوع.

стр. 7431

قَالَ: (وَإِذَا صَنَعَ يَهُودِيٌّ أَوْ نَصْرَانِيٌّ بِيعَةً، أَوْ كَنِيسَةً فِي صِحَّتِهِ، ثُمَّ مَاتَ فَهُوَ مِيرَاتٌ) لِأَنَّ هَذَا بِمَنْزِلَةِ الوَقْفِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالوَقْفُ عِنْدَهُ يُورَثُ وَلَا يَلْزَمُ، فَكَذَا هَذَا. وَأَمَّا عِنْدَهُمَا: فَلِأَنَّ هَذِهِ مَعْصِيَةٌ، فَلَا تَصِحٌ عِنْدَهُمَا. قَالَ: (وَلَوْ أَوْصَى بِذَلِكَ لِقَوْمٍ مُسَمَّينِ، فَهُوَ الثُّلُثُ) مَعْنَاهُ: إِذَا أَوْصَى أَنْ تُبْنَى دَارُهُ بِيعَةٌ، أَوْ كَنِيسَةٌ: فَهُوَ جَائِزٌ من الثُّلُثِ لِأَنَّ الوَصِيَّةَ فِيهَا مَعْنَى الاِسْتِخْلَافِ وَمَعْنَى التَّمْلِيكِ، وَلَهُ وِلَايَةُ ذَلِكَ، فَأَمْكَنَ تَصْحِيحُهُ عَلَى اعْتِبَارِ المَعْنَيَيْنِ. قَالَ: (وَإِنْ أَوْصَى بِدَارِهِ كَنِيسَةً لِقَوْمٍ غَيْرِ مُسَمَّينِ، جَازَتِ الوَصِيَّةُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: الوَصِيَّةُ بَاطِلَةٌ) (*) لِأَنَّ هَذِهِ مَعْصِيَةٌ حَقِيقَةٌ، وَإِنْ كَانَ فِي مُعْتَقَدِهِمْ قُرْبَةٌ، وَالوَصِيَّةُ بِالمَعْصِيَةِ بَاطِلَةٌ لِمَا فِي تَنْفِيذِهَا مِنْ تَقْرِيرِ المَعْصِيَةِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّ هَذِهِ قُرْبَةٌ فِي مُعْتَقَدِهِمْ، وَنَحْنُ أُمِرْنَا بِأَنْ نَتْرُكَهُمْ وَمَا يَدِينُونَ، فَتَجُوزُ بِنَاءً عَلَى قوله: (والوقف عنده) أي: عند أبي حنيفة (يورث) إذا كان لمسلم، فهذا أولى يعني إذا لم يكن مسجدًا لا يورث ولا يقال: البيعة عندهم كالمسجد في حقنا، والمسلم لو فعل داره مسجدًا لا يورث، فينبغي أن تكون البيعة كذلك؛ لأنا نقول: المسجد يحرز من حقوق العباد ويصير الله تعالى خالصا فلا يورث، ولا كذلك البيعة؛ لأن البيع عندهم لمنافع، فإن أساقفتهم تسكن فيها ويدفن فيها موتاهم، كذا في جامع قاضي خان وغيره. وعندهما: هذه معصية فلا تصح الوصية بالمعاصي، وهو قول الأئمة الثلاثة، فيورث بالاتفاق لكن على اختلاف التخريج. قوله: (وإن أوصى بذلك لقوم مسمين) أي معلومين يحصى عددهم جاز بالاتفاق، وفيه خلاف الشافعي وأحمد وأبي (١) ثور. قوله: (وقالا: الوصية باطلة)، وبه قالت الأئمة الثلاثة. وفي جامع البرهاني: قال مشايخنا: هذا الاختلاف فيما إذا أوصى ببناء بيعة أو كنيسة في القرى، أما في المصر لا يجوز باتفاق أصحابنا؛ لأنهم لا يمكنون من إحداث البيعة في الأمصار.

стр. 7432

اعْتِقَادِهِمْ؛ أَلَا يُرَى أَنَّهُ لَوْ أَوْصَى بِمَا هُوَ قُرْبَةٌ حَقِيقَةٌ مَعْصِيَةٌ فِي مُعْتَقَدِهِمْ لَا تَجُوزُ الوَصِيَّةُ، اعْتِبَارًا لِاعْتِقَادِهِمْ فَكَذَا عَكْسُهُ. ثُمَّ الفَرْقُ لِأَبِي حَنِيفَةَ بَيْنَ بِنَاءِ البِيعَةِ وَالكَنِيسَةِ وَبَيْنَ الوَصِيَّةِ بِهِ: أَنَّ البِنَاءَ نَفْسَهُ لَيْسَ بِسَبَبٍ لِزَوَالِ مِلْكِ البَانِي. وَإِنَّمَا يَزُولُ مِلْكُهُ بِأَنْ يَصِيرَ مُحَرَّرًا خَالِصًا لِلَّهِ تَعَالَى كَمَا فِي مَسَاجِدِ المُسْلِمِينَ، وَالكَنِيسَةُ لَمْ تَصِرْ مُحَرَّرَةً لِلَّهِ تَعَالَى حَقِيقَةٌ، فَتَبْقَى مِلْكًا لِلبَانِي فَتُورَثُ عَنْهُ، وَلِأَنَّهُمْ يَبْنُونَ فِيهَا الحُجُرَاتِ وَيَسْكُنُونَهَا فَلَمْ يَتَحَرَّرْ، لِتَعَلُّقِ حَقٌّ العِبَادِ بِهِ، وَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ يُورَثُ المَسْجِدُ أَيْضًا لِعَدَمِ تَحَرُّرِهِ، بِخِلَافِ الوَصِيَّةِ، لِأَنَّهُ وُضِعَ لِإِزَالَةِ المِلْكِ، إِلَّا أَنَّهُ امْتَنَعَ ثُبُوتُ مُقْتَضَاهُ فِي غَيْرِ مَا هُوَ قُرْبَةٌ عِنْدَهُمْ، فَبَقِيَ فِيمَا هُوَ قُرْبَةٌ عَلَى مُقْتَضَاهُ، فَيَزُولُ مِلْكُهُ فَلَا يُورَثُ. ثُمَّ الحَاصِلُ: أَنَّ وَصَايَا الذِّمِّيِّ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: مِنْهَا أَنْ تَكُونَ قُرْبَةٌ فِي مُعْتَقَدِهِمْ، وَلَا تَكُونَ قُرْبَةٌ فِي حَقِّنَا، وَهُوَ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَمَا إِذَا أَوْصَى الذَّمِّيُّ بِأَنْ تُذْبَحَ خَنَازِيرُهُ وَتُطْعَمَ المُشْرِكِينَ، وَهَذِهِ عَلَى الخِلَافِ إِذَا كَانَ لِقَوْمٍ غَيْرِ مُسَمَّينَ كَمَا ذَكَرْنَاهُ وَالوَجْهُ مَا بَيَّنَّاهُ. وَمِنْهَا: إِذَا أَوْصَى بِمَا يَكُونُ قُرْبَةٌ فِي حَقِّنَا، وَلَا يَكُونُ قُرْبَةٌ فِي قوله: (امتنع ثبوت مقتضاه) أي: مقتضى الوصية على تأويل الإيصاء، وهو زوال الملك فلذلك لا يورث. وفي زيادات صاحب الكتاب: سأل محمد على نفسه سؤالا، فقال: كيف يكون هذا قربة من الذمي، وإنه لا يثاب على ذلك؟ فأجاب وقال: الأحكام في حقهم إنما تنبني على ما يظهرون لا على الحقيقة. ألا ترى أنه إذا ذبح وسمى الله تحل ذبيحته، وإن كان ما يعتقده إلها ليس بإله على الحقيقة، ولو ذبح باسم المسيح لا تحل ذبيحته على ما قال علي: إذا ما سمعتموهم سموا لغير الله فلا تأكلوا. قوله: (والوجه ما بينا) أي: من الجانبين، فالاعتبار لاعتقادهم عنده، وعندهما: أنه وصية بمعصية، وهو قول الشافعي، وأبي (١) ثور، وأحمد.

стр. 7433

مُعْتَقَدِهِمْ، كَمَا إِذَا أَوْصَى بِالحَجِّ، أَوْ بِأَنْ يُبْنَى مَسْجِدٌ لِلْمُسْلِمِينَ، أَوْ بِأَنْ يُسْرَجَ فِي مَسَاجِدِ المُسْلِمِينَ، فَهَذِهِ الوَصِيَّةُ بَاطِلَةٌ بِالإِجْمَاعِ، اعْتِبَارًا لِاعْتِقَادِهِمْ، إِلَّا إِذَا كَانَ لِقَوْمٍ بِأَعْيَانِهِمْ، لِوُقُوعِهِ تَمْلِيكًا، لِأَنَّهُمْ مَعْلُومُونَ، وَالجِهَةُ مَشُورَةٌ. وَمِنْهَا: إِذَا أَوْصَى بِمَا يَكُونُ قُرْبَةٌ فِي حَقْنَا وَفِي حَقِّهِمْ، كَمَا إِذَا أَوْصَى بِأَنْ يُسْرَجَ فِي بَيْتِ المَقْدِسِ، أَوْ يُغْزَى التَّرْكُ وَهُوَ مِنْ الرُّوم، وَهَذَا جَائِزُ، سَوَاءٌ كَانَتْ لِقَوْمٍ بِأَعْيَانِهِمْ، أَوْ بِغَيْرِ أَعْيَانِهِمْ، لِأَنَّهُ وَصِيَّةٌ بِمَا هُوَ قُرْبَةٌ حَقِيقَةٌ، وَفِي مُعْتَقَدِهِمْ أَيْضًا. وَمِنْهَا: إِذَا أَوْصَى بِمَا لَا يَكُونُ قُرْبَةً لَا فِي حَقْنَا، وَلَا فِي حَقِّهِمْ، كَمَا إِذَا أَوْصَى لِلْمُغَنِّيَاتِ وَالنَّائِحَاتِ، فَإِنَّ هَذَا غَيْرُ جَائِزِ، لِأَنَّهُ مَعْصِيَةٌ فِي حَقْنَا وَفِي حَقِّهِمْ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ لِقَوْمٍ بِأَعْيَانِهِمْ فَيَصِحُ تَمْلِيكًا وَاسْتِخْلَافًا، وَصَاحِبُ الهَوَى إِنْ كَانَ لَا يَكْفُرُ، فَهُوَ فِي حَقِّ الوَصِيَّةِ بِمَنْزِلَةِ المُسْلِمِ، لِأَنَّا أُمِرْنَا بِبِنَاءِ الْأَحْكَامِ عَلَى الظَّاهِرِ، قوله: (والجهة مشورة) أي: صرف هذا المال الموصى به إلى استضاءة المسجد، وغيره خرج على وجه المشورة لا على طريق الإلزام. قال قاضي خان: فلو كان لقوم بأعيانهم صحت ويكون تمليكا، وإنها ليست بقربة في اعتقادهم؛ فلا يكون تمليكا إلى الله تعالى في اعتقادهم، فلا يصح. قوله: (وهو من الروم) أي: الموصي من الروم أو من الديلم، أو بأن يشتري العبيد من ثلث ماله ويعتق في سبيل الله، فإنها صحيحة بالاتفاق؛ لأن هذه وصية مما هو قربة حقيقة عندهم؛ فتكون صحيحة. وغاية ما في الباب أنه لا يؤجر بهذه الوصية ولا يستحق الثواب بها، واستحقاق [الثواب] (١) ليس بشرط في صحة الوصية، بل شرطها جعله الله تعالى بجهة القربة. ألا ترى أن المسلم لو أوصى بالقربة ولم تحضره النية صحت الوصية، وإن كان لا يستحق الثواب، كذا ذكره صاحب الكتاب في الزيادات.

стр. 7434

وَإِنْ كَانَ يَكْفُرُ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ المُرْتَدٌ، فَيَكُونُ عَلَى الخِلَافِ المَعْرُوفِ فِي تَصَرُّفَاتِهِ بَيْنَ أَبِي حَنِيفَةَ وَصَاحِبَيْهِ. وَفِي المُرْتَدَّةِ: الأَصَحُ أَنَّهُ تَصِحٌ وَصَايَاهَا، لِأَنَّهَا تَبْقَى عَلَى الرِّدَّةِ، بِخِلَافِ المُرْتَد، لِأَنَّهُ يُقْتَلُ أَوْ يُسْلِمُ. قَالَ: (وَإِذَا دَخَلَ الحَرْبِيُّ دَارَنَا بِأَمَانِ، فَأَوْصَى لِمُسْلِمٍ، أَوْ ذِمِّي بِمَالِهِ كُلِّهِ، جَازَ) لِأَنَّ امْتِنَاعَ الوَصِيَّةِ بِمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ لِحَقِّ الوَرَثَةِ، وَلِهَذَا تَنْفُذُ بِإِجَازَتِهِمْ، وَلَيْسَ لِوَرَثَتِهِ حَقٌّ مَرْعِيٌّ، لِكَوْنِهِمْ فِي دَارِ الحَرْبِ، إِذْ هُمْ أَمْوَاتٌ فِي حَقْنَا، وَلِأَنَّ حُرْمَةَ مَالِهِ بِاعْتِبَارِ الأَمَانِ، وَالأَمَانُ كَانَ لِحَقِّهِ لَا لِحَقِّ وَرَثَتِهِ، وَلَوْ كَانَ أَوْصَى بِأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ: أُخِذَتْ الوَصِيَّةُ، وَيُرَدُّ البَاقِي عَلَى وَرَثَتِهِ، وَذَلِكَ مِنْ حَقِّ المُسْتَأمَنِ أَيْضًا. وَلَوْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ عِنْدَ المَوْتِ، أَوْ دَبَّرَ عَبْدَهُ فِي دَارِ الإِسْلَامِ، فَذَلِكَ قوله: (على الخلاف المعروف)، وهو أن ملكه يزول عنه خلافا لهما، وقد مر بيان خلاف الأئمة الثلاثة في بيان أحكام المرتدين. فكل من قال بزوال ملكه بالردة لا تصح وصيته، وكل من قال بعدم الزوال تصح، وفي المرتدة الأصح أنها تصح وصاياه؛ لأنها تبقى على الردة، يعني لا تقبل عندنا، فإذا كانت تبقى على الردة صارت كسائر الكفار، فيصح تصرفها، ولأن الوصية لها استخلاف أو تمليك ولها ولاية كليهما. وذكر صاحب الكتاب في زياداته على خلاف هذا وقال: قال بعضهم: لا تكون بمنزلة الذمية، وهو الصحيح لا تصح منها وصية. والفرق بينها وبين الذمية أن الذمية تقر على اعتقادها، أما المرتدة لا تقر على اعتقادها. قوله: ([بماله كله]) (١) هذا إذا لم يكن ورثته معه في دار الإسلام أما لو كانت معه يتوقف على إجازتهم وإليه أشار في الكتاب بقوله وليس لورثته حق يراعى لكونهم في دار الحرب إلى آخره. قوله: (وذلك من حق المستأمن أيضًا) أي: الرد إلى ورثته من حقه أيضًا لا لحق ورثته؛ لأنه ما رضي بزوال ملكه إلى غير وارثه.

стр. 7435

صَحِيحٌ مِنْهُ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ الثُّلُثِ لِمَا بَيَّنَّا، وَكَذَلِكَ لَوْ أَوْصَى لَهُ مُسْلِمٌ، أَوْ ذِمِّيٌّ بِوَصِيَّةٍ جَازَ، لِأَنَّهُ مَا دَامَ فِي دَارِ الإِسْلَامِ فَهُوَ فِي المُعَامَلَاتِ بِمَنْزِلَةِ الذُّمِّيِّ، وَلِهَذَا تَصِحٌ عُقُودُ التَّمْلِيكَاتِ مِنْهُ فِي حَالِ حَيَاتِهِ، وَيَصِحُ تَبَرُّعُهُ فِي حَيَاتِهِ فَكَذَا بَعْدَ مَمَاتِهِ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، لِأَنَّهُ مُسْتَأْمَنُ مِنْ أَهْلِ الحَرْبِ، إِذْ هُوَ عَلَى قَصْدِ الرُّجُوعِ وَيُمَكَّنُ مِنْهُ، وَلَا يُمَكَّنُ مِنْ زِيَادَةِ المُقَامِ عَلَى السَّنَةِ إِلَّا بِالجِزْيَةِ. وَلَوْ أَوْصَى الذَّمِّيُّ بِأَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ، أَوْ لِبَعْضِ وَرَثَتِهِ، لَا يَجُوزُ اعْتِبَارًا بِالْمُسْلِمِينَ، لِأَنَّهُمْ التَزَمُوا أَحْكَامَ الإِسْلَامِ فِيمَا يَرْجِعُ إِلَى المُعَامَلَاتِ. وَلَوْ أَوْصَى لِخِلَافِ مِلَّتِهِ جَازَ، اعْتِبَارًا بِالإِرْثِ، إذ الكُفْرُ كُلُّهُ مِلَّةٌ وَاحِدَةٌ، وَلَوْ أَوْصَى لِحَرْبِيٌّ، فِي دَارِ الإِسْلَامِ: لَا يَجُوزُ، لِأَنَّ الإِرْثَ مُمْتَنِعُ قوله: (لما بينا) وهو أن امتناع الوصية بما زاد على الثلث لحق الورثة إلى آخره. قوله: (ولو أوصى له مسلم أو ذمي بوصيّة جاز)، وبه قال مالك، وأحمد، وأكثر أصحاب الشافعي، حتى قالوا: جاز الوصية للحربي في دار الحرب. أما عندنا، وبعض أصحاب الشافعي: لا يجوز في دار الحرب. وعن أبي حنيفة ﵀، وأبي يوسف: لا يجوز في دار الإسلام أيضًا. قوله: (لأنه من أهل الحرب) وقد قال الله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللهُ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [الممتحنة: ٨ - ٩] فدلت الآية أن المبرة في حق من قاتلنا لا تحل. قوله: (ولو أوصى لحربي في دار الإسلام)، وقوله: (في دار الإسلام) ظرف لأوصى لا لحربي (فإن الوصية عندنا للحربي في دار الحرب لا تجوز) باتفاق الروايات. وقد قلنا: إن عند مالك، وأحمد، وأكثر أصحاب الشافعي: يجوز؛ لما روي أنه ﷺ أعطى لعمر حلة من حرير، فقال عمر: يا رسول الله وقد قلت في الحرير ما قلت، فقال ﵊: «إنّي لَم أُعطِكَها لِتَلْبَسَها فكساها عمر أخا له مشركًا بمكة».

стр. 7436

لِتَبَايُنِ الدَّارَيْنِ، وَالوَصِيَّةُ أُخْتُهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. بَابُ الوَصِيِّ وَمَا يَمْلِكُهُ وعن أسماء بنت أبي بكر قالت: أتتني أمي راغبة عن الإسلام، فسألت رسول الله ﷺ وقلت: يا رسول الله أَفَأَصِلُها؟ قال: «نعم، وهذا فيهما صِلَةُ أهل الحرب وبرِّهِم». قلنا: هذا خبر واحد غريب غير مشهور، فلا يترك ظاهر الكتاب، مع أن هذا لا يدل على جواز الوصية لإمكان أن يكون ذلك قبل النهي أو كان لجهة غير التمليك، كذا قيل. قوله: (لتباين الدارين) أي: حقيقة وحكمًا حتى لو أوصى الذمي لحربي مستأمن يجوز. والله أعلم بالصواب. بَابُ الْوَصِيِّ وَمَا يَمْلِكُهُ لما ذكر حكم الموصى له شرع في بيان حكم الموصى إليه، وقدم الموصى له لكثرة وقوعها. وفي الصحاح: أوصى إلى رجل: جعله وصيا، والاسم: الوصاية بالكسر والفتح. وفي المحيط: ينبغي للمسلم إذا حضره الموت أن يوصي ويكتب كتاب وصيته؛ لقوله ﵇: «لَا يَحِلُّ لرجل يؤمِنُ بالله واليومِ الآخِرِ أن يبيت إلا ووصيته تحت رأسه»، ويكتب:: هذا ما أوصى فلان بن فلان، وأنه يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، وآمنتُ بجميع رسله من آدم إلى محمد، ويشهد أن الجنة حق والنار حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وأن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين. وأن العبد المذنب الضعيف المُفَرِّط في طاعته، المُقَصِّر في خدمته، المفتقر إلى رحمته، الراجي لفضله، ترك من المال الصامت كذا، ومن العقار كذا، وعليه من الديون كذا إن كان عليه، ويكتب اسم الغريم واسم أبيه وجده،

стр. 7437

قَالَ: (وَمَنْ أَوْصَى إِلَى رَجُلٍ، فَقَبِلَ الوَصِيُّ فِي وَجْهِ المُوصِي، وَرَدَّهَا فِي غَيْرِ وَجْهِهِ، فَلَيْسَ بِرَدٌ) لِأَنَّ المَيِّتَ مَضَى مُعْتَمِدًا عَلَيْهِ، فَلَوْ صَحَّ رَدُّهُ فِي غَيْرِ وَجْهِهِ فِي حَيَاتِهِ، أَوْ بَعْدَ مَمَاتِهِ، صَارَ مَغْرُورًا مِنْ جِهَتِهِ فَرَدُّ رَدَّهُ، بِخِلَافِ الوَكِيلِ بِشِرَاءِ عَبْدِ ويكتب: إن مِتُّ من مرضي هذا أوصيت بأن يُصرف ثلث مالي إلى كذا وكذا، وأوصيت إلى فلان بن فلان ليقوم بقضاء ديوني، وينفذ وصيتي، وتمهيد أسباب ورثتي، فعليه أن يتقي الله حق تقاته، ولا يتقاعد عن أمور وصيته، ولا يتقاصر عن إيفاء حقوقه واستيفائه، وإن تقاعد كان الله حسبنا عليه، ويُشْهد على ذلك. قوله: (وَرَدَّها) أي: الوصاية (في غير وجهه) أي: بغير علمه، المراد (١) من الوجه: العلم، كذا فسره في الذخيرة. (فَرَةٌ رَدَّهُ) أي: رد الوصي بغير علمه وبعد مماته، قال الشافعي وأحمد: له رده بغير علمه وبعد موته؛ لأنه متصرف في مال الغير بإذنه، فكان له عزل نفسه كالوكيل ولنا ما ذكر في الكتاب، وعن أحمد رواية في الرد بعد موته مثل قولنا. قوله: (بخلاف الوكيل) إلى آخره. في النهاية: هذا الذي ذكره مخالف لعامة روايات الكتب من الذخيرة والتتمة وأدب القاضي للصدر الشهيد وجامع المحبوبي وفتاوى قاضي خان، حيث ذُكِرَ فيها أن الوكيل لو عزل نفسه حال غيبة الموكل، وكذا من غير علمه لا ينعزل، حتى لو عزل نفسه لا يخرج عن الوكالة من العجب أن الإمام قاضي خان ذكر في جامعه ما يوافق رواية الهداية، والله أعلم بصحته، وقول الأئمة الثلاثة موافق لما ذكر في الهداية. أما الموصى له إذا قبل الوصية في حال حياة الموصي ثم رده بعد وفاته يصح رده، والفرق أن الإيصاء توكيل بعد الموت، وإضافة الوكالة إلى وقت في المستقبل جائزة، كما لو قال: وكلتك ببيع عبدي غدًا، فهذا جائز قياسًا واستحسانًا. أما الوصية في المال (٢) فتمليك في المستقبل، والقياس يأباه، كما لو قال:

стр. 7438

بِغَيْرِ عَيْنِهِ، أَوْ بِبَيْعِ مَالِهِ، حَيْثُ يَصِحُ رَدُّهُ فِي غَيْرِ وَجْهِهِ، لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ هُنَاكَ، لِأَنَّهُ حَيٌّ قَادِرٌ عَلَى التَّصَرُّفِ بِنَفْسِهِ فَإِنْ رَدَّهَا فِي وَجْهِهِ، فَهُوَ رَدُّ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلْمُوصِي وِلَايَةُ الْزَامِهِ التَّصَرُّفَ، وَلَا غُرُورَ فِيهِ، لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ أَنْ يُنِيبَ غَيْرَهُ (وَإِنْ لَمْ يَقْبَلْ وَلَمْ يَرُدَّ حَتَّى مَاتَ المُوصِي، فَهُوَ بِالخِيَارِ، إِنْ شَاءَ قَبِلَ، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَقْبَلْ) لِأَنَّ وهبتك عبدي هذا غدًا لم يصح، فإذا صح الإيصاء في حال الحياة قياسًا واستحسانا صح القبول في الحال أيضًا، فإذا صح قبوله فلا يصح رده بعد موته؛ دفعا للغرور. أما التمليك المضاف إلى وقت في المستقبل لا يصح في الحال، فصار وجوده وعدمه بمنزلة، فلم يصح القبول في الحال، ولو رده بعد موته لم يلزم الغرور؛ لأن الوصاية استخلاف في الولاية، وولاية تصرفه قائم، فكذا استخلافه يثبت في الحال. أما الوصية بالمال استخلاف في نفس الملك والملك يثبت بعد الموت، فيعتبر القبول والرد حال ثبوت الملك، وهو ما بعد الموت، ولأن المقصود من الإيصاء توفير المنفعة على الموصي ودفع الضرر عنه، وبعدما قبل الوصاية لو جاز رده بعد موته لتعذر الموصي؛ لأنه ترك النظر إليه اعتمادًا على قبوله، إلى آخر (١) ما ذكر في الكتاب. وأما في الوصية بالمال فإن المقصود هناك توفير المنفعة على الموصى له، وليس في رده بعد موته معنى الضرر والغرور؛ لأنه إذا رده لا يضيع المال بل يصير إلى وارثه، وذلك خير للموصي شرعًا، وهذه الفروق الثلاثة مستفادة من المبسوط والذخيرة والإيضاح. قوله: (وإن شاء لم يَقْبَل) ولا يُعلم فيه خلاف. فإن قيل: ينبغي أن لا يملك الرد عندنا؛ لأن الموصي اعتمد عليه على أن يقبله، وترك الإيصاء على غيره، فلو رده يصير مغرورا. قلنا: يصير مغترا لا مغرورا؛ لأنه ينبغي أن يسأله أنه يقبل أم لا يقبل،

стр. 7439

المُوصِيَ لَيْسَ لَهُ وِلَايَةُ الإِلْزَامِ، فَبَقِيَ مُخَيَّرًا، فَلَوْ أَنَّهُ بَاعَ شَيْئًا مِنْ تَرِكَتِهِ فَقَدْ لَزِمَتْهُ، لِأَنَّ ذَلِكَ دَلَالَةُ الالتِزَامِ وَالقَبُولُ، وَهُوَ مُعْتَبَرٌ بَعْدَ المَوْتِ، وَيَنْفُذُ البَيْعُ لِصُدُورِهِ مِنْ الوَصِيِّ، وَسَوَاءٌ عَلِمَ بِالوِصَايَةِ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ، بِخِلَافِ الوَكِيلِ إِذَا لَمْ يَعْلَمْ بِالتَّوْكِيلِ فَبَاعَ، حَيْثُ لَا يَنْفُذُ، لِأَنَّ الوِصَايَةَ خِلَافَةٌ، لِأَنَّهُ يَخْتَصُّ بِحَالِ انْقِطَاعِ وِلَايَةِ المَيِّتِ، فَتَنْتَقِلُ الوِلَايَةُ إِلَيْهِ، وَإِذَا كَانَتْ خِلَافَةٌ لَا تَتَوَقَّفُ عَلَى العِلْمِ كَالوِرَاثَةِ. أَمَّا التَّوْكِيلُ: إِنَابَةٌ لِثُبُوتِهِ فِي حَالِ قِيَامِ وِلَايَةِ المُنِيبِ، فَلَا يَصِحُ مِنْ غَيْرِ عِلْمِهِ كَإِثْبَاتِ المِلْكِ بِالبَيْعِ وَالشَّرَاءِ، وبني الأمر على قبوله فصار مغترا لا مغرورا، كذا في الذخيرة. قوله: (لأن ذلك) أي: البيع (دلالة التزامه وقبوله) فدليل القبول كصريحه، وكذا لو اشترى للميت بعض ما يحتاجون إليه، أو (١) اقتضى مالا أو قضاه لزمته؛ لوجود القبول دلالةً، كالمشروط له الخيار إذا وُجِدَ منه ما يدل على الإجازة والفسخ كان ذلك بمنزلة التصريح لذلك، والأصل فيه قوله ﷺ [بَرِيرَة] (٢) «إن وَطِئَكِ زوجُكِ … فلا خِيارَ لَكِ» (٣)، كذا في المبسوط (٤). قوله: (كالوراثة) يعني أن الوصاية لما كانت خلافة لثبوته أوان انقطاع ولاية الموصي فكان كالوراثة، ولو تصرف الوارث في التركة قبيل العلم بموت المورث يجوز وينفذ، ولا يملك رده، فكذا الوصاية، كذا في الذخيرة. قوله: (كإثبات الملك بالبيع والشراء) قبل القبول بأن باع شيئًا وقال: بعت هذا من فلان أو اشتريت هذا من فلان، ولم يَعْلَم، وكذا لو وهب من فلان ولم يَعْلَم فلان يتوقف نفاذ العقود على القبول، كذا هذا.

стр. 7440

وَقَدْ بَيَّنَّا طَرِيقَ العِلْمِ وَشَرْطَ الإِخْبَارِ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ الكُتُبِ. (وَإِنْ لَمْ يَقْبَلْ حَتَّى مَاتَ المُوصِي، فَقَالَ: لَا أَقْبَلُ، ثُمَّ قَالَ: أَقْبَلُ، فَلَهُ ذَلِكَ إنْ لَمْ يَكُنْ القَاضِي أَخْرَجَهُ مِنْ الوَصِيَّةِ حِينَ قَالَ: لَا أَقْبَلُ) لِأَنَّ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ: «لَا أَقْبَلُ» لَا يَبْطُلُ الإِيصَاءُ، لِأَنَّ فِي إِبْطَالِهِ ضَرَرًا بِالمَيِّتِ، وَضَرَرُ الوَصِيِّ فِي الإِبْقَاءِ مَجْبُورٌ بِالثَّوَابِ، وَدَفْعُ الأَوَّلِ وَهُوَ أَعْلَى أَوْلَى إِلَّا أَنَّ القَاضِيَ إِذَا أَخْرَجَهُ عَنْ الوِصَايَةِ يَصِحُ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ مُجْتَهَدٌ فِيهِ، إِذْ لِلْقَاضِي وِلَايَةُ دَفْعِ الضَّرَرِ، وَرُبَّمَا يَعْجِزُ عَنْ ذَلِكَ فَيَتَضَرَّرُ بِبَقَاءِ الوِصَايَةِ، فَيَدْفَعُ القَاضِي الضَّرَرَ عَنْهُ، وَيُنَصِّبُ حَافِظًا لِمَالِ قوله: (وقد بينا شرط العلم) إلى آخره، ومن تلك الكتب ما ذكر المصنف في فصل القضاء بالمواريث بقوله: (ومن أعلم من الناس بالوكالة) إلى آخره. قوله: (ودفع الأولى) وهي المضرة (وهو) أي: الأولى (أعلى) (١) يعني لما قال: لا أقبل لا يبطل الإيصاء ولم يَرْتَدَّ؛ لأنه لو بطل لوقع الموصي في الضرر، والضرر واجب الدفع، وإن كان في وجوب الإيصاء نوع ضرر على الموصي، ولكن هذا الضرر أقل من ذلك الضرر؛ لأن هذا مجبور بالثواب، وذلك غير مجبور بشيء، كذا ذكره الكشاني. وقوله: (إلا أن القاضي إذا أخرجه استثناء من قوله: (ثم قال: أقبل) (٢)، فله ذلك يعني يجوز قبوله إلا إذا أخرجه القاضي عن الوصاية حين قال: أقبل، فحينئذ لا يصح قبوله بعد ذلك، ويصح إخراج القاضي [الوصي] (٣) عن الوصاية حين قال: لا أقبل. (لأنه) أي: خروجه عن الوصاية بقوله: لا أقبل مجتهد فيه) فإن عند زفر يخرج عن الوصاية بقوله لا أقبل بلا علم الموصي فالقاضي متى أخرجه فقد قضى في فصل مجتهد فيه فينفذ هكذا قرره الإمام السرخسي ومن المشايخ من قال لا حاجة إلى هذا فإن للقاضي ولاية إخراجه عن الوصاية لو صحت بقبوله فهاهنا أولى وإليه ذهب الحلواني، كذا في أدب القاضي للصدر الشهيد.

стр. 7441

المَيِّتِ مُتَصَرِّفًا فِيهِ، فَيَنْدَفِعُ الضَّرَرُ مِنْ الجَانِبَيْنِ، فَلِهَذَا يَنْفُذُ إِخْرَاجُهُ، فَلَوْ قَالَ بَعْدَ إخْرَاجِ القَاضِي إِيَّاهُ: أَقْبَلُ، لَمْ يُلْتَفَتْ إِلَيْهِ، لِأَنَّهُ قَبِلَ بَعْدَ بُطْلَانِ الوِصَايَةِ بِإِبْطَالِ القاضي. قَالَ: (وَمَنْ أَوْصَى إِلَى عَبْدٍ، أَوْ كَافِرٍ، أَوْ فَاسِقٍ، أَخْرَجَهُمْ القَاضِي عَنْ قوله: (ومن أوصى إلى عبد) أي: عبد غيره، وبه صرح في المبسوط، ولأنه يذكر حكم وصاية عبد نفسه بعد هذا تصح الوصية إلى الرجل العاقل المسلم الحر العدل بلا خلاف العلماء، ولا يصح المجنون ولا طفل بلا خلاف أيضًا، وتصح الوصية إلى المرأة عند أكثر أهل العلم، ولم يجزه عطاء؛ لأنها لا تكون قاضية فلا تكون وصية كالمجنون. للعامة ما روي عن عمر أنه وصى إلى حفصة، ولأنها من أهل الشهادة فأشبهت الرجل، ويعتبر للقضاء الكمال في الخلفية والاجتهاد بخلاف الوصية. أما الكافر فعندنا يصح في رواية، ولكن يخرجه القاضي، وبه قال الشافعي في وجه وأحمد في رواية، وقال مالك والشافعي في وجه، وأحمد في رواية، وأبو ثور: لا يصح، وهو رواية عندنا؛ لأنه لا يلي على مسلم، وليس من أهل الشهادة ولا العدالة فلا تصح الوصية كالمجنون. وجه الروايتين مذكور في المتن. أما العبد فعند مالك وأحمد تجوز الوصية إلى العبد، سواء كان عبد نفسه أو عبد غيره؛ لأنه يجوز استنابته في الحياة فصح أن يوصى إليه كالحر، وقال النخعي والأوزاعي وابن شبرمة: تصح الوصية إلى عبد نفسه لا إلى عبد غيره، وقال أبو يوسف ومحمد والشافعي وأبو ثور: لا تصح إلى العبد بحال؛ لأنه لا يلي على ابنه بالنسب فلا يجوز أن يلي بالوصية كالمجنون، وعند أبي حنيفة ﵀ تصح إذا لم يكن في الورثة كبار وصية عبد نفسه، وفي عبد الغير في رواية لا تصح، وفي رواية تصح ولكن يخرجه القاضي كما ذكر في المتن. والخلاف في المكاتب والمدبّر، وأم الولد، ورقيق البعض كالخلاف في

стр. 7442

الوِصَايَةِ، وَنَصَّبَ غَيْرَهُمْ) وَهَذَا اللَّفْظُ يُشِيرُ إِلَى صِحَّةِ الوَصِيَّةِ، لِأَنَّ الإِخْرَاجَ يَكُونُ بَعْدَهَا. وَذَكَرَ مُحَمَّدٌ فِي الأَصْلِ: أَنَّ الوَصِيَّةَ بَاطِلَةٌ. قِيلَ: مَعْنَاهُ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الصُّوَرِ أَنَّ الوَصِيَّةَ سَتَبْطُلُ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ فِي العَبْدِ بَاطِلٌ حَقِيقَةٌ، لِعَدَمِ وِلَايَتِهِ وَاسْتِبْدَادِهِ، القن عندهم، وعندنا تجوز الوصية إلى مكاتبه أو مكاتب غيره لأنه في خلافته بمنزلة الحر، حتى لو عجز وعاد قنا كان الجواب فيه كالجواب في القن، ذكره في المبسوط (١)، والإيضاح. وأما الفاسق فعند الشافعي ومالك وأحمد في رواية: لا تصح الوصية إليه؛ لأنه ليس من أهل الشهادة، فلا يكون من أهل الولاية كالمجنون، وقال أحمد في رواية: تصح، ولكن ضم إليه أمين. وعندنا تصح الوصية إليه لأنه عاقل بالغ نافذ التصرف وله ولاية خلافة على أصلنا، حتى يجوز أن يكون قاضيًا، ولكن يخرجه الحاكم لاتهامه بالجناية بسبب الفسق. قوله: (وهذا اللفظ) أي: قوله: (أخرجهم القاضي) يشير إلى صحة الوصية، حتى لو تصرف قبل الإخراج يصح تصرفه، كذا في شرح الأقطع. (لعدم ولايته) أي: لعدم ولاية العبد على نفسه، والوصية ولاية، والرق ينافي الولاية على نفسه فيمنع على غيره. (و استبداده) أي: لعدم استبداده بنفسه؛ لأن منافعه لمولاه فالظاهر أنه يمنعه من التبرع بها على غيره، وكذا بعد إجازة المولى لا تصح أيضًا وصايته؛ لأن هذا بمنزلة الإعارة منه للعبد ولا يتعلق به اللزوم، فإذا رجع المولى عنه كان العبد عاجزا عن التصرف بالوصاية، إليه أشار في المبسوط (٢). قوله: (لعدم ولايته)، أي: ولاية الكافر على المسلم، ولهذا لا يرث من المسلم فلا يكون وصيا له؛ لأن الوصاية خلافة كالوراثة، ولهذا لا تجوز وصية الذمي إلى الحربي وهو ظاهر الرواية، وفي رواية: تصح، ويخرجه الحاكم لأنه

стр. 7443

وَفِي غَيْرِهِ: مَعْنَاهُ سَتَبْطُلُ، وَقِيلَ فِي الكَافِرِ بَاطِلٌ أَيْضًا، لِعَدَمِ وِلَايَتِهِ عَلَى المُسْلِمِ. وَوَجْهُ الصِّحَّةِ ثُمَّ الإِخْرَاجُ أَنَّ أَصْلَ النَّظَرِ ثَابِتٌ، لِقُدْرَةِ العَبْدِ حَقِيقَةٌ، وَوِلَايَةُ الفَاسِقِ عَلَى أَصْلِنَا، وَوِلَايَةُ الكَافِرِ فِي الجُمْلَةِ، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَتِمَّ النَّظَرُ، لِتَوَقُّفِ وِلَايَةِ العَبْدِ عَلَى إِجَازَةِ المَوْلَى، وَتَمْكَّنِهِ مِنْ الحَجْرِ بَعْدَهَا وَالمُعَادَاةِ الدِّينِيَّةِ البَاعِثَةِ لِلْكَافِرِ عَلَى تَرْكِ النَّظَرِ فِي حَقِّ المُسْلِمِ، وَانْهَامِ الفَاسِقِ بِالخِيَانَةِ، فَيُخْرِجُهُ القَاضِي مِنْ الوِصَايَةِ، وَيُقِيمُ غَيْرَهُ مُقَامَهُ إِثْمَامًا لِلنَّظَرِ. وَشَرَطَ فِي الأَصْلِ: أَنْ يَكُونَ الفَاسِقُ مَخُوفًا عَلَيْهِ فِي المَالِ، وَهَذَا يَصْلُحُ عُذْرًا فِي إِخْرَاجِهِ وَتَبْدِيلِهِ بِغَيْرِهِ. قَالَ: (وَمَنْ أَوْصَى إِلَى عَبْدِ نَفْسِهِ، وَفِي الوَرَثَةِ كِبَارٌ، لَمْ تَصِحَ الوَصِيَّةُ) لِأَنَّ لِلْكَبِيرِ أَنْ يَمْنَعَهُ، أَوْ يَبِيعَ نَصِيبَهُ، فَيَمْنَعَهُ المُشْتَرِي، فَيَعْجِزُ عَنْ الوَفَاءِ بِحَقِّ الوِصَايَةِ، فَلَا يُفِيدُ فَائِدَتَهُ، وَإِنْ كَانُوا صِغَارًا كُلُّهُمْ، فَالوَصِيَّةُ إِلَيْهِ جَائِزَةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَلَا تَجُوزُ عِنْدَهُمَا (*)، وَهُوَ القِيَاسُ. وَقِيلَ: قَوْلُ مُحَمَّدٍ مُضْطَرِبٌ، يَرْوِي مَرَّةً مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَتَارَةٌ مَعَ أَبِي يُوسُفَ. وَجْهُ القِيَاسِ: أَنَّ الوِلَايَةَ مُنْعَدِمَةٌ، لِمَا أَنَّ الرِّقَّ يُنَا فِيهَا، وَلِأَنَّ فِيهِ إِثْبَاتَ الوِلَايَةِ لِلْمَمْلُوكِ عَلَى المَالِكِ، وَهَذَا قَلْبُ المَشْرُوعِ، وَلِأَنَّ الوِلَايَةَ الصَّادِرَةَ مِنْ الأَبِ لَا تَتَجَزَّأُ، وَفِي اعْتِبَارِ هَذِهِ تَجْزِئَتُهَا، لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ بَيْعَ رَقَبَتِهِ، وَهَذَا نَقْضُ المَوْضُوعِ … ... … . أهل للتصرف والاستنابة فيصح، ويخرجه الحاكم لأنه لا يتولى البيوع الفاسدة، كذا في المبسوط (١). قوله: (وولاية الكافر في الجملة) عندنا، حتى لا يجوز شراؤه عبدا مسلما ويؤمر ببيعه. قوله: (ويبيع نصيبه) أي: يبيع الوارث الكبير نصيبه من العبد، وذكر البزدوي: فمتى صار بعضه موليًا عليه - وهما مما لا يتجزأ - بطل كله. قوله: (وهذا نقض الموضوع)؛ لأن موضوع الوصية أن يتولى الوصي التصرف في جميع ما بقي من الميت، وفي منعه من بيع رقبته بحرية الوصاية.

стр. 7444

وَلَهُ: أَنَّهُ مُخَاطَبٌ مُسْتَبِدٌّ بِالتَّصَرُّفِ، فَيَكُونُ أَهْلًا لِلْوِصَايَةِ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ عَلَيْهِ وِلَايَةٌ، فَإِنَّ الصِّغَارَ وَإِنْ كَانُوا مُلاكًا لَيْسَ لَهُمْ وِلَايَةُ المَنْعِ، فَلَا مُنَافَاةَ، وَإِيصَاءُ المَوْلَى إِلَيْهِ يُؤْذِنُ بِكَوْنِهِ نَاظِرًا لَهُمْ وَصَارَ كَالمُكَاتَبِ، وَالوِصَايَةُ قَدْ تَتَجَزَّأُ عَلَى مَا هُوَ المَرْوِيُّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، أَوْ نَقُولُ: يُصَارُ إِلَيْهِ كَيْ لَا يُؤَدِّيَ إِلَى إِبْطَالِ أَصْلِهِ، وَتَغْيِيرِ الوَصْفِ قوله: (وله) أي: لأبي حنيفة (أنه) أي: العبد (مخاطب) يحترز به عن الصبي والمجنون (مستبد بالتصرف يحترز به عن عبد الغير فإنه لا يستبد بنفسه لأن لمولاه أن يحجره عن التصرف، وعن عبد نفسه إذا كان في الورثة كبير فإن للكبير بيع نصيبه منه كما ذكرنا فلا يبقى له استبداد بنفسه. أما إذا كانت الورثة كلهم صغارًا فأحد لا يملك بيعه فجازت الوصية إليه، ولا يقال: للقاضي ولاية البيع في هذه المسألة؛ لأن الإيصاء إذا ثبت لم يبق للقاضي ولاية البيع من وجود الوصي، كذا في الأسرار. قوله: (يؤذن بكونه) أي: بكون العبد (ناظرًا لهم) أي: مشفقا عليهم وإلا لما اختاره للإيصاء والظاهر هذا الخلاف عند الغير لأنه [مولى عليه] (١) ولا شفقة له ظاهرا. قوله: (وصار كالمكاتب)، ولو أوصى إلى مكاتبه يجوز فكذا هذا. قوله: (على ما هو المروي عن أبي حنيفة)، روى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة أنه قال فيمن أوصى إلى إنسان في الديون: هو وصي في الدين لا غير، حتى لا يكون له التصرف في العين، خلافًا لهما، والمسألة في المنظومة وجامع المحبوبي. قوله: (أو نقول يصار إليه) أي: إلى تجزؤ الوصاية. (كيلا يؤدي إلى إبطال أصله) أي: أصل الإيصاء وهو تصرف الموصي، (وتغيير الوصف) وهو كون الوصاية غير متجزئة بجعله متجزئة أولى من تغيير الأصل وهو إبطال تصرف الموصي بالكلية.

стр. 7445

لِتَصْحِيحِ الأَصْلِ أَوْلَى. قَالَ: (وَمَنْ يَعْجَزُ عَنْ القِيَامِ بِالوَصِيَّةِ، ضَمَّ إِلَيْهِ القَاضِي غَيْرَهُ) رِعَايَةً لِحَقِّ المُوصِي وَالوَرَثَةِ، وَهَذَا لِأَنَّ تَكْمِيلَ النَّظَرِ يَحْصُلُ بِضَمِّ الْآخَرِ إِلَيْهِ لِصِيَانَتِهِ وَنَقْصِ كِفَايَتِهِ، فَيَتِمُّ النَّظَرُ بِإِعَانَةِ غَيْرِهِ، وَلَوْ شَكَا إِلَيْهِ الوَصِيُّ ذَلِكَ لَا يُجِيبُهُ حَتَّى يَعْرِفَ ذَلِكَ حَقِيقَةٌ، لِأَنَّ الشَّاكِيَ قَدْ يَكُونُ كَاذِبًا تَخْفِيفًا عَلَى نَفْسِهِ، وَإِذَا ظَهَرَ عِنْدَ القَاضِي عَجْزُهُ أَصْلًا اسْتَبْدَلَ بِهِ رِعَايَةٌ لِلنَّظَرِ مِنْ الجَانِبَيْنِ؛ وَلَوْ كَانَ قَادِرًا عَلَى التَّصَرُّفِ أَمِينًا فِيهِ لَيْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يُخْرِجَهُ، لِأَنَّهُ لَوْ اخْتَارَ غَيْرَهُ كَانَ دُونَهُ، لِمَا أَنَّهُ كَانَ مُخْتَارَ المَيِّتِ وَمَرْضِيَّهُ، فَإِبْقَاؤُهُ أَوْلَى، وَلِهَذَا قُدِّمَ عَلَى أَبِي المَيِّتِ مَعَ وُفُورِ شَفَقَتِهِ، فَأَوْلَى أَنْ يُقَدَّمَ عَلَى غَيْرِهِ، وَكَذَا إِذَا شَكَا الوَرَثَةُ، أَوْ بَعْضُهُمْ الوَصِيَّ إِلَى القَاضِي، فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَعْزِلَهُ حَتَّى يَبْدُوَ لَهُ مِنْهُ خِيَانَةٌ، لِأَنَّهُ اسْتَفَادَ الوِلَايَةَ مِنْ المَيِّتِ، غَيْرَ أَنَّهُ إِذَا ظَهَرَتْ الخِيَانَةُ فَالمَيِّتُ إِنَّمَا نَصَّبَهُ وَصِيًّا لِأَمَانَتِهِ، وَقَدْ فَاتَتْ، وَلَوْ كَانَ فِي الْأَحْيَاءِ لَأَخْرَجَهُ مِنْهَا، فَعِنْدَ عَجْزِهِ يَنُوبُ القَاضِي مَنَابَهُ كَأَنَّهُ لَا وَصِيَّ لَهُ. قَالَ: (وَمَنْ أَوْصَى إِلَى اثْنَيْنِ، لَمْ يَكُنْ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَتَصَرَّفَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ دُونَ صَاحِبِهِ) إِلَّا فِي أَشْيَاءَ مَعْدُودَةٍ نُبَيِّنَهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. (وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَنْفَرِدُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالتَّصَرُّفِ فِي جَمِيعِ الأَشْيَاءِ) (*)، قوله: (ضم إليه القاضي غيره)، وبه قالت الأئمة الثلاثة، ولا يعلم فيه خلاف. قوله: (ولهذا قدّم) أي: الوصي (لأنه) أي: الوصي استفاد الولاية من الميت، والشاكي قد يكون ظالمًا في شكواه، فلما لم تتبين جنايته لا يخرجه عن الوصاية؛ لأن الموصي اختاره في النظر، كذا في المبسوط (١). قوله: (وقال أبو يوسف: ينفرد) إلى آخره، ذكره الكاساني، قيل هذا الخلاف فيما إذا أوصى لكل واحد منهما بعقد على حدة، فعندهما لا يجوز لأحدهما أن يتصرف بدون غيره، وعنده يجوز، وبه قالت الأئمة الثلاثة.

стр. 7446

لِأَنَّ الوِصَايَةَ سَبِيلُهَا الوِلَايَةُ، وَهِيَ وَصْفٌ شَرْعِيٌّ لَا تَتَجَزَّأُ، فَيَثْبُتُ لِكُلِّ مِنْهُمَا كَمَلًا كَوِلَايَةِ الْإِنْكَاحِ لِلْأَخَوَيْنِ، وَهَذَا لِأَنَّ الوِصَايَةَ خِلَافَةٌ، وَإِنَّمَا تَتَحَقَّقُ إِذَا انْتَقَلَتْ أما إذا أوصى إليهما معًا بأن قال: أوصيتكما، فلا ينفرد أحدهما بإجماع علمائنا، وبه قالت الأئمة الثلاثة. وقال الصفار: الخلاف فيما إذا أوصى إليهما معًا بعقد واحد، ولا خلاف فيما إذا أوصى كل واحد بعقد على حدة، قال أبو الليث: وهو الأصح وبه نأخذ. وقال أبو بكر الإسكاف: الخلاف في الفصلين جميعًا. وفي المبسوط: وعند كثير من مشايخنا ينفرد كل واحد فيما إذا أوصى إليهما بعقد على حدة بلا خلاف مثل الوكيلين، ولكن الأصح أن الخلاف في الفصلين؛ لأن وجوب الوصية يكون عند الموت، وعند الموت تثبت الوصية لهما معًا، بخلاف الوكالة لأن بالإيصاء إلى الثاني يقصد إشراكه مع الأول، وهو يملك الرجوع عن الوصية فيملك إشراك الثاني معه، وقد يوصي إلى غيره على ظن أنه يتمكن من إتمام مقصوده وحده ثم يتبين له عجزه عن ذلك فيضم إليه غيره، وكان بمنزلة الوصية إليهما بخلاف الوكيلين، فإن رأي الموكل قائم هناك وإذا عجز الوكيل تمكن الموكل من المباشرة بنفسه فلم يكن قصده ضم الثاني إليه، ولهما قصده إنابة كل واحد منابه بانفراده (١). قوله: (سبيلها) أي: سبيل الوصاية الولاية بدليل أن الإيصاء يتم بقوله: أوصيت إليك، مطلقا ولو كان طريقه الإنابة لم يصح بالتنصيص على ما هو المقصود كالتوكيل، فإنه لو قال: وكلتك بمالي، لا يملك التصرف، وكذا لو قال: جعلتك حاكمًا على مالي لا يملك تنفيذ القضاء ما لم يبين له ذلك، ولما صح الإيصاء إليه مطلقا عرف أنه إثبات الولاية بطريق الخلافة، والدليل عليه أن أوان ثبوته بعد موت الموصي بخلاف التوكيل والتقليد في الحكومة، كذا في المبسوط (٢).

стр. 7447

الوِلَايَةُ إِلَيْهِ عَلَى الوَجْهِ الَّذِي كَانَ ثَابِتًا لِلْمُوصِي، وَقَدْ كَانَ بِوَصْفِ الكَمَالِ، وَلِأَنَّ اخْتِيَارَ الأَبِ إِيَّاهُمَا يُؤْذِنُ بِاخْتِصَاصِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالشَّفَقَةِ، فَيَنْزِلُ ذَلِكَ مَنْزِلَةَ قَرَابَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا. وَلَهُمَا: أَنَّ الوِلَايَةَ تَثْبُتُ بِالتَّفْوِيضِ، فَيُرَاعَى وَصْفُ التَّفْرِيضِ، وَهُوَ وَصْفُ الاجْتِمَاعِ، إِذْ هُوَ شَرْطٌ مُقَيَّدٌ، وَمَا رَضِيَ المُوصِي إِلَّا بِالمُثَنَّى، وَلَيْسَ الوَاحِدُ كَالمُثَنَّى، بِخِلَافِ الأَخَوَيْنِ فِي الإِنْكَاحِ، لِأَنَّ السَّبَبَ هُنَالِكَ القَرَابَةُ، وَقَدْ قَامَتْ بِكُلِّ مِنْهُمَا كَمَلَا، وَلِأَنَّ الإِنْكَاحَ حَقٌّ مُسْتَحَقُّ لَهَا عَلَى الوَلِيِّ، حَتَّى لَوْ طَالَبَتْهُ بِإِنْكَاحِهَا مِنْ كُفْةٍ يَخْطُبُهَا يَجِبُ عَلَيْهِ، وَهَاهُنَا حَقُّ التَّصَرُّفِ لِلْوَصِيِّ، وَلِهَذَا يَبْقَى مُخَيَّرًا فِي التَّصَرُّفِ، فَفِي الأَوَّلِ: أَوْفَى حَقًّا عَلَى صَاحِبِهِ فَصَحَّ، وَفِي الثَّانِي: اسْتَوْفَى حَقًّا لِصَاحِبِهِ، فَلَا يَصِحُ. أَصْلُهُ الدَّيْنُ الَّذِي عَلَيْهِمَا وَلَهُمَا، بِخِلَافِ الأَشْيَاءِ المَعْدُودَةِ، لِأَنَّهَا مِنْ بَابِ الضَّرُورَةِ لَا مِنْ بَابِ الوِلَايَةِ، وَمَوَاضِعُ الضَّرُورَةِ قوله: (ولهما أن الولاية تثبت بالتفويض)، يعني سبب هذه الولاية التفويض فلا بد من مراعاة وصف التفويض، وإنما توصى الولاية إليهما جملة وهذا الشرط [مقيد] (١) فلم تثبت بدون ذلك الشرط، وهذا لأنه رضي برأي الاثنين لا برأي واحد، ورأي الواحد لا يكون كرأيهما، بخلاف الأخوين في النكاح؛ لأن السبب ثمة الأخوة وهي لكل واحد على الكمال، والسبب هنا الإيصاء، وهو إليهما لا إلى واحد. قوله: (أصله الدين الذي عليهما)، أي على الاثنين حيث يصح إيفاء أحدهما نصيب صاحبه، (ولهما) أي: للاثنين على الآخر دين حيث لا يصح استيفاء أحدهما نصيب الآخر. قوله: (وهي) أي: مواضع الضرورة ما استثناه في الكتاب. قوله: (إلا في أشياء معدودة)، في المبسوط: استحسانًا في الأشياء المعدودة (٢).

стр. 7448

مُسْتَثْنَاةٌ أَبَدًا، وَهِيَ مَا اسْتَثْنَاهُ فِي الكِتَابِ وَأَخَوَاتِهَا. فَقَالَ: (إِلَّا فِي شِرَاءِ كَفَنِ المَيِّتِ وَتَجْهِيزِهِ) لِأَنَّ فِي التَّأْخِيرِ فَسَادَ المَيِّتِ، وَلِهَذَا يَمْلِكُهُ الجِيرَانُ عِنْدَ ذَلِكَ (وَطَعَامِ الصِّغَارِ وَكِسْوَتِهِمْ) لِأَنَّهُ يَخَافُ مَوْتَهُمْ جُوعًا وَعُرْيًا (وَرَدِّ الوَدِيعَةِ بِعَيْنِهَا، وَرَدّ المَغْضُوبِ وَالمُشْتَرَى شِرَاءَ فَاسِدًا، وَحِفْظِ الْأَمْوَالِ، وَقَضَاءِ الدُّيُونِ) لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ بَابِ الوِلَايَةِ، فَإِنَّهُ يَمْلِكُهُ المَالِكُ، وَصَاحِبُ الدَّيْنِ إِذَا ظَفِرَ بِجِنْسِ حَقِّهِ، وَحِفْظُ المَالِ يَمْلِكُهُ مَنْ يَقَعُ فِي يَدِهِ، فَكَانَ مِنْ بَابِ الإِعَانَةِ. وفي الأسرار إلا في ستة أشياء: تجهيز الميت، وقضاء الدين بحبس حقه، وشراء ما لا بد للصغير منه، وبيع ما يسرع إليه الفساد عند عدم الآخر، ورد الغصب والوديعة والخصومة. وقال في جامع قاضي خان: ثمانية أشياء، وزاد على ما ذكر في الأسرار: تنفيذ الوصية المعينة، وقبول الهبة، وجمع الأموال الضائعة. ويحتمل أن يكون قبول الهبة من جنس جمع الأموال الضائعة فيعدان واحدًا فتتم الثمانية. والمصنف لما رأى اختلاف الأقوال في العدد لم يتعرض للعدد، بل قال: (إلا في الأشياء المعدودة). قوله: (لأنها ليست من باب الولاية) أي: الولاية المستفادة من الموصي فإنه أي استرداد الوديعة والمغصوب والمشترى شراء فاسدًا، وعند الأئمة الثلاثة لا يجوز تفرد أحدهما في الكل. قوله: (وصاحب الدين إذا ظفر بجنس حقه) أي: يملك صاحب الدين من غير تسليم أحد، ولم يكن التسليم من باب الولاية أي: الولاية المستفادة من الوصي. قوله: (وحفظ المال) برفع (حفظ) هذا على وجه التعليل لقوله: (وقضاء الديون)، يعني أن كل واحد من الوصيين يملك قضاء الدين؛ لأنه ليس في قضاء الدين إلا حفظ المال إلى أن يقضي صاحب الدين، وكل من يقع المال في يده يملك حفظه، وهذا في قضاء الدين الذي على الميت، أما في اقتضاء الدين

стр. 7449

وَلِأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ فِيهِ إِلَى الرَّأْيِ (وَتَنْفِيذِ وَصِيَّةٍ بِعَيْنِهَا، وَعِتْقِ عَبْدٍ بِعَيْنِهِ) لِأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ فِيهِ إِلَى الرَّأْيِ (وَالخُصُومَةِ فِي حَقِّ المَيِّتِ) لِأَنَّ الاِجْتِمَاعَ فِيهَا مُتَعَذِّرٌ، وَلِهَذَا يَنْفَرِدُ بِهَا أَحَدُ الوَكِيلَيْنِ (وَقَبُولِ الهِبَةِ) لِأَنَّ فِي التَّأْخِيرِ خِيفَةَ الفَوَاتِ، وَلِأَنَّهُ يُمَلِّكُهُ الأُمَّ، وَالَّذِي فِي حِجْرِهِ، فَلَمْ يَكُنْ مِنْ بَابِ الوِلَايَةِ (وَبَيْعِ مَا يَخْشَى عَلَيْهِ التَّوَى وَالتَّلَفُ) لِأَنَّ فِيهِ ضَرُورَةٌ لَا تُخْفَى وَجَمْعِ الأَمْوَالِ الضَّائِعَةِ لِأَنَّ فِي التَّأْخِيرِ خَشْيَةَ الفَوَاتِ، وَلِأَنَّهُ يُمَلِّكُهُ كُلَّ مَنْ وَقَعَ فِي يَدِهِ، فَلَمْ يَكُنْ مِنْ بَابِ الوِلَايَةِ. وَفِي الجَامِعِ الصَّغِيرِ: وَلَيْسَ لِأَحَدِ الوَصِيَّيْنِ أَنْ يَبِيعَ وَيَتَقَاضَى، وَالمُرَادُ بِالتَّقَاضِي الاقْتِضَاءُ، كَذَا كَانَ المُرَادُ مِنْهُ فِي عُرْفِهِمْ، وَهَذَا لِأَنَّهُ رَضِيَ بِأَمَانَتِهِمَا جَمِيعًا فِي القَبْضِ، وَلِأَنَّهُ فِي مَعْنَى المُبَادَلَةِ، لَا سِيَّمَا عِنْدَ اخْتِلَافِ الجِنْسِ عَلَى مَا عُرِفَ. فَكَانَ مِنْ بَابِ الوِلَايَةِ، وَلَوْ أَوْصَى إِلَى كُلِّ وَاحِدٍ عَلَى الانْفِرَادِ، قِيلَ: يَنْفَرِدُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالتَّصَرُّفِ بِمَنْزِلَةِ الوَكِيلَيْنِ، إِذَا وَكَّلَ كُلُّ وَاحِدٍ عَلَى الانْفِرَادِ، وَهَذَا للميت على الغير فهو على الخلاف. وفي المبسوط: وأما اقتضاء الدين واسترداد الوديعة فهو على الخلاف؛ لأن هذا يقبل التأخير، ويتحقق اجتماعهما عليه، وفيه توفير المنفعة لأن حفظ الواحد لا يكون كحفظ المثنى، وإنما رضي بحفظهما (١). قوله: (وقبول الهبة) بالجر عطفا على قوله: (إلا في شراء الكفن). قوله: (وبيع ما يخشى عليه التوى)، وفي بعض النسخ: (وقبول ما يخشى). قوله: (والمراد بالتقاضي الاقتضاء) أي: القبض، وفي الكافي: البيع، والرهن، والإجارة والكتابة، والتقاضي، أي: الاقتضاء وهو القبض وما أشبه ذلك، فعلى الاختلاف لأنها (٢) مبني على الرأي والولاية فلا يكون قبض أحدهما للأمانة كقبض الآخر، فالرضا بقبضهما لا يكون رضا بقبض أحدهما، ولأنه في معنى المبادلة خصوصًا عند اختلاف الجنس.

стр. 7450

لِأَنَّهُ لَمَّا أَفْرَدَ فَقَدْ رَضِيَ بِرَأْيِ الوَاحِدِ. وَقِيلَ: الخِلافُ فِي الفَصْلَيْنِ وَاحِدٌ، وَهُوَ الأَصَحُ، لِأَنَّ وُجُوبَ الوَصِيَّةِ عِنْدَ المَوْتِ بِخِلَافِ الوَكِيلَيْنِ، لِأَنَّ الوَكَالَةَ تَتَعَاقَبُ، فَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا جَعَلَ القَاضِيَ مَكَانَهُ وَصِيًّا آخَرَ، أَمَّا عِنْدَهُمَا: فَلِأَنَّ البَاقِيَ عَاجِزٌ عَنْ التَّفَرُّدِ بِالتَّصَرُّفِ، فَيَضُمُّ القَاضِي إِلَيْهِ وَصِيًّا آخَرَ نَظَرًا لِلْمَيِّتِ عِنْدَ عَجْزِهِ. وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ: الحَيُّ مِنْهُمَا، وَإِنْ كَانَ يَقْدِرُ عَلَى التَّصَرُّفِ، فَالمُوصِي قَصَدَ أَنْ يَخْلُفَهُ مُتَصَرِّفًا فِي حُقُوقِهِ، وَذَلِكَ مُمْكِنُ التَّحَقُّقِ بِنَصْبِ وَصِيَّ آخَرَ مَكَانَ المَيِّتِ. وَلَوْ أَنَّ المَيِّتَ مِنْهُمَا أَوْصَى إِلَى الحَيِّ، فَلِلْحَيِّ أَنْ يَتَصَرَّفَ وَحْدَهُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، بِمَنْزِلَةِ مَا إِذَا أَوْصَى إِلَى شَخْصٍ آخَرَ. وَلَا يَحْتَاجُ القَاضِي إِلَى نَصْبِ وَصِيَّ آخَرَ، لِأَنَّ رَأيَ المَيِّتِ بَاقٍ حُكْمًا بِرَأي مَنْ يَخْلُفُهُ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّهُ لَا يَنْفَرِدُ بِالتَّصَرُّفِ، لِأَنَّ المُوصِيَ مَا رَضِيَ بِتَصَرُّفِهِ وَحْدَهُ، بِخِلَافِ مَا إِذَا أَوْصَى إِلَى غَيْرِهِ، لِأَنَّهُ يَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ بِرَأْيِ الْمُثَنَّى كَمَا رَضِيَهُ المُتَوَفَّى. وَإِذَا مَاتَ الوَصِيُّ وَأَوْصَى إِلَى آخَرَ، فَهُوَ وَصِيُّهُ فِي تَرِكَتِهِ وَتَرِكَةِ المَيِّتِ الأَوَّلِ عِنْدَنَا. قوله: (فلأن الباقي عاجز) (١) - وفي بعض النسخ: (ولأن الثاني) إلى آخره، وبه قالت الأئمة وعلى هذا لو جنّ، أو وجد ما يوجب عزله أقام الحاكم مقامه أمينًا، فلو أراد الحاكم رد النظر إلى الباقي منهما لم يكن له ذلك بلا خلاف، وقد روي عن بعض أصحاب الشافعي جواز ذلك في وجه؛ لأن النظر لو كان لموت الموصي من غير وصية كان له رده إلى واحد فكذلك هاهنا. وقلنا: الوصي لم يرض بتصرف واحد فوجب ضم غيره إليه؛ لأن الوصية مقدمة على نظر الحاكم واجتهاده. قوله: (وعن أبي حنيفة)، روى الحسن عن أبي حنيفة: أن الحي لا ينفرد بالتصرف؛ لأن الموصي ما رضي بتصرفه فلا يكون للوصي أن يرضى بما يعلم أن الموصي لم يرض به، وهو قياس قول الأئمة الثلاثة.

стр. 7451

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَكُونُ وَصِيًّا فِي تَرِكَةِ المَيِّتِ الأَوَّلِ، اعْتِبَارًا بِالتَّوْكِيلِ فِي حَالَةِ الحَيَاةِ، الجَامِعُ بَيْنَهُمَا: أَنَّهُ رَضِيَ بِرَأْيِهِ لَا بِرَأْيِ غَيْرِهِ. وَلَنَا: أَنَّ الوَصِيَّ يَتَصَرَّفُ بِوِلَايَةٍ مُنْتَقِلَةٍ إِلَيْهِ، فَيَمْلِكُ الإِيصَاءَ إِلَى غَيْرِهِ كَالجَدِّ؛ أَلَا يُرَى أَنَّ الوِلَايَةَ الَّتِي كَانَتْ ثَابِتَةٌ لِلْمُوصِي تَنْتَقِلُ إِلَى الوَصِيِّ فِي المَالِ وَإِلَى الجَدِّ فِي النَّفْسِ، ثُمَّ الجَدُّ قَائِمٌ مُقَامَ الأَبِ فِيمَا انْتَقَلَ إِلَيْهِ فَكَذَا الوَصِيُّ، وَهَذَا لِأَنَّ الإِيصَاءَ إِقَامَةُ غَيْرِهِ قوله: (وقال الشافعي: لا يكون وصيا في تركة الميت الأول)، وبه قال أحمد في رواية، وقال أحمد في رواية ومالك والثوري كقولنا. أما لو أذن الموصي للوصي أن يوصي إلى من شاء فله أن يوصي غيره عند أكثر أهل العلم، وحكي عن الشافعي في أحد قوليه: لا يجوز أن يوصي له غيره، كما إذا أوصى إليه مطلقا. قوله: (بالتوكيل في حالة)، يعني: إذا قال الوصي إنه وكيل في [التصرف لا] (١) يجوز له أن يتصرف في تركة الموصي فكذا هنا كذا في البدرية وفي الكافي الوصي كالوكيل [عنده لأنه] (٢) فوض إليه التصرف بعد الممات، والوكيل فوض إليه التصرف في الحياة، ثم الوكيل لا [يملك أن يوكل غيره] (٣) فكذا الوصي، والفقه فيه أنه رضي برأيه والناس يتفاوتون في الرأي. قوله: (كالجد) [فإن رضي الجد عند عدم] (٤) الأب كوصي الأب والجد إذا وكل غيره عند موته بتزويج ولد ابنه يجوز، فكذا للوصي أن يوصي إلى غيره. قوله: (وإلى الجد في النفس)، يعني في تزويج الصغار والصغائر واستيفاء القصاص، فكذا الوصي يقوم مقام الأول فيما انتقل إليه؛ لأنه خلف عن الأول وباعتبار هذه الخلافة يجعل الأول قائمًا حكمًا، والخلف يعمل عمل الأصل عند عدم الأصل، ومن شرط ثبوت الخلافة عدم الأصل.

стр. 7452

مُقَامَهُ فِيمَا لَهُ وِلَايَتُهُ، وَعِنْدَ المَوْتِ كَانَتْ لَهُ وِلَايَةٌ فِي التَّرِكَتَيْنِ، فَيَنْزِلُ الثَّانِي مَنْزِلَتَهُ فِيهِمَا، وَلِأَنَّهُ لَمَّا اسْتَعَانَ بِهِ فِي ذَلِكَ مَعَ عِلْمِهِ أَنَّهُ قَدْ تَعْتَرِيهِ المَنِيَّةُ قَبْلَ تَتْمِيمِ مَقْصُودِهِ بِنَفْسِهِ، وَهُوَ تَلَافِي مَا فَرَّطَ مِنْهُ: صَارَ رَاضِيًا بِإِيصَائِهِ إِلَى غَيْرِهِ، بِخِلَافِ الوَكِيلِ، لِأَنَّ المُوَكَّلَ حَيٌّ يُمْكِنُهُ أَنْ يُحَصِّلَ مَقْصُودَهُ بِنَفْسِهِ فَلَا يَرْضَى بِتَوْكِيلِ غَيْرِهِ وَالإِيصَاءُ إِلَيْهِ. قَالَ: (وَمُقَاسَمَةُ الوَصِيِّ المُوصَى لَهُ عَنْ الوَرَثَةِ جَائِزَةٌ، وَمُقَاسَمَتُهُ الوَرَثَةَ عَنْ المُوصَى لَهُ بَاطِلَةٌ) لِأَنَّ الوَارِثَ خَلِيفَةُ المَيِّتِ، حَتَّى يَرُدَّ بِالعَيْبِ. وَيَرُدُّ عَلَيْهِ بِهِ، وَيَصِيرُ مَغْرُورًا بِشِرَاءِ المُورِثِ، وَالوَصِيُّ خَلِيفَةُ المَيِّتِ أَيْضًا، فَيَكُونُ خَصْمًا عَنْ الوَارِثِ إِذَا كَانَ غَائِبًا، فَصَحَّتْ قِسْمَتُهُ عَلَيْهِ، حَتَّى لَوْ حَضَرَ، وَقَدْ هَلَكَ مَا فِي يَدِ الوَصِيِّ، لَيْسَ لَهُ أَنْ يُشَارِكَ المُوصَى لَهُ، أَمَّا المُوصَى لَهُ، فَلَيْسَ بِخَلِيفَةٍ عَنِ المَيِّتِ قوله: (عند الموت كانت له ولاية في التركتين)، وفي بعض النسخ: (عند الموت كانت له ولاية أي في تركة نفسه وتركة موصيه، يعني في حال حياة الوصي الأول كان له ولاية فيهما ففي ماله باعتبار ملكه، وفي مال موصيه باعتبار الوصاية فكانت تسمية التركة لماله وهو حي باعتبار ما يؤول إليه أمره. قوله: (فلا يرضى) الموكل في حياة الوكيل بتوكيل غيره والإيصاء إليه) أي: لا يرضى بإيصاء وكيله إلى غيره. قوله: (ومقاسمة الوصي الموصى له عن الورثة جائزة) إلى آخره، معنى قوله: (عن الورثة) أي: نائبًا عن الورثة، ومعنى قوله: (عن الموصى له) أي: نائبا عن الموصى له. صورته: أوصى لرجل بالثلث، وأوصى إلى رجل وله ورثة صغار أو كبار غيب، فقاسم الموصي بالموصى له وأعطاه الثلث وأمسك الباقي للورثة، فهذه القضية نافذة على الورثة، حتى لو هلك حصة الورثة في يده لم يرجع الورثة على الموصى له بشيء؛ لأن ولايته نافذة على الصغار وعلى حفظ مال الكبار، والموصى له خصم، والقسمة تصح بين الخصمين فنفذت القسمة. أما لو صالح مع الورثة عن الموصى له بأن كان صاحب الوصية غائبًا

стр. 7453

مِنْ كُلِّ وَجْهِ، لِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِسَبَبٍ جَدِيدٍ، وَلِهَذَا لَا يُرَدُّ بِالعَيْبِ وَلَا يُرَدُّ عَلَيْهِ، وَلَا فقاسم الوصي مع الورثة فأعطى الوصي الوارث حقه وأمسك الثلث للموصى له الغائب لم تنفذ القسمة على الموصى له، حتى لو هلك ما في يده كان للموصى له أن يرجع على الورثة بثلث ما في أيديهم؛ لأنه لا ولاية للموصي على الموصى له، إليه أشار في الإيضاح وغيره. فعلم أن فائدة الجواز وعدمه إنما تظهر في حق الرجوع على من وقع حقه في يده. وذكر المحبوبي محيلا إلى مبسوط شيخ الإسلام: أن قسمة الوصي مع الموصى له على الورثة جائزة في العروض دون العقار إذا كانت الورثة كبارًا غُيَّبًا لأن في القسمة معنى البيع، وهو لا يملك بيع عقار الوارث الكبير الغائب ويملك بيع منقوله، أما لو كانت الورثة كلهم صغارًا جاز مقاسمته مع الموصى له في العروض والعقار لولايته بيعهما، أما مقاسمته مع الورثة على الموصى له باطلة في العقار والعروض جميعًا سواء كان الموصى له صغيرًا أو كبيرًا، حاضرًا أو غائبًا، حتى إذا هلكت حصة الموصى له وبقيت حصة الورثة كان للموصى له أن يرجع بثلث ما بقي في يد الورثة إن كان قائما في أيديهم. قوله: (ويرد عليه به) أي: يرد على الوصي بالعيب كما لو كان الميت حيا؛ لأن الوصي قائم مقام الميت، كما أن الوارث قائم مقام الميت يصح أن يكون الوصي قائما مقام الوارث عند عجز الوارث عن المقاسمة، وهو فيما إذا كان صغيرًا وغائبًا، ولما كان قائما مقام الوارث صحت مقاسمته مع الموصى له بمنزلة مقاسمة الوارث فصحت كما يصح من الوارث، ولما صحت مقاسمته كان هلاك نصيب الوارث في يده بعد القسمة كهلاكه بعد قسمة الوارث بنفسه مع الموصى له فلا يرجع الوارث على أحد. وأما الموصى له لما لم يكن خليفة الميت بل يحصل له ملك مبتدأ، [ولهذا] (١) لا يرد بالعيب ولا يرد عليه فلم يكن الموصى له قائما مقام الميت والوصي قائم مقام الميت فلا ينوب الوصي عن الموصى له حال غيبته، فلم

стр. 7454

يَصِيرُ مَغْرُورًا بِشِرَاءِ المُوصِي، فَلَا يَكُونُ الوَصِيُّ خَلِيفَةً عَنْهُ عِنْدَ غَيْبَتِهِ، حَتَّى لَوْ هَلَكَ مَا أَفْرَزَ لَهُ عِنْدَ الوَصِيِّ كَانَ لَهُ ثُلُثُ مَا بَقِيَ، لِأَنَّ القِسْمَةَ لَمْ تَنْفُذْ عَلَيْهِ، غَيْرَ أَنَّ الوَصِيَّ لَا يَضْمَنُ، لِأَنَّهُ أَمِينٌ فِيهِ، وَلَهُ وِلَايَةُ الحِفْظِ فِي التَّرِكَةِ، فَصَارَ كَمَا إِذَا هَلَكَ بَعْضُ التَّرِكَةِ قَبْلَ القِسْمَةِ، فَيَكُونُ لَهُ ثُلُثُ البَاقِي لِأَنَّ المُوصَى لَهُ شَرِيكُ الوَارِثِ، فَيَتْوَى مَا تَوِيَ مِنْ المَالِ المُشْتَرَكِ عَلَى الشَّرِكَةِ، وَيَبْقَى مَا بَقِيَ عَلَى الشَّرِكَةِ. قَالَ: (فَإِنْ قَاسَمَ الوَرَثَةَ وَأَخَذَ نَصِيبَ المُوصَى لَهُ فَضَاعَ رَجَعَ المُوصَى لَهُ بِثُلُثِ مَا بَقِيَ) لِمَا بَيَّنَّا. قَالَ: (وَإِنْ كَانَ المَيِّتُ أَوْصَى بِحَجَّةٍ، فَقَاسَمَ فِي الوَرَثَةِ، فَهَلَكَ مَا فِي يَدِهِ، حَجَّ عَنِ المَيِّتِ مِنْ ثُلُثِ مَا بَقِيَ، وَكَذَلِكَ إِنْ دَفَعَهُ إِلَى رَجُلٍ لِيَحُجَّ عَنْهُ، فَضَاعَ فِي تصح مقاسمة الوصي مع الورثة لأجل الموصى له، فلو قاسم وهلك ما أفرزه للموصى له في يد الوصي كان له ثلث [ما بقي] (١) في يد الورثة، والوصي لا يضمن لأنه دائم على القبض الأول فكان أمينًا فيه فصار كما لو هلك [بعض مال] (٢) الشركة قبل القسمة إليه أشار الإمام قاضي خان. قوله: (ويصير مغرورا بشراء المورث)، [يعني] (٣) لو اشترى جارية ثم مات واستولدها الوارث، ثم استحقت الجارية فإنه يتمكن من الرجوع على بائع الميت ويكون الولد حرا، ولو لم يكن هو خليفة الميت لما ثبت له ولاية الرجوع على بائع الميت حتى لو باعها المورث من آخر والمسألة بحالها لا يتمكن من الرجوع على بائع بائعه؛ لأنه ليس بخليفة عن بائعه حتى يكون غروره كغروره، بخلاف الوارث مع مورثه. قوله: (وإن كان أوصى الميت بحجة فقاسم) أي: الوصي الورثة (فهلك ما في يده) أي: في يد الحاج والوصي، والحاج مدلول عليهما غير مذكور بهما. قوله: (حج عن الميت من ثلث ما بقي)، وهو الذي أفرزه الوصي للورثة.

стр. 7455

يَدِهِ) وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: إِنْ كَانَ مُسْتَغْرِفًا لِلثُّلُثِ لَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ، وَإِلَّا يَرْجِعُ بِتَمَامِ الثلث. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا يَرْجِعُ بِشَيْءٍ (*)، لِأَنَّ القِسْمَةَ حَقُّ المُوصِي، وَلَوْ أَفْرَزَ المُوصِي بِنَفْسِهِ مَالًا لِيَحُجَّ عَنْهُ فَهَلَكَ، لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ، وَبَطَلَت الوَصِيَّةُ، فَكَذَا إِذَا أَفْرَزَهُ وَصِيُّهُ الَّذِي قَامَ مَقَامَهُ. وَلِأَبِي يُوسُفَ: أَنَّ مَحَلَّ الوَصِيَّةِ الثُّلُثُ، فَيَجِبُ تَنْفِيذُهَا مَا بَقِيَ مَحَلُّهَا، وَإِذَا لَمْ يَبْقَ، بَطَلَتْ لِفَوَاتِ مَحَلِّهَا. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّ القِسْمَةَ لَا تُرَادُ لِذَاتِهَا بَلْ لِمَقْصُودِهَا، وَهُوَ تَأْدِيَةُ الحَجِّ، فَلَمْ تُعْتَبَرْ دُونَهُ، وَصَارَ كَمَا إِذَا هَلَكَ قَبْلَ القِسْمَةِ فَيَحُجُّ بِثُلُثِ مَا بَقِيَ، وَلِأَنَّ تَمَامَهَا بِالتَّسْلِيمِ إِلَى الجِهَةِ المُسَمَّاةِ، إِذْ لَا قَابِضَ لَهَا، فَإِذَا لَمْ يُصْرَفْ إِلَى ذَلِكَ الوَجْهِ لَمْ يَتِمَّ، فَصَارَ كَهَلَاكِهِ قَبْلَهَا. قَالَ: (وَمَنْ أَوْصَى بِثُلُثِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، فَدَفَعَهَا الوَرَثَةُ إِلَى القَاضِي، فَقَسَمَهَا وَالمُوصَى لَهُ غَائِبٌ، فَقِسْمَتُهُ جَائِزَةٌ) لِأَنَّ الوَصِيَّةَ صَحِيحَةٌ، وَلِهَذَا لَوْ مَاتَ المُوصَى صورته ما ذكر قاضي خان في جامعه: أوصى أن يحج عنه وترك أربعة آلاف، ومقدار الحج ألف، وأخذ الوصي ألفًا إلى من يحج عنه فسرقت في الطريق، فعند أبي حنيفة ﵀ يؤخذ ثلث ما بقي من التركة وهو ألف، فلو سرقت ثانيًا يؤخذ ثلث ما بقي مرة أخرى هكذا. وعند أبي يوسف يؤخذ ما بقي من ثلث جميع المال وذلك ثلاثمائة وثلاثة وثلاثون وثلث، فإن سرقت ثانيًا لا يؤخذ مرة أخرى، وعند محمد إذا سرقت الألف الأول بطلت الوصية ولا يؤخذ مرة أخرى سواء بقي من الثلث الأول شيء أو لا، وقد مرت المسألة في الحج مع بيان اختلاف العلماء. قوله: (فقسمته جائزة) أي: قسمة القاضي، حتى لو هلك ما في يد القاضي ثم حضر الغائب لا يرجع على الورثة بشيء. والفرق بين القاضي والوصي أن للقاضي ولاية على الغائب فيما ينفعه، ولهذا يملك بيع ما يخشى عليه التوى، فكان قسمة القاضي كقسمة الموصى له لما أن القاضي يصير ناظرًا لمن يعجز تنفيذ أمره، وفي تنفيذ أمره وفي قسمته

стр. 7456

لَهُ قَبْلَ القَبُولِ تَصِيرُ الوَصِيَّةُ مِيرَاثًا لِوَرَثَتِهِ، وَالقَاضِي نَصَّبَ نَاظِرًا لَا سِيَّمَا فِي حَقِّ المَوْتَى وَالغُيَّبِ، وَمِنْ النَّظَرِ إِفْرَازُ نَصِيبِ الغَائِبِ وَقَبْضِهِ، فَنَفَذَ ذَلِكَ وَصَحَّ، حَتَّى لَوْ حَضَرَ الغَائِبُ وَقَدْ هَلَكَ المَقْبُوضُ، لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَى الوَرَثَةِ سَبِيلٌ. قَالَ: (وَإِذَا بَاعَ الوَصِيُّ عَبْدًا مِنْ التَّرِكَةِ بِغَيْرِ مَحْضَرٍ مِنْ الغُرَمَاءِ، فَهُوَ جَائِزٌ) لِأَنَّ الوَصِيَّ قَائِمٌ مَقَامَ المُوصِي، وَلَوْ تَوَلَّى حَيًّا بِنَفْسِهِ يَجُوزُ بَيْعُهُ بِغَيْرِ مَحْضَرٍ مِنْ الغُرَمَاءِ، وَإِنْ كَانَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ، فَكَذَا إِذَا تَوَلَّاهُ مَنْ قَامَ مَقَامَهُ، وَهَذَا لِأَنَّ حَقَّ الغُرَمَاءِ مُتَعَلِّقٌ بِالمَالِيَّةِ لَا بِالصُّورَةِ، وَالبَيْعُ لَا يُبْطِلُ المَالِيَّةَ لِفَوَاتِهَا إِلَى خَلَفٍ وَهُوَ الثَّمَنُ، بِخِلَافِ العَبْدِ المَدْيُونِ، لِأَنَّ لِلْغُرَمَاءِ حَقَّ الاسْتِسْعَاءِ، وَأَمَّا هَاهُنَا فَبِخِلَافِهِ. قَالَ: (وَمَنْ أَوْصَى بِأَنْ يُبَاعَ عَبْدُهُ، … ... … ... … .. ذلك، بخلاف الوصي لأنه لا ولاية له على الموصى له بوجه، ولهذا لا يبيع شيئًا من ماله فلا تنفذ قسمته عليه، إليه أشار الإمام قاضي خان. وذكر المحبوبي هذا الذي من قسمة القاضي فيما إذا كانت التركة مما يكال ويوزن لأن القسمة فيهما [تميز (١)] لا مبادلة حتى ينفرد أحد الشريكين من غير قضاء ولا رضا، ويجوز لأحدهما أن يبيع نصيبه مرابحة على ما قام عليه من الثمن، وأما فيما لا يكال ولا يوزن لا يجوز لأن القسمة فيه مبادلة كالبيع، وبيع مال الغائب لا يجوز فكذا القسمة. قوله: (ولو تولى حيًّا) أي لو باع الموصي بنفسه حال حياته (يجوز بيعه بغير حضورهم. وإن كان مريضًا) أي: إذا باعه بمثل قيمته، فكذا إذا باعه وصيه لأن حق الغرماء متعلق بماليته لا بعينه، والبيع لا يبطل ماليته لفواتها إلى خلف وهو الثمن، أما العبد المأذون المديون يتعلق حق الغرماء في عين العبد بالسعاية والبيع يبطله فكان مبطلا حق الغرماء فلا يصح بغير إجازتهم. قوله: (أوصى بأن يباع عبده)، وفي الكافي: أي من فلان.

стр. 7457

وَيَتَصَدَّقَ بِثَمَنِهِ عَلَى المَسَاكِينِ، فَبَاعَهُ الوَصِيُّ وَقَبَضَ الثَّمَنَ، فَضَاعَ فِي يَدِهِ، فَاسْتُحِقَّ العَبْدُ، ضَمِنَ الوَصِيُّ) لِأَنَّهُ هُوَ العَاقِدُ فَتَكُونُ العُهْدَةُ عَلَيْهِ، وَهَذِهِ عُهْدَةٌ، لِأَنَّ المُشْتَرِيَ مِنْهُ مَا رَضِيَ بِبَذْلِ الثَّمَنِ إِلَّا لِيُسَلِّمَ لَهُ المَبِيعَ، وَلَمْ يُسَلِّمْ، فَقَدْ أَخَذَ الوَصِيُّ البَائِعُ مَالَ الغَيْرِ بِغَيْرِ رِضَاهُ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ رَدُّهُ. قَالَ: (وَيَرْجِعُ فِيمَا تَرَكَ المَيِّتُ) لِأَنَّهُ عَامِلٌ لَهُ، فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ كَالوَكِيلِ. وَكَانَ أَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ أَوَّلًا: لَا يَرْجِعُ، لِأَنَّهُ ضَمِنَ بِقَبْضِهِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مَا ذَكَرْنَا، وَيَرْجِعُ فِي جَمِيعِ التَّرِكَةِ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ: أَنَّهُ يَرْجِعُ فِي الثُّلُثِ لِأَنَّ الرُّجُوعَ بِحُكْمِ الوَصِيَّةِ، فَأَخَذَ حُكْمَهَا، وَمَحَلُّ الوَصِيَّةِ الثُّلُثُ. وَجْهُ الظَّاهِرِ: أَنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِحُكْمِ الغُرُورِ، وَذَلِكَ دَيْنٌ عَلَيْهِ، وَالدَّيْنُ يُقْضَى [قوله]: (١) (ضمن الوصي) أي: الثمن. قوله: (فتكون العهدة عليه) أي: على الوصي ويرجع الوصي في تركة الميت لأنه عامل للميت في تنفيذ وصيته فيرجع عليه كالوكيل، وكان أبو حنيفة ﵀ يقول أولا: لا ير لانه ضمن بفعله وهو القبض فلا يرجع على غيره، ثم رجع وقال: يرجع. يرجع قوله: (لأن الرجوع بحكم الوصية)؛ لأنه لتنفيذها (أخذ حكمها) أي: حكم الوصية فيتقيد بمحل الوصية. قوله: (أنه) أي: الوصي، (يرجع عليه) أي: على الميت (بحكم الغرور)؛ لأن الميت غَرَّهُ حيث أمره ببيع عبده ويتصدق بثمنه فكان قائلا له: إن هذا العبد ملكي وكان مغرورا من جهته، كذا ذكره قاضي خان. وفي الذخيرة محيلا إلى المنتقى: أن الوصي يرجع على المساكين لا على الميت، والقياس هذا لأن غنم تصرف الوصي يعود إلى المساكين فغرمه يجب أن يكون عليهم، وهذه الرواية تخالف رواية الجامع الصغير، ووجه رواية الجامع الصغير أن الميت أصل في غنم هذا التصرف وهو الثواب، والفقير تبع له.

стр. 7458

مِنْ جَمِيعِ التَّرِكَةِ، بِخِلَافِ القَاضِي، أَوْ أَمِينِهِ إِذَا تَوَلَّى البَيْعَ، حَيْثُ لَا عُهْدَةَ عَلَيْهِ، لِأَنَّ فِي إِلْزَامِهَا القَاضِيَ تَعْطِيلُ القَضَاءِ، إِذْ يَتَحَامَى عَنْ تَقَلُّدِ هَذِهِ الْأَمَانَةِ حَذَرًا عَنْ لُزُومِ الغَرَامَةِ، فَتَتَعَطَّلُ مَصْلَحَةُ العَامَّةِ، وَأَمِينُهُ سَفِيرٌ عَنْهُ كَالرَّسُولِ، وَلَا كَذَلِكَ الوَصِيُّ، لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الوَكِيلِ وَقَدْ مَرَّ فِي كِتَابِ القَضَاءِ، فَإِنْ كَانَتْ التَّرِكَةُ قَدْ هَلَكَتْ، أَوْ لَمْ يَكُنْ بِهَا وَفَاءٌ: لَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ، كَمَا إِذَا كَانَ عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنُ آخَرُ. قَالَ: (وَإِنْ قَسَمَ الوَصِيُّ المِيرَاثَ، فَأَصَابَ صَغِيرًا مِنْ الوَرَثَةِ عَبْدٌ، فَبَاعَهُ وَقَبَضَ الثَّمَنَ، فَهَلَكَ واسْتُحِقَّ العَبْدُ، رَجَعَ فِي مَالِ الصَّغِيرِ) لِأَنَّهُ عَامِلٌ لَهُ، وَيَرْجِعُ الصَّغِيرُ عَلَى الوَرَثَةِ بِحِصَّتِهِ، لِانْتِقَاضِ القِسْمَةِ بِاسْتِحْقَاقِ مَا أَصَابَهُ. قَالَ: (وَإِذَا احْتَالَ الوَصِيُّ، بِمَالِ اليَتِيمِ، فَإِنْ كَانَ خَيْرًا لِلْيَتِيمِ جَازَ) … ... … .. قوله: (وقد مر في كتاب القضاء) في آخر فصل القضاء بالمواريث، وهو أنه لا عهدة على أمين القاضي. قوله: (أو لم يكن [بها]) (١) أي: بالتركة وفاء بأن لم يفضل عن التكفين والتجهيز (لم يرجع) الوصي لأن البيع وقع للميت لا للورثة، [وصار كسائر] (٢) الديون التي تكون على الأموات المفاليس. قوله: (رجع) أي: الوصي في مال الصغير [لأنه عامل له] (٣)، هذا إذا باع للصغير بأمر القاضي أو بغير أمره، أما لو باع للغرماء بأمر القاضي وقبض الثمن وهلك في يده ثم استحق العبد ورجع المشتري عليه فالقاضي (٤) يرجع على الغرماء لأنه عامل لهم، وإن باعه بأمر الغريم لا بأمر القاضي فكذلك، كذا ذكره قاضي خان. قوله: (وإذا احتال الوصي بمال اليتيم) أي: إذا صار الوصي محتالا له في قبض الدين الذي كان لليتيم على آخر.

стр. 7459

وَهُوَ أَنْ يَكُونَ أَمْلَأَ، إذ الوِلَايَةُ نَظَرِيَّةٌ، وَإِنْ كَانَ الأَوَّلُ أَمْلَأَ، لَا يَجُوزُ، لِأَنَّ فِيهِ تَضْيِيعَ مَالِ اليَتِيمِ عَلَى بَعْضِ الوُجُوهِ. قَالَ: (وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الوَصِيِّ، وَلَا شِرَاؤُهُ، إِلَّا بِمَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِي مِثْلِهِ) لِأَنَّهُ (وهو أن يكون أملأ) أي: المحتال عليه أملاً، ولو كان أفلس لا يجوز، ولو كان سواء لا يجوز، كذا ذكره المحبوبي. وفي الذخيرة: إذا كانا سواء اختلف الناس فيه، وأشار في الكتاب إلى أنه لا يجوز. وذكر المحبوبي: إن كان الثاني مثل الأول لا يجوز، بخلاف بيعه مال اليتيم بمثل القيمة حيث يجوز. والحوالة لا تجوز لما أن البيع معاوضة من كل وجه، والوصي يملك الاعتياض بمال اليتيم إذا لم يكن فيه غبن فاحش، فأما الحوالة فليست بمعاوضة من كل وجه حتى تجوز الحوالة بالمسلم فيه ورأس مال السلم، ولو كانت مبادلة من كل وجه كان استبدالا بهما بالحوالة وذلك لا يصح، وإذا لم تكن مبادلة من كل وجه كانت بمنزلة الهبة بشرط العوض والقاضي لا يملك ذلك في مال اليتيم عند أبي حنيفة ومحمد أما عند أبي يوسف يملك الهبة بشرط العوض في ماله فيجب أن يكون هذا على ذلك أيضًا. وفي جامع الإسبيجابي: هذا إذا ثبت الدين بمداينة الميت، فأما لو ثبت بمداينة الوصي فإنه يجوز قبول الحوالة سواء كان الثاني مثل الأول أو أملأ أو أفلس، غير أنه إن كان أملاً جاز بالاتفاق، وإن لم يكن أملأ يجوز عند أبي حنيفة ومحمد، وعند أبي يوسف لا يجوز. قوله: (على بعض الوجوه)، وهو أن يكون المحتال عليه مفلسا ولكن القاضي لم يقض بإفلاسه حيث لا يتمكن الوصي من استيفائه لإفلاسه والرجوع على المحيل لعدم القضاء بإفلاسه فكان [تضييع] (١) ماله بهذا الطريق. قوله: (ولا يجوز بيع الوصي ولا شراؤه إلا بما يتغابن الناس) وهو الغبن

стр. 7460

لَا نَظَرَ فِي الْغَبْنِ الْفَاحِشِ، بِخِلَافِ الْيَسِيرِ، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ، فَفِي اعْتِبَارِهِ انْسِدَادُ بَابِهِ. وَالصَّبِيُّ الْمَأْذُونُ وَالْعَبْدُ الْمَأْذُونُ وَالْمُكَاتَبُ يَجُوزُ بَيْعُهُمْ وَشِرَاؤُهُمْ بِالْغَبْنِ الْفَاحِشِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، لِأَنَّهُمْ يَتَصَرَّفُونَ بِحُكْمِ الْمَالِكِيَّةِ، وَالْإِذْنُ فَلَكَ الْحَجْرِ، بِخِلَافِ الْوَصِيِّ، لِأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ بِحُكْمِ النِّيَابَةِ الشَّرْعِيَّةِ نَظَرًا، فَيَتَقَيَّدُ بِمَوْضِعِ اليسير، وقد مر تفسير الغبن اليسير والفاحش في الوكالة، وكذلك الأب لأن الولاية نظرية، قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢]، والنظر فيما لم يكن فيه غبن، لكن اليسير يحتمل لأن في اعتباره تعطيل مصالحه لعدم إمكان الاحتراز عنه، هذا إذا باع الوصي مال اليتيم من أجنبي. أما إذا اشترى الوصي من ماله لنفسه أو باع ماله للصغير جاز عند أبي حنيفة، ورواية عن أبي يوسف إذا كان للصغير فقد منفعة ظاهرة. وتفسيره: أن يبيع ما يساوي خمسة عشر بعشرة، أو يشتري ما يساوي عشرة بخمسة عشر، أما إذا لم يكن فيه منفعة ظاهرة لا يجوز، وعلى قول محمد وأظهر الروايتين عن أبي يوسف: لا يجوز على كل حال، وبه قالت الأئمة الثلاثة. أما وصي القاضي لا يجوز بيعه من نفسه في الأحوال كلها لأنه وكيل، والوكيل بالبيع لو باع من نفسه لا يجوز بالإجماع، وبخلاف الأب لأنه لو باع ماله من نفسه بمثل القيمة، أو بغبن يسير يجوز لأن الأب أوفر شفقة من الوصي فلا يقصر في أموره ظاهرا، هذا كله في المنقول. أما لو باع الوصي (١) عقار الصغير أو ضياعه من أجنبي بمثل القيمة يجوز، هذا جواب السلف. أما المتأخرون قالوا: إنما يجوز بأحد شروط ثلاثة: بأن يرغب المشتري فيها بضعف القيمة إذ للصغير حاجة إلى ثمنها، أو على الميت دين ولا وفاء له إلا بها، قال الصدر الشهيد: وبه يفتى.
следующие страницы →