← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30179

معراج الدراية في شرح الهداية

الكاكي

Полный текст (7 597 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

(وَمَنْ صَلَّى مَعَ وَاحِدٍ أَقَامَهُ عَنْ يَمِينِهِ) لِحَدِيثِ «ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، فَإِنَّهُ ﵊ صَلَّى بِهِ وَأَقَامَهُ عَنْ يَمِينِهِ» وَلَا يَتَأَخَّرُ عَنْ الإِمَامِ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ نَظَلَتَهُ أَنَّهُ تكن في الخلوة، فأما لو كان لهن أو لبعضهن محرم يجوز ويكره. فإن قيل: لو كان كذلك لما جازت إمامة المرأة في صلاة الجنازة بلا كراهة. قلنا: لأنهن إن صلين بجماعة في المكتوبة والتراويح يلزم ارتكاب مكروه، والجماعة سنة فيهما، فكان ترك السنة أولى من ارتكاب المكروه، أما صلاة الجنازة فريضة، وقيام الإمام وسطهن مكروه، فإقامة الفريضة مع ارتكاب المكروه أولى، وإنما قلنا ذلك؛ لأنهن إن صلين بجماعة يلزم مكروه مع إقامة الفرض؛ لأن الصلاة تقع من الكل فرضاً، وإن صلين فرادى حتى لا يلزم المكروه أدى ذلك إلى فوات الصلاة عن البعض؛ لأن الفرض يسقط بأداء واحدة، وقد يتفق فراغ الواحدة قبل فراغ الباقيات، فتكون الصلاة من الباقيات نفلاً، والتنفل بصلاة الجماعة غير مشروع، فعلم أنهن ابتلين بين ترك الفرض وبين ارتكاب المكروه. كذا في مبسوط شيخ الإسلام (١). قوله: (لحديث ابن عباس) عن ابن عباس أنه قال: بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ زوج النبي ﵇ لأراقب صلاته ﵇ بالليل، فانتبه النبي ﵇ وقال: «نامَتِ العُيونُ وغارَتِ النّجومُ، وَبَقِيَ الحَيُّ القيوم»، ثم قرأ آخر سورة آل عمران ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] إلى أخر السورة، ثم قام إلى شن معلق فتوضأ وافتتح الصلاة، فقمت وتوضأت ووقفت عن يساره، فأخذ بأذني وأدارني خلفه حتى أقامني عن يمينه (٢). كذا في المبسوط (٣). وفي مبسوط شيخ الإسلام (٤): فأخذ ذؤابتي وأقامني عن يمينه، فعدت إلى

стр. 772

يَضَعُ أَصَابِعَهُ عِنْدَ عَقِبِ الإِمَامِ، وَالأَوَّلُ هُوَ الظَّاهِرُ (*)، فَإِنْ صَلَّى خَلْفَهُ أَوْ فِي يَسَارِهِ جَازَ وَهُوَ مُسِيءٌ، لِأَنَّهُ خَالَفَ السُّنَّةَ مكاني فأعادني ثانياً وثالثاً، فلما فرغ قال: «ما منعك يا غلام أن تثبت في الموضع الذي أوقفتك؟»، قلت: أنت (١) رسول الله، فلا ينبغي لأحد أن يساويك في الموقف، فقال ﵇: «اللَّهُمَّ فقهْهُ فِي الدِّينِ وعَلِّمْهُ التَّأويل»، فأعاده رسول الله إلى الجانب الأيمن (٢)، ففيه دليل على أنه هو المختار. فإن قيل: كيف يجوز أداء النافلة بالجماعة وإنه بدعة؟. قلنا: أداء النفل بلا أذان وإقامة بواحد أو اثنين يجوز، على أنا نقول: التهجد كان فرضاً على النبي ﷺ ، فيكون اقتداء المتنفل بالمفترض، مع أن ابن عباس كان صبياً، فلا يكون مخاطباً. كذا في الكاثي (٣)، وفيه تأمل. وفي الحلية (٤): السنة: أن يقف الواحد عن يمين الإمام بإجماع الأئمة الأربعة. وعن ابن المسيب أنه قال: يقف عن يسار الإمام. وقال النخعي: يقف خلفه إلى أن يركع، فإن جاء أحد وإلا تقدم، ويقف عن يمينه إذا ركع عند عقب الإمام. وفي المبسوط: هو الذي وقع عند العوام. وإن كان المقتدي أطول وسجوده قدام الإمام لم يضره؛ لأن العبرة لموضع الوقوف، كما لو وقف في الصف ووقع سجوده أمام الإمام لطوله (٥). قوله: (لأنه خالف السنة)؛ وهي ما ذكر من حديث ابن عباس آنفا.

стр. 773

(وَإِنْ أَمَّ اثْنَيْنِ تَقَدَّمَ عَلَيْهِمَا) وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ يَتَوَسَّطُهُمَا (*)، وَنَقَلَ ذَلِكَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ وَلَنَا: «أَنَّهُ ﵊ تَقَدَّمَ عَلَى أَنَسٍ وَاليَتِيمِ حِينَ صَلَّى بِهِمَا» وذكر شيخ الإسلام (١): من مشايخنا من قال: الجواب في الفصلين؛ وهو ما لو قام عن يساره أو خلفه واحد؛ لأنه ترك السنة في المقام، فيكون مكروها، ومنهم من فرق وقال: لا يكون مسيئا إذا قام خلفه؛ لأنه لا يصير تاركا للسنة من كل وجه؛ لأنه عمل به واحد من الصحابة وهو ابن عباس؛ لأنه قام خلفه ﵇، ودعا له بالفقه والعلم. وعند أحمد (٢): لو وقف على يساره تبطل صلاته، ونقل ذلك عن ابن مسعود؛ فإنه صلى بعلقمة والأسود فقام وسطهما، ولأن الاصطفاف خلف الإمام سنة الجماعة، والاثنان ليس بجماعة حقيقة؛ لأنه لا ينطلق عليه اسم الجمع، فلا يقال: رجال، بل يقال: رجلان، وحكما؛ لأن الجمعة لا تنعقد بهما. وقال أحمد: لو كان أحدهما صبيا فوقفا عن يمينه؛ فلا بأس، ولو وقفا خلفه؛ توقف أحمد، وأكثرهم: لا يصح، بل الصبي يقف على يساره (٣). وجه الظاهر: (أنه ﵇ تقدم على أنس واليتيم): روي عن أنس أنه قال: صنعت جدتي مليكة طعاما، فدعت النبي ﵇، فلما فرغ قال: «قوموا لأصلي بكم»، فقمت إلى حصير لنا قد اسود، فتقدم النبي فأقامني ويتيما لنا خلفه، والعجوز من ورائنا (٤). واليتيم: أخ لأنس من أبيه، اسمه: عمير. قيل: الصحيح: أن اسمه ضميرة بن سعد الحميري المدني.

стр. 774

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فإن قيل: لا خلاف أن الإمام يتقدم على الثلاثة، والخلاف في الاثنين. قلنا: المرأة كالعدم في حكم الاصطفاف؛ ولهذا لو كان خلفه رجل واحد وامرأة؛ فالسنة أن يقوم الرجل بحذاء الإمام، كما إذا لم تكن معه امرأة. وفي المبسوطين (١): وجه الظاهر: ما روى أبو موسى الأشعري عن رسول الله ﷺ أنه قال: «الاثنان فما فوقهما جماعة» (٢)، ولم يرد به الحقيقة، بل أراد به الحكم، وعن علي ﷺ مثل قولهما. والمعنى: أن الاصطفاف من حكم الأداء بجماعة، وقد وجدت الجماعة حقيقة وحكمًا، أما حقيقة؛ فلأنهم ثلاثة مع الإمام، وأما حكما؛ فلأن الإمام من القوم في غير الجمعة لجواز الأداء بدونه، فيمكننا أن نعده في حقه من القوم، فإن عُدَّ منهم فقد حصل الأداء بجماعة، بخلاف الجمعة؛ فإن الإمام شرط على حدة فيها، والجماعة على حدة. وما روي من فعل ابن مسعود؛ قال إبراهيم النخعي: كان ذلك لضيق البيت والأصح: أن هذا كان من مذهب ابن مسعود؛ ولهذا قال في الكتاب: وإن لم يتقدم وصلى بهما فصلاتهم تامة؛ لأن فعلهم في موضع الاجتهاد، قال: فإن كان القوم كثيراً وقام وسط الصف، أو في ميمنة الصف أو ميسرته؛ فصلاته جائزة وأساؤوا، إلا أن الإمام يكون مسيئاً لتركه السنة من كل وجه بغير عذر؛ لأن السنة أن يقوم الإمام إزاء وسط الصف؛ ألا ترى أن المحاريب ما نصبت إلا وسط المساجد، وهي قد عينت لمقام الإمام، ولو قام واحد بجنب الإمام وخلف صف؛ يكره بالإجماع. كذا في شرح الإرشاد (٣). وفي الْمُجْتَبى (٤): وفي مبسوط بكر: السنة أن يقوم في المحراب ليعتدل

стр. 775

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الطرفان، ولو قام في أحد جانبي الصف يكره، ولو كان المسجد الصيفي بجنب الشتوي، وامتلأ المسجد؛ يقوم الإمام في جانب الحائط؛ ليستوي القوم من جانبيه. والأصح: ما روي عن أبي حنيفة أنه قال: أكره للإمام أن يقوم بين الساريتين أو في زاوية المسجد، أو في ناحية المسجد أو إلى سارية؛ لأنه خلاف عمل الأمة، قال ﵇: «وَسَطُوا الإمام وسُدُّوا الخَلَلَ» (١)، ومتى استوى جانباه يقوم عن يمين الإمام إن أمكنه، وإن وجد في الصف فرجة سدها، ولا ينتظر حتى يجيء آخر فيقفان خلفه، وإن لم يجئ حتى ركع الإمام؛ يختار أعلم الناس بهذه المسألة، فيجذبه حتى لا يتأبى عليه. وفي المبسوط (٢): يختار من يُعرَفُ منه علماً وحسن الخلق حتى لا يغضب عليه، ويقفان خلفه، ولو لم يجد عالماً؛ يقف خلف الصف بحذاء الإمام للضرورة، ولو وقف منفرداً بغير عذر؛ تصح صلاته عندنا، والشافعي (٣)، ومالك (٤)، ولكن يكره. وعن الميداني: لا يكره، ولكن ترك الأفضل. وقال أحمد (٥)، وأصحاب الحديث: لا تصح صلاته؛ لقوله ﵇: «لا صَلاةَ للمنفرد خلفَ الصَّف» (٦)؛ قاله ﵇ حين رأى رجلاً يصلي في حجرة من الأرض خلف الصف، فقال له: «أعِدْ صلاتك فإنه لا صلاة للمنفرد … » الحديث (٧).

стр. 776

فَهَذَا لِلْأَفْضَلِيَّةِ وَالْأَثَرُ دَلِيلُ الإِبَاحَةِ. ولنا: حديث أنس واليتيم والعجوز؛ فقد جُوِّزَ اقتداؤها وهي منفردة خلف الصف، وما روي أن أبا بكرة دخل المسجد والنبي ﵇ راكع، فكبر ودب راكعا حتى التحق بالصف، فلما فرغ ﵇ قال: «زادك الله حرصاً ولا تَعُدْ» (١)، فقد جوز اقتداءه وهو خلف الصف. وتأويل حديثه: أنه أراد به نفي الكمال، والأمر بالإعادة شاذ؛ فيحمل على أنه كان بينه وبين الإمام ما يمنع الاقتداء، وفي الحديث دلالة عليه؛ فإنه كان يصلي في حجرة من الأرض - أي: ناحية -. كذا في المبسوط (٢). ثم الأفضل أن يقف في الصف الأخير إذا خاف إيذاء أحد؛ قال ﵇: «من ترك الصف الأول مخافةً أن يُؤذي مُسلِماً أضعف اللهُ لَهُ أَجرَ الصف الأول» (٣)، وبه أخذ أبو حنيفة ومحمد، وفي كراهة تركه مع إمكان الوقوف اختلاف. ولو اقتدى أحدهما بالآخر في الصحراء فجاء ثالث؛ يجذب المقتدي بعد التكبير، وإن جذبه قبله لا يضره، وقيل: يتقدم الإمام فيقوم في موضع سجوده. كذا في الْمُجْتَبى (٤). (فهذا)؛ أي: تقدم النبي ﵇ (للأفضلية، والأثر)؛ وهو ما روي عن ابن مسعود (الإباحة). فإن قيل: لو لم يعكس حتى تثبت الأفضلية والإباحة بفعله ﵇، كما هو من عزم أبي يوسف، فإنه ﵇ لما كان يفعل الأفضل يفعل المباح لتعليم الجواز. قلنا: لم يعكس لترجيح فعله ﵇ على فعل غيره وهو ظاهر، وإما

стр. 777

(وَلَا يَجُوزُ لِلرِّجَالِ أَنْ يَقْتَدُوا بِامْرَأَةٍ وَصَبِيّ) أَمَّا المَرْأَةُ فَلِقَوْلِهِ ﵊ «أَخُرُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَخَّرَهُنَّ اللَّهُ» فَلَا يَجُوزُ تَقْدِيمُهَا، وَأَمَّا الصَّبِيُّ فَلِأَنَّهُ لأن الفعلين لما تعارضا رجحنا جانب المتقدم؛ لقوله ﵇ لعبد الرحمن ابن عوف: «إذا كان ثلاثةٌ في سفر تقدَّم أحدهم، فإذا أمَّهُمْ فذاك أميرُهُم» (١). كذا في مبسوط شيخ الإسلام (٢). قوله: (أخروهن … ) إلى آخره في الأسرار: (حيث) عبارة عن المكان، ولا مكان يجب علينا تأخيرهن إلا مكان الصلاة، وقيل: يجوز أن يكون (حيث) للتعليل؛ يعني: كما أخرهن في الشهادات والإرث والسلطنة وجميع الولايات. كذا وجد بخط العلامة (٣). فإن قيل: هذا الحديث خبر الواحد، وبمثله يثبت الوجوب لا الفرض، فلا تفسد الصلاة بتركه. قلنا: هذا حديث مشهور، تثبت الفرضية به فتركه مفسد. كذا في الأسرار (٤). وفي الْمُجْتَبى: تمسك في المسألة بالإجماع، والمراد به: إجماع المجتهدين؛ لأنه حكي عن أبي الورقاء ابن جرير الطبري (٥)؛ أنه تجوز إمامتها في التراويح إذا لم يكن هناك قارئ غيرها (٦). قوله: (وأما الصبي)؛ أي: عدم إمامته. للشافعي في إمامة الصبي الذي تصح صلاته، في غير الجمعة فرضاً ونفلّا

стр. 778

مُتَنَفِّلٌ فَلَا يَجُوزُ اقْتِدَاءُ المُفْتَرِضِ بِهِ. وَفِي التَّرَاوِيحِ … ... وفي الجمعة قولان (١): أحدهما: قال في الأم (٢): لا يجوز، وقال في الإملاء: يجوز؛ ما روي عن عمرو بن سلمة قال: وفد أبي على رسول الله، فلما رجع قال ﵇: «إذا حَضرَتِ الصَّلاةُ فليُؤَذِّنْ أحدُكُم وليَؤُمَّكُم أكثرُكُم قرآنًا» (٣)، ولم [يكن] (٤) في قومي أكثر قرآنا مني، فقدموني وأنا ابن سبع سنين أو ست، فكنت أصلي بهم الفرض والنفل. وعندنا، ومالك (٥)، وأحمد (٦): لا تجوز إمامته في الفرض، وفي النفل روايتان عندنا، وبه قال أحمد. وهذا الخلاف بناء على جواز الاقتداء للمفترض بالمتنفل، فعنده يجوز، وعندنا لا يجوز، وسيجيء ذلك. ولنا: ما روي أنه ﵇ جعل الناس طائفتين في صلاة الخوف (٧) على ما يجيء، فلو جاز اقتداء المفترض بالمتنفل؛ لصلى الفرض بأحدهما، ثم يصلي بالطائفة الثانية، فيكون له نفلاً ولهم فرضاً. وقوله ﵇: «الإمامُ ضامِنٌ» (٨)، فتكون صلاته مبنية على صلاة الإمام، والصبي ليس من أهل الضمان، وعن ابن مسعود أنه قال: لا يؤم الغلام الذي لا تجب عليه الحدود (٩)، وعن ابن عباس: لا يؤم الغلام حتى يحتلم،

стр. 779

وَالسُّنَنِ المُطْلَقَةِ جَوَّزَهُ مَشَايِخُ بَلْخ، وَلَمْ يُجَوِّزْهُ مَشَايِخُنَا ﵏، وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّقَ الخِلَافَ فِي النَّفْلِ المُطْلَقِ بَيْنَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ (*)، كذا في سنن الأثرم (١). وما رواه قول الصحابي، مع أنه لا يرى قوله حجة، ويستدل بفعل صبي ابن ست أو سبع، وفي الشاهدين ست أو سبع لا يميز، ولا يعرف فرائض الصلاة، فكيف يتقدم في الإمامة؟. قال الخطابي: كان أحمد يضعف حديث عمرو، وأيضًا شاذ فيما تعم به البلوى. (السنن المطلقة)؛ أي: الرواتب المشروعة قبل الفرض وبعده، وصلاة العيد في إحدى الروايتين، والوتر على قولهما، وصلاة الكسوف والخوف والاستسقاء على قولهما. كذا في الفوائد الظهيرية (٢). فمشايخ بلخ قاسوا هذه المسألة بمسألة المظنون؛ بعلة أن النقل غير مضمون في حقهما، ولجريان العادة في التراويح، ومشايخنا قالوا: لا يصح؛ لأنه لا صلاة له أصلاً، وإنما يؤمر بها تخلّقاً واعتياداً، ولهذا لو صلت المراهقة بغير قناع يجوز، فإذا كان كذلك؛ لم يصح به الاقتداء أصلا. وقال بعضهم: بل صلاته صحيحة؛ بدليل أنها لو حاذت رجلا في الصلاة تفسد صلاته، فلو لم تكن لها صلاة صحيحة لما فسدت، لكن صلاته ليست بفرض، وقد ثبت من أصلنا أن اقتداء المفترض بالمتنفل لا يجوز، فلم يَجُزِ الاقتداء به أيضاً في النفل؛ لأن نفله دون نفل البالغ، حيث لا يجب بالشروع نفله؛ فلم يَجُزِ اقْتِداء الكامل بالناقص. ولأن الإمامة ضمان كما بينا، والصبي لا يصلح بالضمان. كذا في شرح الإرشاد (٣). (بين أبي يوسف ومحمد)؛ حيث لم يجوز أبو يوسف، وجوز محمد.

стр. 780

وَالمُخْتَارُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا، لِأَنَّ نَفْلَ الصَّبِيِّ دُونَ نَفْلِ البَالِغِ حَيْثُ لَا يَلْزَمُهُ القَضَاءُ بِالإِفْسَادِ بِالإِجْمَاعِ، وَلَا يَبْنِي القَوِيُّ عَلَى الضَّعِيفِ، بِخِلَافِ المَظْنُونِ لِأَنَّهُ مُجْتَهِدٌ فِيهِ فَاعْتُبِرَ العَارِضَ عَدَمًا (والمختار)؛ أي: للفتوى أنه لا يجوز قال فخر الإسلام: إنما تركنا قول محمد؛ لأن ابتداء النفل غير مضمون قصداً غير مشروع، وإنما شرع في حق الصبي والمعتوه لقصور عمدهما، فإذا انتقص من عزيمة البالغ فيه؛ بأن شرع فيه على نية أداء الواجب صار ملحقاً بهما. قوله: (لأنه مجتهد فيه)؛ فإن عند زفر عليه القضاء، وعند الثلاثة: لا يجب؛ لأنه شرع فيه مسقطاً لا ملزماً. وجه قول زفر: أن ما وجد بعد الشروع من أجزاء العبادة فيجب صيانته عن البطلان؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣]، ولا يصان إلا بالإتمام فيلزمه، وقلنا: أن النافي للعسر والضرورة تنفي لزوم المكلف ما لا يلزمه، وهاهنا لم يوجد منه الالتزام لا صريحاً ولا دلالة، ونعني بالصريح: النذر، وبالدلالة: الشروع لا على قصد إسقاط الواجب؛ إذ الشروع بهذه الصفة دليل التزامه، فإذا لم يوجد كلاهما يجري على قضية النافي. (فاعتبر العارض عدمًا)؛ أي: عارض ظن الإمام عدماً في حق من اقتدى به، فجعل كأن الضمان غير ساقط في حق المقتدي، فبقي اقتداء ضامن بضامن، وذلك لأن العارض غير ممتد عرض بعد أن لم يكن بخلاف الصبا؛ لأنه أصْلِيُّ، فلم يجعل معدوماً، فلا يتخذ حال الإمام والمقتدي؛ لأن صلاة الإمام غر مضمون، وصلاته مضمون، فلا يجوز الاقتداء به، وهذا معنى قوله: (بخلاف المظنون)، فإنه يجوز اقتداء الظان به. وحاصله: أن الظن والضمان عارضان، فأمكن جعلهما عدماً بالنظر إلى اجتهاد زفر مع احتمال صحة قول محمد، فصار كأن الإمام ضامن، فاتحد حالهما، بخلاف الصبي؛ فإن سقوط اللزوم من صلاته لأمر أصلي وهو الصبا، فلا يمكن جعله عدماً في حق المقتدي. وقيد بقوله (للرجال)؛ احتراز عن اقتداء

стр. 781

وَبِخِلَافِ اقْتِدَاءِ الصَّبِيِّ بِالصَّبِيِّ لِأَنَّ الصَّلَاةَ مُتَّحِدَةٌ. (وَيَصُفُ الرِّجَالَ ثُمَّ الصِّبْيَانَ ثُمَّ النِّسَاءَ) لِقَوْلِهِ ﵊: «لِيَلِنِي الصبي بالصبي؛ فإنه يجوز. قوله: (ليليني)؛ أي: ليقرب مني؛ يعني: يأتم خلفي بقرب مني، من الولي وهو القرب من باب حسب. و [عن] (١) علي بن عيسى: الولي: حصول الثاني بعد الأول من غير فصل، والأمر باللام (ليلي). كذا في المغرب (٢). المهملة العين (ليليني) رواية النون المشددة، جاز أن تكون النون الخفيفة مع نون العماد، فأدغمت وهي نون الثقيلة، مع حذف نون العماد، كما فعل ذلك في نون الجمع مع نون العماد في قوله تعالى: ﴿تَأْمُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٤] على القراءتين، والصحيح: حذف اليائين والنون؛ لأن الأمر مجزوم. والأحلام: جمع الحُلْم - بالضم -، وهو ما يراه النائم، فكان المراد: ليليني البالغون، وتفسير الحُلْم بالعقل غلط؛ لأن الثقات لم يفسروا به، أو يلزم التكرار في الحديث لمعنى العقل من غير فائدة، فإن النُّهَى جمع نُهْيَة وهي العقل، ولأن في عقل الصبي والمرأة نقصان، فيقدم الرجال عليهما، وبهذا المعنى يؤخر النساء. وفي الْمُجْتَبى: إنما يقدم الرجال؛ لفضلهم، ثم الصبيان؛ لأنهم تبع لهم، ثم الخناثي؛ لاحتمال رجوليتهم، ثم النساء (٣)، وحديث أنس لما ذكرنا وروينا، وقوله ﵇: «أخروهن … » الحديث (٤)؛ يدلان على تأخير النساء أيضاً. وقال الشافعي (٥)، ومالك (٦): يقف بين كل رجلين صبي؛ ليتعلم منهما الصلاة، وليكون أصوب له. والحجة عليهما: ما روينا.

стр. 782

مِنكُمْ أُولُو الأَحْلَامِ وَالنُّهَى» وَلِأَنَّ المُحَاذَاةَ مُفْسِدَةٌ فَيُؤَخَّرْنَ (وَإِنْ حَاذَتْهُ امْرَأَةٌ وَهُمَا مُشْتَرَكَانِ فِي صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ: فَسَدَتْ صَلَاتُهُ إِنْ نَوَى الإِمَامُ إِمَامَتَهَا) وَالْقِيَاسُ: أَنْ لَا تَفْسُدَ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ﵀ اعْتِبَارًا بِصَلَاتِهَا حَيْثُ لَا تَفْسُدُ. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ مَا رَوَيْنَاهُ وَأَنَّهُ مِنْ المَشَاهِيرِ، وينبغي للإمام أن يسوي الصفوف؛ لما ورد في الحديث. وقال الإسبيجابي: لا بأس للإمام أن يقول: استَوُوا (١). قوله: (اعتبر) (٢)؛ أي: قياساً على صلاتها؛ فإن المحاذاة فعل مشترك بينهما، وعلى المحاذاة في صلاة غير مشتركة، وفي صلاة جنازة؛ إذ الاستواء في العلة يوجب الاستواء في الحكم، ولما لم يوجب الفساد في جانبها، وفيما ذكرنا من المسألتين علم أنها ليست بعلة للفساد. وبقول الشافعي (٣): قال مالك (٤)، وأحمد (٥). وفي المبسوط (٦): محاذاتها لا تكون أقوى من محاذاة الكلب والخنزير، وذلك غير مفسد لصلاة الرجل، ولو تفسد بالمحاذاة لكان أولى أن تفسد صلاتها؛ لأنها منهية عن الخروج إلى الجماعة. (وجه الاستحسان: ما روينا)؛ وهو قوله ﵇: «أخّروهن … » الحديث. وقوله: (وأنه من المشاهير)؛ جواب عما يقال: هذا خبره واحد، فكيف أَثْبَتُم به الفريضة؟، فقال: (وأنه من المشاهير)، ولئن سلمنا أنه خبر الواحد؛ فالجواب عنه من وجهين: أحدهما: ما ذكره صاحب المحيط (٧): أن وجوب التأخير على الرجل ثبت

стр. 783

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . بالكتاب أيضاً، فإن تأخير النساء إنما وجب إما لتفضيل الرجال عليهن، وتفضيل الرجال ثابت بالنص، قال الله تعالى: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨]؛ أوجب لصيانة صلاة الرجل عن الفساد، فإن المرأة من قرنها إلى قدمها عورة، فربما يشوش الأمر على الرجل، فيكون ذلك سبباً لفساد الصلاة، وصيانتها واجبة بالنص، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَلَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣]، والخبر جاء مبينا لما ثبت بالنص، لا أن يكون الحكم مقصورا عليه، وفيه تأمل. والثاني: ما ذكره صاحب الأسرار (١): أن فروض الصلاة لا تثبت بخبر الواحد، أما فروض الجماعة تثبت به؛ لأن أصل الجماعة تثبت بالسنة، ففرضها وشروطها أيضاً تثبت بها، أو لأن تأخيرها في صلاة مشتركة فرض بدلالة الإجماع، فإنا أجمعنا على عدم جواز اقتداء الرجل بها مع اتحاد فرضية صلاتهما، وهو لائح عن أوجه: إما لنقصان حالها؛ كما في إمامة الصبي، أو لعدم صلاحيتها؛ كما في الأمي، أو لفوت شرط من شروط الصلاة؛ كما في العاري، أو لفوت ترتيب المقام، أما نقصان الحال مطلقا؛ فغير مانع عن الاقتداء؛ لجواز إمامة العبد والفاسق والأعمى. وأما عدم الصلاحية فغير مسلم، بل لها صلاحية؛ بدليل جواز إمامتها للنساء، وأما شروط الصلاة فغير فائت، فتعين لعدم جواز الاقتداء بها فوت فرض ترتيب المقام، الثابت بحديث ابن مسعود، ولما عمل هذا الحديث هناك في حق الاقتداء؛ أفاد عدم الجواز بالإجماع، فيفيدها أيضاً عدم جواز صلاة الرجل عند المحاذات لانعدم التأخير. وفي مبسوط شيخ الإسلام: والأمر بقوله: «أخروهن … » للإيجاب، ولا موضع يجب تأخيرها إلا في الصلاة (٢). والدليل عليه: أن امرأة جميلة اقتدت بالنبي ﵇، فيُقَدِّمُها قوم

стр. 784

وَهُوَ المُخَاطَبُ بِهِ دُونَهَا فَيَكُونُ هُوَ التَّارِكُ لِفَرْضِ المَقَامِ فَتَفْسُدَ صَلَاتُهُ دُونَ ويُؤَخِّرها قوم، فنزل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾ [الحجر: ٢٤] (١)، قال ﵇: «خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها» (٢)، ثم قال: «أخروهن … .» الحديث. وقوله: (وهو مخاطب به)؛ أي: بالتأخير، إشارة إلى جواب قياس الشافعي؛ يعني: تجوز صلاتها؛ لأن الخطاب للرجال دون النساء. إليه أشار شيخ الإسلام، وصاحب الأسرار (٣). فإن قيل: لما كان هو مأموراً بالتأخير؛ كانت هي مأمورة بالتأخير ضرورة، فيجب أن تفسد صلاتها. قلنا: الضرورة غير مُسَلَّمَة؛ لما أنه يمكن للرجال تأخيرها بدون تأخرها؛ بأن يتقدم عليها خطوة أو خطوتين، فلم يكن تأخرها من ضرورة التأخير، فلم يتناوله مقتضى الخطاب، كما أن الرجال مخاطبون بتأخير الصبيان، وهم غير مأمورين بالتأخر، على أنه لو ثبت تأخرها يثبت ضمناً لا قصداً، فانحطت رتبته عن الثابت قصداً، فأظهرنا الأمر في حقها في حق ثبوت الإثم، وفي حقه بالفساد؛ إظهاراً للتفرقة، ولأن تأخرها لما ثبت ضمناً لتأخيره لا تكون هي مأمورة بالتأخر إذا لم يوجد منه التأخير؛ لأن المتضمن إنما يوجد عند التضمن. هذا محصول ما ذكره في المحيط (٤). وفي الذخيرة، والمحيط (٥): لو اقتدت بعدما شرع الرجل في الصلاة ونوى إمامتها، فلم يمكنه التأخير بالتقدم بخطوة أو خطوتين؛ لأن ذلك مكروه فيها، وإنما تأخرها بالإشارة باليد وما أشبه ذلك، فإذا فعل ذلك فقد وجد منه

стр. 785

صَلَاتُهَا، كَالمَأْمُومِ إِذَا تَقَدَّمَ عَلَى الإِمَامِ (وَإِنْ لَمْ يَنْوِ إِمَامَتَهَا لَمْ تَضُرَّهُ وَلَا تَجُوزُ صَلَاتُهَا) لِأَنَّ الاِشْتِرَاكَ لَا يَثْبُتُ دُونَهَا عِنْدَنَا، خِلَافًا لِزُفَرَ رَحْمَةُ اللهِ … ... … ... التأخير، فيلزمها التأخر، فإذا لم تتأخر فقد تركت فرض المقام، فتفسد صلاتها لا صلاته. ثم قال: وهذه مسألة عجيبة كالمقتدي، فإن هناك لما خوطب برعاية ترتيب المقام دون الإمام، فلذلك تفسد صلاته دون صلاة الإمام؛ لأنه غير مخاطب بالترتيب، فالمأموم لا يتقدم عليه في الموقف عندنا، وعند الشافعي في الجديد (١)، وأحمد (٢). وقال في القديم، ومالك (٣): يجوز تقدم المقتدي على الإمام؛ لأنه أخطأ في الموقف، وهو غير مبطل؛ قياساً على ما إذا اقتدى أحد ووقف على يساره؛ فإنه أخطأ في الموقف وهو اليمين. ولنا: ما روي عن ابن عباس أنه قال: وقفت عن يسار رسول الله في الصلاة، فأدارني من ورائه حتى أوقفني على يمينه (٤)، ولو كان تقدم المأموم لا يفسد الصلاة؛ لكان ﵇ يجذبه قدامه، ولما اختار أشق الأمرين، وفيه تأمل. ولأن المأخوذ عليه متابعة الإمام في الأفعال بالإجماع، فكذا في المقام؛ يعني: لو تقدم فيها لا يجوز، فكذا إذا تقدم في المقام؛ وجب أن لا يجوز، مع أن النقل تواتر بتقدم الإمام، وفيه تأمل أيضاً. (لم تضره)؛ أي: المحاذاة الرجل، ولكن لا تجوز صلاة المرأة. (لأن الاشتراك لا يثبت دونها)؛ أي: دون النية. (خِلافًا لِزُفَرَ)؛ فإن عنده نية إمامتها ليست بشرط لفساد صلاة الرجل، بعد ما دخلت في صلاتها بلا نية؛ لأن الرجل صالح لإمامة الرجال والنساء، ثم

стр. 786

أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَلْزَمُهُ التَّرْتِيبُ اقتداء الرجل به صحيح بلا نية إمامته، فكذلك اقتداء المرأة، كما في الجمعة والعيدين؛ فإن اقتداءها به صحيح فيهما وإن لم ينو إمامتها بالإجماع. وقلنا: إن الرجل يلحق بصلاته فساد من جهتها، فيمكنه التحرز عنه بالنية؛ وهو أن لا ينوي إمامتها، كالمقتدي يلحق صلاته فساد من جهة الإمام، وأمكنه التحرز؛ بأن لا ينوي الاقتداء به، فلو صححنا اقتداءها به بلا نية؛ قدرت كل امرأة على إفساد صلاة الرجل متى شاءت، بأن تقتدي به فتقف في جنبه، وفيه من الضرر ما لا يخفى. وفي الجمعة والعيدين، أكثر مشايخنا قالوا: لا يصح اقتداؤها به بلا نية، وإن كان الجواب مطلقا في الكتاب، ومنهم من سلم، لكن يفرق بينهما وبين غيرهما، وقال: الضرورة في جانبها هاهنا؛ لأنها لا تقدر على أداء الجمعة والعيد وحدها، ولا تجد إماماً آخر تقتدي به. والظاهر: أنها لا تتمكن من الوقوف بجنب الإمام في هاتين الصلاتين؛ لكثرة الازدحام، فصححنا اقتداءها بلا نية؛ لدفع الضرر عنها، خلافًا لسائر الصلوات. وروى الحسن عن أبي حنيفة: لو وقفت خلف الإمام جاز اقتداؤها بلا نية، ثم إذا وقفت بجنبه (١) فسدت صلاتها لا صلاة الرجل، وهو قوله (أو لا)؛ لأنها إذا وقفت خلفه (٢) فقصدها أداء الصلاة لا إفساد صلاة الرجل، فلا تشترط نية الإمامة، فإذا قامت بجنبه فقد قصدت إفساد صلاته، فرد عليها قصدها، إلا أن يكون الرجل نوى إمامتها، فحينئذ التزم هذا الضرر. كذا في المبسوط (٣). قوله: (ألا ترى أنه يلزم الترتيب)؛ أي: يلزم الإمام؛ يعني: الإمام التزم على نفسه زيادة فرض وهو تأخيرها، ولذلك يلحق بصلاته فساد من جهتها،

стр. 787

فِي المَقَامِ فَيَتَوَقَّفُ عَلَى التِزَامِهِ كَالِاقْتِدَاءِ، إِنَّمَا يُشْتَرَطُ نِيَّةُ الإِمَامَةِ إِذَا التَمَّتْ مُحَاذِيَةٌ. فلما كان الإمام يلتزم بصحة اقتدائها زيادة فرض، وفساد من جهتها؛ وجب أن لا يلزم هذا إلا بقصده، وهذا دليل على أن نية الإمام شرط لفساد صلاة الرجل، كالاقتداء؛ فإن المقتدي لما يلتزم بالاقتداء زيادة فرض، وهو أن لا يتقدم على الإمام، ويلحق بصلاته فساد من جهته؛ لا يلزم بدون التزامه وهو نية المتابعة. فإن قيل: يشكل على هذا قول أبي حنيفة في اقتداء القارئ؛ فإن صلاة الأمي تفسد بسبب اقتداء القارئ، ومع ذلك لا يشترط للأمي النية، مع أنه يلحق صلاته فساد من جهته عنده. قلنا: يمنع عدم اشتراط النية على قول الكرخي؛ فإن عنده لا يصح بلا نية أيضاً، ولئن سلمنا فثمة لا يلحقه الفساد بسبب الاقتداء، فإن القارئ لو صلى وحده والأمي وحده، فأمكن الأمي الاقتداء به؛ تفسد صلاته، دل على أن الفساد ليس بسبب الاقتداء، وأما فساد صلاة الإمام في المحاذاة به لا غير، فيتوقف على التزامه. كذا في مبسوط شيخ الإسلام، والمحيط (١). وفي جامع المحبوبي: محاذاة الأمرد تفسد الصلاة عند البعض؛ لأنه ذكر في الملتقط: أن الأمرد من قرنه إلى قدمه عورة (٢). قوله: (إِذَا انْتَمَّتْ)؛ أي: اقتدت (محاذية): للإمام أو المقتدي. ذكر فخر الإسلام: مسألة كتاب الصلاة: في امرأة وقفت إلى جنب الإمام، ولم ينو الإمام إمامتها؛ تفسد صلاتها دون صلاة الرجل، ومسألة هذا الكتاب: فيما إذا وقفت خلفه، وذلك على وجهين: إما أن تكون خلف الإمام، بجنبها رجل أو لا، فإن كان؛ لا يصح اقتداؤها إلا بنية الإمام؛ لأنه يلزم صلاة الذي بجنبهما فساد لا محالة، فعلى هذا ينبغي أن ينوي المقتدي إمامة النساء، لكنه لما كان موليا عليه من جهته؛ يتوقف ما يلزمه على التزام الإمام، والتزام الإمام التزامه، وإن لم يكن؛ ففيه روايتان: في رواية: لا يصح أيضاً؛ لأنه احتمل

стр. 788

وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِجَنْبِهَا رَجُلٌ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ، وَالفَرْقُ عَلَى إِحْدَاهُمَا أَنَّ الفَسَادَ فِي الْأَوَّلِ لَازِمٌ، وَفِي الثَّانِي مُحْتَمَلٌ (وَمِنْ شَرَائِطِ المُحَاذَاةِ … ... … ... … ... … فساد صلاة الإمام من جهتها، فيوقف على اختياره وإن لم تكن محاذية في الحال، وفي رواية: يصح اقتداؤها؛ لأن ذلك لا يفسد صلاته، لكن بشرط أن لا يلزمه فساد، فإذا حاذته فات الشرط، فبطل الاقتداء (١). وفي المبسوط (٢): ائتمت محاذية وقد نوى إمامتها؛ تفسد صلاة الإمام، وصلاة القوم بفساد صلاة الإمام بسبب المحاذاة. وقال محمد بن مقاتل: لا يصح اقتداؤها؛ لأن محاذاتها كانت مفسدة صلاتها، فإذا اقترنت منعت، وهذا فاسد؛ لأن فساد صلاتها بفساد صلاة الإمام، ولا تفسد صلاته إلا بعد صحة شروعها؛ لأن المحاذاة ما لم تكن في صلاة مشتركة؛ لا توجب الفساد على أحدهما، وهي الرواية التي لا تشترط النية لصحة اقتدائها إذا لم يكن بجنبها رجل. (في الأول)؛ أي: فيما إذا كانت محاذية. (وفي الثاني)؛ أي: فيما إذا لم يكن بجنبها رجل. (محتمل)؛ أي: يحتمل أن تمشي فتحاذي فتفسد، ولكن الظاهر: أن لا تمشي في الصلاة ولا تحاذي، فلذلك لم يشترط النية في هذه في إحدى الروايتين. قوله: (ومن شرائط المحاذاة): قال أبو الفضل الكرماني: المحاذاة المفسدة: محاذاة المرأة المشتهاة - حالاً أو ماضياً - الرجل في صلاة مطلقة مشتركة، منوية نية إمامة النساء في مكان واحد بلا حائل، فشرطنا المحاذاة مطلقا؛ ليتناول كل الأعضاء وبعضها؛ فإنه ذكر أبو علي النسفي: حد المحاذاة: أن يحاذي عضو منها عضواً منه، حتى لو كانت المرأة على الظلة ورجل بحاذئها أسفل منها، إن كان يحاذي الرجل شيئاً منها؛ تفسد صلاة الرجل، وشرطنا

стр. 789

أَنْ تَكُونَ الصَّلَاةُ مُشْتَرَكَةٌ، وَأَنْ تَكُونَ مُطْلَقَةٌ، وَأَنْ تَكُونَ المَرْأَةُ مِنْ أَهْلِ الشَّهْوَةِ. المرأة مطلقا؛ ليتناول المحرم والأجنبية والحليلة، والحال والماضي؛ ليتناول الصغيرة المشتهاة والكبيرة التي ينفر الرجال عنها؛ لما أنها كانت مشتهاة فيما مضى، وهو معنى قوله: (وهو أن تكون المرأة من أهل الشهوة) في الجملة، حتى لو حاذت مجنونة أو صغيرة لا تشتهى لا تفسد، ولو حاذت المحرم أو الكبيرة التي تنفر عنها الطباع تفسد. إليه أشير في المحيط (١)، وجامع المحبوبي. وقيد الصلاة بالمطلقة؛ ليقع الاحتراز عن صلاة الجنازة؛ فإن المحاذاة فيها لا تفسد. ثم اعلم أن مشايخنا فرقوا بين الاقتداء والمحاذاة فيها، فقالوا: لا يصح اقتداء الرجل بها فيها، ولا تفسد صلاته بمحاذاتها؛ لأن صلاة الجنازة تشبه سجدة التلاوة من وجه؛ لأنها ركن واحد من الصلاة، كسجدة التلاوة، والمرأة تصلح إماما لرجل فيها، فإنها لو تلت على الرجل يلزمه، والتالي إمام للسامع فيها، وتشبه الصلاة المطلقة من وجه؛ لأن فيها تحليلا وتحريما، بخلاف سجدة التلاوة، فوفرنا بكلا الشبهين حظهما، فألحق بها في حق المحاذاة، فلم توجب هي الفساد، وبالمطلقة في أنها لا تصلح إماما للرجل فيها عملا بالشبهين. كذا ذكره شيخ الإسلام (٢). وقيد بالمنوية؛ احترازا عن غير المنوية، فإن عند ذلك لا يصح اقتداؤها فلا تفسد؛ لعدم الاشتراك. وقيد الاشتراك بتحريمة وأداء؛ احتراز عن المرأة والرجل المسبوقين يتحاذيان في أداء ما سبق، حيث لا تفسد صلاة الرجل؛ لأن المسبوق في أداء ما سبق منفرد بدليل وجوب القراءة وسجدة السهو، بخلاف اللاحق. وفي المحيط: ونعني بالشركة تحريمة؛ أن يكونا بانيين تحريمهما على

стр. 790

وَأَنْ لَا يَكُونَ بَيْنَهُمَا حَائِلٌ) لِأَنَّهَا عُرِفَتْ مُفْسِدَةً بِالنَّصّ، بِخِلَافِ القِيَاسِ فَيُرَاعَى تحريمة الإمام، وبالشركة؛ إذ أن يكون لهما إمام فيما يؤديان حقيقة أو تقديرا، ثم الشركة تكون عند اتحاد الفرضين أو النفلين، وعند اقتداء المتنفل بالمفترض (١). فإن قيل: يشكل بما لو اقتدت ناوية للعصر برجل يصلي الظهر، فلم يصح اقتداؤها من حيث الفرض، ويصح من حيث النفل، ومع ذلك لا تفسد صلاة الرجل وإن حاذته. قلنا: رواية عدم الفساد رواية باب الحدث من المبسوط، أما في رواية باب الأذان؛ فتفسد صلاته باعتبار صحة الاقتداء. وقيل: هي قولهما، خلافا لمحمد على جواب مسألة صلاة الفجر؛ إذا طلعت الشمس في خلالها، فعندهما: تنقلب نفلاً خلافا لمحمد. كذا ذكره شيخ الإسلام (٢). وشرط اتحاد المكان؛ ليتحقق المحاذاة، فإن الرجل لو كان على الدكان والمرأة على الأرض، والدكان قدر قامة الرجل؛ لا تتحقق المحاذاة. ذكره في جامع السَّرَخْسِي (٣). وهذا الشرط وإن كان يفهم من المحاذاة، ولكن المشايخ أوردوها؛ توضيحاً للبيان، والحائل أدناه مثل مؤخرة الرَّحْل؛ لا يوجب الفساد وإن كان في مكان واحد. وفي المحيط: لو كان بينهما حائط قدر الذراع كان سترة، وإن كان أقل لا يكون سترة؛ لأن أدنى أحوال الصلاة القعود مقدار العصا والذراع. كذا في جامع الكردري (٤).

стр. 791

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . يعني مقدر بقدر قامة الرجل حال القعود، وغلظه بمقدار غلظ الإصبع. كذا في الخبازية (١). وتقدمها عليه في صلاة لا يشتركان فيها يورث الكراهة، وذكر شيخ الإسلام مكان الكراهة الإساءة، والكراهة أفحش (٢). وفي المبسوط (٣): فإن كان صف تام من النساء ووراءهن صف الرجال؛ فسدت تلك الصفوف كلها استحسانًا، والقياس: أن لا تفسد، إلا صلاة صف واحد خلف صف النساء؛ لتتحقق المحاذاة في حقهم، ولكن استحسن؛ لحديث عمر موقوفاً عليه، ومرفوعاً أنه قال: «من كان بينه وبين الإمام نهر أو طريق، أو صف من النساء؛ فلا صلاة له» (٤)، ولأن صف النساء بمنزلة الحائط بين الإمام والمقتدي، ووجود الحائط الكبير الذي ليس عليه فرجة بينهما يمنع صحة الاقتداء، فكذلك صف النساء، فأما المرأتان والثلاثة إذا وقفن في الصف؛ فالمروي عن محمد: أن المرأتان تفسدان صلاة أربعة من على يمينهما، ومن على يسارهما، ومن خلفهما بحذائهما، والثلاثة يفسدن صلاة من على يمينهن، ومن على يسارهن، وثلاثة ثلاثة خلفهن إلى آخر الصفوف، فقال: الثلاثة جمع متفق عليه بمنزلة صفّ تام، فأما المثنى ليس يجمع. وعن أبي يوسف روايتان في رواية: جعل الثلاثة كالاثنتين، وقال: لا تفسدن إلا صلاة خمسة نفر من على يمينهن، ومن على يسارهن، ومن خلفهن بحذائهن؛ لأن الأثر جاء في الصف التام، وفي رواية: جعل المثنى كالثلاث، فقال: تفسدان صلاة من على يمينهما، ومن على يسارهما، ورجلين رجلين إلى آخر الصفوف، ولأن للمثنى حكم الثلاث، قال ﵇: «الاثنان فما

стр. 792

جَمِيعُ مَا وَرَدَ بِهِ النَّصُّ. فوقهما جماعة» (١). وقيل: الثلاث صف تام، فتفسد صلاة صفوف الرجال خلفهن كالصف التام، ولو كان وراءهن حائط خلفه صفوف؛ لا تفسد صلاتهم على الأصح، وإن كان وراءهن صف الرجال ثم الحائط ثم صفوف الرجال؛ فسدت صلاة الكل (٢). وفي فوائد الرُّسْتُغْفَنِي: اقتدت على رف المسجد وتحته صفوف الرجال؛ لا تفسد صلاتهم (٣). وفي البقالي (٤): اقتدت على رف أو سترة قدر قامة الرجل؛ لا تفسد، ودونها تفسد، ولو كان الرجل على سترة أو رفٌ، والمرأة قدامه؛ تفسد، سواء كان قدر قامة الرجل أو دونه، وهذا إذا لم يكن على الرف سترة. ولو كان بينهما فرجة قدر ما يسعها الرحل أو اسطوانة: قيل: لا تفسد، وكذا إذا قامت أمامه وبينهما هذه الفرجة. عن أبي حنيفة عن حماد قال: سألت إبراهيم عمن يصلي في الجانب الشرقي من المسجد، والمرأة في الغربي بحذائه؛ يكره أن لا يكون بينهما قدر مؤخرة الرحل. قال محمد: وبه نأخذ، والمحاذاة قدر أداء ركن شرط الفساد عند محمد، وعند أبي يوسف: تفسد وإن قلت. كذا في الْمُجْتَبى (٥). قوله: (جميع ما ورد به النص)؛ وهو ما روي عن أنس أنه قال: صنعت جدتي مليكة طعاماً … إلى آخر ما روينا (٦).

стр. 793

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . والاستدلال به: أن تأخيرها لا يجوز أن يكون لضيق المكان؛ لأن البيت لا يضيق عن اصطفاف ثلاثة في العادة، ولا يجوز أن يكون لكيلا يراها الرجال؛ لأن أحدهما كان ابن بنتها، والآخر كان صغيراً، ولا يجوز أن يكون استحباباً لتأخيرها؛ لأنه يضمن أمراً مكروهاً؛ وهو الانفراد خلف الصف، فثبت أنه إنما أمر به؛ دفعاً لما فوقه وهو الفساد، وصلاتها لا تفسد، فتعين فساد صلاة غيرها. كذا في شرح المجمع (١)، ثم يذكر مسائل يحتاج إليها في الإمامة. وفي المحيط: لا يصح اقتداء من هو خارج المسجد بإمام فيه؛ إن لم تكن الصفوف متصلة، والمسجد ملآن بحيث لا يسعهم (٢). وفي الفتاوى (٣): الطريق العام؛ وهو الذي يمر فيه العجلة والأوقار، والنهر العظيم؛ وهو الذي لا يمكن العبور منه بدون علاج، وقنطرة ونحوهما، أو تجري فيه السفينة؛ يمنع الاقتداء، وبه قال أحمد (٤)؛ لقوله ﵇: «ليس مع الإمامِ مَنْ كانَ بينَهُ وبينَ الإمام طريق أو نهر أو صفٌ مِنَ النساء» (٥). وقال الشافعي (٦)، ومالك (٧): لا يمنع، وما دون ذلك لا يمنع بالإجماع. ولو اصطف القوم على طول الطريق، ولم يكن بينهم وبين الإمام مقدار ما يمر فيه الجمل؛ فصلاتهم تامة. وكذلك فيما بين الصف الأول والثاني في الصحراء أو في المسجد، والمصلى إذا كانت الصفوف غير متصلة جاز الاقتداء. وقال الشافعي (٨): فلو اتصلت الصفوف إلى من في المسجد؛ فالصلاة

стр. 794

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . جائزة، وإن كان بين الصفين فصل قريب مقدار ثلاثمائة ذراع، وعلموا بصلاة الإمام؛ فكذلك، وفي مكان غير متخذ ثلاثة أذرع، ولو كان بين الصفين حائط إن كان طويلا وعريضاً ليس فيه ثقب يمنع الاقتداء، وإن كان فيه ثقب لا يمنع مشاهدة حال الإمام؛ لا يمنع بالإجماع. ولو صلى في دار وبينهما حائط غير حائط المسجد؛ لم يصح الاقتداء. وقال مالك (١): يصح إلا في الجمعة إذا علم بصلاة الإمام، ولو صلى على سطح المسجد مقتدياً بالإمام وهو يراه ويسمع صوته؛ جاز على المذهبين، ولو قام على جدار بين داره وبين المسجد ولا يشتبه عليه حال إمامه؛ صح الاقتداء، وكذا لو قام على سطح المسجد، إن كان له باب ولا يشتبه حال إمامه؛ صح الاقتداء، وكذا لو لم يكن باب ولكن لا يشتبه حال إمامه، وكذا لو قام في المئذنة مقتديا بإمام المسجد؛ يجوز إجماعاً. وفي مختصر الكافي: لو كان بينه وبين إمامه حائط قصير؛ جاز اقتداؤه، وإلا فلا (٢). وقيل: القصير الذي يصعد عليه بخطوة من غير كلفة. وقيل: الذي لا يشتبه عليه حال إمامه. وقيل: الذي لا يمنع الوصول إلى الإمام. وقيل: النهر المانع ما لا يمكن للقوي اجتيازه بوثبة. ولو اتصل الصف على الطريق والجسر على النهر يجوز، وللثلاث حكم الصف بالإجماع، وفي المثنى اختلاف. ولو كان بينهما بركة أو حوض، إن كان حكميًا يمنع، وإلا فلا، ومقدار الصف في الفضاء مانع. وقيل: مقدار الصفين. ومصلى العيد والجنازة له حكم المسجد في جواز الاقتداء، دون مرور

стр. 795

(وَيُكْرَهُ لَهُنَّ حُضُورُ الجَمَاعَاتِ) يَعْنِي الشَّوَابَّ مِنهُنَّ، لِمَا فِيهِ مِنْ خَوْفِ الْفِتْنَةِ الجنب، ومقدار سجود المصلي في الفضاء من الجوانب الأربع مسجد له، فانتقاله إليه غير مفسد، والحوض العظيم في وسط الصفوف لا يمنع إذا استداروا عليه. ولو صلى الجمعة في سوق الصيارفة مقتديًا بالإمام في المسجد؛ جاز إذا اتصلت الصفوف. ولو اقتدى على سطح متصل به؛ فهو كمن صلى في منزل متصل بالمسجد، إن سمع تكبير الإمام أو المُكَبِّر؛ يجوز، وإلا فلا. ولو أغلقت أبواب المسجد والصفوف خارجة متصلة بالحائط، فإن كان باب منها مفتوحاً؛ جاز، وإلا فلا. وقيل: إن كان مفتوحاً من جانبهم جاز، وإلا فلا. وعن أبي القاسم: يجوز، سواء كان أعلى منهم أو أسفل (١). وعن أبي يوسف: يجوز وإن كانت الأبواب مغلقة، وبه أخذ أبو بكر الإسكاف، ومحمد بن سلمة، وفناء المسجد له حكم المسجد، حتى يجوز الاقتداء فيه وإن لم تكن الصفوف متصلة (٢). قال محمد: يجوز الاقتداء في الطاقات بالكوفة وإن لم تكن الصفوف متصلة، ولا يصح في دار الصيارفة إلا إذا اتصلت الصفوف (٣). ولو قام في مقصورة الجامع صف وفي آخره؛ اختلفوا فيه، واختلف في الخان الكبير إذا أغلق بابه ولم تتصل الصفوف. كذا في الْمُجْتَبى (٤). قوله: (ويكره لهن حضور الجماعات): وبه قال الشافعي (٥)، والمراد: الشواب منهن، ولم يكره للعجائز.

стр. 796

(وَلَا بَأْسَ لِلْعَجُوزِ أَنْ تَخْرُجَ فِي الفَجْرِ وَالمَغْرِبِ وَالعِشَاءِ وقال أحمد: لا يكره لغيرهن أيضاً (١)؛ لقوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٣٣]، ونهى النبي ﵇ النساء عن الخروج، إلا عجوزاً في منقلها (٢)، والمنقل: الخف. كذا في شرح الوجيز (٣). وفي تتمتهم: (٤) لو أرادت الخروج إلى المسجد؛ يكره للزوج منعها، ولكن المستحب أن تخرج في ثياب المهنة بغير زينة، ولا استعمال طيب؛ لقوله ﵇: «إذا اسْتَأْذَنَتْ أحدكم امرأتُهُ إليهِ فَلَا يَمْنَعْهَا» (٥)، وعن أبي هريرة أنه ﵇ قال: «لا تَمْنَعُوا إماء الله مساجد الله، إِذا خَرَجْنَ فَلَيَخْرُجْنَ تفلات» (٦)، يعني: غير متطيبات. ولنا: ما تلونا من الآية والحديث، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُم﴾ [الحجر: ٢٤] الآية، نزلت في شأن النسوة؛ فإن المنافقين يتأخرون حتى يتطلعون على عوراتهن، فمنعن عن الخروج؛ لما صار خروجهن سبباً لوقوع الفتنة، فصار إباحة خروجهن منسوخاً، بدليل أن عمر ﵁ نهى النساء عن الخروج إلى المساجد، فشكون إلى عائشة فقالت: لو علم النبي ﵇ ما علم عمر؛ ما أذن في الخروج لَكُنَّ. (والمغرب والعشاء): وكذا الجمعة والعيد عند أبي حنيفة. كذا ذكره شيخ الإسلام وقاضي خان (٧).

стр. 797

وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: يَخْرُجْنَ فِي الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا) (*) لِأَنَّهُ لَا فِتْنَةَ لِقِلَّةِ الرَّغْبَةِ إِلَيْهَا، فَلَا يُكْرَهُ كَمَا فِي العِيدِ. وَلَهُ: أَنَّ فَرْطَ الشَّبَقِ حَامِلٌ فَتَقَعُ الفِتْنَةُ، غَيْرَ أَنَّ الفُسَّاقَ انْتِشَارُهُمْ فِي الظُّهْرِ وَالعَصْرِ وَالجُمُعَةِ، أَمَّا فِي الفَجْرِ وَالعِشَاءِ فَهُمْ نَائِمُونَ، وَفِي المَغْرِبِ بِالطَّعَامِ مَشْغُولُونَ، وَالجَبَّانَةُ مُتَسِعَةٌ فَيُمْكِنُهَا الاعْتِزَالُ عَنِ الرِّجَالِ فَلَا يُكْرَهُ. وفي المبسوط (١)، والمحيط (٢): لا يباح لهن الخروج إليها، وجعل قاضي خان صلاة المغرب من قبيل الظهر كلها، حتى صلاة الكسوف والاستسقاء. (الفرط) بسكون الراء: مجاوزة الحد، و (الشبق) بفتحتين - مصدر شبق (٣) بالكسر، من حد علم: شِدَّة الغَلَمَة، وهي شهوة الضراب. كذا في الصحاح. وفي مبسوط فخر الإسلام (٤): أما العجائز؛ فلا بأس بخروجهن إلى العيدين بالإجماع. وتكلموا في أن حضورهن للصلاة أو لتكثير الجمع: ففي رواية الحسن عن أبي حنيفة: للصلاة، فيصلين في آخر الصفوف. وفي رواية أبي يوسف عنه: لتكثير سواد المسلمين، فقمن في ناحية ولا يصلين؛ لأنه قد صح أنه ﵇ أمر الحيض بالخروج (٥) مع أنهن لسن من أهل الصلاة، والفتوى اليوم على الكراهة في الصلوات كلها، فمتى كره حضورهن المسجد للصلاة، لأن يكره لحضور مجالس العلم، خصوصاً عند هؤلاء الجهال [الذين (٦)] تحلوا بحلية أهل العلم. إلى هذا لفظه. ذكره المحبوبي (٧).

стр. 798

قَالَ: (وَلَا يُصَلِّي الطَّاهِرُ خَلْفَ مَنْ هُوَ فِي مَعْنَى المُسْتَحَاضَةِ، وَلَا الطَّاهِرَةُ خَلْفَ المُسْتَحَاضَةِ) لِأَنَّ الصَّحِيحَ أَقْوَى حَالًا مِنْ المَعْذُورِ، وَالشَّيْءُ لَا يَتَضَمَّنُ مَا (من هو في معنى المستحاضة) كمن به سلس البول والرعاف الدائم والجرح الذي لا يرقأ وانفلات ريح واستطلاق بطن. وللشافعي في صلاة الطاهرة خلف المستحاضة وجهان: أحدهما: أنه يجوز كالمتوضئ خلف المتيمم والغاسل خلف الماسح، وبه قال زفر، وكذا قال زفر: خلف كل معذور؛ لأنه آت بما هو مأمور به. والثاني: لا يجوز؛ لأن طهارتها ضرورية، ولا ضرورة في الاقتداء (١). وعندنا: الأصل في جنس هذه المسائل: أن المقتدي إذا كان أقوى حالاً من الإمام لا يجوز اقتداؤه به؛ لأن بناء القوي على الضعيف لا يجوز؛ لأن صلاة الإمام تتضمن صلاة المقتدي، والشيء إنما يتضمن ما هو مثله أو دونه، لا ما هو فوقه. وإنما قلنا أنها تتضمن؛ لقوله ﵇: «الإمام ضامِنٌ» (٢)، والضمان ليس في الذمة، فإن صلاة المقتدي لا تصير في ذمة الإمام، فثبت أن معناه: صلاة المقتدي في ضمن صلاة الإمام. إليه أشير في الأسرار (٣). ولأن طهارتها مع المنافي للضرورة، ولا ضرورة في حق الاقتداء. وللشافعي في صلاة القارئ خلف الأمي قولان: أحدهما: أنه يصح، وبه قال زفر، واختاره المزني (٤)، فإن اقتداء الكاسي بالعارى يجوز مع فوات الصلاة، فكذا اقتداء القارئ بالأمي. والثاني - وهو المنصوص في الجديد -: أنه لا يصح (٥)، وهو قولنا،

стр. 799

هُوَ فَوْقَهُ، وَالإِمَامُ ضَامِنٌ بِمَعْنَى أَنَّهُ تَضَمَّنُ صَلَاتُهُ صَلَاةَ المُقْتَدِي (وَلَا) يُصَلِّي (القَارِئُ خَلْفَ الأُمِّيِّ، وَلَا المُكْتَسِي خَلْفَ العَارِي) لِقُوَّةِ حَالِهِمَا. ومالك (١)، وأحمد (٢). ثم الأمي عنده من لا يحسن الفاتحة أو حرفًا منها، وعندنا من لا يحسن القراءة. وله في اقتداء الكاسي بالعاري قول واحد: أنه يجوز (٣)؛ لأن العجز عن فرض من فرائض الصلاة إذا لم يمنع صحة الصلاة؛ فلا يمنع صحة الاقتداء، قياساً عن العجز عن القيام. ولنا: ما ذكرنا من الأصل. وفي فتاوى قاضي خان (٤): لا يصح اقتداء القارئ بالأخرس أيضاً، وكذا اقتداء الأمي به؛ لأن الأخرس لا يأتي بالتحريمة، وهي فرض، والأمي يأتي بها، فصار كاقتداء القارئ بالأمي. ولو اقتدى الأمي بالقارئ فتعلم سورة في وسط الصلاة: قال الفضلي: لا تفسد صلاته؛ لأن صلاته كانت بقراءة. وقال غيره: تفسد؛ لأنه يقوى حاله (٥). ثم ذكر في جنس هذه المسائل: أن صلاة الإمام جائزة، إلا إذا كان الإمام أُميّاً والمقتدي قارئاً أو أخرساً، والمقتدي أميا؛ حيث لا يجوز. وفي كل موضع لا يجوز الاقتداء، هل يصير شارعاً في صلاة نفسه؟ في رواية باب الحدث وزيادات الزيادات: لا يصير، حتى لو ضحك قهقهة لا ينتقض وضوءه، وفي رواية: الأذان يصير شارعًا. وفي المحيط (٦): الصحيح: هو الأول؛ لأنه نص عليه محمد في الأصل،

стр. 800

(وَيَجُوزُ أَنْ يَؤُمَّ المُتَيَمِّمُ المُتَوَضِّئِينَ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا حتى لو كان متطوعاً لا يلزمه القضاء؛ لأن الشروع كالنذر، ولو نذر أن يصلي بغير قراءة؛ فلا يلزمه القضاء، فكذا إذا شرع، وفيه تأمل. وقيل: ما ذكر في باب الحدث قول محمد، وما ذكر في باب الأذان قولهما، بناء على فساد الجهة يوجب فساد التحريمة عنده، خلافا لهما. وأما جواب قياس زفر على المتيمم والماسح: أن طهارة المعذور فائتة حقيقة وهو شرط، والمعذور لم يؤمر في هذا الوقت إلا بتحصيل الأضعف، وهو أداء الصلاة مع الحدث، وإذا أتى به خرج عن عهدة ما أمر به، وذلك لا يجعله صالحًا لبناء الأقوى عليه، بخلاف المتيمم؛ لقيام الخلف مع الأصل، وكون الخلف مانعاً من سراية الحدث، فلم تكن الطهارة فائتة حقيقة وحكماً. قوله: (ويجوز أن يؤم المتيمم المتوضئين) وبه قال زفر، والشافعي (١)، ومالك (٢)، وأحمد (٣)، وجمهور الفقهاء، خلافا لمحمد (٤). قال شيخ الإسلام: هذا الخلاف فيما إذا لم يكن مع المتوضئين ماء، وإلا فلا (٥). وأجمعوا أن ماسح الخف يؤم الغاسلين. لمحمد: ما روي عن علي ﵁ أنه قال: «لا يؤم المتيمم المتوضئين، ولا المقيد المطلقين» (٦)، ولم يرو عن أقرانه خلاف ذلك، فوجب اتباعه. ولأنه صلى بالتيمم باقتدائه بالمتيمم، مع قدرته على الصلاة بالوضوء؛ بأن يصلي وحده فلا يجوز؛ لأنه طهارة ضرورية. ولهما: حديث عمرو بن العاص: أنه ﵇ جعله أميرًا على سرية،

стр. 801

اللَّهُ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ ﵀: فلما انصرفوا سألهم عن سيرته، فقالوا: كان حسن السيرة (١)، ولكنه صلى بنا يوما وهو جنب، فسأله النبي ﵇، فقال: احتلمت في ليلة باردة، خشيت الهلاك إن اغتسلت فتلوت قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]، فتيمَّمْتُ وصلّيتُ بهم، فتبسم النبي ﷺ ، وقال: «يا لك من فقه عمرو بن العاص» (٢)، ولم يأمرهم بالإعادة. ولأنه طاهر اقتدى بطاهر، فإن التيمم عند عدم الماء مطهر، والعدم ثابت في حق الكل، فيكون طهارته ثابتة في حقهم. وأما حديث علي ﵁؛ أراد به نفي الفضيلة والكمال، بدليل عطف المقيد عليه، وهناك المراد نفي الفضيلة بالاتفاق، وفي الحقيقة هذا بناء على ما ذكر في الأصول: أن التراب خلف عن الماء على قولهما، وعنده التيمم خلف عن الوضوء، فيكون المتيمم صاحب الخلف، والمتوضؤ صاحب الأصل عنده، فلا يؤمه. وعندهما: لما كان التراب خلفاً عن الماء في حصول الطهارة، فبعد حصولها كان شرط الصلاة موجوداً في حق كل واحد منهما بكماله؛ بمنزلة الماسح يؤم الغاسلين. وجه قول محمد: قوله ﵇: «التَّيمم وضوء المسلم … » الحديث (٣)؛ جعل التيمم وضوءا دون التراب. ولهما: قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ [النساء: ٤٣] الآية؛ فقد أقام الصعيد مقام الماء، وقوله ﵇: «الصَّعيدُ الطَّيبُ وضوء المسلم» (٤)، وفهم

стр. 802

لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ طَهَارَةٌ ضَرُورِيَّةٌ (*)، وَالطَّهَارَةُ بِالمَاءِ أَصْلِيَّةٌ. وَلَهُمَا: أَنَّهُ طَهَارَةٌ مُطْلَقَةٌ محمد من وضوء المسلم الطهارة، والوضوء ما يعد للطهارة لا نفسها. (طهارة ضرورية)؛ يعني: من حيث إنه يصار إليه عند العجز والضرورة عن استعمال الماء. (طهارة مطلقة)؛ يعني: غير مؤقتة بالوقت، بخلاف طهارة المستحاضة؛ فإنها مؤقتة بالوقت، وهذا هو الفرق بينهما. فإن قيل: يشكل على أصل كل واحد مسألة انقطاع الرجعة؛ فإنه جعل محمد التيمم هاهنا طهارة ضرورية، وفي باب الرجعة طهارة مطلقة، حتى انقطع الرجعة بمجرد التيمم عنده من غير أن يصلي، وهما جعلاه مطلقة هاهنا وضرورية هناك، حتى قالا: لا تنقطع الرجعة به، فيلزم التناقض. قلنا: لا تناقض في التحقيق؛ فإنهم اتفقوا على أن التيمم طهارة مطلقة بجهة، وضرورية بجهة، لكنهم اختلفوا في تفسير الضرورة والإطلاق، فقال محمد: ضرورة من حيث تقييده بعدم الماء؛ فإنه في الحقيقة تلويث، ولكنه جعل تطهيراً ضرورة عدم الماء، ولكن بعد تحقق شرطه وهو عدم الماء مطلقة كالوضوء، حتى جاز به جميع ما يجوز بالوضوء مما يتعلق بالطهارة، ولا ينتقض بخروج الوقت ودخوله، وإلى هذا الإطلاق أشير في قوله ﵇: «التيمم طهور المسلم» (١) الحديث، ففي مسألة الاقتداء طهارة مطلقة في حق نفسه ليتحقق شرطه في حقه، حتى يجوز له جميع ما يجوز بالتوضئ، ولكنه طهارة ضرورية بالنسبة إلى المقتدي؛ لأن الشرط لم يوجد في حقه طهارة المعذور؛ فإنها ليست بطهارة في حق الصحيح؛ لعدم الضرورة في حقه، وإن كانت طهارته في حق نفسه، وكما لو كان معه ما لا يشعر به إمامه المتيمم، فاختار محمد في الموضعين جانب الاحتياط، فكان الاحتياط في المطلقة؛ كونه طهارة مطلقة بعد تحقق شرطه كالوضوء، فينقطع حق الرجعة وتجب الصلاة؛ لأن سقوط الرجعة

стр. 803

وَلِهَذَا لَا يَتَقَدَّرُ بِقَدْرِ الحَاجَةِ (وَيَؤُمُّ المَاسِحُ الغَاسِلِينَ) لِأَنَّ الخُفَّ مَانِعُ سِرَايَةَ الحَدَثِ إِلَى القَدَمِ، وَمَا حَلَّ بِالخُفِّ يُزِيلُهُ المَسْحُ، بِخِلَافِ المُسْتَحَاضَةِ لِأَنَّ الحَدَثَ لَمْ يُعْتَبَرْ شَرْعًا … ... … ... … ... مما يوجد بالاحتياط بالاتفاق، ولهذا لو اغتسلت وبقيت لمعة؛ تنقطع الرجعة احتياطاً وإن لم يحل لها الصلاة، وهاهنا تحل لها الصلاة بالتيمم، فأولى أن تنقطع به الرجعة. وفي مسألة الاقتداء: الاحتياط أن لا يجوز؛ لأنه اجتمع جهتان، فرجح جهة عدم الجواز احتياطاً، وهما جعلاه طهارة ضرورية؛ من حيث إنه جعل طهارة مع كونه تلويثاً؛ ضرورة التحرز عن تضاعف الواجبات، كما ذكر في المتن في مسألة الرجعة، ولكنه طهارة مطلقة فيما شرع طهارة في حقه وهو أداء الصلاة، وما يتوقف صحته على الطهارة، وإلى هذا الإطلاق أشير في قوله ﵇: ﴿جُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِداً وطَهُوراً … ﴾ الحديث (١)، ثم تيمم الإمام بعد تحقق شرطه طهارة مطلقة في حقه وحق المقتدي؛ لأنه كالوضوء في حق أداء الصلاة، فلا يمنع صحة اقتدائه به، كما لو متوضئاً حقيقة، واستعمال المقتدي الماء لا يصير الماء موجوداً في زعمه، فكان الإمام طاهراً في زعمه، بخلاف ما لو كان معه ماء لا يشعر به إمامه؛ فإن الشرط لم يوجد في زعمه، وبخلاف المعذور؛ لأن طهارته ضرورية في حق جميع الأحكام، فلا يظهر فيما وراء موضع الضرورة. فأما تيمم المطلقة وإن كان طهارة مطلقة في حق الصلاة، ولكنه ضرورة في حق انقطاع الرجعة؛ إذ هو ليس من الصلاة في شيء، فلم يظهر في حقه؛ لأن ما ثبت بالضرورة يتقدر بقدرها، فتبين مما ذكرنا أنهما عملا في مسألة الاقتداء بصفة الإطلاق، وفي حق الرجعة بصفة الضرورة احتياطاً أيضاً، فلا يكون ما ذكره المصنف تناقضاً. إليه أشير في إشارات الأسرار (٢).

стр. 804

مَعَ قِيَامِهِ حَقِيقَةً (وَيُصَلِّي القَائِمُ خَلْفَ القَاعِدِ) وَقَالَ مُحَمَّدٌ ﵀: لَا يَجُوزُ (*)، وَهُوَ (مع قيامه)؛ أي: قيام الحدث في المستحاضة (حقيقة)، أما على الرجل ما حلت النجاسة حقيقة؛ لوجود الخف، بل حلت حكماً وقد ارتفعت بالمسح، وفي المعذور الطهارة فائتة حقيقة، وإنما جعل طهارة مع المنافي في الوقت؛ ضرورة التقضي عن عهدة التكليف، فلا يجعل صالحًا لبناء الأقوى، كما قلنا في جواب قياس زفر. قوله: (ويصلي القائم): اقتداء القائم بالقاعد جائز في قول أبي حنيفة وأبي يوسف (١)، والشافعي (٢)، ومالك في رواية استحسانًا. وفي قول محمد، وزفر: لا يجوز، وهو رواية أخرى عن مالك (٣) قياساً. وقال أحمد (٤)، والأوزاعي: يصلون خلفه قعودًا. لمحمد: قوله ﵇: «لا يَؤُمَّنَّ أحدٌ بعَدي جالساً» (٥)، ولم يرد به الجالس بالجالس، فإن اقتدى القاعد بالقاعد، والجالس بالقائم؛ يجوز بالإجماع، فعلم أن مراده (جالساً): القائم، ولأن هذا اقتداء غير معذور بالمعذور فلا يصح، فإن صلاة الفرض لا تجوز جالساً إلا بعد العجز، فلا تصح إمامته للقائم، قياساً على اقتداء الصحيح بالمريض الذي يومئ؛ فإنه لا يصح بالاتفاق، وعلى اقتداء المكتسي بالعاري، بل أولى؛ لأن الستر شرط والقيام ركن؛ وهذا لأن المقتدي بان صلاته على صلاة الإمام، وتحريمة الإمام لم تنعقد للقيام، فلا يمكنه بناء القيام عليه، فحينئذ كان اقتداؤه في بعض أفعال الصلاة دون البعض، فيكون منفردًا بالقيام، فكان اقتداء وانفراداً في حالة واحدة.

стр. 805

القِيَاسُ لِقُوَّةِ حَالِ القَائِمِ، وَنَحْنُ تَرَكْنَاهُ بِالنَّصِّ، وَهُوَ مَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﵊ صَلَّى آخِرَ صَلَاتِهِ قَاعِدًا وَالقَوْمُ خَلْفَهُ قِيَامٌ» (وَيُصَلِّي المُومِيُّ خَلْفَ مِثْلِهِ). ولنا: حديث عائشة: أنه ﵇ لما ثقل في مرضه قال: «مُرُوا أبا بكر أنْ يُصلِّي بالناس» (١)، فقالت لحفصة: قولي له: إن أبا بكر رجل أسيف - أي: حزين - إذا وقف مكانك لا يملك نفسه، فلو أمرت غيره - يعني: ليت أمرت غيره -، و (لو) بمعنى المتمني هاهنا، فقالت ذلك كرتين، فقال ﵇: «أنتُنَّ صَواحباتُ يُوسُفَ، مُرُوا أبا بكرٍ»، فلما افتتح أبو بكر وجد النبي ﵇ خفة في نفسه، فخرج يهادى بين علي والفضل، ورجلاه تخطان في الأرض، حتى دخل المسجد فسمع أبو بكر حسه، فتأخر وتقدم النبي ﵇، وجلس على يسار أبي بكر، وصلى وأبو بكر يصلي بصلاته، والناس يصلون بصلاة أبي بكر (٢) - يعني: أن أبا بكر يسمع تكبير النبي ﵇. قاله الأعمش، وبه يعرف جواز رفع المؤذنين أصواتهم في الجمعة والعيدين وغيرهما. ولأن الإمام صاحب بدل صحيح كالماسح، فيجوز اقتداء صاحب الأصل به، بخلاف صاحب الحرج والعاري؛ فإنهما ليسا بصاحب بدل، ولا يلزم اقتداؤه بالمومئ؛ فإنه لا يصح، لما أن صلاة المقتدي بركوع وسجود، وليسا في الإيماء أصلاً ولا بدلا صحيحاً، فإن الإيماء ليس ببدل منهما؛ لأنه بعضهما، وبعض الشيء لا يكون خلفه، لكن سقط عنه ما عجز عنه للضرورة، ولهذا يقال لمن قعد ناهضاً عن نومه: قام عن فراشه وعن مضجعه، ويقال للمضطجع: قم واقرأ، فنهض وقعد يكون ممثلا أمره بالقيام، بخلاف الإيماء؛ فإنه لا يسمى سجوداً بحال، ولأن الركوع والسجود ركنان مقصودان، بخلاف القيام، ولهذا يتخير المتنفل بين القيام والقعود، ولا يتخير بين الإيماء والسجود، فإذا لم يكن مقصوداً؛ جاز أن يسد الناقص مَسَدَّهُ، لعدم فوات المقصود، فكان حال الإمام مثل حال المقتدي، بخلاف الركوع والسجود؛

стр. 806

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فإنهما مقصودان، وقد فاتا في حق الإمام المومئ، فلا يكون حاله مثل حال المقتدي. وأما الجواب عن تعلقه بقوله ﵇: «لا يَؤُمَّنَّ … » (١) أن المراد الجالس القادر على القيام، ونحن نقول هكذا، فكان ﵇ مخصوصاً به، وإنما قلنا ذلك بدليل قصة الحديث، وهو ما روى الزهري عن أنس أنه ﵇ سقط من فرسه فجحش شقه الأيسر في رواية مبسوط السَّرَخْسِي (٢)، وفي رواية مبسوط شيخ الإسلام: شقه الأيمن (٣)، فلم يخرج أياماً، فدخل عليه الصحابة فوجدوه يصلي قاعداً، فافتتحوا الصلاة خلفه قيامًا، فصلوا قياماً وهو جالس، فأشار إليهم أن اقعدوا، فلما فرغ من صلاته قال: «إنما جُعِلَ الإمامُ إماماً ليؤتم به فلا تَخْتَلِفوا عليه، فإذا صلَّى قائماً فَصَلُّوا قيامًا، وإذا صلّى قاعدًا فصلوا قعودًا أجمعين، لا يَؤُمَّنَّ أحدٌ بعدي جالسًا - أي: الجالس - هو قادر على القيام، كما فَعَلتُهُ أنا، فإنّي كنتُ مخصوصاً بذلك» (٤) كذا في المبسوطين (٥)، والأسرار. وهذا في الحقيقة جواب عما تمسك أحمد بهذا الحديث، ثم قال في الأسرار: وكلام محمد أحب إلي. وفي الْمُجْتَبى (٦): هذا الحديث محمول على الاستحباب، كما قال ﵇: «لا يؤُمُّ المُقيَّد المُطلقين» (٧) وإمامته لهم جائزة، والمراد نفي الفضيلة، فكذا هذا.

стр. 807

لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الحَالِ، إِلَّا أَنْ يُومِنَ المُؤْتَمُّ قَاعِدًا وَالإِمَامُ مُضْطَجِعًا، لِأَنَّ القُعُودَ وقيل: محمول على غير حالة العذر، والتخيير بين القيام والقعود كان مخصوصاً بالنبي ﵇، وقال أبو عمر بن عبد البر (١): حديث «لَا يَؤْمَنَّ أحدٌ بَعدِي … » لا يصح؛ لأنه رواه جابر الجعفي عن الشعبي، وأهل الحديث لا يقبلون مسند الجعفي، فكيف يقبلون مرسله، ومتفق رد روايته. وقيل: إنه يقول بالتناسخ والرجعة، ويتظاهر بسب السلف الصالح، فلا يحل قبول قوله في الدين. ولأن القعود قيام مقصود؛ لأن كماله باستواء النصفين، وقد وجد أحد نصفيه مستويًا، فصار كاقتداء المستوي قائما مع المنحني ظهره، حتى كان كالراكع. كذا في الأسرار (٢). وعن شيخ شيخي: هذه النكتة قاطعة للشغب؛ لما أن القيام عبارة عن استواء النصفين، فلما لم يوجب فوات استواء النصف الأعلى عدم جواز الاقتداء؛ لم يوجب فوات النصف الأسفل عدم الجواز أيضاً؛ لأنهما سواء في تكميل القيام واسم النصف. قوله: (لاستوائهما في الحال): قال التمرتاشي: لو كان الإمام يصلي قاعداً بالإيماء، والمقتدي يصلي قائما بالإيماء؛ صح اقتداؤه به أيضاً؛ لأن هذا القيام ليس بركن، حتى كان الأولى تركه دل عليه: ما لو عجز عن السجود وقدر على غيره من الأفعال؛ أنه يصلي قاعداً بإيماء، فيستوي حالهما (٣). قوله: (إلا أن يومئ المؤتم قاعدًا) إلى آخره؛ أي: فحينئذ لا يجوز. وذكر التمرتاشي حكم هذه المسألة على خلاف هذا؛ فإنه قال: واختلف في اقتداء من يصلي قاعداً مومِنًا بمن يصلي مضطجعاً مومنا، والأصح: أنه يجوز على قول محمد، وكذا الأظهر على قولهما الجواز (٤).

стр. 808

مُعْتَبَرٌ فَتَثْبُتَ بِهِ القُوَّةُ (وَلَا يُصَلِّي الَّذِي يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ خَلْفَ المُومِئِ) لِأَنَّ حَالَ المُقْتَدِي أَقْوَى، وَفِيهِ خِلَافُ زُفَرَ ﵀. (وَلَا يُصَلِّي المُفْتَرِضُ خَلْفَ المُتَنَفِّلِ) لِأَنَّ الاِقْتِدَاءَ بِنَاءُ، وَوَصْفُ الفَرْضِيَّةِ مَعْدُومٌ فِي حَقِّ الإِمَامِ، فَلَا يَتَحَقَّقُ البِنَاءُ عَلَى المَعْدُومِ. قَالَ: (وَلَا مَنْ يُصَلِّي فَرْضًا خَلْفَ مَنْ يُصَلِّي فَرْضًا آخَرَ) لِأَنَّ الاِقْتِدَاءَ شَرِكَةٌ وَمُوَافَقَةٌ فَلَا بُدَّ مِنْ الاتِّحَادِ … ... وذكر في المحيط (١) ما يوافق رواية الهداية، ثم ذكر التمرتاشي: وعلى هذا الخلاف اقتداء السليم بالأحدب الذي بلغ حد الركوع (٢)، وهذا على خلاف ما ذكرنا قبله من الأسرار، ولكن رواية المحيط مثل رواية الأسرار. قوله: (خلاف زفر): والشافعي أيضاً (٣). لهما: أن الفرض سقط إلى خلف وهو الإيماء، والمتأدى بالبدل كالمتأدى بالأصل، فصار كإمامة المتيمم المتوضئين، والماسح الغاسلين. ولنا: أن الإيماء ليس ببدل عنهما؛ لأنه بعضهما كما بينا، وبعض الشيء لا يكون بدلاً عنه. كذا في المحيط (٤). فإن قيل: يلزم راكب ترك في صلاته؛ فإنه يبني الركوع والسجود على الإيماء. قلنا: إحرامه انعقد مُجَوّزاً لهما؛ لقدرته عليهما، لكنهما سقطا لعجز حالي، فصح البناء وبقولنا: قال مالك (٥)، وأحمد (٦). قوله: (لأن الاقتداء شركة)؛ أي: في التحريمة. (وموافقة)؛ أي: في الأفعال.

стр. 809

وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀: يَصِحُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ، لِأَنَّ الاِقْتِدَاءَ عِنْدَمَا أَدَّاءُ عَلَى سَبِيلِ المُوَافَقَةِ، (وعند الشافعي يصح في جميع ذلك) (١) وهو قول عطاء، وأحمد في رواية (٢)، واختاره ابن المنذر؛ لحديث معاذ: أنه كان يصلي مع النبي ﵇ العشاء، ثم يرجع فيصلي بقومه في بني سلمة (٣)، وزاد الدارقطني (٤): فكان صلاة العشاء لمعاذ نفلا ولقومه فرضًا، ولأنه لا يظن بمعاذ أنه يترك فضيلة فرضه خلف النبي ﵇، مع قوله ﵇: «إذا أقيمَتِ الصَّلاةُ فَلَا صَلاةَ إلا المكتوبة» (٥)، فكيف يظن بمعاذ أنه يصلي النافلة مع إقامة المكتوبة؟. ولأنهما صلاتان اتفقتا في الأفعال المعهودة، ويصحان جماعة وفرادى، فيصح بناء أحدهما على الآخر، قياساً على صلاة واحدة، ولا يلزم الجمعة بمن يصلي الظهر، حيث لا يجوز عنده؛ لأنه قال: يصح فرادى وجماعة، والجمعة لا تصح فرادى، ولأن لها شرائط لم توجد في الظهر. وبقولنا: قال مالك (٦)، وأحمد في رواية، واختارها أكثر أصحاب أحمد (٧). ودليلنا: ما روي أنه ﵇ قال: «الإمام ضامن … » الحديث (٨)، وقوله ﵇: «إنّما جُعِلَ الإمامُ إماماً لِيُؤْتَمَّ به، فلا تَخْتَلِفوا عليه» (٩)، نهى عن الاختلاف عليه، والفرض غير موجود في صلاة الإمام، فيعمل على إطلاقه. ومعنى قوله: (ضامن)؛ أي: ضامن لصلاة القوم صحة وفساداً، فإن كل مصلي ضامن لصلاة نفسه، والضمان ليس في الذمة لما ذكرنا، فثبت أن معناه:

стр. 810

وَعِنْدَنَا مَعْنَى التَّضَمُّنِ مُرَاعَى (وَيُصَلِّي المُتَنَفِّلُ خَلْفَ المُفْتَرِضِ) لِأَنَّ الحَاجَةَ فِي حَقِّهِ صارت في ضمن صلاة الإمام صحة وفساداً؛ لأن الأداء لا يسقط عنهم بأداء الإمام بالإجماع. كذا في الأسرار. (١) وفي المبسوط (٢): ومعنى قوله: (والإمام ضامن)؛ أن تتضمن صلاته صلاة القوم، وتضمين الشيء فيما فوقه لا يجوز، وفيما دونه يجوز، وهو المعنى في الفرق بين اقتداء المتنفل بالمفترض، وبين اقتداء المفترض بالمتنفل. فإن قيل: ينبغي أن لا يصح اقتداء المتنفل بالمفترض؛ لأن القراءة فرض على المقتدي في الآخرتين دون الإمام. قلنا: لما اقتدى به لم يبق عليه قراءة، لا فريضة ولا نفلا، وكذا قعدة المتنفل في الشفع الأول تصير نفلا لما صار نفله أربعاً. كذا في الأسرار". (٣) وفي المحيط (٤): بين مشايخنا اختلاف في اقتداء المفترض بالمتنفل، قال بعضهم: لا يجوز في جميع الأفعال، ولكن يجوز في فعل واحد؛ ألا ترى أن محمداً ذكر أن الإمام إذا رفع رأسه من الركوع، فجاء إنسان واقتدى به، وسبق الإمام الحدث قبل السجود، فاستخلف هذا الذي اقتدى؛ صح الاستخلاف، ويأتي الخليفة بالسجدتين، ويكونا هما نفلين له حتى يعيدهما بعد ذلك، وفرضين في حق من أدرك أول الصلاة، ومع هذا صح الاقتداء، وكذا لو اقتدى المتنفل بالمفترض في الشفع الأخير يجوز، وهذا اقتداء المفترض بالمتنفل في حق القراءة. وقال عامتهم: لا يجوز شيء من أفعال الصلاة. وأجابوا عن المسألتين: أما عن الأولى؛ فلأن السجدتين فرضان في حق الخليفة أيضاً؛ لوجود حد الفرض؛ وهو أنه إذا لم يأت به تفسد صلاته، وهذا كذلك؛ لأن الخليفة قام مقام الإمام.
следующие страницы →