لَهُ قَبْلَ القَبُولِ تَصِيرُ الوَصِيَّةُ مِيرَاثًا لِوَرَثَتِهِ، وَالقَاضِي نَصَّبَ نَاظِرًا لَا سِيَّمَا فِي حَقِّ المَوْتَى وَالغُيَّبِ، وَمِنْ النَّظَرِ إِفْرَازُ نَصِيبِ الغَائِبِ وَقَبْضِهِ، فَنَفَذَ ذَلِكَ وَصَحَّ، حَتَّى لَوْ حَضَرَ الغَائِبُ وَقَدْ هَلَكَ المَقْبُوضُ، لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَى الوَرَثَةِ سَبِيلٌ.
قَالَ: (وَإِذَا بَاعَ الوَصِيُّ عَبْدًا مِنْ التَّرِكَةِ بِغَيْرِ مَحْضَرٍ مِنْ الغُرَمَاءِ، فَهُوَ جَائِزٌ) لِأَنَّ الوَصِيَّ قَائِمٌ مَقَامَ المُوصِي، وَلَوْ تَوَلَّى حَيًّا بِنَفْسِهِ يَجُوزُ بَيْعُهُ بِغَيْرِ مَحْضَرٍ مِنْ الغُرَمَاءِ، وَإِنْ كَانَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ، فَكَذَا إِذَا تَوَلَّاهُ مَنْ قَامَ مَقَامَهُ، وَهَذَا لِأَنَّ حَقَّ الغُرَمَاءِ مُتَعَلِّقٌ بِالمَالِيَّةِ لَا بِالصُّورَةِ، وَالبَيْعُ لَا يُبْطِلُ المَالِيَّةَ لِفَوَاتِهَا إِلَى خَلَفٍ وَهُوَ الثَّمَنُ، بِخِلَافِ العَبْدِ المَدْيُونِ، لِأَنَّ لِلْغُرَمَاءِ حَقَّ الاسْتِسْعَاءِ، وَأَمَّا هَاهُنَا فَبِخِلَافِهِ.
قَالَ: (وَمَنْ أَوْصَى بِأَنْ يُبَاعَ عَبْدُهُ، … ... … ... … ..
ذلك، بخلاف الوصي لأنه لا ولاية له على الموصى له بوجه، ولهذا لا يبيع شيئًا من ماله فلا تنفذ قسمته عليه، إليه أشار الإمام قاضي خان.
وذكر المحبوبي هذا الذي من قسمة القاضي فيما إذا كانت التركة مما يكال ويوزن لأن القسمة فيهما [تميز (١)] لا مبادلة حتى ينفرد أحد الشريكين من غير قضاء ولا رضا، ويجوز لأحدهما أن يبيع نصيبه مرابحة على ما قام عليه من الثمن، وأما فيما لا يكال ولا يوزن لا يجوز لأن القسمة فيه مبادلة كالبيع، وبيع مال الغائب لا يجوز فكذا القسمة.
قوله: (ولو تولى حيًّا) أي لو باع الموصي بنفسه حال حياته (يجوز بيعه بغير حضورهم.
وإن كان مريضًا) أي: إذا باعه بمثل قيمته، فكذا إذا باعه وصيه لأن حق الغرماء متعلق بماليته لا بعينه، والبيع لا يبطل ماليته لفواتها إلى خلف وهو الثمن، أما العبد المأذون المديون يتعلق حق الغرماء في عين العبد بالسعاية والبيع يبطله فكان مبطلا حق الغرماء فلا يصح بغير إجازتهم.
قوله: (أوصى بأن يباع عبده)، وفي الكافي: أي من فلان.
стр. 7457
وَيَتَصَدَّقَ بِثَمَنِهِ عَلَى المَسَاكِينِ، فَبَاعَهُ الوَصِيُّ وَقَبَضَ الثَّمَنَ، فَضَاعَ فِي يَدِهِ، فَاسْتُحِقَّ العَبْدُ، ضَمِنَ الوَصِيُّ) لِأَنَّهُ هُوَ العَاقِدُ فَتَكُونُ العُهْدَةُ عَلَيْهِ، وَهَذِهِ عُهْدَةٌ، لِأَنَّ المُشْتَرِيَ مِنْهُ مَا رَضِيَ بِبَذْلِ الثَّمَنِ إِلَّا لِيُسَلِّمَ لَهُ المَبِيعَ، وَلَمْ يُسَلِّمْ، فَقَدْ أَخَذَ الوَصِيُّ البَائِعُ مَالَ الغَيْرِ بِغَيْرِ رِضَاهُ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ رَدُّهُ. قَالَ: (وَيَرْجِعُ فِيمَا تَرَكَ المَيِّتُ) لِأَنَّهُ عَامِلٌ لَهُ، فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ كَالوَكِيلِ. وَكَانَ أَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ أَوَّلًا: لَا يَرْجِعُ، لِأَنَّهُ ضَمِنَ بِقَبْضِهِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مَا ذَكَرْنَا، وَيَرْجِعُ فِي جَمِيعِ التَّرِكَةِ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ: أَنَّهُ يَرْجِعُ فِي الثُّلُثِ لِأَنَّ الرُّجُوعَ بِحُكْمِ الوَصِيَّةِ، فَأَخَذَ حُكْمَهَا، وَمَحَلُّ الوَصِيَّةِ الثُّلُثُ. وَجْهُ الظَّاهِرِ: أَنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِحُكْمِ الغُرُورِ، وَذَلِكَ دَيْنٌ عَلَيْهِ، وَالدَّيْنُ يُقْضَى
[قوله]: (١) (ضمن الوصي) أي: الثمن.
قوله: (فتكون العهدة عليه) أي: على الوصي ويرجع الوصي في تركة الميت لأنه عامل للميت في تنفيذ وصيته فيرجع عليه كالوكيل، وكان أبو حنيفة ﵀ يقول أولا: لا ير لانه ضمن بفعله وهو القبض فلا يرجع على غيره، ثم رجع وقال: يرجع.
يرجع
قوله: (لأن الرجوع بحكم الوصية)؛ لأنه لتنفيذها (أخذ حكمها) أي: حكم الوصية فيتقيد بمحل الوصية.
قوله: (أنه) أي: الوصي، (يرجع عليه) أي: على الميت (بحكم الغرور)؛ لأن الميت غَرَّهُ حيث أمره ببيع عبده ويتصدق بثمنه فكان قائلا له: إن هذا العبد ملكي وكان مغرورا من جهته، كذا ذكره قاضي خان.
وفي الذخيرة محيلا إلى المنتقى: أن الوصي يرجع على المساكين لا على الميت، والقياس هذا لأن غنم تصرف الوصي يعود إلى المساكين فغرمه يجب أن يكون عليهم، وهذه الرواية تخالف رواية الجامع الصغير، ووجه رواية الجامع الصغير أن الميت أصل في غنم هذا التصرف وهو الثواب، والفقير تبع له.
стр. 7458
مِنْ جَمِيعِ التَّرِكَةِ، بِخِلَافِ القَاضِي، أَوْ أَمِينِهِ إِذَا تَوَلَّى البَيْعَ، حَيْثُ لَا عُهْدَةَ عَلَيْهِ، لِأَنَّ فِي إِلْزَامِهَا القَاضِيَ تَعْطِيلُ القَضَاءِ، إِذْ يَتَحَامَى عَنْ تَقَلُّدِ هَذِهِ الْأَمَانَةِ حَذَرًا عَنْ لُزُومِ الغَرَامَةِ، فَتَتَعَطَّلُ مَصْلَحَةُ العَامَّةِ، وَأَمِينُهُ سَفِيرٌ عَنْهُ كَالرَّسُولِ، وَلَا كَذَلِكَ الوَصِيُّ، لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الوَكِيلِ وَقَدْ مَرَّ فِي كِتَابِ القَضَاءِ، فَإِنْ كَانَتْ التَّرِكَةُ قَدْ هَلَكَتْ، أَوْ لَمْ يَكُنْ بِهَا وَفَاءٌ: لَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ، كَمَا إِذَا كَانَ عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنُ آخَرُ.
قَالَ: (وَإِنْ قَسَمَ الوَصِيُّ المِيرَاثَ، فَأَصَابَ صَغِيرًا مِنْ الوَرَثَةِ عَبْدٌ، فَبَاعَهُ وَقَبَضَ الثَّمَنَ، فَهَلَكَ واسْتُحِقَّ العَبْدُ، رَجَعَ فِي مَالِ الصَّغِيرِ) لِأَنَّهُ عَامِلٌ لَهُ، وَيَرْجِعُ الصَّغِيرُ عَلَى الوَرَثَةِ بِحِصَّتِهِ، لِانْتِقَاضِ القِسْمَةِ بِاسْتِحْقَاقِ مَا أَصَابَهُ.
قَالَ: (وَإِذَا احْتَالَ الوَصِيُّ، بِمَالِ اليَتِيمِ، فَإِنْ كَانَ خَيْرًا لِلْيَتِيمِ جَازَ) … ... … ..
قوله: (وقد مر في كتاب القضاء) في آخر فصل القضاء بالمواريث، وهو أنه لا عهدة على أمين القاضي.
قوله: (أو لم يكن [بها]) (١) أي: بالتركة وفاء بأن لم يفضل عن التكفين والتجهيز (لم يرجع) الوصي لأن البيع وقع للميت لا للورثة، [وصار كسائر] (٢) الديون التي تكون على الأموات المفاليس.
قوله: (رجع) أي: الوصي في مال الصغير [لأنه عامل له] (٣)، هذا إذا باع للصغير بأمر القاضي أو بغير أمره، أما لو باع للغرماء بأمر القاضي وقبض الثمن وهلك في يده ثم استحق العبد ورجع المشتري عليه فالقاضي (٤) يرجع على الغرماء لأنه عامل لهم، وإن باعه بأمر الغريم لا بأمر القاضي فكذلك، كذا ذكره قاضي خان.
قوله: (وإذا احتال الوصي بمال اليتيم) أي: إذا صار الوصي محتالا له في قبض الدين الذي كان لليتيم على آخر.
стр. 7459
وَهُوَ أَنْ يَكُونَ أَمْلَأَ، إذ الوِلَايَةُ نَظَرِيَّةٌ، وَإِنْ كَانَ الأَوَّلُ أَمْلَأَ، لَا يَجُوزُ، لِأَنَّ فِيهِ تَضْيِيعَ مَالِ اليَتِيمِ عَلَى بَعْضِ الوُجُوهِ.
قَالَ: (وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الوَصِيِّ، وَلَا شِرَاؤُهُ، إِلَّا بِمَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِي مِثْلِهِ) لِأَنَّهُ
(وهو أن يكون أملأ) أي: المحتال عليه أملاً، ولو كان أفلس لا يجوز، ولو كان سواء لا يجوز، كذا ذكره المحبوبي.
وفي الذخيرة: إذا كانا سواء اختلف الناس فيه، وأشار في الكتاب إلى أنه لا يجوز.
وذكر المحبوبي: إن كان الثاني مثل الأول لا يجوز، بخلاف بيعه مال اليتيم بمثل القيمة حيث يجوز.
والحوالة لا تجوز لما أن البيع معاوضة من كل وجه، والوصي يملك الاعتياض بمال اليتيم إذا لم يكن فيه غبن فاحش، فأما الحوالة فليست بمعاوضة من كل وجه حتى تجوز الحوالة بالمسلم فيه ورأس مال السلم، ولو كانت مبادلة من كل وجه كان استبدالا بهما بالحوالة وذلك لا يصح، وإذا لم تكن مبادلة من كل وجه كانت بمنزلة الهبة بشرط العوض والقاضي لا يملك ذلك في مال اليتيم عند أبي حنيفة ومحمد أما عند أبي يوسف يملك الهبة بشرط العوض في ماله فيجب أن يكون هذا على ذلك أيضًا.
وفي جامع الإسبيجابي: هذا إذا ثبت الدين بمداينة الميت، فأما لو ثبت بمداينة الوصي فإنه يجوز قبول الحوالة سواء كان الثاني مثل الأول أو أملأ أو أفلس، غير أنه إن كان أملاً جاز بالاتفاق، وإن لم يكن أملأ يجوز عند أبي حنيفة ومحمد، وعند أبي يوسف لا يجوز.
قوله: (على بعض الوجوه)، وهو أن يكون المحتال عليه مفلسا ولكن القاضي لم يقض بإفلاسه حيث لا يتمكن الوصي من استيفائه لإفلاسه والرجوع على المحيل لعدم القضاء بإفلاسه فكان [تضييع] (١) ماله بهذا الطريق.
قوله: (ولا يجوز بيع الوصي ولا شراؤه إلا بما يتغابن الناس) وهو الغبن
стр. 7460
لَا نَظَرَ فِي الْغَبْنِ الْفَاحِشِ، بِخِلَافِ الْيَسِيرِ، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ، فَفِي اعْتِبَارِهِ انْسِدَادُ بَابِهِ. وَالصَّبِيُّ الْمَأْذُونُ وَالْعَبْدُ الْمَأْذُونُ وَالْمُكَاتَبُ يَجُوزُ بَيْعُهُمْ وَشِرَاؤُهُمْ بِالْغَبْنِ الْفَاحِشِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، لِأَنَّهُمْ يَتَصَرَّفُونَ بِحُكْمِ الْمَالِكِيَّةِ، وَالْإِذْنُ فَلَكَ الْحَجْرِ، بِخِلَافِ الْوَصِيِّ، لِأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ بِحُكْمِ النِّيَابَةِ الشَّرْعِيَّةِ نَظَرًا، فَيَتَقَيَّدُ بِمَوْضِعِ
اليسير، وقد مر تفسير الغبن اليسير والفاحش في الوكالة، وكذلك الأب لأن الولاية نظرية، قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢]، والنظر فيما لم يكن فيه غبن، لكن اليسير يحتمل لأن في اعتباره تعطيل مصالحه لعدم إمكان الاحتراز عنه، هذا إذا باع الوصي مال اليتيم من أجنبي.
أما إذا اشترى الوصي من ماله لنفسه أو باع ماله للصغير جاز عند أبي حنيفة، ورواية عن أبي يوسف إذا كان للصغير فقد منفعة ظاهرة.
وتفسيره: أن يبيع ما يساوي خمسة عشر بعشرة، أو يشتري ما يساوي عشرة بخمسة عشر، أما إذا لم يكن فيه منفعة ظاهرة لا يجوز، وعلى قول محمد وأظهر الروايتين عن أبي يوسف: لا يجوز على كل حال، وبه قالت الأئمة الثلاثة.
أما وصي القاضي لا يجوز بيعه من نفسه في الأحوال كلها لأنه وكيل، والوكيل بالبيع لو باع من نفسه لا يجوز بالإجماع، وبخلاف الأب لأنه لو باع ماله من نفسه بمثل القيمة، أو بغبن يسير يجوز لأن الأب أوفر شفقة من الوصي فلا يقصر في أموره ظاهرا، هذا كله في المنقول.
أما لو باع الوصي (١) عقار الصغير أو ضياعه من أجنبي بمثل القيمة يجوز، هذا جواب السلف.
أما المتأخرون قالوا: إنما يجوز بأحد شروط ثلاثة: بأن يرغب المشتري فيها بضعف القيمة إذ للصغير حاجة إلى ثمنها، أو على الميت دين ولا وفاء له إلا بها، قال الصدر الشهيد: وبه يفتى.
стр. 7461
النَّظَرِ. وَعِنْدَهُمَا: لَا يَمْلِكُونَهُ، لِأَنَّ التَّصَرُّفَ بِالفَاحِشِ مِنْهُ تَبَرُّعُ لَا ضَرُورَةَ فِيهِ، وَهُمْ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِهِ (وَإِذَا كَتَبَ كِتَابَ الشَّرَاءِ عَلَى وَصِيٌّ، كَتَبَ كِتَابَ الوَصِيَّةِ عَلَى حِدَةٍ،
أما الأب لو باع عقار الصغير بمثل القيمة فإن كان الأب محمودًا عند الناس أو مستورا يجوز، حتى لو بلغ الابن لم ينقض البيع وإن كان فاسقا لا يجوز، حتى لو بلغ الصبي له أن ينقض البيع وهو المختار، كذا في جامع المحبوبي، وأدب القاضي، والذخيرة.
وعند الأئمة الثلاثة تصرف الأب والجد والقاضي في مال الصغير بمثل القيمة، أما تصرف الوصي وأمين القاضي لا ينفذ بدون منفعة ظاهرة، وقد مر شيء من ذلك في باب الحجر.
قوله: (وعندهما لا يملكونه) أي: عندهما بيعهم بالغبن الفاحش لا يجوز لأن العقد الذي فيه غبن فاحش بمنزلة الهبة، ولهذا لو وقع من المريض يعتبر من الثلث.
(وهم ليسوا من أهله) أي: أهل [التبرع، وعند] (١) أبي حنيفة يجوز بيعهم بالغبن الفاحش لما ذكر في المتن ولأنه أذن لهما في التجارة والتاجر [قد يحتاج إلى المساهلة] (٢) بالغبن الفاحش لاستجلاب قلوب المجاهرين، بخلاف الأب والوصي لأنهما يتصرفان بشرط الأصلح.
قيل: هذه المسألة بناء على مسألة الوكيل فإن الوكيل بالبيع المطلق والمضارب والشريك يملكون البيع بما عزَّ وهان عنده فهذا مثله، وقيل مسألة [ابتدائية] (٣).
قال أبو الليث: جنس هذه المسائل عند أبي حنيفة على ثلاثة أوجه: في وجه: لا يجوز البيع والشراء إلا بغبن يسير، وهو البيع والشراء من الأب والجد والوصي والقاضي إذا باع مال اليتيم أو مال بيت المال، وفي وجه: يجوز البيع
стр. 7462
وَكِتَابَ الشِّرَاءِ عَلَى حِدَةٍ) لِأَنَّ ذَلِكَ أَحْوَطُ، وَلَوْ كَتَبَ جُمْلَةٌ عَسَى أَنْ يَكْتُبَ الشَّاهِدُ شَهَادَتَهُ فِي آخِرِهِ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ، فَيَصِيرُ ذَلِكَ حَمْلًا لَهُ عَلَى الكَذِبِ. ثُمَّ قِيلَ: يَكْتُبُ اشْتَرَى مِنْ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ، وَلَا يَكْتُبُ مِنْ فُلَانٍ وَصِيّ فُلَانٍ لِمَا بَيَّنَا. وَقِيلَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ، لِأَنَّ الوِصَايَةَ تُعْلَمُ ظَاهِرًا.
قَالَ: (وَبَيْعُ الوَصِيِّ عَلَى الكَبِيرِ الغَائِبِ جَائِزٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا فِي العَقَارِ) لِأَنَّ الأَبَ يَلِي مَا سِوَاهُ، وَلَا يَلِيهِ، فَكَذَا وَصِيُّهُ فِيهِ. وَكَانَ القِيَاسُ: أَنْ لَا يَمْلِكَ الوَصِيُّ
والشراء بغبش فاحش أو يسير وهو الشراء والبيع من المأذون والمكاتب، وفي وجه: يجوز البيع بغبن يسير وفاحش ولا يجوز الشراء إلا بغبن يسير وهو البيع والشراء من الوكيل والمضارب والشريك، فلكل واحد من هؤلاء البيع بغبن فاحش لا الشراء بغبن فاحش.
ثم قال: وبه نأخذ.
قوله: (لأن ذلك أحوط؛ لأنه لو كتب كتابًا واحدًا وجمع بين الوصية والشراء ويشهد من الشهود من لم يتحمل الشهادة على الوصية، فعند أداء الشهادة عسى يشهد بجميع ذلك فيكون شاهد زور، وكان الاحتياط أن يكتب كتاب الوصية على حدة، يكتب في أول صك الوصية ويشهد على ذلك، ثم يكتب في آخره صك الشراء ويشهد، وكذلك في الوكيل، كذا في جامع قاضي خان.
قوله: (لما بينا) وهو قوله: (لأن ذلك أحوط) إلى آخره.
قوله: (قيل لا بأس بذلك) أي: تجميع الوصية والشراء في كتاب واحد؛ لأن الوصاية لا تظهر عند الكل بالمشاهدة والمعاينة، وإنما تظهر بقول الناس وبقول الوصي: إلى وصي فلان، فجاز أن يكتب على هذا الوجه، كذا في جامع قاضي خان.
قوله: (وبيع الوصي) أي: وصي الأب على الكبير الغائب جائز) إلى قوله (لأن الأب يلي ما سواه) أي: سوى بيع العقار، (ولا يليه) أي: لا يلي العقار، أما إذا كان الوارث صغيرًا يملك بيع الكل كما ذكرنا، وهذا إذا لم يكن في
стр. 7463
غَيْرَ العَقَارِ أَيْضًا، لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ الأَبُ عَلَى الكَبِيرِ، إِلَّا أَنَّا اسْتَحْسَنَّاهُ لِمَا أَنَّهُ حُفِظَ لِتَسَارُعِ الفَسَادِ إِلَيْهِ، وَحِفْظُ الثَّمَنِ أَيْسَرُ، وَهُوَ يَمْلِكُ الحِفْظُ، أَمَّا العَقَارُ فَمُحْصَنٌ
التركة دين، أما لو كان دينًا محيطًا يبيع جميع التركة ولو لم يكن محيطا يبيع بقدره، وفيما زاد على الدين اختلاف فعند أبي حنيفة يبيع، وعندهما لا، وقد بينا اختيار المتأخرين.
أما لو باع شيئًا من التركة لتنفيذ الوصايا أجمعوا أنه يبيع بقدر الوصية، وفيما زاد اختلفوا على الوجه الذي اختلفوا في قضاء الدين، وهذا إذا لم يقض الورثة الدين أو لم ينفذوا الوصية من خالص ملكهم، فأما إذا قضوا أو نفذوا لم يبق للقاضي ولاية بيع التركة.
ولو كان الورثة غُيَّبًا ولم يكن في التركة دين ولا وصية فإن الوصي يبيع المنقول لا العقار؛ لأن بيع المنقول من جملة الحفظ، وبيع العقار ليس من الحفظ لأنه محصن بنفسه، حتى لو خيف هلاك بناء العقار اختلف المشايخ فيه، قال بعضهم: يملك بيعه، بالقياس على المنقول، وقال بعضهم: لا يملك، وهو الأصح؛ لأن الدار لا تهلك غالبًا فيبنى الحكم عليه لا على النادر، كذا في الذخيرة.
قوله: (لأنه لا يملكه) أي: بيع المنقول لا يملكه (الأب) قياسًا فكذا وصيه، وإنما قلنا كذلك لأنه لو [سيق] (١) على إطلاقه يثبت التناقض بين هذا وبين قوله: (والأب يلي ما سواه).
وفي المبسوط: واستحسن أبو حنيفة ﵀ فقال: لما ثبت له الولاية في بيع بعض التركة وهو نصيب الصغير يثبت في الكل؛ لأن الولاية بسبب الوصاية وهي لا تحتمل التجزؤ، وهذا لأن في بيع البعض إضرارًا بالصغير والكبير جميعًا لأنه [يتغيب] (٢) به نصيب الكبير، والأشقاص لا تشترى بما تشترى به الجمل، فكان في بيع الكل توفير المنفعة عليهم، وللقاضي ولاية في
стр. 7464
بِنَفْسِهِ. قَالَ: (وَلَا يَتَّجِرُ فِي المَالِ) لِأَنَّ المُفَوَّضَ إِلَيْهِ الحِفْظُ دُونَ التِّجَارَةِ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: وَصِيُّ الأَخِ فِي الصَّغِيرِ وَالكَبِيرِ الغَائِبِ بِمَنْزِلَةِ وَصِيِّ الأَبِ فِي الكَبِيرِ الغَائِبِ، وَكَذَا وَصِيُّ الأُمِّ وَوَصِيُّ العَمِّ وَهَذَا الجَوَابُ فِي تَرِكَةِ هَؤُلَاءِ، لِأَنَّ وَصِيَّهُمْ قَائِمٌ مُقَامَهُمْ، وَهُمْ يَمْلِكُونَ مَا يَكُونُ مِنْ بَابِ الحِفْظِ، فَكَذَا وَصِيُّهُمْ.
نصيب الكبير فيما يرجع إلى توفير المنفعة عليه، ألا ترى أنه يملك [الحفظ وبيع] (١) المنقول حال غيبة الكبير لما فيه من المنفعة له.
قوله: (وقال أبو يوسف ومحمد وصي الأخ إلى آخره، وفي جامع الإسبيجابي: لا خلاف (٢) في هذه المسألة، ألا [ترى] (٣) أنه روي عن أبي يوسف ومحمد ولم يرو عن أبي حنيفة ﵏ فذكر هذا.
قوله: (بمنزلة وصي الأب)، يعني بيع المنقول دون العقار.
قوله: (وهذا الجواب في تركة هؤلاء)، قيد به لأن وصيهم (٤) لا يملك على الصغير بيع ما ورثه الصغير عن أبيه العقار والمنقول في ذلك سواء لأن وصي الأم قائم مقام الأم والأم حال [حياتها] (٥) لا تملك بيع ما ورثه الصغير من المنقول والعقار المشغول بالدين والخالي عن [الدين في ذلك سواء أما ما] (٦) كان موروثا له من جهة أمه إن كان خاليًا عن الدين ببيع المنقول لا العقار [لما ذكرنا أن بيع المنقول] (٧) من الحفظ دون بيع العقار وإن كان فيه الدين والوصية فإن كان مستغرقا بهما فله بيع الكل؛ لأن بيع العقار لقضاء الدين، وتنفيذ الوصية يجوز لدخوله تحت ولايته، وعند الأئمة الثلاثة لا يجوز في نصيب الكبير الغائب، ولو لم يكن الدين مستغرقًا يبيع بقدر الدين والزيادة فعلى الاختلاف الذي ذكرنا.
стр. 7465
قَالَ: (وَالوَصِيُّ أَحَقُّ بِمَالِ الصَّغِيرِ مِنْ الجَدِّ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: الجَدُّ أَحَقُّ، لِأَنَّ الشَّرْعَ أَقَامَهُ مُقَامَ الأَبِ حَالَ عَدَمِهِ حَتَّى أَحْرَزَ المِيرَاثَ، فَيُقَدَّمُ عَلَى وَصِيِّهِ. وَلَنَا: أَنَّ بالإِيصَاءِ تَنْتَقِلُ وِلَايَةُ الأَبِ إِلَيْهِ، فَكَانَتْ وِلَايَتُهُ قَائِمَةٌ مَعْنَى، فَيُقَدَّمُ عَلَيْهِ كَالأَبِ نَفْسِهِ، وَهَذَا لِأَنَّ اخْتِيَارَهُ الوَصِيَّ مَعَ عِلْمِهِ بِقِيَامِ الجَدِّ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ تَصَرُّفَهُ أَنْظَرُ لِبَنِيهِ مِنْ تَصَرُّفِ أَبِيهِ (فَإِنْ لَمْ يُوصِ الأَبُ، فَالجَدُّ بِمَنْزِلَةِ الْأَبِ) لِأَنَّهُ أَقْرَبُ النَّاسِ إِلَيْهِ وَأَشْفَقُهُمْ عَلَيْهِ، حَتَّى يَمْلِكَ الإِنْكَاحَ دُونَ وَصِيٍّ، غَيْرَ أَنَّهُ يُقَدَّمُ عَلَيْهِ وَصِيُّ الأَبِ فِي التَّصَرُّفِ لِمَا بَيَّنَّاهُ.
فَصْلٌ فِي الشَّهَادَةِ
وكل جواب عرفته في وصي الأم (١) فهو الجواب في وصي الأخ والعم؛ لأنه كما لا ولاية للأم على الصغير في ماله، فكذا لا ولاية للأخ والعم في مال الصغير أيضًا.
وفي جامع الإسبيجابي: الأصل أن أضعف الوصيين في أقوى الحالين كأقوى الوصيين في أضعف الحالين، فأضعف الوصيين وصي الأم والأخ والعم، وأقوى الحالين حال صغر الورثة، وأقوى الوصيين وصي الأب والجد، وأضعف الحالين حال كبر الورثة، فأضعف الوصيين في مال الصغير كأقوى الوصيين في مال الكبير الغائب لأنه يبيع العروض ولا يبيع العقار.
قوله: (وقال الشافعي: الجد أحق) وهو قياس قول مالك وأحمد حتى لا يجوز أن يوصي وهناك جد من أهل النظر.
قوله: (فَيُقَدَّم على وصيه) أي: وصي الأب كالأم لقيامه مقام الأب.
وقوله: (لما بيناه) إشارة إلى قوله: (أن بالإيصاء تنتقل ولاية الأب إليه) إلى آخره، والله أعلم.
فَصْلٌ فِي الشَّهَادَةِ
أخر الشهادة لأن الشهادة بعد معرفة الوصية، ولما كانت الوصية بالشهادة أمرا مختصا بالوصية أخر ذكرها.
стр. 7466
قَالَ: (وَإِذَا شَهِدَ الوَصِيَّانِ أَنَّ المَيِّتَ أَوْصَى إِلَى فُلَانٍ مَعَهُمَا، فَالشَّهَادَةُ بَاطِلَةٌ) لِأَنَّهُمَا مُتَهَمَانِ فِيهَا، لِإِثْبَاتِهِمَا مُعَيَّنَا لِأَنْفُسِهِمَا. قَالَ: (إِلَّا أَنْ يَدَّعِيَهَا المَشْهُودُ لَهُ) وَهَذَا اسْتِحْسَانُ، وَهُوَ فِي القِيَاسِ كَالأَوَّلِ، لِمَا بَيَّنَّا مِنْ التَّهْمَةِ. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ: أَنَّ لِلْقَاضِي وِلَايَةَ نَصْبِ الوَصِيِّ ابْتِدَاءٌ، أَوْ ضَمَّ آخَرَ إِلَيْهِمَا بِرِضَاهُ بِدُونِ شَهَادَتِهِمَا، فَيَسْقُطُ بِشَهَادَتِهِمَا مُؤْنَةُ التَّعْيِينِ عَنْهُ، أَمَّا الوِصَايَةُ تَثْبُتُ بِنَصْبِ القَاضِي.
قوله: (لأنهما متهمان) إذ يَجُرَّانِ إلى أنفسهما مغنما، والشهادة ترد بالتهمة، قال ﵊: «لا شهادةَ لِمُتَّهَم» (١)، وقال شريح: لا أجيز شهادة خصم ولا قريب والمراد منه المتهم وقد مر في الشهادات ولا يعلم فيه خلاف.
قوله: (إلا أن يدعيها) أي: الوصية، وفي بعض النسخ: (إلا أن يدعيه) أي: عقد الوصية المشهود فحينئذ تجوز الشهادة استحسانًا.
قوله: (مؤنة التعيين عنه) أي: عن القاضي.
فإن قيل: لو كان للميت وَصِيّان فلا يحتاج القاضي إلى أن ينصب له وَصِيًّا آخر فإذا لم يكن له ذلك من غير شهادة فكذا بالشهادة إذا تمكنت التهمة فيه.
قلنا: وإن كان لا يحتاج إلى نصب الوصي لكن لما شهد الوصيّان بذلك كان من زعمهما أنه لا تدبير لنا في هذا إلا بالثالث، فأشبه من هذا الوجه ما لم يكن ثمة وصي وهناك تقبل الشهادة، فكذلك هاهنا، ذكره المحبوبي في جامعه.
وفي المبسوط: لو شهد رجلان أن أباهما أوصى إلى هذا يقبل استحسانًا، ولو شهدا أن أباهما وكل هذا الرجل بقبض ديونه بالكوفة لا يقبل، سواء يدعي الوكيل ذلك أو يجحد.
стр. 7467
قَالَ: (وَكَذَلِكَ الأَبْنَانِ) مَعْنَاهُ: إِذَا شَهِدَا أَنَّ المَيِّتَ أَوْصَى إِلَى رَجُلٍ، وَهُوَ يُنْكِرُ، لِأَنَّهُمَا يَجُرَّانِ إِلَى أَنْفُسِهِمَا نَفْعًا بِنَصْبِ حَافِظ لِلتَّرِكَةِ.
(وَلَوْ شَهِدَا) يَعْنِي الوَصِيَّيْنِ (لِوَارِثِ صَغِيرٍ بِشَيْءٍ مِنْ مَالِ المَيِّتِ، أَوْ غَيْرِهِ، فَشَهَادَتُهُمَا بَاطِلَةٌ) لِأَنَّهُمَا يُظْهِرَانِ وِلَايَةَ التَّصَرُّفِ لِأَنْفُسِهِمَا فِي المَشْهُودِ بِهِ.
قَالَ: (وَإِنْ شَهِدَ لِوَارِثِ كَبِيرٍ فِي مَالِ المَيِّتِ، لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ مَالِ المَيِّتِ جَازَ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: إِنْ شَهِدَا لِوَارِثِ كَبِيرٍ تَجُوزُ فِي الوَجْهَيْنِ (*)، لِأَنَّهُ لَا يَثْبُتَ لَهُمَا وِلَايَةُ التَّصَرُّفِ فِي التَّرِكَةِ إِذَا كَانَتِ الوَرَثَةُ كِبَارًا، فَعَرِيَتْ عَنِ التَّهْمَةِ. وَلَهُ: أَنَّهُ يَثْبُتُ لَهُمَا وِلَايَةُ الحِفْظِ، وَوِلَايَةُ بَيْعِ المَنْقُولِ عِنْدَ غَيْبَةِ
والفرق أن شهادتهما في الوصاية تقبل لخلوها عن التهمة، فإنهما لو سألا القاضي بأن يجعل هذا الرجل وصيا وهو راغب فيه أجابهما إلى ذلك، بخلاف الوكالة فإنهما لو سألا القاضي أن يوكل هذا الرجل عن أبيهما لم يفعل لأنه ليس للقاضي ولاية في مال أبيهما (١).
وقوله: (وكذلك ابنان) معطوف على المستثنى منه وهو قوله: (فشهادتهما باطلة).
قوله: (يجوز في الوجهين)، وهو ما لو شهدا في مال الميت، أو في غير ماله.
(وله) أي: لأبي حنيفة ([أنه]) (٢) أي: الضمير للشأن (يثبت لهما) أي: للوصيين (٣) بهذه الشهادة (ولاية حفظ) أي: يوجبان لأنفسهما بهذه الشهادة ولاية حفظ مال الغائب وبيع منقوله عند غيبة الوارث، ويتوهم عود الولاية إليهما لحياته فكانا متهمين بخلاف شهادتهما في غير التركة؛ لأن الميت أقامه مقام نفسه في التركة لا في غيرها.
стр. 7468
الوَارِثِ، فَتَحَقَّقَتِ التُّهْمَةُ، بِخِلَافِ شَهَادَتِهَا فِي غَيْرِ التَّرِكَةِ، لِانْقِطَاعِ وِلَايَةِ وَصِيِّ الأَبِ عَنْهُ، لِأَنَّ المَيِّتَ أَقَامَهُ مَقَامَ نَفْسِهِ فِي تَرِكَتِهِ لَا فِي غَيْرِهَا.
قَالَ: (وَإِذَا شَهِدَ رَجُلَانِ لِرَجُلَيْنِ عَلَى مَيِّتٍ بِدَيْنِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَشَهِدَ الآخَرَانِ لِلْأَوَّلَيْنِ بِمِثْلِ ذَلِكَ، جَازَتْ شَهَادَتُهُمَا، وَإِنْ كَانَتْ شَهَادَةُ كُلِّ فَرِيقٍ لِلْآخَرِ بِوَصِيَّةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، لَمْ تَجُرْ) وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا تُقْبَلُ فِي الدَّيْنِ أَيْضًا (*) وَأَبُو حَنِيفَةَ فِيمَا ذَكَرَ الخَصَّافُ مَعَ أَبِي يُوسُفَ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ مِثْلُ قَوْلِ مُحَمَّدٍ. وَجْهُ القَبُولِ: أَنَّ الدَّيْنَ يَجِبُ فِي الذِّمَّةِ، وَهِيَ قَابِلَةٌ لِحُقُوقِ شَتَّى
قوله: (وهذا قول أبي حنيفة ومحمد) أي: جواز شهادتهما في الدين وعدم جواز شهادتهما في الوصية قولهما، وقال أبو يوسف: لا تقبل في الدين أيضا كما لا تقبل في الوصية بألف. وقيد عدم جواز شهادة كل فريق للآخر في الوصية في الألف المرسلة احترازا عما لو شهد [كل] (١) فريق لآخر في الوصية بعين على حدة فإنها تقبل، وهو ما ذكر في الكتاب بعد هذا بقوله: (لو شهدا أنه أوصى لهذين الرجلين بجاريته) إلى آخره.
قوله: (فيما ذكر الخصاف مع أبي يوسف) [أي] (٢): لا [يقبل] (٣) فيهما، (وعن أبي يوسف (٤) مثل قول محمد) أي: تجوز شهادة كل فريق في حق الدين ولا تجوز في الوصية، وإنما (٥) خص قول [محمد هاهنا مع أنه ذكر قبل هذا] (٦) قول أبي حنيفة ومحمد ليقرر قول محمد في ذلك واضطراب قول أبي حنيفة فصار عن [أبي حنيفة] (٧) روايتان، وعن أبي يوسف كذلك، وعن محمد رواية واحدة.
стр. 7469
فَلَا شَرِكَةَ، وَلِهَذَا لَوْ تَبَرَّعَ أَجْنَبِيٌّ بِقَضَاءِ دَيْنِ أَحَدِهِمَا لَيْسَ لِلْآخَرِ حَقُّ المُشَارَكَةِ. وَجْهُ الرَّدٌ: أَنَّ الدَّيْنَ بِالمَوْتِ يَتَعَلَّقُ بِالتَّرِكَةِ، إذ الذِّمَّةُ خَرِبَتْ بِالمَوْتِ، وَلِهَذَا لَو اسْتَوْفَى أَحَدُهُمَا حَقَّهُ مِنْ التَّرِكَةِ يُشَارِكُهُ الآخَرُ فِيهِ، فَكَانَتْ الشَّهَادَةُ مُثْبِتَةٌ حَقَّ الشَّرِكَةِ، فَتَحَقَّقَتْ التَّهْمَةُ، بِخِلَافِ حَالِ حَيَاةِ المَدْيُونِ، لِأَنَّهُ فِي الذِّمَّةِ لِبَقَائِهَا لَا فِي المَالِ، فَلَا تَتَحَقَّقُ الشَّرِكَةُ.
قَالَ: (وَلَوْ شَهِدَا أَنَّهُ أَوْصَى لِهَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ بِجَارِيَتِهِ، وَشَهِدَ المَشْهُودُ لَهُمَا أَنَّ المَيِّتَ أَوْصَى لِلشَّاهِدَيْنِ بِعَبْدِهِ، جَازَتِ الشَّهَادَةُ بِالاتِّفَاقِ) لِأَنَّهُ لَا شَرِكَةَ، فَلَا تُهْمَةَ.
(وَلَوْ شَهِدَا أَنَّهُ أَوْصَى لِهَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ بِثُلُثِ مَالِهِ، وَشَهِدَ المَشْهُودُ لَهُمَا أَنَّهُ أَوْصَى لِلشَّاهِدَيْنِ بِثُلُثِ مَالِهِ، فَالشَّهَادَةُ بَاطِلَةٌ، وَكَذَا إِذَا شَهِدَ الْأَوَّلَانِ أَنَّ المَيِّتَ أَوْصَى لِهَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ بِعَبْدٍ، وَشَهِدَ المَشْهُودُ لَهُمَا أَنَّهُ أَوْصَى لِلْأَوَّلَيْنِ بِثُلُثِ مَالِهِ،
قوله: (فلا شركة) أي: في ذلك فلا [تهمة] (١) لأنها باعتبار الشركة فصار كما في حال حياته والاستيفاء من ثمراته فوقعت الشهادة لغير الشاهد تقبل، ولهذا لو تبرع أجنبي بقضاء دين أحدهما لا يشاركه الآخر فيه، وهذا بخلاف الوصية لأن الحق بالوصية (٢) لا يثبت في الذمة، وإنما يثبت في العين فصار مشتركًا بينهم فأورث تهمة.
قوله: (أن الدَّيْن يتعلق بالتركة)، ولهذا لا يثبت الملك للوارث إذا كان الدين محيطا بها، فكانت شهادة كل فريق يلاقي محلا مشتركا، فصار نظير مسألة الوصية بالثلث إليه أشار في المباسيط، وفي شرح الجامع.
وفي أدب القاضي للصدر الشهيد: شهادة كل فريق لآخر في الدين باطلة، هكذا ذكر هنا.
وذكر محمد في الجامع الصغير، والجامع الكبير أن الشهادة جائزة، وروى صاحب الكتاب رواية ثالثة عن الحسن بن زياد عن أبي حنيفة: أنهم إن جاؤوا جميعا وشهدوا فالشهادة باطلة، وإن شهد اثنان لاثنين تقبل شهادتهما، ثم ادعى
стр. 7470
فَهِيَ بَاطِلَةٌ) لِأَنَّ الشَّهَادَةَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ مُثْبِتَةٌ لِلشَّرِكَةِ.
الشاهدان بعد ذلك على الميت بألف درهم يشهد لهما الغريمان الأولان فشهادتهما جائزة، فصار في المسألة ثلاث روايات.
وذكر وجه رواية الجامعين جائزة كما ذكرنا وزاد شيئا وقال: الشهادة إنما قامت على الميت بالدين، والدين يثبت في ذمة الميت ثم يتحول إلى تركة الميت لا تحول الفرار فإن الوارث لو أراد أن يقضي الدين من ماله ويستخلص التركة لنفسه له ذلك، فيصير كأنهم شهدوا عليه في حياته.
وجه رواية الحسن أنهم إذا جاؤوا معا كان ذلك بمعنى المعاوضة فتتفاحش التهمة.
قوله: (مثبتة للشركة) أي: في المشهود به إذ الثلث محل الوصية فيكون مشتركا بينهم.
فروع
ولو بلغ الصبي واختلف مع الوصي في قدر النفقة عليه فالقول للوصي بلا خلاف، ولو اختلفا في مدة النفقة فالقول للوصي، وبه قال الشافعي في أحد الوجهين كما في قدر النفقة، والوجه الثاني عنه: أن القول قول الصبي، وعليه أكثر أصحابه.
ولو اختلفا في دفع المال إلى الصبي فالقول للوصي بلا بينة، وبه قال الشافعي في وجه، وقال في وجه: القول للصبي.
أما لو اختلف الأب أو الجد مع الصبي في قدر النفقة فالقول للأب والجد مع يمينهما بلا خلاف لأحد.
ولو قال الوصي بعد بلوغ الصبي: أبق عبدك فدفعت جعله أو خراج أرضك، فالقول للوصي مع اليمين؛ لأنه أمين وهذا من حوائجه، وقال محمد: لا يصدق بلا بينة لأنه قد يكون وقد لا يكون، ولا يصدق إلا ببينة، كما لو قال: أنفقت على محارمك، أو أديت ضمان غصبك، أو جنايتك، أو جناية عبدك.
стр. 7471
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ولو قال: اشتريت العبد الذي في يد زيد ودفعت ثمنه لم يصدق على ذي اليد؛ لأنه مدع في حقه، وصدق في حق الوارث لأنه منكر للضمان.
ثم في كل موضع كان القول له فعليه اليمين.
ولو أدب الأب أو الوصي الطفل بالضرب فمات منه ضمن عند أبي حنيفة ﵀، كما لو ضرب المعلم الصبي، أو العبد بغير إذن الأب والمولى، وكما لو ضرب الزوج زوجته للتأديب، وعندهما لا يضمن؛ لأن له ولاية التأديب، وذا لا يحصل إلا به، فصار كما لو ضرب المعلم للتعليم بإذن الأب.
قلنا: التأديب يحصل بالزجر والتعريك فلا ضرورة في الضرب.
стр. 7472
كِتَابُ الخُنْثَى
فَصْلٌ فِي بَيَانِهِ
كِتَابُ الْخُنْثَى
فَصْلٌ فِي بَيَانِهِ
لما فرغ من بيان أحكام من له آلة واحدة في المبال شرع في بيان أحكام من له آلتان، وقدم ذِكْرَ الواحد لتقدمه على الاثنين، أو لأنه أعم وأغلب وأهم، وهذا كالنادر
اعلم أنه تعالى خلق بني آدم ذكوراً وإناثاً كما قال تعالى: ﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاء﴾ [النساء: ١]، وقال تعالى: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ﴾ [الشورى: ٤٩ - ٥٠] الآية، وقد بين حكم كل واحد منهما ولم يبين حكم من هو ذكر وأنثى، فدل أنه لا يجتمع الوصفان في (١) شخص واحد، وكيف يجتمعان وبينهما تضاد وقد جعل علامة التمييز [بينهما الآلة، ثم قد يقع] (٢) الاشتباه بأن يوجد آلتان ولا يوجد التمييز، كذا في المبسوط (٣).
ثم محاسن أحكامه [ترك الإهمال] (٤) في البيان وإن ندر وجوده، ومنها: العدل والإنصاف وذكر ما يليق بحاله، ومنها: النظر فيما يضر وينفع.
وفي المغرب: تركيب الخنث يدل على لين وتكسر، ومنه: المخنث، وتخنث في كلامه، والخنثى من له آلة الرجال والنساء، والجمع: خناثى بالفتح، كحبلى وحبالي (٥).
стр. 7473
قَالَ: (وَإِذَا كَانَ لِلْمَوْلُودِ فَرْجٌ وَذَكَرٌ فَهُوَ خُنْثَى، فَإِنْ كَانَ يَبُولُ مِنْ الذَّكَرِ فَهُوَ
قوله: (إذا كان للمولود فرج وذكر)، أراد بالفرج هنا الحر وهو قبل المرأة، وإلا الفرج يطلق على قبل المرأة والرجل باتفاق أهل اللغة، كذا في المغرب (١).
قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على [أن] (٢) الخنثى يُورَّثُ من حيث يبول (٣).
روى الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس: أنه ﷺ سُئِلَ عن مولود له قبل وذَكَرُ من أين يورث؟ قال: «مِنْ حَيثُ يبولُ» (٤)، وعن علي مثله، وهكذا كان الحكم في الجاهلية فقرره الشرع.
وإن بال منهما فمن أول ما يبول لما روي أنه أُتي بخنثى من الأنصار، فقال: «وَرّثوه مِنْ أوّل ما يبولُ مِنهُ».
وفي المبسوط: الترجيح بالسبق عند المعارضة، والمساواة أصل في الشرع (٥).
وفي النهاية: الترجيح بالسبق في المجتهدات لا في المسموعات، إذ في المسموعات المعمول هو الثاني؛ لأنه ناسخ دون الأول لأنه منسوخ، وإن كانا في السبق سواء فلا ترجيح بالكثرة عند أبي حنيفة، وأصحاب الشافعي وأحمد [في أحد] (٦) الوجهين وكان خنثى مشكلا فقال أبو حنيفة ﵀: لا أدري، وقال المزني: تعتبر الكثرة، كقولهما، وعن بعض أصحابه: سئل عمن يميل إليه طبعه فيقضى بذلك، وعند أبي يوسف ومحمد ينسب إلى أكثرهما بولا، وبه قال أحمد، والشافعي في وجه، والأوزاعي؛ لأن الترجيح عند المعارضة بالقوة وذلك يكون بالكثرة كما يكون بالسبق، ولا مزاحمة بين القليل والكثير كما لا
стр. 7474
غُلَامٌ، وَإِنْ كَانَ يَبُولُ مِنْ الفَرْجِ فَهُوَ أُنْثَى) لِأَنَّ النَّبِيَّ ﵊ سُئِلَ عَنْهُ كَيْفَ يُورَّثُ؟ فَقَالَ: مِنْ حَيْثُ يَبُولُ وَعَنْ عَلِيٌّ ﵁ مِثْلُهُ. وَلِأَنَّ البَوْلَ مِنْ أَيِّ عُضْوِ كَانَ فَهُوَ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ هُوَ العُضْوُ الأَصْلِيُّ الصَّحِيحُ، وَالآخَرُ بِمَنْزِلَةِ العَيْبِ وَإِنْ بَالَ مِنْهُمَا، فَالحُكْمِ لِلْأَسْبَقِ لِأَنَّ ذَلِكَ دَلَالَةٌ أُخْرَى عَلَى أَنَّهُ هُوَ العُضْوُ الأَصْلِيُّ (وَإِنْ كَانَا فِي السَّبْقِ عَلَى السَّوَاءِ، فَلَا مُعْتَبَرَ بِالكَثْرَةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَا: يُنْسَبُ إِلَى أَكْثَرِهِمَا بَوْلًا) لِأَنَّهُ عَلَامَةُ قُوَّةِ ذَلِكَ العُضْوِ وَكَوْنُهُ عُضْرًا أَصْلِيًّا، وَلِأَنَّ لِلْأَكْثَرِ
مزاحمة بين السابق واللاحق.
والظاهر أن المبال هو الذي يخرج منه الأكثر، والحكم للمبال، وقال أبو حنيفة: كثرة البول تدل على سعة المخرج، ولا معتبر بذلك فمخرج بول النساء أوسع من مخرج بول الرجال، أو لأن الكثرة والقلة تظهر في البول [لا في المبال] (١)، وآلة الفصل المبال دون البول، ولأن نفس الخروج دليل بنفسه فالكثرة من جنسه فلا يقع الترجيح بالكثرة.
ولما أخبر أبو يوسف أبا حنيفة بجوابه فقال أبو حنيفة له: هل رأيت قاضيًا يكيل البول بالأواني؟ وتوقف أبو حنيفة في الجواب، وقال: لا أدري، وهذا من علامة فقه الرجل وورعه، وعدم خبطه في الجواب فإنه انسد عليه طريق التمييز بالدليل المعقول والمسموع فتوقف، كما قالوا جميعًا عند استواء الكثرة: لا علم لنا بذلك.
وسئل ابن عمر عن مسألة فقال: لا أدري، كذا في المبسوط (٢)، والأسرار.
وإن استويا في الكثرة فإنه مشكل عند الجمهور؛ لأنه لا مرجح، وحكي عن علي والحسن أنهما قالا: تعد أضلاعه، فإن أضلاع المرأة أكثر من أضلاع الرجل، وقال جابر بن زيد يوقف إلى جانب حائط فإن بال عليه فهو رجل، وإن سلسل بين فخذيه فهو امرأة، وليس كلا القولين بصحيح؛ لأنه لما أشكل حاله ولما احتيج إلى مراعاة المبال والأسبق كما روينا.
стр. 7475
حُكْمَ الكُلِّ فِي أُصُولِ الشَّرْعِ، فَيَتَرَبَّحُ بِالكَثْرَةِ. وَلَهُ: أَنَّ كَثْرَةَ الخُرُوجِ لَيْسَ يَدُلُّ عَلَى القُوَّةِ، لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ لِاِتِّسَاعٍ فِي أَحَدِهِمَا، وَضِيقٍ فِي الْآخَرِ، وَإِنْ كَانَ يَخْرُجُ مِنْهُمَا عَلَى السَّوَاءِ: فَهُوَ مُشْكِلٌ بِالاتِّفَاقِ، لِأَنَّهُ لَا مُرَبِّحَ.
قَالَ: (وَإِذَا بَلَغَ الخُنْثَى، وَخَرَجَتْ لَهُ اللَّحْيَةُ، أَوْ وَصَلَ إِلَى النِّسَاءِ، فَهُوَ رَجُلٌ) وَكَذَا إِذَا احْتَلَمَ كَمَا يَحْتَلِمُ الرَّجُلُ، أَوْ كَانَ لَهُ ثَدْيٌّ مُسْتَوِ، لِأَنَّ هَذِهِ مِنْ عَلَامَاتِ الذُّكْرَانِ (وَلَوْ ظَهَرَ لَهُ ثَدْيِّ كَثَدْيِ المَرْأَةِ، أَوْ نَزَلَ لَهُ لَبَنٌ فِي ثَدْيِهِ، أَوْ حَاضَ، أَوْ حَبِلَ، أَوْ أَمْكَنَ الوُصُولُ إِلَيْهِ مِنْ الفَرْجِ، فَهُوَ امْرَأَةٌ) لِأَنَّ هَذِهِ مِنْ عَلَامَاتِ النِّسَاءِ (وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ إِحْدَى هَذِهِ العَلَامَاتِ، فَهُوَ خُنْثَى مُشْكِلٌ) وَكَذَا إِذَا تَعَارَضَتْ هَذِهِ المَعَالِمُ.
قوله: (وإذا بلغ الخنثى) إلى آخره، يعني هذا الذي قلنا ما دام صغيرًا، فإذا بلغ وظهرت إحدى العلامات فلا إشكال.
وفي الذخيرة: الإشكال قبل البلوغ، وبعد البلوغ يزول الإشكال؛ لأن بعد البلوغ لا بد من أمارة تظهر به يعلم بها أنه رجل أو امرأة، فإن بلغ وجامع بذكره فهو رجل، وإن لم يجامع ولكن خرجت لحيته فهو رجل، وكذا إذا احتلم كما يحتلم الرجل، إلى آخر ما ذكر في الكتاب.
ولو كان شخص لا مبال له بل له مخرج واحد (١) فيما بين المخرجين منه يبول ويتغوط، أو لا مخرج له لا قبل له ولا دبر، وإنما يتقيأ ما يأكله ويشربه، وحكي في بعض البلاد عن هذا فهو في الخنثى المشكل، كذا في المغني لابن قدامة الحنبلي (٢).
وفي المحيط في المنتقى: قال أبو حنيفة وأبو يوسف: ما أدري ما أقول في هذا.
стр. 7476
فَصْلٌ فِي أَحْكَامِهِ
قَالَ ﵁: الأَصْلُ فِي الخُنْثَى المُشْكِلِ أَنْ يُؤْخَذَ فِيهِ بِالْأَحْوَطِ وَالْأَوْثَقِ فِي أُمُورِ الدِّينِ، وَأَنْ لَا يُحْكَم بِثُبُوتِ حُكْمِ وَقَعَ الشَّكُ فِي ثُبُوتِهِ. قَالَ: (وَإِذَا وَقَفَ خَلْفَ الإِمَامِ، قَامَ بَيْنَ صَفِّ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ) لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ امْرَأَةٌ، فَلَا يَتَخَلَّلُ الرِّجَالَ كَيْ لَا يُفْسِدَ صَلَاتَهُمْ، وَلَا النِّسَاءَ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ رَجُلٌ، فَتَفْسُدُ صَلَاتُهُ.
(فَإِنْ قَامَ فِي صَفَّ النِّسَاءِ، فَأَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يُعِيدَ صَلَاتَهُ) لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ رَجُلٌ (وَإِنْ قَامَ فِي صَفِّ الرِّجَالِ، فَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ، وَيُعِيدُ الَّذِي عَنْ يَمِينِهِ، وَعَنْ يَسَارِهِ، وَالَّذِي خَلْفَهُ بِحِذَائِهِ، صَلَاتَهُمْ احْتِيَاطًا) لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ امْرَأَةٌ.
فَصْلٌ فِي أَحْكَامِهِ
لما ذكر الخنثى شرع في بيان أحكام الخنثى المشكل لأنا نحتاج إلى معرفة أحكام الخنثى [المشكل لا في غير المشكل لأن ذلك] (١) يلحق بما عرف.
قوله: (الأصل في الخنثى المشكل) ولم يقل المشكلة لما أن التذكير [هو الأصل ألا ترى أن حواء] (٢) خلقت من ضلع آدم لكن هذا في اللفظ، أما في أحكام الشرع يؤخذ بالأوثق [والأحوط.
قوله] (٣) (فإن قام في صف النساء فأحب إليَّ أن يعيد صلاته)، وإنما لم يقل أوجب مع أن فيها جهة الفساد، وفي العبادات جهة الفساد راجحة لما أن الأداء المسقط معلوم، والمفسد هو المحاذاة موهوم إذ فساد الصلاة لجهة المحاذاة مختلف فيه، وفي كونه رجلًا أيضًا فصار هذا بمنزلة شبهة الشبهة، فلذلك قال: (أحب)، إليه أشار في المبسوط (٤).
وفي الذخيرة: هذا حال كونه مراهقا، فأما لو كان بالغا تجب الإعادة لترجيح جهة الفساد.
قوله: (ويعيد الذي عن يمينه ويساره) إلى قوله (احتياطا لاحتمال أنه امرأة)،
стр. 7477
قَالَ: (وَأَحَبُّ إِلَيْنَا أَنْ يُصَلِّيَ بِقِنَاعٍ) لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ امْرَأَةٌ (وَيَجْلِسَ فِي صَلَاتِهِ جُلُوسَ المَرْأَةِ) لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ رَجُلًا فَقَدْ تَرَكَ سُنَّةٌ، وَهُوَ جَائِزٌ فِي الجُمْلَةِ، وَإِنْ كَانَ امْرَأَةً فَقَدْ ارْتَكَبَ مَكْرُوهَا، لِأَنَّ السِّتْرَ عَلَى النِّسَاءِ وَاجِبٌ مَا أَمْكَنَ (وَإِنْ صَلَّى بِغَيْرِ قِنَاعٍ، أَمَرْتَهُ أَنْ يُعِيدَ) لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ امْرَأَةٌ، وَهُوَ عَلَى الاسْتِحْبَابِ، وَإِنْ لَمْ يُعِدْ أَجْزَاهُ (وتُبْتَاعُ لَهُ أَمَةٌ تَخْتِنُهُ إِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ) لِأَنَّهُ يُبَاحُ لِمَمْلُوكَتِهِ النَّظَرُ إِلَيْهِ رَجُلًا كَانَ أَوْ امْرَأَةً.
وفي النهاية: فعلى ما ذكر في الذخيرة ينبغي أن تكون الإعادة في حق من عن يمينه، ويساره واجبة؛ لأنه إن كان أنثى تفسد صلاة الرجل بمحاذاته سواء كانت بالغة أو مراهقة بعد أن كانت عاقلة مشتهاة على ما ذكر في مسألة المحاذاة.
ولكن ذكر في المبسوط: إعادتهما مستحبة لما بينا أن محاذاة المرأة الرجل في حقهم موهوم، ومبنى العبادة على الاحتياط فتستحب الإعادة (١).
وقيل: وجدت الصلاة بأركانها وقد وقع الشك في فسادها فلا تفسد بالشك، ولا يعتبر ذلك الذي ذكر لأن شرط تقدم الرجل على المرأة ليس بقوي فكان الظاهر هو الجواز.
قوله: (أحب إلينا أن يصلي بغير بقناع)، وفي الذخيرة: هذا إذا كان غير بالغ، أما لو بلغت بالسن وبقي الإشكال لا تجزئه صلاته بغير قناع إذا كان الخنثى حرا؛ لأن الصلاة متى فسدت من وجه وجازت من وجه يحكم بالفساد احتياطا، وهذا قياس قول الأئمة الثلاثة.
قوله: (وهو الاستحباب)، وإن لم يُعد أجزأه، هذا محمول على قبل البلوغ، فأما بعد البلوغ تجب الإعادة على ما ذكرنا من رواية الذخيرة، وذكره في المبسوط أيضًا.
قوله: (وتُبْتاع له أَمَةٌ تَخْتِنُهُ)، وفي بعض النسخ: (تَخْتَتِنُه)، والأول أصح؛ لأن الاختتان لازم ذكره في المصادر والمغرب يقال: ختنت الصبي ختنا، واختتن هو أي: خُتن، أو ختن نفسه.
قوله: (لأنه يباح لمملوكته النظر إليه رجلًا كان أو امرأة)، قيل: هذا
стр. 7478
وَيُكْرَهُ أَنْ يَخْتِنَهُ رَجُلٌ، لِأَنَّهُ عَسَاهُ أُنْثَى، أَوْ تَخْتِنُهُ امْرَأَةٌ، لِأَنَّهُ لَعَلَّهُ رَجُلٌ، فَكَانَ الاحْتِيَاطُ فِيمَا قُلْنَا: (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ، ابْتَاعَ لَهُ الإِمَامُ أَمَةً مِنْ بَيْتِ المَالِ) لِأَنَّهُ أُعِدَّ لِنَوَائِبِ المُسْلِمِينَ (فَإِذَا خَتَنَتْهُ بَاعَهَا وَرَدَّ ثَمَنَهَا فِي بَيْتِ المَالِ) لِوُقُوعِ الِاسْتِغْنَاءِ عَنْهَا.
(وَيُكْرَهُ لَهُ فِي حَيَاتِهِ لُبْسُ الحُلِيِّ وَالحَرِيرِ، وَأَنْ يَتَكَشَّفَ قُدَّامَ الرِّجَالِ، أَوْ قُدَّامَ النِّسَاءِ، وَأَنْ يَخْلُوَ بِهِ غَيْرُ مَحْرَمٍ مِنْ رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ، وَأَنْ يُسَافِرَ مِنْ غَيْرِ مَحْرَمٍ مِنْ
التعليل يصح في حق الرجل، أما لا يصح في حق المرأة؛ لأن الأمة لا يباح النظر إلى مواضع العورة من سيدها مطلقا، فقد ذكر في المبسوط أن للأمة النظر إلى مولاتها كما للأجنبيات، فعلم أنه لا تأثير للملك في إباحة النظر إلى سيدته، بل الأولى في التعليل ما ذكره في المبسوط والذخيرة بقوله: وإن كان الخنثى أنثى فيكون نظر الجنس إلى الجنس وأنه مباح حالة العذر.
قال شيخ الإسلام: لا يجوز لوليه أن يتزوج له امرأة بمهر يسير حتى تختنه لأن النكاح موقوف إلى أن يتبين أنه رجل لما أنه مشكل، والنكاح الموقوف لا يقبل الإباحة.
قال الحلواني: وإنما لم يقل تزوج له امرأة بماله؛ لأنا لا نتيقن بصحة نكاحه ما يتبين أمره، ولكن لو فعل مع هذا كان مستقيما لأن الخنثى إن كان امرأة فهو نظر الجنس إلى الجنس والنكاح لغو، وإن كان ذكرًا فهو نظر المنكوحة إلى زوجها.
وقال بعض المشايخ: إنما لم يقل محمد ذلك لأن تلك المرأة تبقى معلقة إذا لم يصل إليها فإنه لا يمكن التفريق بينهما لأنه صبي، ولا يصل إلى حقها في الجماع بل يؤجل، كذا في الذخيرة.
قوله: (ويكره له في حياته)، في النهاية: ليس في قيد الحياة زيادة فائدة لما أن بعد الموت كذلك، مع أن بعد موته إلباس لا لبس والكراهة بعده للملبس لا للميت، لكن اتبع المصنف في ذلك لفظ المبسوط فإنه ذكر في المبسوط هكذا، ولكن ذكر في المبسوط بعد ذكر تكفين الخنثى هذه المسألة، فكان ذكرها في المبسوط لتبيين المقابلة لا للقيد.
стр. 7479
الرِّجَالِ) تَوَقِّيَا عَنْ احْتِمَالِ المَحْرَمِ (وَإِنْ أَحْرَمَ وَقَدْ رَاهَقَ، قَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا عِلْمَ لِي فِي لِبَاسِهِ) لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ ذَكَرًا يُكْرَهُ لَهُ لُبْسُ المَخيطِ، وَإِنْ كَانَ أُنْثَى يُكْرَهُ لَهُ تَرْكُهُ (وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يَلْبَسُ لِبَاسَ المَرْأَةِ) (*) لِأَنَّ تَرْكَ لُبْسِ المَخيطِ وَهُوَ امْرَأَةٌ أَفْحَشُ مِنْ لُبْسِهِ وَهُوَ رَجُلٌ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْ.
(وَمَنْ حَلَفَ بِطَلَاقٍ، أَوْ عَتَاقٍ: «إِنْ كَانَ أَوَّلُ وَلَدٍ تَلِدِينَهُ غُلَامًا»، فَوَلَدَتْ خُنْثَى لَمْ يَقَعْ حَتَّى يَسْتَبِينَ أَمْرُ الخُنْثَى لِأَنَّ الخَنَثَ لَا يَثْبُتُ بِالشَّكُ وَلَوْ قَالَ: كُلُّ عَبْدِ لِي حُرٌّ، أَوْ قَالَ: كُلُّ أَمَةٍ لِي حُرَّةٌ، وَلَهُ مَمْلُوكٌ خُنْثَى: لَمْ يُعْتَقْ حَتَّى يَسْتَبِينَ أَمْرُهُ) لِمَا قُلْنَا (وَإِنْ قَالَ القَوْلَيْنِ جَمِيعًا عَتَقَ لِلتَّيَقُنِ بِأَحَدِ الوَصْفَيْنِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُهْمَلٍ وَإِنْ قَالَ الخُنْثَى: «أَنَا رَجُلٌ»، أَوْ «أَنَا امْرَأَةٌ» لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ إِذَا كَانَ مُشْكِلًا)
قوله: (توقيًا عن احتمال المحرم) أي: ارتكابه قال ﷺ : «دَعْ مَا يَريبُكَ إِلَى ما لَا يَريبُكَ» (١)، وترك لبس الحرير لا يريبه ولبسه يريبه لأنه ﵊ شرط لحل اللبس الأنوثة بقوله: «حِلُّ لِإنائِهِم» (٢)، وهذا الشرط غير معلوم في الخنثى فتردد بين الحظر والإباحة.
قوله: (أفحش من لبسه وهو رجل)؛ لأن لبس المخيط للرجل في إحرامه جائز عند العذر، واشتباه أمره من أبلغ الأعذار، ولبس المخيط أقرب إلى الستر، وترك الستر للمرأة لا يجوز في حال الإحرام أو عدمه.
قوله: (لأنه لم يبلغ) فلا يكون جناية، ولو كان بالغا مشكلا لا تثبت الجناية بالشك كما لا يثبت الخنث بالشك.
وقوله: (لما قلنا) إشارة إلى قوله: (لا يثبت الخنث بالشك).
стр. 7480
لِأَنَّهُ دَعْوَى يُخَالِفُ قَضِيَّةَ الدَّلِيلِ (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُشْكِلًا يَنْبَغِي أَنْ يُقْبَلَ قَوْلُهُ) لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِحَالِهِ مِنْ غَيْرِهِ (وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَسْتَبِينَ أَمْرُهُ، لَمْ يُغَسِّلْهُ رَجُلٌ وَلَا امْرَأَةٌ) لِأَنَّ حِلَّ الغُسْلِ غَيْرُ ثَابِتٍ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ (فَيُتَوَفَّى لِاحْتِمَالِ الحُرْمَةِ، وَيُيَمَّمُ بِالصَّعِيدِ)
قوله: (دعوى يخالف قضية الدليل)، إذ قضية الدليل تقتضي أن يبقى مشكلا وكان هو مجازفًا في قوله: أنا امرأة؛ لأنه لا يعرف من نفسه إذا كان مشكلا إلا ما يعرفه الناس، فلو قبل دعواه لا يكون مشكلا وكان منافيًا لقضية الدليل، كذا في الذخيرة، والمبسوط (١).
قوله: (ينبغي أن يقبل قوله)، وإنما ذكر بلفظ (ينبغي) لأنه لم يذكر هذه المسألة في المبسوط حكم يتيقن بهذا الحكم.
وفي الذخيرة: لو قال أنا ذكر، أو أنثى، يقبل قوله لأنه أمين في حق نفسه، والقول قول الأمين ما لم يعرف خلاف ما قال، كما في المعتدة لو قالت: انقضت عدتي، وأنكر الزوج فالقول لها ما لم يعرف خلاف قولها بأن قالت ذلك في مدة لا يقبل الانقضاء (٢) فيها، وما لم يعرف كونه مشكلا لم يعرف خلاف ما قال فصدق فيما قال، أما لو ثبت كونه مشكلا فقد عرف خلاف ما قال، ويكون مجازفًا كما بينا.
قوله: (فيتوقى في احتمال الحرمة) إذ بالموت لا تنكشف هذه الحرمة إلا أن نظر الجنس إلى الجنس أخفُ، فلأجل الضرورة أبيح النظر للجنس عند الغسل للضرورة، والمراهق كالبالغ في وجوب ستره فإذا كانت مشكلا لم يوجد له جنس، أو لا يعرف له جنس فتعذر غسله فيتيمم بالصعيد، كما لو ماتت امرأة بين الرجال ولا امرأة معهم، أو مات الرجل بين النساء ولا رجل معهن.
ثم إن كان المتيمم أجنبيا تيممها مع الخرقة، وإن كان محرما بغير الخرقة، كما في الرجل بين النساء، والمرأة بين الرجال.
ولا تشترى جارية له للغسل كما تشترى للختان؛ لأن شراء الجارية للخنثى
стр. 7481
لِتَعَذُّرِ الغُسْلِ (وَلَا يَحْضُرُ إِنْ كَانَ مُرَاهِقًا غُسْلَ رَجُلٍ وَلَا امْرَأَةٍ) لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ ذَكَرٌ، أَوْ أُنْثَى (وَإِنْ سُجِّي قَبْرَهُ، فَهُوَ أَحَبُّ) لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ أُنْثَى يُقِيمُ وَاجِبًا، وَإِنْ كَانَ ذَكَرًا فَالتَّسْجِيَةُ لَا تَضُرُّهُ.
(وَإِذَا مَاتَ فَصُلِّيَ عَلَيْهِ، وَعَلَى رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ، وُضِعَ الرَّجُلُ مِمَّا يَلِي الإِمَامَ، وَالخُنْثَى خَلْفَهُ، وَالمَرْأَةُ خَلْفَ الخُنْثَى، فَيُؤَخَّرُ عَنْ الرَّجُلِ) لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ امْرَأَةٌ (وَيُقَدَّمُ عَلَى الْمَرْأَةِ) لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ رَجُلٌ.
(وَلَوْ دُفِنَ مَعَ رَجُلٍ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ مِنْ عُذْرٍ، جُعِلَ الخُنْثَى خَلْفَ الرَّجُلِ)
بعد موته للغسل لا يفيد إباحة الغسل لأنه لا يملكها، ولهذا لو كان للخنثى جارية مملوكة يزول ملكه عنها بعد موته، ولا يبقى على مالكه لحاجة الغسل لأن البقاء أسهل من الابتداء، فإذا كان كذلك لا يفيد الشراء، بخلاف ما لو كان حيًّا لأنه يملكها، وفي بعض الفتاوى: يجعل الخنثى المشكل في كوارة في الماء.
قوله: (فالتسجية لا تضره)؛ لأنه لا بأس بتسجية قبر الرجل عند العذر كالحر والبرد الشديد والمطر، فاشتباه حاله في العذر أبلغ من ذلك، كذا في المبسوط (١)، والذخيرة.
قوله: (ولا يحضر) أي: الخنثى المشكل غسل رجل ولا امرأة يعني لا يغسلهما كما ذكر في المتن.
قوله: (جعل الخنثى خلف الرجل) أي: موضع الرجل مما يلي القبلة، ثم خلفه الخنثى، ثم خلفه المرأة؛ لأن جهة القبلة أشرف فيكون الرجل بالتقرب منه أولى، وقد جاء في الحديث أنه ﵊ أمر بتقديم أكثرهم أخذا للقرآن إلى جانب القبلة (٢)، ويجعل بينهما حاجز من صعيد
стр. 7482
لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ امْرَأَةٌ (وَيُجْعَلُ بَيْنَهُمَا حَاجِزٌ مِنْ صَعِيدٍ، وَإِنْ كَانَ مَعَ امْرَأَةٍ قُدِّمَ الخُنْثَى) لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ رَجُلٌ (وَإِنْ جُعِلَ عَلَى السَّرِيرِ نَعْشُ المَرْأَةِ، فَهُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ) لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ عَوْرَةٌ، وَيُكَفَّنُ كَمَا تُكَفَّنُ الجَارِيَةُ، وَهُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ يَعْنِي يُكَفَّنُ فِي خَمْسَةِ أَثْوَابِ، لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ أُنْثَى فَقَدْ أُقِيمَتْ سُنَّةٌ، وَإِنْ كَانَ ذَكَرًا فَقَدْ زَادُوا عَلَى الثَّلَاثِ، وَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ.
ليصير ذلك في حكم قبرين. وكذا لو دفن رجلان في قبر واحد فلا بأس بذلك لما روي أنه ﵊ أمر يوم أحد أن يدفن جماعة من الشهداء في قبر واحد (١)، وأن يجعل بين كل واحد حاجز من التراب، كذا في المبسوط (٢).
قوله: (وإن جعل على السرير نعش المرأة)، وقد مر تفسير النعش في الصلاة.
وفي الذخيرة: وإن حمل الخنثى مقلوبا فهو أحب إلي.
ومعنى المقلوب أنه إذا كان للجنازة قوائم تقلب وتجعل القوائم التي أسفل الجنازة أعلاها، ثم يحمل عليه لأنه لا بد وأن يلقى عليه ثوب، فإذا جعلنا الجنازة مقلوبة يلقى الثوب على القوائم فيكون أستر له مما إذا حمل على ظاهر الجنازة، وإن لم يكن لها قوائم وضع على ظاهر الجنازة ووضع عليه النعش فيكون أستر له، وإن كانت امرأة فهو السنة وإن كان رجلا فالنعش لا يضره، وكان أولى الوجهين ما ذكرنا.
ولو دخل قبره ذو رحم محرم منه ليضعه فهو أحب؛ لأنه إن كان أنثى فدخول الأجنبي مكروه دون المحرم، وإن كان ذكرًا لا يضره دخول المحرم، فالاحتياط فيما قلنا.
قوله: (ولا بأس بذلك) أي: بازدياد عدد الكفن في حق الرجل إذ الكفن يعتبر بحال الحياة، وعدد الثياب في الحياة لا يكره الزيادة على الثلاث، فكذا بعد الممات أما إذا كان أنثى ففي الاقتصار على الثلاث ترك السنة إذ السنة فيها خمسة أثواب فكان الأحوط ما ذكرنا كذا في الذخيرة.
стр. 7483
(وَلَوْ مَاتَ أَبُوهُ وَخَلَّفَ ابْنَا، فَالْمَالُ بَيْنَهُمَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَثْلَاثًا، لِلابْنِ سَهْمَانِ، وَلِلْخُنْثَى سَهْمٌ، وَهُوَ أُنْثَى عِنْدَهُ فِي الْمِيرَاتِ، إِلَّا أَنْ يَتَبَيَّنَ غَيْرُ ذَلِكَ) وَقَالَا: لِلْخُنْثَى نِصْفُ مِيرَاثِ ذَكَرٍ، وَنِصْفُ مِيرَاثِ أُنْثَى، وَهُوَ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ (*) وَاخْتَلَفَا فِي قِيَاسِ قَوْلِهِ، قَالَ مُحَمَّدٌ: الْمَالُ بَيْنَهُمَا عَلَى اثْنَيْ عَشَرَ سَهْمًا، لِلِابْنِ
قوله: (ولو مات أبوه) إلى قوله (إلا أن يتبين غير ذلك) ذكر في عامة كتب أصحابنا أن للخنثى المشكل أقل النصيبين، يعني أسوأ الحالين عند أبي حنيفة ومحمد وأبي يوسف أولا، وعليه الفتوى، وهو قول عامة الصحابة.
وقال أبو يوسف آخرًا: له نصف ميراث ذكر، ونصف ميراث أنثى، وهو قول [الشعبي، وأحمد] (١)، وابن أبي ليلى، والثوري، واللؤلؤي، وشريك، والحسن بن صالح، وأهل المدينة، وأهل مكة، وابن عباس.
وقال الشافع، وأبو ثور، وداود وابن جرير: يعطى له اليقين، وهو ميراث أنثى، ويوقف الباقي إلى أن يتبين الأمر أو يصطلحوا، وفيه أقوال شاذة سوى ما ذكرنا.
للشافعي كونه أنثى بيقين فيعتبر ذلك، وفي الزيادة شك فيتوقف الأمر.
ولأبي يوسف وأحمد أنه في حال كونه ذَكَرًا يأخذ نصيبه، وفي حال كونه أنثى يأخذ نصف نصيبه، فيعطى له نصف نصيب ذكر، ويعطى له نصف نصيب أنثى لأن حالتيه على السواء.
وما ذكر ابن قدامة الحنبلي أنه قول ابن عباس ولم يعرف له في الصحابة منكر (٢) فحل محل الإجماع غير صحيح؛ لأنه ثبت بالنقل الصحيح أن عامة الصحابة يقولون بقول أبي حنيفة.
وفي النهاية: ما ذكر في الكتاب من إلحاق قول محمد مع أبي يوسف مخالف لعامة روايات كتب أصحابنا من المبسوط، والذخيرة، والتتمة، وشروح الفرائض حيث ذكر فيها محمد مع أبي حنيفة.
стр. 7484
سَبْعَةٌ، وَلِلْخُنْثَى خَمْسَةٌ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: المَالُ بَيْنَهُمَا عَلَى سَبْعَةِ، لِلِابْنِ أَرْبَعَةٌ، وَلِلْخُنْثَى ثَلَاثَةٌ، لِأَنَّ الابْنَ يَسْتَحِقُّ كُلَّ المِيرَاثِ عِنْدَ الانْفِرَادِ، وَالخُنْثَى ثَلَاثَةُ الأَرْبَاعِ، فَعِنْدَ الاجْتِمَاعِ يُقْسَمُ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ حَقَّيْهِمَا، هَذَا يَضْرِبُ بِثَلَاثَةٍ، وَذَلِكَ يَضْرِبُ بِأَرْبَعَةِ، فَيَكُونُ سَبْعَةٌ. وَلِمُحَمَّدٍ: أَنَّ الخُنْثَى لَوْ كَانَ ذَكَرًا يَكُونُ المَالُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، وَإِنْ كَانَ أُنْثَى يَكُونُ المَالُ بَيْنَهُمَا أَثْلَاثًا، احْتَجْنَا إِلَى حِسَابٍ لَهُ نِصْفٌ وَثُلُثُ، وَأَقَلُّ ذَلِكَ سِتَّةٌ، فَفِي حَالٍ يَكُونُ المَالُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، لِكُلِّ وَاحِدٍ ثَلَاثَةٌ، وَفِي حَالٍ يَكُونُ أَثْلَاثًا
ولو قيل: في عامة الكتب دليل على أنه [مع] (١) أبي يوسف لأنهما يفسران قول الشعبي وهو مسطور في عامة الكتب بعدما اتفقا على قول الشعبي واختلفا تخريجه.
قلنا: تفسيره راجع إلى ما يحتمل قول أبي يوسف، وقياس قول الشعبي لأن ذلك قوله، وبه صرح في المبسوط فقال: فسر محمد ﵀ قول الشعبي بهذا فلم نأخذ به (٢).
قوله: (ولمحمد) إلى آخره، اعترض صاحب الصحائف في فرائضه على قول محمد فقال: نصيب الابن إذا كان سبعة من اثني عشر كان نصيب البنت ثلاثة ونصفا، والمجموع عشرة ونصف، ونصفه خمسة وربع لا خمسة مجردة.
قال شيخي العلامة ﵀ في جوابه: المراد من النصيبين نصيب الخنثى على تقدير ذكوريته وأنوثته لا ما يصيب الابن من النصيب المغير عن أصله، إذ يصيب من اثني عشر ثمانية لا سبعة، وهذا لا يشكل على عاقل فافهم.
ثم ذكر قول محمد أولا مع تأخير تعليله يدل على أن المختار عند المصنف قول محمد.
قيل: ما قاله أبو يوسف أنفع للخنثى، والطريق الواضح فيه أن يضرب السبعة في الاثني عشر حيث لا موافقة بينهما فيصير المجموع أربعة وثمانين، ثم
стр. 7485
لِلْخُنْثَى سَهْمَانِ، وَلِلابْنِ أَرْبَعَةٌ، فَسَهْمَانِ لِلْخُنْثَى ثَابِتَانِ بِيَقِينِ، وَوَقَعَ الشَّكُ فِي السَّهْمِ الزَّائِدِ فَيَتَنَصَّفُ، فَيَكُونُ لَهُ سَهْمَانِ وَنِصْفٌ فَانْكَسَرَ، فَيُضَعَّفُ لِيَزُولَ الكَسْرُ، فَصَارَ الحِسَابُ مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ، لِلْخُنْثَى خَمْسَةٌ، وَلِلابْنِ سَبْعَةٌ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّ الحَاجَةَ هَاهُنَا إِلَى إِثْبَاتِ المَالِ ابْتِدَاءٌ، وَالأَقَلُّ وَهُوَ مِيرَاثُ الأُنْثَى مُتَيَقَّنُ بِهِ، وَفِيمَا زَادَ عَلَيْهِ شَكٍّ، فَأَثْبَتْنَا المُتَيَقَّنَ قَصْرًا عَلَيْهِ، لِأَنَّ المَالَ لَا يَجِبُ بِالشَّكُ، وَصَارَ كَمَا إِذَا كَانَ الشَّكُ فِي وُجُوبِ المَالِ بِسَبَبٍ آخَرَ، فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ فِيهِ بِالمُتَيَقَّنِ، كَذَا هَذَا، إِلَّا أَنْ يَكُونَ نَصِيبُهُ الأَقَلَّ لَوْ قَدَّرْنَاهُ ذَكَرًا، فَحِينَئِذٍ يُعْطَى نَصِيبَ الِابْنِ فِي تِلْكَ الصُّورَةِ، لِكَوْنِهِ مُتَيَقَّنَا بِهِ، وَهُوَ أَنْ تَكُونَ الوَرَثَةُ زَوْجًا وَأَمَّا وَأُخْتًا لِأَبِ وَأُمِّ، هِيَ خُنْثَى، أو امْرَأَةٌ وَأَخَوَيْنِ لِأُمٌ، وَأُخْتَا لِأَبِ وَأُمِّ هِيَ خُنْثَى فَعِنْدَنَا فِي الأُولَى: لِلزَّوْجِ النِّصْفُ، وَلِلْأُمِّ الثُّلُثُ، وَالبَاقِي لِلْخُنْثَى، وَفِي الثَّانِيَةِ: لِلْمَرْأَةِ الرُّبْعُ، وَلِلْأَخَوَيْنِ لِأُمِّ الثُّلُثُ، وَالبَاقِي لِلْخُنْثَى، لِأَنَّهُ أَقَلُّ النَّصِيبَيْنِ فِيهِمَا.
اضرب حصة من كان له شيء من السبعة في الاثني عشر، وحصة الخنثى ثلاثة من سبعة فاضربه في اثني عشر فيكون ستة وثلاثين، واضرب حصة من كان له شيء من الاثني عشر في السبعة، وللخنثى خمسة فاضربه في السبعة فيكون خمسة وثلاثين، فظهر أن التفاوت بسهم من أربعة وثمانين سهما، كذا قرره مولانا حميد الدين ﵀.
قوله: (أي الباقي أقل النصيبين فيهما) أي: في المسألتين، فلو ماتت امرأة وتركت زوجًا وأختا لأب وأم وخنثى لأب فللزوج النصف، وللأخت لأب وأم النصف، ولا شيء للخنثى؛ لأن أسوأ حاله أن يكون ذكرًا، لأنه لو جعل ذكرًا لا يصيبه شيء، ولو جعل أنثى كان له السدس وتعول المسألة، فجعل ذكرا.
وفي المغني لابن قدامة الحنبلي (١): في مقتضى قول الشعبي أن يجعل للأخ الخنثى نصف ما يرثه في حال إرثه وهو نصف سهم فيضم إلى سهام الباقين وهو ستة، ثم تبسطها أنصافًا ليزول الكسر فيصير ثلاثة عشر له منها سهم والباقي بين
стр. 7486
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الزوج والأخت نصفين كذا عمله أبو الخطاب.
وفيه: ولو خلف خنثيين فصاعدًا تركتهم بعدد أحوالهم في أحد الوجهين، فيجعل للاثنين أربعة أحوال، وللثلاثة ثمانية، وللأربعة ستة عشر، وللخمسة اثنين وثلاثين، ثم يجمع مالهم في الأحوال كلها فنقسمهم على عدد أحوالهم فما خرج بالقسمة فهو لهم إن كانوا من جهة واحدة، وإن كانوا من جهات جمعت ما لكل واحد منهم في الأحوال وقسمته على عددهم في الأحوال كلها فالخارج بالقسمة هو نصيبه، وهذا قول ابن أبي ليلى، ومحمد بن الحسن على قياس قول الشعبي.
وفي وجه آخر أنهم ينزلون حالين مرةً ذكورًا، ومرة إناثًا كما يصنع في الواحد وهذا قول أبي يوسف، وهذا أصح (١).
بيانه: ترك ولدا خنثى، وولد أخ خنثى، وعمًا، إن كانا ذكرين فالمال للولد، وإن كانا أنثيين فللولد النصف، والباقي للعم، فهي من أربعة عند من نزلهم بحالين للولد ثلاثة أرباع المال، وللعم ربعه.
ومن نزلهم أحوالا زاد حالين أخريين وهو أن يكون الولد وحده ذكرًا، أو أن يكون ولد أخ وحده ذكرًا فتكون المسألة من ثمانية، للولد المال في حالين، والنصف في حالين، وله ربع ذلك وهو ثلاثة أرباع المال، ولولد الأخ نصف المال في حال فله ربعه وهو الثمن، وللعم مثل ذلك، وهذا أعدل.
وذكر في المبسوط والذخيرة مسائل للخنثى لم يذكرها صاحب الكتاب، منها: أنه لو [قبله رجل بشهوة لم يتزوج أمه] (٢) حتى يستبين أمره.
ومنها: لو وجَّهَ أبوه رجلًا وامرأة فهو موقوف إلى تنوعه حتى يستبين أمره.
ومنها: لو زوج من خنثى مشكل آخر فالنكاح موقوف حتى يستبين أمرهما.
ومنها: أنه لا يحد قاذفه لو قذفه قبل البلوغ لأنه غير مُحْصَنٍ، وبعده أيضًا
стр. 7487
مَسَائِلُ شَتَّى
إذا كان مشكلًا لأنه إن كان رجلًا فهو بمنزلة المجبوب فلا يمكنه أن يجامع فلا يتحقق الزنا في حقه، وإن كانت امرأة فهو بمنزلة الرتقاء، ولا حد في قذف الرتقاء، وقد مر في حد القذف.
ومنها: لو قطع رجل يده أو امرأة فلا قصاص على القاطع حتى يستبين أمره؛ لأن حكم القصاص فيما دون النفس يختلف بالذكورة والأنوثة حتى لا يجري القصاص في الأطراف بين الرجال والنساء، بخلاف القصاص في النفس فإنه لا يختلف بالذكورة والأنوثة عندنا خلافًا للأئمة الثلاثة، فيقتص قاتله سواء كان ذكرًا أو أنثى عندنا.
وكذا لو قطع هذا الخنثى يد رجل أو امرأة لا تقطع يده، أو قتله لم يكن عليه قصاص، ولكن الدية على عاقلته لأنه صغير لم يبلغ، فعمده وخطؤه سواء.
ومنها: أنه لا يرث بولاء العتاقة ما لم يستبن أمره.
ومنها: أنه لو أوصى رجل لما في بطن امرأة بألف إن كان غلامًا، وبخمسمائة إن كان جارية فولدت خنثى توقف الخمسمائة الفاضلة حتى يستبين أمره، وفي قياس قول الشعبي فينبغي أن تكون سبعمائة وخمسون لأنه يجعل للخنثى نصف نصيب ذكر، ونصف نصيب أنثى في الميراث، فكذا في الوصية لأنها أخت الميراث.
وفي الذخيرة: لا تجوز شهادته قبل البلوغ وبعده لو لم يستبن أمره يعتبر امرأة (١) في حق الشهادة حتى يتبين أنه ذكر؛ لأن هذا القدر من شهادته متيقن والزيادة مشكوك فيها، والله أعلم.
مَسَائِلُ شَتَّى
أي: متفرقة من كل باب، يقال: شتى وشتان قال تعالى: ﴿وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ [الحشر: ١٤] أي: متفرقة، وإيراد مسائل شتى في آخر الكتب من أدب المصنفين خصوصًا إذا انتهت الهداية نهايتها.
стр. 7488
قَالَ: (وَإِذَا قُرِئَ عَلَى الأَخْرَسِ كِتَابُ وَصِيَّتِهِ، فَقِيلَ لَهُ: أَنَشْهَدُ عَلَيْكَ بِمَا فِي هَذَا الكِتَابِ؟ فَأَوْمَا بِرَأْسِهِ: أَيْ: نَعَمْ، أَوْ كَتَبَ، فَإِذَا جَاءَ مِنْ ذَلِكَ مَا يُعْرَفُ أَنَّهُ إِقْرَارُ: فَهُوَ جَائِزُ، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الَّذِي يُعْتَقَلُ لِسَانُهُ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَجُوزُ فِي الوَجْهَيْنِ، لِأَنَّ المُجَوِّزَ إِنَّمَا هُوَ العَجْزُ وَقَدْ شَمِلَ الفَصْلَيْنِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْأَصْلِيِّ وَالعَارِضِيِّ كَالوَحْشِيِّ وَالمُتَوَحِّشِ مِنْ الأَهْلِي فِي حَقِّ الزَّكَاةِ، وَالفَرْقُ لِأَصْحَابِنَا
قوله: (فقيل له أنشهد) إلى آخره، يعني أشار أولا بالوصية وكتبوا بإشارته، ثم قرئ عليه وقالوا: (أنشهد عليك بما في الكتاب، فأشار برأسه أي نعم، أو كتب) له: أي نعم، فإذا جاء ذلك من الإيماء والكتابة والخط وذلك أربعة هذان والخط والعقد.
وأراد بالخط النقد، وبالعقد عقد الأصابع على رسم المهندسين، فإذا وجد إحدى هذه العلامات فهو إقرار يحكم بجواز وصيته فهو أي وصيته جائز على تأويل الإيصاء ولا يعلم فيه خلاف.
وفي فتاوى قاضي خان ولو وجب يمين على الأخرس فإنه يحلف وصورة تحليفه أن يقول له القاضي: عليك عهد الله وميثاقه إن كان كذا، فإذا أومأ برأسه نعم يصير حالفًا، ولا يقول: بالله إن كان كذا؛ لأنه لو أشار برأسه بنعم في هذا الوجه يصير مقرا بالله ولا يكون حالفًا (١).
قوله: (في الذي يعتقل لسانه) بضم الياء وفتح القاف على بناء المفعول، كذا ذكره في المغرب، وقال: واعتقل لسانه إذا حبس عن الكلام ولم يقدر (٢).
(فلم يجز ذلك منه) أي: الإشارة، وبه قال أحمد، والثوري، والأوزاعي لأن نطقه غير مأيوس فلم تصح إشارته كالقادر، وقال الشافعي، وابن المنذر: تصح وصيته بالإشارة والكتابة كما في الأخرس؛ لأن علة الجواز العجز وهو يشملها.
واحتج ابن المنذر بأنه ﷺ صلى وهو قاعد فأشار إليهم فقعدوا، رواه
стр. 7489
﵏: أَنَّ الإِشَارَةَ إِنَّمَا تُعْتَبَرُ إِذَا صَارَتْ مَعْهُودَةٌ مَعْلُومَةٌ، وَذَلِكَ فِي الأَخْرَسِ دُونَ المُعْتَقَلِ لِسَانُهُ. حَتَّى لَوْ امْتَدَّ ذَلِكَ وَصَارَتْ لَهُ إِشَارَاتٌ مَعْلُومَةٌ، قَالُوا: هُوَ بِمَنْزِلَةِ الأَخْرَسِ، وَلِأَنَّ التَّفْرِيطَ جَاءَ مِنْ قِبَلِهِ، حَيْثُ أَخَّرَ الوَصِيَّةَ إِلَى هَذَا الوَقْتِ، أَمَّا الأَخْرَسُ فَلَا تَفْرِيطَ مِنْهُ، وَلِأَنَّ العَارِضِيَّ عَلَى شَرَفِ الزَّوَالِ دُونَ الأَصْلِي، فَلَا يَنْقَاسَانِ، وَفِي الآبِدَةِ عَرَفْنَاهُ بِالنَّص.
البخاري (١).
وقلنا: الإشارة إنما تعتبر إذا صارت معهودة وذلك في الأخريين والحديث لا يلزمنا فإنه ﵊ كان قادرا على الكلام ولا خلاف في أن إشارة القادر لا تصح بها وصيته وإقراره وفارق الأخرس لأنه مأيوس من نطقه.
قوله: ([حتى لو امتد] (٢) ذلك) أي:: الاعتقال، قال التمرتاشي: حده سنة، وذكر الحاكم عن أبي حنيفة أنه قال: إن دامت العقلة إلى وقت الموت يجوز إقراره بالإشارة، ويجوز الإشهاد عليه؛ لأن عجزه عن النطق يعني لا يرجى زواله فكان كالأخرس، قالوا: وعليه الفتوى، كذا ذكره المحبوبي.
قوله: (فلا ينقاسان) أي: لا يقبلان القياس كالصغيرة والآيسة مع الممتدة الطهر والمرتفعة الحيض فإنه لا يجوز لهما أن يعتدا بالشهور، بخلاف الصغيرة والآيسة؛ لأن امتداد الطهر وارتفاع الحيض على شرف الزوال دون الصغر والإياس.
قوله: (وفي الآبدة) يعني خصت الآبدة (بالنص) على خلاف القياس، وهو قوله ﷺ حين ند بعير من إبل الصدقة فرماه رجل بسهم وسمَّى فقتله -: «إنّ لَها أَوَابِدَ كَأَوَابِدِ الوحش، فإذا فَعَلَتْ شيئًا من ذَلِك فافعلوا بها كما فعلتُم بِهذا، ثمَّ كُلوه»، رواه رافع بن خديج (٣)، كذا في المبسوط (٤).
стр. 7490
قَالَ: (وَإِذَا كَانَ الْأَخْرَسُ يَكْتُبُ كِتَابًا، أَوْ يُومِيُّ إِيمَاءً يُعْرَفُ بِهِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ نِكَاحُهُ، وَطَلَاقُهُ، وَعَتَاقُهُ، وَبَيْعُهُ، وَشِرَاؤُهُ، وَيُقْتَصُّ لَهُ وَمِنْهُ، وَلَا يُحَدُّ وَلَا يُحَدُّ لَهُ) أَمَّا الْكِتَابَةُ: فَلِأَنَّهَا مِمَّنْ نَأَى بِمَنْزِلَةِ الخِطَابِ مِمَّنْ دَنَا؛ أَلَا تَرَى أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ أَدَّى وَاجِبَ التَّبْلِيغِ مَرَّةً بِالعِبَارَةِ، وَتَارَةٌ بِالْكِتَابَةِ إِلَى الغُيَّبِ، وَالمُجَوِّزُ فِي حَقِّ الغَائِبِ العَجْزُ، وَهُوَ فِي حَقِّ الْأَخْرَسِ أَظْهَرُ وَأَلْزَمُ.
ثُمَّ الكِتَابُ عَلَى ثَلَاثِ مَرَاتِبَ: مُسْتَبِينٌ مَرْسُومٌ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ النُّطْقِ فِي الغَائِبِ وَالحَاضِرِ عَلَى مَا قَالُوا وَمُسْتَبِينٌ غَيْرُ مَرْسُومٍ كَالْكِتَابَةِ عَلَى الجِدَارِ، وَأَوْرَاقِ الأَشْجَارِ، وَيَنْوِي فِيهِ، لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ صَرِيحِ الكِتَابَةِ،
قوله: (ولا يحد) أي: الأخرس إذا كان قاذفا، (ولا يحد له) إذا كان مقذوفًا.
قوله: (وهو) أي: العجز (في حق الأخرس أظهر) من العجز في حق الغائب (وألزم) لتوهم ارتفاعه، في حق الغائب ظاهر إلى أن يحضر الغائب، وفي الأخرس لا يرجى زواله غالبًا، فلما قبل الكتاب في حق الغائب مع رجاء الحضور لأن يقبل في حق الأخرس مع يأس زوال الخرس أولى.
قوله: (مرسوم) أي: معنون بالعنوان، والعنوان أن يكتب في صدره: من فلان إلى فلان.
قوله: (وينوي فيه) أي: بطلت منه النية فيه بأن كان صحيحا بين نيته باللسان، وإن كان أخرس يبين نيته بكتابته، كذا في المبسوط (١).
(بمنزلة صريح الكتابة) وهو كقوله: أنت بائن أي: بمنزلة كتابة قولية، أما الكتابة فليست بصريحة في الكتابة لأنها فعل، والكتابة الحقيقية تكون في القول، وذكر التمرتاشي: كتب مستبينا ولكن غير مرسوم كالكتابة على الجدار، أو على التراب، أو على الكاغدة لا على وجه الرسم كان لغوا؛ لأنه لا عرف في إظهار الأمر بهذا فلا يكون حجة إلا بالنية والبيان.
стр. 7491
فَلَا بُدَّ مِنْ النِّيَّةِ. وَغَيْرُ مُسْتَبِينِ كَالكِتَابَةِ عَلَى الهَوَاءِ وَالْمَاءِ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ كَلَامٍ غَيْرِ مَسْمُوعِ، فَلَا يَثْبُتُ بِهِ الحُكْمُ. وَأَمَّا الإِشَارَةُ، فَجُعِلَتْ حُجَّةٌ فِي حَقِّ الْأَخْرَسِ فِي حَقِّ هَذِهِ الْأَحْكَامِ لِلْحَاجَةِ إِلَى ذَلِكَ، لِأَنَّهَا مِنْ حُقُوقِ العِبَادِ، وَلَا تَخْتَصُّ بِلَفْظِ دُونَ لَفْظِ، وَقَدْ تَثْبُتُ بِدُونِ اللَّفْظِ. وَالقِصَاصُ حَقُّ العَبْدِ أَيْضًا، وَلَا حَاجَةَ إِلَى الحُدُودَ،
وفي الشافي: وكذا الصحيح لو كتب كتاب الطلاق أو غيره، أو ذكر الحق على نفسه فهو على تلك الوجوه، فإن كان مستبينا مرسوما فهو كالخطاب حتى لو جحد يسعى لمن شهد كتابته أن يشهد إذا عرف ما في الكتاب، ولو كان غير مستبين لم يكن (١) إقرارًا، وإن أشهد وقال: كتبت كذا فاشهدوا أني كتبت ذلك، ولو كان مستبينا غير مرسوم إن أشهد عليه كان إقرارًا؛ لأن الكتابة قد تكون للتجربة، وقد تكون للتحقيق، وبالإشهاد يقع البيان.
ولو كتب ذكر حق عند قوم وهم يعرفون ما كتب، ثم قال لهم: اشهدوا علي بما فيه، يصح الإشهاد، وكذا لو أملاه على غيره حتى كتب وهم يعرفون ماذا يمكن ثم أشْهَدَهم.
ولو كتب عندهم وهم يعرفون ولم يقل: لهم اشهدوا، هل يكون ذلك إقرارًا؟ ذكر أبو اليسر.
قيل: لا يكون، وقيل: يكون؛ لأن الظاهر يدل على أن المال عليه، والأحكام تنبني على الظاهر.
(ولا تختص بلفظ دون لفظ) أي: كما ثبت بالعربي ثبت بالفارسي وغيره.
(وقد تثبت بدون اللفظ) أي: بفعل يدل على القول كالتعاطي، فكذا يجب أن تثبت بإشارة الأخرس للضرورة، والغالب في القصاص حق العبد كما عرف فيثبت بإشارته أيضًا.
قوله: (ولا حاجة إلى الحدود) أي: لا حاجة إلى التوسعة في الحدود لأن حق الله تعالى يسقط بالشبهة، ولعله كان مصدقًا للقاذف فلا يحد للشبهة، ولا يحد أيضًا بالإشارة لعدم القذف صريحًا وهو الشرط لما مر في الحدود.
стр. 7492
لِأَنَّهَا حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى، وَلِأَنَّهَا تَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ، وَلَعَلَّهُ كَانَ مُصَدِّقًا لِلْقَاذِفِ، فَلَا يُحَدُّ لِلشُّبْهَةِ، وَلَا يُحَدُّ أَيْضًا بِالإِشَارَةِ فِي القَذْفِ، لِانْعِدَامِ القَذْفِ صَرِيحًا، وَهُوَ الشَّرْطُ. ثُمَّ الفَرْقُ بَيْنَ الحُدُودِ وَالقِصَاصِ: أَنَّ الحَدَّ لَا يَثْبُتُ بِبَيَانِ فِيهِ شُبْهَةٌ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَوْ شَهِدُوا بِالوَطْءِ الحَرَامِ، أَوْ أَقَرَّ بِالوَطْءِ الحَرَامِ، لَا يَجِبُ الحَدُّ، وَلَوْ شَهِدُوا بِالقَتْلِ المُطْلَقِ، أَوْ أَقَرَّ بِمُطْلَقِ القَتْلِ، يَجِبُ القِصَاصُ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ لَفْظُ التَّعَمُّدِ، وَهَذَا لِأَنَّ القِصَاصَ فِيهِ مَعْنَى العِوَضِيَّةِ، لِأَنَّهُ شُرِعَ جَابِرًا، فَجَازَ أَنْ يَثْبُتَ مَعَ الشَّبْهَةِ كَسَائِرِ المُعَاوَضَاتِ الَّتِي هِيَ حَقُّ العَبْدِ.
أَمَّا الحُدُودُ الخَالِصَةُ لِلَّهِ تَعَالَى فَشُرِعَتْ زَوَاجِرَ، وَلَيْسَ فِيهَا مَعْنَى العِوَضِيَّةِ، فَلَا تَثْبُتُ مَعَ الشَّبْهَةِ لِعَدَمِ الحَاجَةِ.
وَذَكَرَ فِي كِتَابِ الإِقْرَارِ: أَنَّ الكِتَابَ مِنْ الغَائِبِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ فِي قِصَاصِ يَجِبُ عَلَيْهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الجَوَابُ هُنَا كَذَلِكَ، فَيَكُونُ فِيهِمَا رِوَايَتَانِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ
قوله: (ألا ترى أنه) الضمير للشأن (شهدوا بالوطء الحرام أو أقر بالوطء الحرام لا يحد) وإن كان مطلق الحرمة ينصرف إلى الزنا لاحتمال أنه وطئ امرأته في حالة الحيض، وأمته المجوسية، ولهذا قالوا: لا يجب حد القذف بقوله يا (حرام زاده).
(ولو شهدوا بالقتل المطلق، أو أقر به يجب القصاص) وإن لم يوجد التصريح بالعمد.
(لأنه) أي: القصاص (شرع جابرًا فجاز أن يثبت مع الشبهة كسائر الأعواض التي هي حق العبد) وإن شرع زاجرًا أيضًا، قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَوة﴾ [البقرة: ١٧٩].
قوله: (ويحتمل أن يكون الجواب هاهنا) أي: في الأخريين (كذلك) أي: لا [يكون] (١) حجة (فيكون فيهما) أي: في الأخرس والغائب غير الأخرس (رواتان).
стр. 7493
يَكُونَ مُفَارِقًا لِذَلِكَ، لِأَنَّهُ يُمْكِنُ الوُصُولُ إِلَى نُطْقِ الغَائِبِ فِي الجُمْلَةِ، لِقِيَامِ أَهْلِيَّةِ النُّطْقِ، وَلَا كَذَلِكَ الأَخْرَسُ، لِتَعَذُّرِ الوُصُولِ إِلَى النُّطْقِ لِلْآفَةِ المَانِعَةِ، وَدَلَّت المَسْأَلَةُ عَلَى أَنَّ الإِشَارَةَ مُعْتَبَرَةٌ، وَإِنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى الكِتَابَةِ، بِخِلَافِ مَا تَوَهَّمَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا ﵏ أَنَّهُ لَا تُعْتَبَرُ الإِشَارَةُ مَعَ القُدْرَةِ عَلَى الكِتَابَةِ.
لِأَنَّهُ حُجَّةٌ ضَرُورِيَّةٌ، وَلَا ضَرُورَةَ، لِأَنَّهُ جَمَعَ هَاهُنَا بَيْنَهُمَا، فَقَالَ: أَشَارَ أَوْ كَتَبَ، وَإِنَّمَا اسْتَوَيَا، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حُجَّةٌ ضَرُورِيَّةٌ، وَفِي الْكِتَابَةِ زِيَادَةُ بَيَانٍ لَمْ تُوجَدْ فِي الإِشَارَةِ، وَفِي الإِشَارَةِ زِيَادَةُ أَثَرٍ لَمْ يُوجَدْ فِي الكِتَابِ، لِمَا أَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى
قوله: (لأنه) أي: الإشارة على تأويل فعل الإشارة أو المذكور حجة ضرورية ولا ضرورة مع وجود الكتابة.
(لأنه) أي: محمد ﵀ (جمع) هناك في الكتابة (بينهما) بقوله: يكتب كتابًا، أو يومئ إيماء، وفي الكتابة زيادة بيان لم يوجد في الإشارة لأن فضل البيان في الكتابة معلوم حسّا وعيانًا حيث يفهم المقصود منها بلا شبهة خلاف الإشارة إذ فيها نوع إبهام.
(وفي الإشارة زيادة أثر لم يوجد في الكتابة لما أنه) أي: الإشارة أقرب إلى النطق من آثار الأقلام؛ لأن العلم بالكتابة يحصل بآثار الأقلام وهي منفصلة عن المتكلم، أما العلم الحاصل بالإشارة باليد أو الرأس حاصل بما هو متصل بالمتكلم، فكان المتصل بالمتكلم أقرب إليه من المنفصل منه فكان أولى بالاعتبار، ولأن الإشارة تقع معتبرة مع القدرة على البيان من كل وجه.
ألا ترى أن أفصح العرب النبي ﷺ كيف اعتبر الإشارة في قوله: «الشَّهرُ هكذا وهكذا» (١)، ولأن وجود [النطق متصور] (٢) من اليد (٣) في الجملة كما في القيامة تشهد عليهم أيديهم، وقال ﷺ : «اعْقُدْنَ بالأَنامِلِ فَإِنَّهَا مَسْئولات
стр. 7494
النُّطْقِ مِنْ آثَارِ الأَقْلَامِ، فَاسْتَوَيَا (وَكَذَلِكَ الَّذِي صَمَتَ يَوْمًا، أَوْ يَوْمَيْنِ لِعَارِ) لِمَا بَيَّنَّا فِي المُعْتَقَلِ لِسَانُهُ، أَنَّ آلَةَ النُّطْقِ قَائِمَةٌ، وَقِيلَ: هَذَا تَفْسِيرٌ لِمُعْتَقَلِ اللِّسَانِ.
قَالَ: (وَإِذَا كَانَتْ الغَنَمُ مَذْبُوحَةً، وَفِيهَا مَيْتَةٌ، فَإِنْ كَانَتْ المَذْبُوحَةُ أَكْثَرَ، تَحَرَّى فِيهَا وَأَكَلَ، وَإِنْ كَانَتْ المَيْتَةُ أَكْثَرَ، أَوْ كَانَا نِصْفَيْنِ، لَمْ يَأْكُلْ) وَهَذَا إِذَا كَانَتْ الحَالَةُ حَالَةَ الِاخْتِيَارِ، أَمَّا فِي حَالَةِ الضَّرُورَةِ، يَحِلُّ لَهُ التَّنَاوُلُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ، لِأَنَّ المَيْتَةَ المُتَيَقَّنَةَ تَحِلُّ لَهُ فِي حَالَةِ الضَّرُورَةِ، فَالَّتِي تَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ ذَكِيَّةً أَوْلَى، غَيْرَ أَنَّهُ يَتَحَرَّى، لِأَنَّهُ طَرِيقٌ يُوَصِّلُهُ إِلَى الذَّكِيَّةِ فِي الجُمْلَةِ، فَلَا يَتْرُكُهُ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ.
مُستنطقات يوم القيامة» (١).
وقوله: (وكذلك الذي صمت)، - وفي بعض النسخ: (صمت) والمصمت هو الله تعالى - عطف على قوله (ولا يجوز ذلك في الذي يعتقل لسانه).
قوله: (تحرى فيها وأكل)، قيل: هذا إذا لم يكن فيها علامة، لا علامة كونها مذبوحة، ولا علامة كونها غير مذبوحة، فإذا كان فيها علامة يؤخذ بالعلامة وترك التحري.
قوله: (أو نصفين لم يؤكل) أي: بالتحري بخلاف الثياب النجسة فإنه يتحرى فيها وإن كان الطاهر والنجس نصفين عندنا، وبه قال الشافعي.
وفي الأواني النجسة لا يتحرى إلا إذا كانت الغلبة للطاهر، وقال الشافعي: يتحرى في المنصوص وفي الغلبة، وقال أحمد والمزني وأبو ثور: لا يتحرى في الأواني لعدم الضرورة في التحري ويتيمم ويصلي، واختلفت الرواية عن أحمد في وجوب إراقة ماء الأواني قبل التيمم، وقال ابن الماجشون المالكي: لا يتحرى، ولكنه يتوضأ بأحدهما ويصلي، ثم يتوضأ بالآخر ويعيد الصلاة التي صلاها.
стр. 7495
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَجُوزُ الأَكْلُ فِي حَالَةِ الاِخْتِيَارِ، وَإِنْ كَانَتْ المَذْبُوحَةُ أَكْثَرَ، لِأَنَّ التَّحَرِّيَ دَلِيلٌ ضَرُورِيٌّ، فَلَا يُصَارُ إِلَيْهِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ، وَلَا ضَرُورَةَ، لِأَنَّ الحَالَةَ حَالَةُ الاخْتِيَارِ، وَلَنَا: أَنَّ الغَلَبَةَ تَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الضَّرُورَةِ فِي إِفَادَةِ الإِبَاحَةِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ أَسْوَاقَ المُسْلِمِينَ لَا تَخْلُو عَنْ المُحَرَّمِ المَسْرُوقِ وَالمَغْضُوبِ، وَمَعَ ذَلِكَ يُبَاحُ التَّنَاوُلُ اعْتِمَادًا عَلَى الغَالِبِ، وَهَذَا لِأَنَّ القَلِيلَ لَا يُمْكِنُ الاحْتِرَازُ عَنْهُ، وَلَا يُسْتَطَاعُ الامْتِنَاعُ مِنْهُ، فَسَقَطَ اعْتِبَارُهُ، دَفْعًا لِلْحَرَجِ كَقَلِيلِ النَّجَاسَةِ، وَقَلِيلِ الانْكِشَافِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَا نِصْفَيْنِ، أَوْ كَانَتِ المَيْتَةُ أَغْلَبَ، لِأَنَّهُ لَا ضَرُورَةَ فِيهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ، وَإِلَيْهِ المَرْجِعُ وَالمَآبُ.
وقال محمد بن مسلمة المالكي: يتوضأ بأحدهما ويصلي، ثم يغسل ما أصابه من الماء الأول ويتوضأ بالآخر ويعيد الصلاة، وقال غيرهما من أصحاب مالك مثل قول الشافعي.
والفرق لنا بين المذبوحة والأواني وبين الثياب أن حكم الثياب أخف من غيرها، فإن الثياب لو كانت نجسة كلها له أن يصلي في بعضها ولا يعيد صلاته لأنه مضطر فيها، بخلاف المسالح والأواني لأنه لا ضرورة فيها فإن التيمم طهور له عند العجز عن الماء، حتى لو تحققت الضرورة في الشرب عند العطش جاز له أن يتحرى للشرب كما في الأكل؛ لأن له عند الضرورة أكل الميتة وشرب الماء النجس فلأن يجوز له التحري أولى، كذا في جامع المحبوبي، والمبسوط (١).
قوله: (وقال الشافعي: لا يجوز له الأكل إلى آخره، وبه قال مالك وأحمد.
ولنا أن الغلبة تنزل منزلة الضرورة) أي: تقوم مقامها في إثبات الإباحة لأنا نعلم أن أسواق المسلمين لا تخلو عن الحرام، ومع هذا جاز التناول بالشراء وغيره باعتبار الغالب، وهذا لأن القليل لا يمكن التحرز عنه والامتناع