فَلَا بُدَّ مِنْ النِّيَّةِ. وَغَيْرُ مُسْتَبِينِ كَالكِتَابَةِ عَلَى الهَوَاءِ وَالْمَاءِ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ كَلَامٍ غَيْرِ مَسْمُوعِ، فَلَا يَثْبُتُ بِهِ الحُكْمُ. وَأَمَّا الإِشَارَةُ، فَجُعِلَتْ حُجَّةٌ فِي حَقِّ الْأَخْرَسِ فِي حَقِّ هَذِهِ الْأَحْكَامِ لِلْحَاجَةِ إِلَى ذَلِكَ، لِأَنَّهَا مِنْ حُقُوقِ العِبَادِ، وَلَا تَخْتَصُّ بِلَفْظِ دُونَ لَفْظِ، وَقَدْ تَثْبُتُ بِدُونِ اللَّفْظِ. وَالقِصَاصُ حَقُّ العَبْدِ أَيْضًا، وَلَا حَاجَةَ إِلَى الحُدُودَ،
وفي الشافي: وكذا الصحيح لو كتب كتاب الطلاق أو غيره، أو ذكر الحق على نفسه فهو على تلك الوجوه، فإن كان مستبينا مرسوما فهو كالخطاب حتى لو جحد يسعى لمن شهد كتابته أن يشهد إذا عرف ما في الكتاب، ولو كان غير مستبين لم يكن (١) إقرارًا، وإن أشهد وقال: كتبت كذا فاشهدوا أني كتبت ذلك، ولو كان مستبينا غير مرسوم إن أشهد عليه كان إقرارًا؛ لأن الكتابة قد تكون للتجربة، وقد تكون للتحقيق، وبالإشهاد يقع البيان.
ولو كتب ذكر حق عند قوم وهم يعرفون ما كتب، ثم قال لهم: اشهدوا علي بما فيه، يصح الإشهاد، وكذا لو أملاه على غيره حتى كتب وهم يعرفون ماذا يمكن ثم أشْهَدَهم.
ولو كتب عندهم وهم يعرفون ولم يقل: لهم اشهدوا، هل يكون ذلك إقرارًا؟ ذكر أبو اليسر.
قيل: لا يكون، وقيل: يكون؛ لأن الظاهر يدل على أن المال عليه، والأحكام تنبني على الظاهر.
(ولا تختص بلفظ دون لفظ) أي: كما ثبت بالعربي ثبت بالفارسي وغيره.
(وقد تثبت بدون اللفظ) أي: بفعل يدل على القول كالتعاطي، فكذا يجب أن تثبت بإشارة الأخرس للضرورة، والغالب في القصاص حق العبد كما عرف فيثبت بإشارته أيضًا.
قوله: (ولا حاجة إلى الحدود) أي: لا حاجة إلى التوسعة في الحدود لأن حق الله تعالى يسقط بالشبهة، ولعله كان مصدقًا للقاذف فلا يحد للشبهة، ولا يحد أيضًا بالإشارة لعدم القذف صريحًا وهو الشرط لما مر في الحدود.
стр. 7492
لِأَنَّهَا حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى، وَلِأَنَّهَا تَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ، وَلَعَلَّهُ كَانَ مُصَدِّقًا لِلْقَاذِفِ، فَلَا يُحَدُّ لِلشُّبْهَةِ، وَلَا يُحَدُّ أَيْضًا بِالإِشَارَةِ فِي القَذْفِ، لِانْعِدَامِ القَذْفِ صَرِيحًا، وَهُوَ الشَّرْطُ. ثُمَّ الفَرْقُ بَيْنَ الحُدُودِ وَالقِصَاصِ: أَنَّ الحَدَّ لَا يَثْبُتُ بِبَيَانِ فِيهِ شُبْهَةٌ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَوْ شَهِدُوا بِالوَطْءِ الحَرَامِ، أَوْ أَقَرَّ بِالوَطْءِ الحَرَامِ، لَا يَجِبُ الحَدُّ، وَلَوْ شَهِدُوا بِالقَتْلِ المُطْلَقِ، أَوْ أَقَرَّ بِمُطْلَقِ القَتْلِ، يَجِبُ القِصَاصُ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ لَفْظُ التَّعَمُّدِ، وَهَذَا لِأَنَّ القِصَاصَ فِيهِ مَعْنَى العِوَضِيَّةِ، لِأَنَّهُ شُرِعَ جَابِرًا، فَجَازَ أَنْ يَثْبُتَ مَعَ الشَّبْهَةِ كَسَائِرِ المُعَاوَضَاتِ الَّتِي هِيَ حَقُّ العَبْدِ.
أَمَّا الحُدُودُ الخَالِصَةُ لِلَّهِ تَعَالَى فَشُرِعَتْ زَوَاجِرَ، وَلَيْسَ فِيهَا مَعْنَى العِوَضِيَّةِ، فَلَا تَثْبُتُ مَعَ الشَّبْهَةِ لِعَدَمِ الحَاجَةِ.
وَذَكَرَ فِي كِتَابِ الإِقْرَارِ: أَنَّ الكِتَابَ مِنْ الغَائِبِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ فِي قِصَاصِ يَجِبُ عَلَيْهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الجَوَابُ هُنَا كَذَلِكَ، فَيَكُونُ فِيهِمَا رِوَايَتَانِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ
قوله: (ألا ترى أنه) الضمير للشأن (شهدوا بالوطء الحرام أو أقر بالوطء الحرام لا يحد) وإن كان مطلق الحرمة ينصرف إلى الزنا لاحتمال أنه وطئ امرأته في حالة الحيض، وأمته المجوسية، ولهذا قالوا: لا يجب حد القذف بقوله يا (حرام زاده).
(ولو شهدوا بالقتل المطلق، أو أقر به يجب القصاص) وإن لم يوجد التصريح بالعمد.
(لأنه) أي: القصاص (شرع جابرًا فجاز أن يثبت مع الشبهة كسائر الأعواض التي هي حق العبد) وإن شرع زاجرًا أيضًا، قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَوة﴾ [البقرة: ١٧٩].
قوله: (ويحتمل أن يكون الجواب هاهنا) أي: في الأخريين (كذلك) أي: لا [يكون] (١) حجة (فيكون فيهما) أي: في الأخرس والغائب غير الأخرس (رواتان).
стр. 7493
يَكُونَ مُفَارِقًا لِذَلِكَ، لِأَنَّهُ يُمْكِنُ الوُصُولُ إِلَى نُطْقِ الغَائِبِ فِي الجُمْلَةِ، لِقِيَامِ أَهْلِيَّةِ النُّطْقِ، وَلَا كَذَلِكَ الأَخْرَسُ، لِتَعَذُّرِ الوُصُولِ إِلَى النُّطْقِ لِلْآفَةِ المَانِعَةِ، وَدَلَّت المَسْأَلَةُ عَلَى أَنَّ الإِشَارَةَ مُعْتَبَرَةٌ، وَإِنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى الكِتَابَةِ، بِخِلَافِ مَا تَوَهَّمَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا ﵏ أَنَّهُ لَا تُعْتَبَرُ الإِشَارَةُ مَعَ القُدْرَةِ عَلَى الكِتَابَةِ.
لِأَنَّهُ حُجَّةٌ ضَرُورِيَّةٌ، وَلَا ضَرُورَةَ، لِأَنَّهُ جَمَعَ هَاهُنَا بَيْنَهُمَا، فَقَالَ: أَشَارَ أَوْ كَتَبَ، وَإِنَّمَا اسْتَوَيَا، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حُجَّةٌ ضَرُورِيَّةٌ، وَفِي الْكِتَابَةِ زِيَادَةُ بَيَانٍ لَمْ تُوجَدْ فِي الإِشَارَةِ، وَفِي الإِشَارَةِ زِيَادَةُ أَثَرٍ لَمْ يُوجَدْ فِي الكِتَابِ، لِمَا أَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى
قوله: (لأنه) أي: الإشارة على تأويل فعل الإشارة أو المذكور حجة ضرورية ولا ضرورة مع وجود الكتابة.
(لأنه) أي: محمد ﵀ (جمع) هناك في الكتابة (بينهما) بقوله: يكتب كتابًا، أو يومئ إيماء، وفي الكتابة زيادة بيان لم يوجد في الإشارة لأن فضل البيان في الكتابة معلوم حسّا وعيانًا حيث يفهم المقصود منها بلا شبهة خلاف الإشارة إذ فيها نوع إبهام.
(وفي الإشارة زيادة أثر لم يوجد في الكتابة لما أنه) أي: الإشارة أقرب إلى النطق من آثار الأقلام؛ لأن العلم بالكتابة يحصل بآثار الأقلام وهي منفصلة عن المتكلم، أما العلم الحاصل بالإشارة باليد أو الرأس حاصل بما هو متصل بالمتكلم، فكان المتصل بالمتكلم أقرب إليه من المنفصل منه فكان أولى بالاعتبار، ولأن الإشارة تقع معتبرة مع القدرة على البيان من كل وجه.
ألا ترى أن أفصح العرب النبي ﷺ كيف اعتبر الإشارة في قوله: «الشَّهرُ هكذا وهكذا» (١)، ولأن وجود [النطق متصور] (٢) من اليد (٣) في الجملة كما في القيامة تشهد عليهم أيديهم، وقال ﷺ : «اعْقُدْنَ بالأَنامِلِ فَإِنَّهَا مَسْئولات
стр. 7494
النُّطْقِ مِنْ آثَارِ الأَقْلَامِ، فَاسْتَوَيَا (وَكَذَلِكَ الَّذِي صَمَتَ يَوْمًا، أَوْ يَوْمَيْنِ لِعَارِ) لِمَا بَيَّنَّا فِي المُعْتَقَلِ لِسَانُهُ، أَنَّ آلَةَ النُّطْقِ قَائِمَةٌ، وَقِيلَ: هَذَا تَفْسِيرٌ لِمُعْتَقَلِ اللِّسَانِ.
قَالَ: (وَإِذَا كَانَتْ الغَنَمُ مَذْبُوحَةً، وَفِيهَا مَيْتَةٌ، فَإِنْ كَانَتْ المَذْبُوحَةُ أَكْثَرَ، تَحَرَّى فِيهَا وَأَكَلَ، وَإِنْ كَانَتْ المَيْتَةُ أَكْثَرَ، أَوْ كَانَا نِصْفَيْنِ، لَمْ يَأْكُلْ) وَهَذَا إِذَا كَانَتْ الحَالَةُ حَالَةَ الِاخْتِيَارِ، أَمَّا فِي حَالَةِ الضَّرُورَةِ، يَحِلُّ لَهُ التَّنَاوُلُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ، لِأَنَّ المَيْتَةَ المُتَيَقَّنَةَ تَحِلُّ لَهُ فِي حَالَةِ الضَّرُورَةِ، فَالَّتِي تَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ ذَكِيَّةً أَوْلَى، غَيْرَ أَنَّهُ يَتَحَرَّى، لِأَنَّهُ طَرِيقٌ يُوَصِّلُهُ إِلَى الذَّكِيَّةِ فِي الجُمْلَةِ، فَلَا يَتْرُكُهُ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ.
مُستنطقات يوم القيامة» (١).
وقوله: (وكذلك الذي صمت)، - وفي بعض النسخ: (صمت) والمصمت هو الله تعالى - عطف على قوله (ولا يجوز ذلك في الذي يعتقل لسانه).
قوله: (تحرى فيها وأكل)، قيل: هذا إذا لم يكن فيها علامة، لا علامة كونها مذبوحة، ولا علامة كونها غير مذبوحة، فإذا كان فيها علامة يؤخذ بالعلامة وترك التحري.
قوله: (أو نصفين لم يؤكل) أي: بالتحري بخلاف الثياب النجسة فإنه يتحرى فيها وإن كان الطاهر والنجس نصفين عندنا، وبه قال الشافعي.
وفي الأواني النجسة لا يتحرى إلا إذا كانت الغلبة للطاهر، وقال الشافعي: يتحرى في المنصوص وفي الغلبة، وقال أحمد والمزني وأبو ثور: لا يتحرى في الأواني لعدم الضرورة في التحري ويتيمم ويصلي، واختلفت الرواية عن أحمد في وجوب إراقة ماء الأواني قبل التيمم، وقال ابن الماجشون المالكي: لا يتحرى، ولكنه يتوضأ بأحدهما ويصلي، ثم يتوضأ بالآخر ويعيد الصلاة التي صلاها.
стр. 7495
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَجُوزُ الأَكْلُ فِي حَالَةِ الاِخْتِيَارِ، وَإِنْ كَانَتْ المَذْبُوحَةُ أَكْثَرَ، لِأَنَّ التَّحَرِّيَ دَلِيلٌ ضَرُورِيٌّ، فَلَا يُصَارُ إِلَيْهِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ، وَلَا ضَرُورَةَ، لِأَنَّ الحَالَةَ حَالَةُ الاخْتِيَارِ، وَلَنَا: أَنَّ الغَلَبَةَ تَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الضَّرُورَةِ فِي إِفَادَةِ الإِبَاحَةِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ أَسْوَاقَ المُسْلِمِينَ لَا تَخْلُو عَنْ المُحَرَّمِ المَسْرُوقِ وَالمَغْضُوبِ، وَمَعَ ذَلِكَ يُبَاحُ التَّنَاوُلُ اعْتِمَادًا عَلَى الغَالِبِ، وَهَذَا لِأَنَّ القَلِيلَ لَا يُمْكِنُ الاحْتِرَازُ عَنْهُ، وَلَا يُسْتَطَاعُ الامْتِنَاعُ مِنْهُ، فَسَقَطَ اعْتِبَارُهُ، دَفْعًا لِلْحَرَجِ كَقَلِيلِ النَّجَاسَةِ، وَقَلِيلِ الانْكِشَافِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَا نِصْفَيْنِ، أَوْ كَانَتِ المَيْتَةُ أَغْلَبَ، لِأَنَّهُ لَا ضَرُورَةَ فِيهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ، وَإِلَيْهِ المَرْجِعُ وَالمَآبُ.
وقال محمد بن مسلمة المالكي: يتوضأ بأحدهما ويصلي، ثم يغسل ما أصابه من الماء الأول ويتوضأ بالآخر ويعيد الصلاة، وقال غيرهما من أصحاب مالك مثل قول الشافعي.
والفرق لنا بين المذبوحة والأواني وبين الثياب أن حكم الثياب أخف من غيرها، فإن الثياب لو كانت نجسة كلها له أن يصلي في بعضها ولا يعيد صلاته لأنه مضطر فيها، بخلاف المسالح والأواني لأنه لا ضرورة فيها فإن التيمم طهور له عند العجز عن الماء، حتى لو تحققت الضرورة في الشرب عند العطش جاز له أن يتحرى للشرب كما في الأكل؛ لأن له عند الضرورة أكل الميتة وشرب الماء النجس فلأن يجوز له التحري أولى، كذا في جامع المحبوبي، والمبسوط (١).
قوله: (وقال الشافعي: لا يجوز له الأكل إلى آخره، وبه قال مالك وأحمد.
ولنا أن الغلبة تنزل منزلة الضرورة) أي: تقوم مقامها في إثبات الإباحة لأنا نعلم أن أسواق المسلمين لا تخلو عن الحرام، ومع هذا جاز التناول بالشراء وغيره باعتبار الغالب، وهذا لأن القليل لا يمكن التحرز عنه والامتناع
стр. 7496
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
منه فصار عفوًا، والله أعلم (١).
هذا آخر ما انتهيت إليه من تأليف " معراج الدراية في شرح الهداية " في الحادي والعشرين من المحرم سنة خمس وأربعين وسبعمائة بتوفيق الله تعالى العزيز الغفور المُوَفِّق وإعانته، وأرجو ممن يطالعه وينظر فيه أن لا ينسى لمؤلفه من دعاء الختم بالسعادة.
ثم إن صاحب الهداية ﵀ لما لم يُورد كتاب الفرائض - مع أن صاحب القدوري أورده فيه - أردت أن أذكر كتاب الفرائض في آخر " المعراج "، وأبين مواضع الخلاف وجهات التمسك، وأبحاثًا غريبة لتكون كالشرح لفرائض القدوري وغيره، وهذا كتاب الفرائض.
стр. 7497
كتاب الفرائض
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
رب وفق لإتمامه، ويسر لاختتامه
قوله: (الفرائض) جمع فريضة، والفرض القطع والتقدير، وسمي هذا النوع بالفرائض لأنها سهام مقدرة مقطوعة مبينة بالكتاب والسنة، وروي عن جابر بن عبد الله أنه قال: جاءت امرأة سعد بن الربيع إلى النبي ﷺ بابنتيها وقالت: يا رسول الله، هاتان ابنتا سعد وقُتِلَ سعد في أَحُدٍ، وعمهُمَا أَخذ مَالَهُمَا، ولا تنكحان إلا ولهما مالٌ، فنزلت آية المواريث ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ﴾ [النساء: ١١] الآية، فأرسل رسول الله ﷺ إلى عمهما وقال: «أعط ابنتي سعد الثلثين، وأمَّهُما الثُّمُنَ، وما بَقِيَ لكَ»، رواه أحمد في مسنده (١).
ثم تعلمه مندوب - وإن كان فرض كفاية - للأخبار الواردة فيها، منها: ما روى ابن عمر أنه ﷺ قال: «تَعلَّموا الفرائض وعلموها الناس فإنّي امرؤ مقبوض، وإنَّ العِلمَ سَيُقبَضُ حتى يختلف الرّجلان في الفَريضَةِ فلا يجدانِ مَنْ يَفْصِلُ بينَهُما» (٢)، وما روى أبو هريرة، عن النبي ﷺ قال: «تعلموا الفرائض وعلموها فإنها نصف العلم وهو يُنسى، وهو أوَّلُ شيءٍ يُنتزَعُ مِنْ أمتي»، أخرجه ابن ماجه (٣).
стр. 7498
وإنما سمي هذا العلم نصف العلم باعتبار حالتي الحياة والممات، أو لسببي الملك اختياري كالشراء، وضروري كالإرث، وقال أهل السلامة: لا ندري، وعلينا اتباعَهُ عَقَلْنَا المَعْنَى أَوْ لَا.
والمتعلق بالتركة حقوق أربعة مرتبة، فيبدأ منها بتجهيز الميت وتكفينه، وهو مقدم على الديون والوصايا والمواريث؛ باعتبار الحاجة الأصلية، كما في حال الحياة، فإن حوائجه الأصلية مقدمة على الديون، ومستثنى من ذلك حق تعلق بعين كالمرهون والمستأجر والمشترى قبل القبض والعبد الجاني، فهؤلاء أولى بها من الكفن، كذا ذكره في فرائض فخر الدين بن عبد الجبار الكوفي.
ولكن ما يكفن به بلا تبذير ولا تقتير، ويكون مثل ما كان يلبسه في الحياة على حسب العرف والعادة لمثله في اعتبار يساره وإعساره حتى قالوا: التبذير أن يكفن في الكتان والإبريسم إذا كان يلبس في حياته الكرباس، والتقتير على عكس هذا.
وقيل: التبذير والتقتير من حيث العدد أيضًا بأن يكفن الرجل في خمسة أثواب والسنة فيه ثلاثة والتقتير أن يكفنوه أقل من ثلاثة بلا ضرورة، ولو كفنوا المرأة أكثر من خمسة تبذير، أو بالأقل من خمسة تقتير، أو هذا عند القدرة، وفي الضرورة يكفن بأي شيء وجد، وقد مر في الجنائز.
ثم يقضى دينه من جميع ما بقي بعد التجهيز لقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١]، ولأن الدين مستحق عليه ثم الوصية، والدين مقدم على الوصية لأن فراغ ذمته من أهم حوائجه، قال النبي ﷺ : «الدين حائِلٌ بينَهُ وبينَ الجَنَّةِ»، والوصية مستحبة فأداء الفرض أولى، وإنما قدمت الوصية في الآية لفظا للحث على إمضائها فإن الدين لازم لا يغفل الورثة عنه، والإمضاء عن قضائه من مطالبة الغرماء، والوصية تبرع قد [يقع] (١) التساهل في إمضائها فقدمت حنا للأولياء على إمضائها، كذا في الكشاف.
قال شيخ الإسلام في مبسوطه: البداءة بالوصية أولى إذا كانت الوصية معينة، أما لو كانت مطلقة بأن أوصى بثلثه، أو ربعه، أو جزء شائع فالموصى له
стр. 7499
شريك الورثة؛ لأنها بمعنى الميراث فلا يحتاج إلى البداءة من الوصية. وقيل: الصحيح أن الوصية مقدمة على الميراث في مقدار الثلث سواء كانت مطلقة أو معينة، ولهذا ذكر شمس الأئمة السرخسي وصاحب فرائض السراجي في فرائضه مطلقا، ثم يقسم الباقي بين من يستحق الإرث، واستحقاق الإرث بالسبب والنسب، والإرث البقاء، قال ﵊: «أنتُمْ على [إرث] (١) أبيكُمْ إِبْرَاهِيمَ» (٢) أي: على بقية من بقايا شريعته، والوارث الباقي.
وشرعًا: انتقال المال إلى الغير على جهة الخلافة، ويستحق الإرث بالقرابة، والموالاة والزوجية بإجماع الأمة.
والورثة ثلاثة: صاحب الفرض: وهو ذو سهم مقدر.
والعصبة: وهو من يستحق الباقي مع ذي سهم أو بعضه إذا كانت فيها البنت مع الابن لأنها عصبة، ويأخذ بعض ما بقي، والكل إذا انفرد.
وذو الرحم: وهو قريب [غيرهما، فيبدأ (٣)] بذي الفرض بالحديث وهو قوله ﷺ : «الْحِقُوا الفَرائِضَ بأهلها فما أبقَتْهُ فلأولى (٤) رجُل ذكر» (٥)، ثم بالعصبة النسبية، ثم بالعصبة السببية وهو مولى العتاقة، ويجيء بيانه.
فصل
أصحاب الفروض أصناف من الرجال أربعة، ومن النساء ثمانية.
أما الرجال: فالأول الأب، وله أحوال ثلاثة: السدس مع الابن أو ابنه وإن سفل والسدس والباقي مع البنت أو بنت الابن وإن سفلت، ويتعصب عند عدمهم، أما الفرض المطلق لقوله تعالى: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا
стр. 7500
تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١١]، فهذا تنصيص على أنه صاحب فرض مع الولد وفرضه السدس، والباقي للابن لقوله ﷺ : «ألحقوا الفرائض بأهلها فما أبقَتْ فالأولَى رَجُلٍ ذَكر» (١)، وأولى رجل ذكر من العصبات الابن.
وإن كان الولد بنتا فله السدس، وللبنت النصف، والباقي للأب لأنه أولى رجل ذكر من العصبات حال عدم الابن.
والتعصيب المحض عند عدم الولد وولد الابن وإن سفل لقوله تعالى: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ فعلم أن الباقي له؛ لأنه لما بين نصيب أحد الشريكين وصدر الكلام أوجب الشركة - علم أن الباقي للآخر، فهذا تنصيص على أنه عصبة حال عدم الولد.
والثاني: الجد الصحيح، وهو الذي لم يتخلل بينه وبين الميت أم كالأب، إلا في أربع مسائل، وذلك كأب الأب، وأب أب الأب وإن علا؛ لأن اسم الأب يطلق على الجد، قال تعالى: ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَاءِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ [يوسف: ٣٨]، وإبراهيم جد أبيه، وقال تعالى: ﴿كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِنَ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٢٧]، والمراد آدم وحواء.
وفي أربع مسائل ليس كالابن بنتان مع زوج وأبوين، أو مع زوجة وأبوين. والثالثة: الجدة أم الأب ترث مع الجد، ولا ترث مع الأب.
والرابعة: الإخوة والأخوات لا يرثون مع الأب ومع الجد عند أبي حنيفة، وعندهما يرثون كما يجيء في المقاسمة، هذه أربع مسائل في حق التوريث.
أما أربعة أخرى في غيرها، منها: أن الصغير يصير مسلمًا بإسلام الأب، ولا يصير مسلما بإسلام الجد في ظاهر الرواية، وقد مر في السير.
ومنها: أن الأب يؤدي صدقة الفطر عن أولاده الصغار، والجد لا يؤدي عن نوافله الصغار في ظاهر الرواية.
ومنها: أن من أوصى لأقرباء فلان لا يدخل فيه الأب، ويدخل الجد. ومنها: أن الأب إذا أعتق يجر ولاء ولده، والجد إذا أعتق لا يجر ولاء
стр. 7501
نافلته إلى مواليه في ظاهر الرواية، ورواية الحسن عن أبي حنيفة تخالف ظاهر الرواية في جميع هذه الفصول، ويسقط بالأب فقط بالإجماع.
قال صاحب الصحائف في فرائضه: ما قالوا أن الجد الصحيح هو الذي لم يتخلل في نسبته بينه وبين الميت أم غير جامع للجد الذي في نسبته أم كأب الأب، وهو أيضًا أب أم الأم، أو أب أب الأم فإنه جد صحيح، وتخلل في نسبته بينه وبين الميت أمّ، فالصواب أن يقال: الجد الصحيح هو الذي ينسب إلى الميت بدون دخول أم.
وهكذا قال في تعريف الجدة الصحيحة: هي التي تنسب إلى الميت بدون دخول جد فاسد والفاسدة التي يدخل ليكون جامعًا.
قال شيخي العلامة مولانا علاء الدين عبد العزيز ﵀: لم يدخل في النسبة التي باعتبارها جد صحيح أم فيكون ما أورد جد صحيح بجهة، وغير صحيح بجهة [فيصدق] (١) عليه كلا الطرفين ضرورة، وإنما يرد بقضاء أن لو كانت في صحته بتلك الجهة دخلت الأم فيها، أو [بالجهتين جميعًا] (٢).
ولا شك أن المراد من قولهم في نسبته: "بينه وبين الميت نسبة " ما لا جميع جهات النسبة (٣)، وتعريفهم صادق عليه هذا الطريق، ألا ترى أن ما ذكره يرد على التعريف الذي اختاره أيضًا، والجواب في تعريف الجدة الصحيحة مثل الجواب في الجد الصحيح.
والثالث: الأخ لأم وله السدس.
ويستوي في أولاد الأم الذكر والأنثى فللواحد السدس لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ﴾ [النساء: ١٢]، والمراد منه الأخ أو الأخت لأم، ثبت ذلك بقراءة سعد بن أبي وقاص فقرأ: (وله أخ أو أخت لأم) صريحًا.
وللاثنين فصاعدا الثلث لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ
стр. 7502
شُرَكَاءُ فِي الثَّلُثِ﴾ ذكورهم وإناثهم في القسمة والاستحقاق سواء أما في [ … ] (١) قوله تعالى: ﴿فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ والشركة المطلقة تقتضي المساواة ألا ترى أنه لو قال: أنتَ شريكي في المال بينهما نصفين، كذا في الأسرار.
ولا يعلم فيه خلاف، وقد روي عن ابن عباس ﵁ في رواية شاذة أن الثلث [بين] (٢) الإخوة والأخوات لأم ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١] كما في قسمة ميراث الأم بينهم، وقد مر جوابه.
وأما في الاستحقاق فلقوله تعالى: ﴿وَلَهُ أَخُ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ﴾ سواهما في استحقاق السدس، وفي بعض النسخ الفرائض في الاستحقاق سواء، ويلزم منه أنهم في الشركة سواء فلا يحتاج إلى قوله والقسمة.
قيل في جوابه: لا يلزم من السوية في الاستحقاق أن يكونوا في الشركة سواء فإن الابن مع البنت سواء في كونهما عصبة ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ في القسمة، ثم [إنهم] (٣) يسقطون بالولد، وولد الابن وإن سفل، والأب والجد بالإجماع، إلا برواية شاذة عن ابن عباس أنه قال في أبوين وأخوين لأم: للأم الثلث، وللأخوين الثلث، وروي عنه: لهما ثلث الباقي، والباقي للأب، وهذا بعيد جدا فإن ولد الأم يسقطون بالجد بالإجماع فكيف يرثون مع الأب عنده.
والأصل في هذه الجملة قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخُ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ﴾ الآية، والكلالة عند الجمهور: من ليس له ولد ولا والد فيسقط في توريثهم عدم الوالد والولد، والولد يشمل الذكر والأنثى، والوالد الأب والجد.
واختلف أهل العلم في الكلالة، قيل: هي اسم للورثة ما عدا الوالدين والمولودين، نقل ذلك عن أبي بكر، وهو اختيار أهل الكوفة والمدينة، وهو قول الجمهور كأنه اشتق من الإكليل الذي يحيط بالرأس ولا يعلو عليه فكانت الورثة ما عدا الوالدين والولد قد أحاطوا بالميت من حواليه لا من أعلاه وأسفله.
стр. 7503
وقيل: اسم للميت نفسه الذي لا والد له ولا ولد يروى ذلك عن عمر، وعلي وابن مسعود لقوله تعالى: ﴿يُورَثُ كَلَالَةً﴾ أي: حال كونه كلالة، وهو نصب على الحال، وإنما يورث المورث، فعرفنا أنه اسم للميت، وهو اختيار أهل البصرة.
ولأهل الكوفة قوله تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ [النساء: ١٧٦] أي: يستفتونك عن الكلالة، وإنما يستقيم الاستفتاء (١) عن ورثة ليس فيهم ولد ولا والد، وتقرأ يُورَثُ بكسر الراء وفتحها، والقراءة بالكسر تشير إلى أن اسم الكلالة للورثة، وبالفتح تتناول الورثة، والميت كاسم الأخ يتناول كل واحد منهما.
ثم قد ثبت بالسنة أن المراد بالكلالة الورثة، قال ﵊: «مَنْ تَرَكَ كَلالَةً أَوْ عِيالًا فَعَلَيَّ نَفَقَتُهُ» (٢)، يعني كلالة.
وعن عمر وابن عباس في رواية: الكلالة ما خلا الولد وإن كان هناك والد.
قال عطاء: سألت ابن عباس عن الكلالة؟ قال: ما عدا الولد، فقلت: إنهم يقولون ما عدا الولد والوالد، فغضب فقال: أهم أعلم أم الله؟ قال تعالى: ﴿يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤُا هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾.
والصحيح عنهما كقول الجماعة.
وللجمهور ما روى أبو سَلَمَةَ بن عبد الرحمن: أنه ﷺ سئل عن الكلالة فقال: «مَنْ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَا وَالِدٌ»، والمراد من الآية: ليس له ولد ومن يقوم مقام الولد، ألا ترى أن من له ولد ابن لا يكون كلالة لوجود من يقوم مقامه، فكذا من له أب لا يكون كلالة لوجود من يقوم مقام الولد.
والمراد: مَنْ ليس له ولد ولا والد جميعًا فإن اسم الولد مشتق من الولادة، ويطلق ذلك على الوالد لتولد الولد منه، وعلى الولد لتولده من الوالد، كاسم الذرية يتناول الأولاد والآباء، قال تعالى: ﴿حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾
стр. 7504
[يس: ٤١] يعني آباءهم فسمي به لأن الولد ذرئ منه، وسمي به الولد لأنه ذرئ من الأب، كذا في شرح فرائض السرخسي.
وسمي أولاد الأم بني الأخياف أخذا من: فرس أخيف، إذا كانت إحدى عينيه زرقاء والأخرى كحلاء، فينتمي بإحدى عينيه إلى شيء، وبالأخرى إلى شيء آخر، فكذا أولاد الأم من أصلين مختلفين كذا في شرح فرائض شيخ الإسلام.
وذكر أبو عصمة: أخذ من الخيف، وهو الشيء الذي يُسْتَر به السكين سُمُّوا بذلك لأنهم في خيف واحد.
والرابع: الزوج وله النصف إن لم يكن للميت ولد، أو ولد ابن وإن سفل، وإن كان فله الربع بالنص وهو قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَّمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٢] الآية، ولا خلاف فيه لأحد.
وفي المجتبى: قال مشايخ العراق: الحي يرث الحي، ولا امتنع ميراث الأزواج لانتفاء الزوجية بالموت، وقال مشايخ بلخ يرث من الميت، وإلا لكان العين الواحدة ملكًا لِلمُوَرِّثِ والوارث في حالة واحدة وإنه ممتنع.
وفائدة الخلاف فيمن قال لزوجته الأمة: إذا مات مولاك فأنت طالق ثنتين، فمات المولى ولا وارث له سوى الزوج، فعلى قول مشايخ العراق لا تَطلُقُ لتقدم الملك وفساد النكاح، وعلى قول مشايخ بلخ تطلق.
وأما النساء: فالأولى الأم، ولها أحوال ثلاث: السدس مع الولد، أو ولد الابن والاثنين من الأخوة والأخوات فصاعدًا من أي جهة كانا لأب وأم، أو لأب أو لأم لقوله تعالى: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ والولد يتناول الذكر والأنثى، وكذلك يتناول ولد الابن مجازا، قال تعالى: ﴿يَبَنِي آدَمَ﴾ [الأعراف: ٢٦]، وعند نزول الآية لم يبق أحد من صلب آدم، ولا خلاف فيه بين أهل العلم.
أما الاثنين من الإخوة فتحجب الأم من الثلث إلى السدس عند جمهور العلماء، وقد روي عن ابن عباس ومعاذ بن جبل ﵃: لا يحجبها من الثلث إلى السدس إلا ثلاثة لظاهر قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [النساء: ١١]، وأدنى الجمع المتفق عليه ثلاثة.
стр. 7505
روي عن ابن عباس قال لعثمان: ليس الأخوان إخوة في لسان قومك فلم تحجب بهما الأم، فقال عثمان: لا أستطيع أن أرد شيئًا كان قبلي، وقضي في البلدان وتوارث الناس به.
وقول عثمان يدل على الإجماع أن للاثنين حكم الثلاثة، ولأنه تعالى قال ﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾ [النساء: ١٧٦] فكذلك للإخوة والأخوات، للمثنى حكم الجمع في الحجب والاستحقاق جميعًا.
ثم السدس الذي يحجبه الإخوة للأب في قول عامة الصحابة وعن ابن عباس في رواية شاذة أن ذلك للأخوة، روى طاووس مرسلًا أنه عليه الصلاة السلام أعطى الإخوة السدس مع الأبوين، ولأن من لا يرث لا يحجب، ولهذا لو كانوا كفارًا أو أرقاء لا يحجبون.
ولنا قول عثمان وأنه بمنزلة الإجماع، ولأن قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ معناه للأب ما بقي لأنه معطوف على قوله ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء: ١١]، ثم المراد هنا للأب ما بقي، وحكم المعطوف حكم المعطوف عليه، كذا قيل وفيه نوع تأمل.
وأما الخبر فقد روي عن طاوس قال: لقيت ابن رجل من الإخوة الذين أعطاهم رسول الله ﷺ السدس مع الأبوين فسألته عن ذلك، فقال: كان ذلك وصية، فعلم أنه غير وارث وإلا لا تصح الوصية للوارث.
وأما قوله: أن من لا يرث لا يحجب إلى آخره غير صحيح؛ لأن الأخ وارث في حق الأم، بخلاف الرقيق والكافر، والأصح عن ابن عباس رجوعه إلى قول الجماعة فإن مذهبه في الجد مع الإخوة كمذهب الصديق فإنهم لا يرثون معه فمع الأب أولى.
ثم إن الإخوة يحجبون الأم إلى السدس عند أكثر العلماء، وعن الزيدية من الرافضة لا يحجبون لأن عند وجود الإخوة والأخوات لأب وأم، أو لأب يكثر عيال الأب فيحتاج إلى زيادة الإنفاق عليهم، والأم لا تحتاج إلى ذلك إذ ليس عليها نفقتهم، وهذا المعنى لا يوجد في إخوة الأم؛ لأن نفقتهم على الأم فهي تحتاج إلى زيادة مال لأجلهم فلا يثبت الحجب.
وللعامة قوله تعالى ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾، واسم الإخوة حقيقة
стр. 7506
للكل، وهذا حكم ثابت النص غير معقول المعنى ولهذا يحجبون الأم من الثلث إلى السدس بعد موت الأب ولا نفقة هاهنا.
والحالة الثانية: أن لها ثلث الكل عند عدم هؤلاء المذكورين لقوله تعالى: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثلث﴾.
والثالثة: لها ثلث ما بقي بعد فرض أحد الزوجين مع الأب، وذلك في مسألتين زوج وأبوين، أو زوجة مع أبوين، وهو قول عمر، وعلي، وابن مسعود، وهكذا روي عن عثمان، وزيد بن ثابت وجمهور الفقهاء والأئمة الثلاثة.
وجعل ابن عباس لها ثلث الكل في المسألتين، وهو رواية عن علي، وحكي ذلك عن شريح، وبه قال داود، والشيعة لظاهر قوله ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثلث﴾ فقد جعل الله لها عند عدم الولد والإخوة الثلث، فمن جعل لها ثلث ما بقي خالف النص.
عن معاذ بن جبل لها ثلث ما بقي في فريضة الزوج، وثلث الكل في فريضة الزوجة، وبه قال ابن سيرين، وأبو بكر بن الأصم (١)، وأبو ثور؛ لأن مع الزوج لو أعطيناها ثلث الكل بقي للأب السدس فيكون فيه تعصيبا على الأب ومع الزوجة لو أعطيناها ثلث الكل أربعة من اثني عشر بقي للأب خمسة فلا يؤدي إلى التفضيل.
وللعامة قوله تعالى: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُث﴾ معناه: لها ثلث ما ورثه أبواه إذ لو لم يحمل على هذا صار قوله ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثلث﴾ فضلا خاليا عن الفائدة، وقد كان يحصل البيان بقوله ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء: ١١] كما قال ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءَ فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾، وقال ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾، ولما قال هاهنا: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ﴾ عرف أنه تعالى جعل لها ثلث ميراث الأبوين، وميراث الأبوين ما بقي بعد فرض أحد الزوجين فلا يلزم مخالفة النص، بل ثبت بالنص كما ذكرنا بلا فرق بين زوج وزوجة.
стр. 7507
ولأن الصحابة اتفقوا على التسوية فلا معنى للتفريق.
ولها مع الجد مكان الأب ثلث الكل عند عامة الصحابة والعلماء، وعن أبي يوسف لها ثلث الباقي كما في الأب، وهو رواية عن أبي بكر، وعن ابن مسعود في صورة الزوج لئلا يلزم تفضيل الأنثى على الذكر كما قلنا.
وقلنا: التفضيل إنما يجوز عند المساواة في القرب، ولا مساواة بين الأم والجد في القرب؛ لأن الأم تتصل بالميت بلا واسطة، والجد بواسطة، ولهذا يحرم عن الميراث مع وجوده بخلاف الأم فأعطيناها ثلث الكل بظاهر قوله تعالى: ﴿وورثه أبواه فلأمه الثلث﴾ كما قال ابن عباس في صورة الأب، إلا أنا تركنا ظاهر النص في صورة الأب بإجماع الصحابة ضرورة أن لا تصير الأم مفضلة على الأب في الميراث مع استوائهما في القرب، ولا إجماع في صورة الجد ولا ضرورة لعدم مساواته لها في الدرجة.
وفي مثل هذا يجوز تفضيل الأنثى على الذكر كما لو ترك امرأة وأختا لأب وأم، وأخًا لأب، فللمرأة الربع وللأخت النصف، والباقي للأخ، وقد فضلنا الأنثى على الذكر لما كانت أقرب، كذا هنا، كذا ذكر شيخ الإسلام، والتمرتاشي.
ولأن الأم لها حقيقة الولادة، وللجد حكم الولادة فلم يعصبها فلا جرم استحقت فرضًا، والباقي للجد لأنها عصبة بخلاف الأب فإن له حقيقة الولادة فلا جرم عصبها، وفي العصبة لا تفضل الأنثى على الذكر.
والثانية: الجدة لأم أو لأب لها السدس عند عدم الأب بإجماع الصحابة والعلماء، وحكي عن ابن عباس رواية شاذة أنها بمنزلة الأم لأنها تدلي بها فقامت مقامها كالجد مقام الأب.
ولنا ما روى قبيصة بن ذؤيب: أن جدة جاءت إلى أبي بكر تطلب ميراثها، فقال أبو بكر: ما لك في كتاب الله شيء، وما أعلم لك في سنة رسول الله شيئًا، ولكن أرجع حتى أسأل، فقال المغيرة بن شعبة: حضرت رسول الله ﷺ أعطاها السدس، فقال أبو بكر: هل معك غيرك يشهد؟ فشهد له محمد بن مَسْلَمَةَ، فأمضى لها أبو بكر، ولما كان عمر جاءت الجدة الأخرى فقال: ما لك في كتاب الله شيء، وما كان القضاء الذي قضي في غيرك، وما أنا بزائد في
стр. 7508
الفرائض شيئًا ولكن هو ذلك السدس، فإن اجتمعتما فهو لكما، وأيتكما خلت به فهو لها، رواه في الموطأ، وأبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح (١).
وأما الجد فلا يقوم مقام الأب في جميع أحواله على ما ذكرنا، ولكن الجد أنقص حالا من الأم لما بين الأم والميت جزئية وبعضية ولا ولاد بينهما، وإذا كان كذلك فلا يجوز إلحاقها بالأم إلا بالنص ولم يوجد.
وفي الفرائض للجدات الثابتات والمتحاذيات لأم أو لأب السدس يشركن في السدس، والمراد بالثابتات لم يكن أصحاب الفروض (٢)، ومن الساقطات أن يكن من ذوي الأرحام.
والفصل بين الثابتة والساقطة عند الجمهور أن كل جدة دخل في نسبتها إلى الميت أب بين أُمين فهي ساقطة من أي جانب كانت، وكل جدة لم يدخل في نسبتها إلى الميت أب بين أُمين فهي ثابتة من أي جانب كانت، ويشركن في السدس بإجماع الصحابة والعلماء أيضًا.
وحكي عن داود أنه لا تورث أم أمّ أب الأب شيئًا لأنه لا يرثها فلا يورث هو لأنها غير مذكورة في الخبر.
وقلنا: أعطى النبي ﷺ ثلاث جدات، ومن ضرورته أن يكون فيها أم أم الأب أو من هي أعلى منها، وما ذكره داود قياس وهو لا يقول به، وأيضًا هو باطل بأم الأم فإنها ترثه ولا يرثها.
أما قوله: "ليست بمذكورة في الخبر" ينتقض بأم أُمّ الأُمِّ فإنها غير مذكورة، ومع ذلك [ترث] (٣)، وروي عن سعد بن أبي وقاص أنه لا يورث أكثر من جدتين، وحكي ذلك أيضًا عن سليمان بن يسار، وطلحة بن عبد الله بن عوف، وربيعة بن هرمز، وابن أبي ذؤيب، ومالك، وأبي ثور، وداود، وبه قال الشافعي في القديم.
стр. 7509
وروي عن علي، وابن مسعود، وزيد بن ثابت أنه لا يرث أكثر من ثلاث جدات، وبه قال مسروق والحسن، وقتادة، وأحمد، والأوزاعي، وإسحاق؛ لما روي أنه عليه الصلاة السلام ورَّث ثلاث جدات ثنتين من قبل الأب، وواحدة من قبل الأم، أخرجه أبو عبيد، والدارقطني (١).
وروي عن ابن عباس أنه ورث الجدات وإن كثرن إذا كن في درجة واحدة، إلا من أدلت بأب غير وارث كأم أب الأم، وبه قال عامة الصحابة، وابن سيرين، والثوري، والشافعي في رواية المزني عنه، والخرقي من أصحاب أحمد، وقولنا لأن الزائدة على الثلاث جدة أدلت بوارث فواجب أن ترث كإحدى الثلاث.
وما روى الدارقطني حكاية حال، ولا يدل على الحصر في الثلاث، وأجمع أهل العلم على أن الجدة المدلية بأب غير وارث لا ترث، وهي كل جدة أدلت بأب بين أُمَّيْنِ كأَمٌ أبِ الأُمِّ إلا ما حكي عن ابن عباس، وجابر بن زيد، ومجاهد وابن سيرين أنهم قالوا: ترث، وهو قول شاذ لا يعمل اليوم به، وهو غير صحيح.
ثم الأم تسقط كلهن بالإجماع، والأب الأبويات خاصة (٢)، يعني أم الأب لا ترث مع وجود الأب، وهو قول عثمان وعلي، وزيد بن ثابت، وأُبَيْ بنُ كعب، وسعد بن أبي وقاص، والشعبي، وطاوس، وهو مذهب أصحابنا، والشافعي، ومالك، وأحمد في رواية.
وقال أحمد في ظاهر مذهبه: ترث مع الأب، وبه قال شريح، وابن سيرين، والحسن، وجابر بن زيد والعنبري، وإسحاق، وابن المنذر، وكذا روي عن عمر، وابن مسعود، وأبي موسى الأشعري، وعمران بن حصين، وأبي الطفيل استدلالًا بما روى ابن مسعود أنه عليه الصلاة السلام أعطى الجدة السدس وابنها حي، أخرجه الترمذي (٣).
стр. 7510
وقال ابن سيرين: أول جدّة أطعمها رسول الله ﷺ السُّدس أُمُّ أب مع ابنها (١)، وروي أنه ﷺ أعطى أم حسكة السُّدس وحسكة حيّ (٢)، ولأن الجدات أمهات يرثن ميراث الأم لا ميراث الأب فلا يحجبن به كأمهات الأم.
وقلنا: إنها تدلي به فلا ترث معه كالجد مع الأب، وأم الأم مع الأم؛ لأن الميراث بحسب الإدلاء مع اتحاد [السبب] (٣)، ولهذا ترث أم الأم مع الأب لانعدام الإدلاء واتحاد السبب، ولأن الأب يحجب أباه مع أنه ذكر باعتبار أنه يدلي به، فكذا يحجب من يدلي به إذا كان أنثى.
وتأويل حديث ابن مسعود أن ابنها يحتمل أن يكون رقيقًا أو كافرًا، على أنه قال: "أعطى الجدة السدس وابنها حي"، ولم يتبين أن ابنها أب الميت، والحديث حكاية حال لا عموم له، فإذا دار بين كونه حجة وغير حجة سقط الاحتجاج به.
وحديث حسكة ما ثبت مرفوعًا إلى النبي ﷺ ، بل هو موقوف على عمر، ومذهبه عدم حجبه أمه، ولئن صح كونه مرفوعًا فتأويله والله أعلم أن أم حسكة يحتمل أن تكون مخصوصة، فإنه ﷺ خص بعض أصحابه بأشياء، ويحتمل أن يكون الميت أوصى بذلك، فإذا احتمل لا يبقى حجة لما ذكرنا.
وكذا بالجد تسقط الأبويات الأم لأب وإن علت فإنها ترث مع الجد؛ لأنها ليست من قبل الجد، وبه قال من قال بالأب يسقط الأبويات هذا إذا كان الجد أبا الأب، أما لو كان الجد أبا أب الأب فإنه يرث معه أبويتان؛ أم أب الأب، وأم أم الأب بهذه الصورة:
стр. 7511
وهذا إذا كان الجد أبا أب أب الأب فإنه يرث معه أبويات ثلاث أم أب أب الأب، وأم أم أب الأب، وأم أم أم الأب بهذه الصورة:
والأصل في هذا أنه ينظر إن كان هذا الجد من الميت بدرجة واحدة يرث معه أبوية واحدة، وإن كان معه بدرجتين ترث أبويتان، وإن كان بعده بثلاث درجات ترث معه ثلاث أبويات، وإن كان بأربع درجات ترث معه أربع أبويات، وكلما ازداد عنده بدرجة ازداد توريث أبوية.
والقربي تحجب البعدى وإن كانت من جهتين في قول عامة العلماء إلا ما روي عن ابن مسعود، ويحيى بن آدم، وشريك فالميراث بينهما؛ لأن الاستحقاق باسم الجدودة شرعًا، والقربى والبُعدى فيه سواء إلا أن تكون البعدى أمّ القُربى أو جَدَّتها فإنها حينئذ تحجب بالقربى؛ لأنها تدلي بها كالجدة أم الأب مع الأب.
والقربى من جهة الأم تحجب البعدى من جهة الأب عند عامتهم.
أما القربى من جهة الأب فهل تحجب البعدى من جهة الأم؟ فعندنا تحجب، وبه قال الشافعي في قول، وأحمد في رواية وأهل العراق، وهو قول علي ﵁، ورواية عن زيد.
وقال الشافعي في قول، وأحمد في رواية، ومالك، والأوزاعي، وزيد في رواية: لا تحجب، والسدس بينهما؛ لأن القربى إذا كانت من جهة الأم يظهر الترجيح في جانبها من وجهين زيادة القرب، وزيادة صفة الأمومة فهي أولى أما إذا كانت القربى من جهة الأب فلها ترجيح من وجه وهو زيادة القرب، وللتي من قبل الأم ترجيح من وجه وهو زيادة ظهور صفة الأمومة فاستويا فيكون الميراث بينهما.
ولنا أن الجدة ترث باعتبار الأمومة إذ هي الأصل، والمعنى الأصلي في
стр. 7512
القربى أظهر منه في البعدى من أي جانب كانت القربي؛ لأنها أصل أصل الميت (١)، فإذا كان كذلك تحجب القربى البعدى كما في الآباء والأبناء والإخوة والبنات.
ثم القربي تحجب البعدى عندنا سواء كانت وارثة أو لا، فإن أم الأب مع الأب محجوبة، وتحجب أمُّ الأمّ المال كله للأب؛ لأن القربى محجوبة بالأب، وقال الحسن بن زياد: على قياس قول عليّ، ميراث الجدات لأم أم الأم وإن كانت أبعد من أمّ الأب؛ لأن على قول عليّ: القربى إنما تحجب البعدى إذا كانت وارثة، أما إذا كانت [غير] (٢) وارثة لا تحجب كما لو كانت محرومة برق أو كفر.
وعندنا المحجوب يحجب، والمحروم لا يحجب، ولأن المحروم ليس بأهل للميراث من كل وجه فيجعل كالميت في حق استحقاق الميراث والحجب، أما المحجوب فإنه أهل للميراث من وجه دون وجه فيجعل كالميت في حق استحقاق الميراث، وكالحي في استحقاق الحجب فيحجب غيره.
وإذا كانت جدة ذات قرابة والأخرى ذات قرابتين أو أكثر فعند أبي يوسف لا عبرة لكثرة الجهة ويكون السدس بينهما نصفين، وبه قال الشافعي، ومالك، والثوري.
وقال محمد، والحسن بن زيد، وزفر: السدس بينهما أثلاثاً باعتبار الجهات، وبه قال أحمد، والحسن بن صالح، ويحيى بن آدم، وبعض أصحاب الشافعي.
وقال شمس الأئمة السرخسي: لا رواية عن أبي حنيفة فيه، ولكن ذكر في كتاب أصحاب الشافعي قوله مع أبي يوسف.
وجه قول محمد أن الاستحقاق باعتبار الأسباب لا باعتبار الأشخاص، ولهذا جعل الكافر والرقيق كالمعدوم في الاستحقاق باعتبار عدم الأسباب لا باعتبار عدم الأشخاص، فإذا كان كذلك فمن اجتمع في حقه سببان - وهو شخص واحد صورةً ولكن في الحكم متعدد باعتبار تعدد السبب - فيثبت له الاستحقاق باعتبار كل سبب.
стр. 7513
ونظيره ما لو ترك ابني عمّ أحدهما أخٌ لأمّ فإنه يأخذ السدس بالفرضية، والباقي بينهما بالعصوبة، وكذلك المجوسي لو ترك أمة وهي أخته لأبيه فإنها ترث بالسببين جميعًا، وكذا الأب مع البنت تأخذ السدس بالفرضية والباقي بالعصوبة.
وجه قول أبي يوسف أن الاستحقاق للجدات ليس باعتبار الإدلاء إذ الإدلاء بالإناث يؤثر في استحقاق الفريضة بمثل سبب المدلى به، ولكن الاستحقاق باسم الجدة وبتعدد الجهة لا بتعدد اسم الجدة؛ لما أن التي لها قرابتان أو قرابات يقال لها: جدة، كما في التي لها قرابة واحدة، بخلاف ابن عم نحو أخ لأم فإن هناك يتعدد الاسم بتعدد الجهة، فجهة الأخوّة عند جهة العمومة فاختلفت جهة الاستحقاق.
أما هاهنا كل جهة سبب للاستحقاق وعلة تامة في الاستحقاق، وبتعدد العلة لا يزداد الاستحقاق، كما لو أقام رجلين شاهدين، وأقام آخر عشرا من الشهود فإنه يستوي بينهما، وكذا من جرح رجلًا عشرًا والآخر واحدًا فمات من ذلك فالدية بينهما نصفان.
فإن قيل: يعتبر الإدلاء في الحجب بالاتفاق فينبغي أن يعتبر في الميراث.
قلنا: حكم الحجب غير حكم الميراث، والاستدلال بحكم على حكم إنما يجوز إذا عرفت المساواة بينهما، بخلاف ما استشهد به فإن هناك كل واحد من السببين معتبر في الاستحقاق، فالأخوة في الفريضة، والعمومة في العصوبة، وكذا في أختية، فجعلنا الاستحقاق مبنيا على السبب بخلاف ما نحن فيه، كذا في شرح السرخسي.
وصورة المسألة: امرأة لها بنت ولبنتها بنت، ولها ابن، ولابنها ابن، وأمّ امرأة وهي أم أم ابنه فزوجت بنت بنتها من ابن ابنها فولد بينهما ولد، فهي أم الأم لهذا الولد من قبل بنتها، وأمُّ أب الأب لهذا الولد من قبل أبيها، وأم امرأة ابنها أم أم الأب لهذا الولد، بهذه الصورة:
стр. 7514
ولو زوجت هذه المرأة ابن بنتها بنت بنتها فولد بينهما ولد فهي أم أم أمِّه، وأم أم أبيه، وإن أدلت الجدة بثلاث جهات ترث لم يمكن أن يجتمع معها جدة أخرى وارثة عند من لا يُوَرّث أكثر من ثلاث، وعندنا يمكن كأم أم أب الأب، وأم أم أم أم، وهي أيضًا أم أم أم الأب، وهو أيضًا أم أب الأب، بهذه الصورة:
فعند محمد لذات الجهة الواحدة ربع السدس، ولذات الجهات الثلاث ثلاثة أرباع السدس، وعند أبي يوسف بينهما نصفان.
وصورتها: أن يكون للزوجة الأولى بنت بنت أخرى والمولود ذكر، فزوجت بنت بنت بنتها من هذا الولد فولد بينهما ولد فتلك الزوجة جدة لهذا المولود الثاني بثلاث قرابات الثالثة البنت [وللواحدة] (١) النصف، وللبنتين أو أكثر الثلثان.
أجمع أهل العلم على أن [فرض] (٢) الاثنتين الثلثان إلا رواية شاذة عن ابن عباس أن لها النصف كواحدة لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءَ فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ [النساء: ١١]، فمفهومه أن ما دون الثلاث لا يكون لها الثلثان، ولأن ميراث الواحدة منصوص، وميراث الثلاث منصوص فاعتبارهما بالواحدة أولى؛ لأن في اعتبارهما بالثلاث اعتبار شرط منصوص عليه وهو أن يكون الباقون اثنتين، وإشارة قوله تعالى: ﴿فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١٧٦] يدل عليه، فإن من ترك ابنا وبنتين فلهما النصف.
والصحيح قول الجماعة؛ لأنه ﷺ قال لأخي سعد بن الربيع: «أَعْطِ ابْنَتَيْ سعد الثلثين» (٣)، ولأنه تعالى قال في الأخوات: ﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ﴾
стр. 7515
مَا تَرَكَ فبدلالته يثبت للبنتين الثلثان لأنهما أقرب منهما، ولأن قوله تعالى: ﴿فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ﴾ يدل على ذلك لأن أدنى الاحتياط أن يجتمع ابن وبنت، وللابن هنا الثلثان بالاتفاق، فعرفنا أن حظ البنتين الثلثان، وكان ما أمر النبي ﷺ لأخي سعد تفسير الآية.
وإنما قال: ﴿فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾ وإن كان حكم الاثنتين كذلك دفعا لوهم من يتوهم أن بزيادة بنت واحدة زاد سدس، فكلما ازدادت بنت يزداد سدس حتى يستوفى جميع المال فقال حكم فوق الاثنتين كذلك وهو الثلثان، كذا قيل. وعلم بتفسير النبي ﷺ أن كلمة فوق صلة كما في قوله: ﴿فَأَضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾ [الأنفال: ١٢]، أي: اضربوا الأعناق، ولهذا قال جميع الصحابة به إلا ابن عباس كما ذكرنا.
وقيل: في الآية تقديم وتأخير، أي: اثنتين فما فوقهما، وكما في قول الشاعر (١):
فمَنْ يَكُ أَمْسَى بالمدينةِ رَحْلُهُ … فإِنِّي وَقيَّارٌ بهَا لغَرِيب
أي: إني بها لغريب وقيار كذلك.
وقلنا: من انتفاء الشرط لا يلزم انتفاء الحكم، بل يمكن أن يثبت الحكم بدليل آخر وقد ثبت هنا بما ذكرنا.
وأما اعتبارهما بالواحدة فقلنا: اعتبارهما بالثلاث أولى؛ لأن بينهما معنى الجمعية والعددية، ولهذا جعل للاثنين حكم الثلاث في كثير من المواضع، أما الواحدة ليست بجمع ولا عدد، ألا ترى أن شهادة الاثنين تقبل كشهادة الثلاث دون شهادة الواحد، وأما قوله ومع الابن: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١] إلى آخره.
стр. 7516
وقلنا: هذا بيان أن الابن يعصبهن، وبيان لنصيب الابن ولم يقدر نصيب البنات عند الاجتماع، والرابعة بنات الابن من كالصلبيات عند عدمهن، ولهن السدس مع صلبية واحدة تكملة للثلثين، كذا الحديث.
ولا يرثن مع الصلبيتين أو أكثر إلا أن يكون بإزائهن أو أسفل منهن ذكر تعصيبهن فجعل الباقي بينهم ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْن﴾، وهو قول علي، وزيد، وعامة الصحابة، والأئمة الثلاثة، وجمهور الفقهاء.
وروي عن ابن مسعود ﵁ أن الباقي للذكر دون أخواته، وقد خالف الصحابة، وهو قول أبي ثور.
ووجه قوله أنه تعالى اعتبر في ميراث البنات أحد الحكمين إما الثلثان للاثنتين بقوله: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءَ فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾، وإما القسمة حالة الاختلاط بالذكر لقوله: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْن﴾، ولو جعلنا الباقي ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْن﴾ لزم الجمع بين الحكمين في حالة واحدة وهو متعذر، أما أثبتنا الاستحقاق للذكور بقوله ﷺ : «ما أبْقَتْهُ الفرائض فلأَوْلَى رَجُلٍ ذكر» (١)، ولأنه تعالى جعل للبنات الثلثين وإن كثرن، فلو قلنا إن الباقي بعد الثلثين بينهم للذكر مثل حظ الانثيين لزاد حق البنات على الثلثين، ولا يجوز ذلك؛ لأنه ﷺ قال: «لا تُزادُ البنات على الثلثين وإنْ كَثُرْنَ»، ولأن الأنثى إنما تصير عصبة بالذكر إذا كانت صاحبة فرض عند الانفراد كالأخوات والبنات، فإذا لم تكن صاحبة فرض فلم تصر عصبة بالذكر كبنات الإخوة مع بني الإخوة، وبنات العم مع بني العم.
وللعامة عموم قوله تعالى: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْن﴾ [النساء: ١١] فإن بنات الابن عند عدم الصلبية في الاستحقاق كبنات الصلب بالإجماع وهاهنا لما أخذت بنات الصلب الثلثين خرجن من البين، وصار فيما بقي كأنه ليس هناك بنت فيكون الحكم فيما بقي كالحكم في الجميع إذا لم يكن هناك بنات الصلب، وبهذا تبين أن لا يجمع بين الحكمين في محل واحد، بل في كل محل أحد الحكمين.
стр. 7517
ألا ترى أن الذكر من أولاد الابن يعصب الأنثى في درجته في حكم الحرمان ففيما إذا ترك مع الزوج أبوين وبنتا، أو بنت ابن فلبنت الابن السدس، ولو كان مع بنت الابن ابن الابن في هذه الصورة لم يكن لها شيء لأنها تصير عصبة به، ولما كان يعصبها في الحرمان فلأن يعصبها في حكم الاستحقاق كان أولى؛ لأن التعصيب في الأصل الاستحقاق لا الحرمان.
وأما الآية والحديث فنقول: إنما يزيد حق البنات على الثلثين إذا كان يضم ما أصاب بنت الابن إلى نصيب الصلبيتين، ولا يضم إلى ذلك، بل هما مستحقتان بالفرض، وابنة الابن بالتعصيب لا بالفرض وهما سببان مختلفان.
وأما قوله: (بنت الابن لم تكن مستحقة لشيء عند الانفراد فلم تصر عصبة به) ممنوع فإنها مستحقة عند صلبية واحدة، وعند الصلبيتين تصير محجوبة باعتبار استكمال البنات الثلثين فتصير عصبة مع ذكرها، ولا كذلك العمة مع العم، وبنات الإخوة مع بني الإخوة لأنهم [من] (١) ذوي الأرحام، هذا إذا كان الثلاثة بحذائهن.
أما إذا كان أسفل منهن فظاهر المذهب عندنا، والأئمة الثلاثة وأكثر العلماء أن الحكم كذلك فيعصب من فوقه من البنات بشرط أن لا يكن ذوات فرض، ويسقط من أنزل منهن.
وقال بعض المتأخرين: الباقي خاصة هاهنا، وهو قول أبي بكر الأم لأب الأنثى إنما تصير عصبة بذكر في درجتها لا بذكر هو دونها في [الدرجة] (٢).
ألا ترى أن البنت لا تصير عصبة بابن الابن إذا ترك بنتًا واحدة صلبية وبنت ابن وابن ابن ابن، فإن بنت الابن لا تصير عصبة بابن ابن الابن فكذلك مع البنتين لما أن ذكرًا لو بعد بدرجة، أو جعل البنت التي هي أقرب منه بدرجة عصبة صار الذكر محروما؛ لأن في ميراث العصبات الأقرب مقدم على الأبعد ذكرا كان أو أنثى.
стр. 7518
ألا ترى أن الأخت لما صارت عصبة مع البنت كان الباقي لها دون ابن الأخ، وإذا صار محروما لا يعصب أحدًا.
وجه قول العامة أن هذه الأنثى لو كانت في درجة الذكر كانت عصبة معه، فإذا كانت أقرب منه بدرجة كان أولى؛ لأن تأثير القرب في قوة سبب الاستحقاق لا في الحرمان، وفي هذا بيان أن التعصيب كان لمعنى النظر للأنثى فلا يتحقق ذلك في ابنة الصلب مع ابن الابن؛ لأن بالتعصيب هناك ينتقص حقها؛ لأنه يصير المال بينهما ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ﴾، فنصيب البنت الثلث، وبدون التعصيب حقها النصف.
وكذا حق ابنة الابن مع ابنة الصلب فإن التعصيب هناك بابن ابن الابن لا يزداد نصيبها بحال، وقد يؤدي إلى حرمانها في بعض الأحوال؛ لأن الصلبية إذا كانت واحدة فحق بنت الابن معها السدس بدون التعصيب، ولو صارت عصبة لا يزداد نصيبها فإن الباقي من النصف وهو النصف يقسم بينهما ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ﴾، سهم لبنت الابن، وسهمان لابن ابن الابن كما في غير حالة التعصيب.
فأما التعصيب هاهنا توفير المنفعة على بنت الابن باعتبار زيادة القرب.
يوضحه أن من كانت في درجة الذكور من الإناث هاهنا تستحق شيئًا، فالقول بأن الأبعد من البنات يستحق، والأقرب يصير محروما فشبه المحال فلا يصار إليه، كذا في شرح السرخسي.
صورة المسألة: ترك ثلاث بنات ابن بعضهن أسفل من بعض، وثلاث بنات ابن ابن آخر بعضهن أسفل من بعض، وثلاث بنات ابن ابن ابن آخر بعضهن أسفل من بعض، وذلك إذا كان لابن الميت ابن وبنت، ولابن ابنه ابن وبنت، ولابن ابنه ابنة ابن وبنت، فمات البنون وبقي البنات، فكذا ثلاث بنات ابن ابن، وكذا ثلاث بنات ابن ابن ابن على هذه الصورة:
стр. 7519
فالعليا من الفريق الأول ليس في موازاتها أحد، والوسطى (ع) من الفريق الأول يوازيها العليا (م) من الفريق الثاني، والسفلى من الفريق الثاني يوازيها الوسطى من الفريق الثالث، والسفلى من الفريق الثالث لا يوازيها أحد.
فللعليا من الفريق الأول النصف، وللوسطى من الفريق الأول والعليا من الفريق الثاني السدس تكملة ثلثين لاستوائهما في الدرجة، ولا شيء للباقيات، فإن كان مع العليا من الفريق الأول غلام فالمال بينه وبينهما ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ﴾، وسقط الباقيات، وإن كان مع الوسطى من الفريق الأول فالنصف للعليا من الفريق الأول والباقي بين الغلام وبين من في درجته ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ﴾ الآية.
فإن كان الغلام مع السفلى من الفريق الأول والباقي الأول والسدس للوسطى منه مع من يوازيها تكملة الثلثين والباقي بين الغلام وبين من يوازيه للذكر مثل حظ الأنثيين، فيكون أصل المسألة من ستة.
فالنصف مستقيم على العليا، والسدس لا يستقيم على الوسطى مع من يوازيها فأخذنا جميع عدد رؤوسها، والباقي سهمان ولا يستقيمان على خمسة ولا موافقة، بقي رؤوس الموقوفة اثنان وخمسة، فاضرب الاثنين في الخمسة.
ثم المبلغ في أصل المسألة يبلغ ستين فبها تصح المسألة، وكذا إن كان الغلام مع الوسطى من الفريق الثاني، أو العليا من الفريق الثالث ويخرج الباقي
стр. 7520
كما عرف في مسألة التصحيح ويسقط الباقيات.
وإن كان الغلام مع السفلى من الفريق الثاني فالنصف للعليا من الفريق الأول والسدس للوسطى منه ولمن يوازيها، والباقي بين الغلام وبين من يوازيه وهو أعلى منه ممن لا فرض [له] (١) ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ﴾ ويسقط الباقيات.
وعلى هذا الأصل أن بنت الابن تصير عصبة بابن الابن سواء كان في درجتها أو أسفل منها إذا لم تكن صاحبة فرض؛ لأن الجارية التي توازي الغلام إنما ترث بسببه بعد استكمال الصليبيات الثلثين؛ لأنها لولاه لما ورثت فلأن ترث بسببه جارية أقرب منه إلى الميت كان أولى.
أما صاحبة الفرض فقد استقلت (٢) بفرضها فلا تصير تابعة لمن هو دونها في الدرجة في الاستحقاق، ولا يعلم فيه خلاف في هذا بين القائلين بتوريث بنات الابن مع بني الابن بعد استكمال الثلثين، وسميت هذه المسألة مسألة التشبيب أخذا من تشبيب الشاعر القصيدة وهو تحسينها وتزيينها بذكر التشبيب في أولها، ويشحذ خاطر السامع، ثم يتخلص من ذلك إلى مدح ممدوحه فيكون ذلك ألذ للسامع، فكذا هذه المسألة تشحذ الخاطر ويتلذذ السامع في استماعها.
أو أخذا من قولهم: شبب النار، إذا أوقدها، سميت بذلك لأن في استخراجها تذكية للخواطر.
أو أخذا من شباب الفرس؛ لأنه خروج وارتفاع من درجة إلى درجة كحال الفرس في نزواته.
ويسقطن بنات الابن كلهن بالابن الصلبي وكذا بنو الابن يسقطون بالصلبي الخامسة الأخوات لأب وأم وهن كالبنات عند عدمهن، فللواحدة النصف، وللأكثر الثلثان بالنص، قال تعالى: ﴿وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ [النساء: ١٧٦]، وقال تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾، ولا خلاف لأحد فيه.
стр. 7521
وتتعصب بأخيها أو بالبنت أو بنت الابن لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِّجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ﴾، ولقوله ﷺ : «اجْعَلُوا الأخوات مع البناتِ عَصَبةً» (١)، وهذا قول الصحابة وجميع الفقهاء.
وقد روي عن ابن عباس ومن تبعه أن الأخوات لا يصرن عصبة مع البنات، فقال في بنت وأخت: للبنت النصف، ولا شيء للأخت، قيل له: إن عمر قضى بخلاف ذلك حيث جعل الباقي للأخت فغضب، وقال: أنتم أعلم أم الله، يريد قوله: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ﴾.
قال الزهري: مراده أنه تعالى جعل للأخت النصف بشرط عدم الولد، وأنتم تجعلون لها النصف مع الولد، فإن اسم الولد حقيقة للذكر والأنثى، ولأن الأخت لو ورثت مع البنت فإما أن ترث بالفرض أو بالتعصيب، ولا يجوز أن ترث بالفرض لأنه تعالى علق توريثها بالفرض على عدم الولد، وهاهنا ولد.
ولا يجوز بالتعصيب أيضًا لأنها لا تكون عصبة بنفسها؛ لأنها أنثى والعصبة من يكون ذكرًا، ولا يجوز أن تصير عصبة بالابنة لأن الابنة ليست بعصبة بنفسها فكيف تعصبها.
وقلنا: المراد بالولد في الآية الابن بدليل ما عطف عليه من قوله: ﴿وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَّمْ يَكُنْ لَّهَا وَلَدٌ﴾ فإن المراد هناك الابن بالاتفاق، حتى إن الأخ يرث بالابنة.
وعلى قياس قول ابن عباس ينبغي أن يسقط الأخ لاشتراطه في توريثه منها عدم ولدها، وقوله ﷺ : «اجْعَلُوا الأخوات مع البناتِ عَصَبَةً» مُبَيِّنًا لكلام الله تعالى مع أن في الآية تعليق توريث الأخت بالفرض بعدم الولد، وبه نقول، وليس فيها تعليق توريث الأخت بالعصوبة بل مسكوت عنه فيكون موقوفًا على قيام الدليل عليه وقد قام.
وأما قوله: (لا يجوز أن ترث بالتعصيب) إلى آخره، فقلنا: إنها صارت
стр. 7522
عصبة بنفسها بقرابة الأب (١) ضرورة أن الأقرب ولد الجد مع وجود ولد الأب، إليه أشار شمس الأئمة، وشيخ الإسلام في شرحيهما.
السادسة: الأخوات لأب، وهن كالأخوات لأب وأم عند عدمهن لما عرف من النصوص في الأخوات لأب وأم، ولهن السدس مع الأخت الواحدة لأب وأم تكملة للثلثين؛ لأن حق الأخوات الثلثان، وقد أخذت الواحدة النصف فبقي سدس إلى تمام الثلثين، ولا ترث مع الأختين لأب وأم لأنه كمل الثلثان، إلا أن يكون معهن أخ لأب فيعصبهن، والباقي بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين، وهو قول عامة الصحابة والفقهاء خلافا لابن مسعود لما روينا من النصوص في الجانبين في بنات الابن مع بنات الصلب، لأن ميراث الإخوة والأخوات أجري مجرى ميراث أولاد الصلب، وميراث الإخوة والأخوات لأب أجري مجرى ميراث أولاد الابن، ذكورهم مقام ذكورهم، وإناثهم مقام إناثهم، ويصرن عصبة مع البنات أو بنات الابن خلافا لابن عباس كما ذكرنا في الأخوات لأب وأم.
ثم بنو الأعيان والعلات كلهم ذكرهم وأنثاهم يسقطون بالابن، أو ابنه وإن سفل (٢)، وبالأب بإجماع أهل العلم لما مر أن شرط توريثهم عدم الابن في الآية.
وأما سقوطهم بالجد عند أبي حنيفة، وهو قول أبي بكر وسيأتيك في فصل مقاسمة الجد، وسموا الإخوة والأخوات لأب وأم: بني (٣) الأعيان؛ لأن عين الشيء أتم ما يكون منه، وتمام الاتصال من الجانبين في حقهم.
وقيل: سموا بذلك لأن العين خيار الشيء، فعلى كلا التقديرين الإضافة إضافة بيان عند البصريين فإنهم لا يجوزون إضافة الموصوف إلى الصفة خلافا للكوفيين، وسموا الأخوات والإخوة لأب بني العلات؛ لأن العلة الضرورة يعني أنهم لأب واحد وأمهات شتى، قال ﵇: «الأنبياء بنو علات - يعني أمهاتهم مختلفة - ودينهم واحد» (٤)، ثم بنو العلات يسقطون ببني الأعيان أيضا كما ذكرنا أن ميراثهم مع بني الأعيان أجري مجرى ميراث أولاد الابن مع
стр. 7523
أولاد الصلب.
السابعة: الأخوات لأم، وقد ذكرنا حكمهن (١) في الإخوة لأم (٢).
الثامنة: الزوجة، ولها نصف ما للزوج في الحالين، وقد مر في الزوج.
فصل في العصبات
هي جمع عصبة، والعصبة لغة: قرابة الرجل لأبيه، وكأنها جمع عاصب وإن [لم] (٣) يسمع به من عصب القوم بفلان إذا أحاطوا حوله، ثم سمي [به] (٤) الواحد والجمع والمذكر والمؤنث للغلبة.
وقالوا في مصدرها: العصوبة، والذكر يعصب الأنثى أي: يجعلها عصبة، كذا في المغرب.
وفي الصحاح: العصبة واحدة العصب والأعصاب، وهي أطناب المفاصل، وعصبة الرجل بنوه وقرابته لأبيه، وإنما سموا عصبة؛ لأنهم عصبوا أي: أحاطوا به، فالأب طرف، والابن طرف، والعم جانب، والأخ جانب، والجمع العصبات.
العصبة نوعان: نسبية، وسببية.
فالنسبية ثلاثة أنواع: عصبة بنفسه، وعصبة بغيره، وعصبة مع غيره.
أما الأول: فكل ذكر لا يدخل في نسبته إلى الميت أنثى، وهم أربعة أصناف:
جزء الميت أي: البنون ثم بنوهم وإن سفلوا.
ثم أصل الميت أي: الأب يقدم الأقرب على الأبعد، فالجزء أقرب من الأب؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١١] قدم الابن على الأب في التعصيب؛ فيقدم على من بعده بالطريق الأولى، ثم ابن الابن وإن سفل؛ لتناول اسم الولد إياهم.
стр. 7524
وروي عن أبي بكر وعلي وابن مسعود وابن عباس وزيد بن ثابت أنهم قالوا: أقرب العصبات الابن، ثم ابن الابن، ولا يقال: إن (١) الأب أقرب من ابن الابن [فيحجب تقديمه] (٢) عليه؛ لأنا نقول: وإن كان أقرب إلا أن الأب صاحب فرض مع الابن وبنيه، والاعتبار في الترجيح [للاستحقاق] (٣) بجهة التعصيب لا بالفرض.
ألا ترى أن ابن الأخ لأب يرث مع الأخت لأبوين وإن كانت هي أقرب وأقوى جهة لاختلاف جهتي الاستحقاق، ثم الجد الصحيح والأب وإن علا وفيه خلاف يأتي في فصل المقاسمة.
ثم جزء أبيه أي: الإخوة لأب وأم، ثم لأب، ثم بنوهم وإن سفلوا.
ثم جزء جده أي: الأعمام لأب وأم، ثم هذا الترتيب فيرتبون في الميراث كذلك، وكذلك في ولاية النكاح، وإذا اجتمعت العصبات يقدم في الإرث بقربهم؛ لقوله ﷺ : «فَلِأَوْلَى (٤) عَصَبَةٍ ذَكَرٍ».
ولأن العلة في إرثه إنما هي القرب، والعلة في الأقرب أكمل؛ فيقدم كما في النكاح.
وقد روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنه ﵊ جعل المال للأخ لأب وأم، ثم للأخ لأب، ثم لابن الأخ لأب وأم، ثم لابن الأخ لأب، وساق ذلك في العمومة، ومن كان منهم لأبوين فهو أولى ممن كان لأب؛ لقوة قرابته، ولقوله ﵊: «إِنَّ أعيانَ بَنِي الأب والأم يتوارثون دونَ بَنِي العَلَّاتِ»، ولا يعلم فيه خلاف.
ولهذا جعلت الأخت لأب وأم إذا صارت عصبة مع البنت أو بنت الابن أولى من الأخ لأب، خلافًا لابن عباس وقد مر.
وأما الثاني: وهو العصبة بغيره بأربع من النساء اللاتي فرضهن النصف والثلثان إحداهن البنت والثانية بنت الابن والثالثة الأخت لأب وأم،
стр. 7525
والرابعة الأخت لأب كما ذكرنا؛ لقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] الآية.
وأما الأخوات فلقوله ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِّجَالًا وَنِسَاءً﴾ كما ذكرنا، ثم اعلم أنه لا يشارك أحد من العصبات أحدًا من أهل الفرض في فرضهم إلا بنو الأعيان، فإنهم يشاركون لبني الأخياف في ثلثهم في المشركة، وهي زوج وأم، أو جدة واثنان من ولد الأم، وبنو الأعيان واحدًا كان أو أكثر، فللزوج النصف، وللأم أو الجدة السدس، وللاثنين من ولد الأم الثلث، ولم يبق شيء لبني الأعيان؛ لأنهم عصبة، ولم يشارك لبني الأخياف في الثلث، وما بقي لهم عندنا وأحمد، وهو قول علي، وابن مسعود، وابن عباس، وأُبي بن كعب، وأبي موسى الأشعري، والشعبي، والعنبري، وشريك، ويحيى بن آدم، ونعيم بن حماد، وأبي ثور، وابن المنذر.
وقال الشافعي ومالك: يشاركهم في الثلث، فقسموه بينهم بالسوية ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ﴾، وهكذا عن عمر، وعثمان، وزيد بن ثابت، وشريح، وابن سيرين، وإسحاق؛ لأنهم ساووا ولد الأم في القرابة التي يرثون بها؛ فيجب أن يساووهم في الميراث، فإنهم جميعًا من ولد الأم، وقرابتهم من جهة الأب إن لم يزددهم قربا واستحقاقا فلا ينبغي أن يسقطهم.
ولهذا قال بعض الصحابة أو بعض ولد الأبوين لعمر: يا أمير المؤمنين، هب أن أباهم كان حمارًا فهم من أم واحد [ة].
وحرره بعض (١) أصحاب الشافعي فيها قياسًا، فقال: فريضة جمعت ولد الأبوين وولد الأم، وهم من أهل الميراث، فإذا ورث ولد الأم وجب أن يرث ولد الأبوين، كما [لو] (٢) لم يكن فيها زوج.
ولنا قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتُ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ [النساء: ١٢]، ولا خلاف أن المراد بهذه الآية ولد الأم على الخصوص، فمن
стр. 7526
شرك بينهم لم يعط كل واحد منهما حقه، كان مخالفًا لظاهر النص وقوله ﷺ : «ألحقوا الفرائض بأهلها».
ولأن ولد الأبوين عصبة لا فرض لهم، وقد تم المال بالفروض، فوجب أن يسقطوا كما لو كان مكان ولد الأم ابنتان، ولأن الإجماع منعقد على أنه لو كان في هذه المسألة واحد من ولد الأم ومائة من ولد الأبوين لكان للواحد السدس، وللمائة السدس الباقي، فإذا جاز أن يفضلهم الواحد هذا الفضل كله لم يجز للاثنين إسقاطهم.
وأما قولهم: تساووا في قرابة الأم فتساووا في الميراث منتقض بما قلنا الآن في مسألة الواحد من ولد الأم، على أنا نقول نعم تساووا في قرابة الأم لكن فارقوهم في كونهم عصبة من غير ذوي الفروض، فالشرع ورد بتقديم ذوي الفروض على العصبة كما قلنا في مسألة الواحد من ولد الأم.
وما ذكره من القياس طردي لا معنى تحته، قيل: القياس ما قال علي، والاستحسان ما قال عمر.
قلنا: هذا استحسان مخالف للآية والحديث كما قلنا، والعجب من الشافعي أنه قال: من استحسن فقد شَرَّع، وقد عمل به مع كونه مخالفًا للكتاب والسنة، ويلزمهم في زوج وأخت من أبوين وأخت من أب مع أخيها أن الأخ يسقط وحده وترث أخته السُّبُعَ؛ لأن قرابتها مع وجود أخيها كقرابتها مع عدمه، وهو لم يحجبها فهلا عدوه حمارًا أو ورثوها معه كميراثها مع عدمه، وسميت حمارية ومشركة لما ذكرنا.
هب أبانا أنه حمار، ومن لا فرض له من الإناث لا تتعصب مع أخيها كالعمة مع العم، فالمال كله للعم، وكذا ابن العم مع بنت العم، وبنت الأخ مع ابن الأخ؛ لأن النص ورد في أن الإناث يَصِرْنَ عصبة بالذكور في الموضعين البنات بالبنين، والأخوات مع الإخوة.
وقال تعالى في حق الأولاد ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١]، وقال تعالى في حق الإخوة ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً﴾ [النساء: ١٧٦] الآية، فمن كان في معنى هذين الفريقين فالنص متناول له.
أما من لا فرض له من الإناث فليس في معنى من له فرض، فلا يتناول
стр. 7527
النص، وإن الأخت إنما تصير عصبة بأخيها إذا كانت صاحبة فرض حالة الانفراد حتى ينتقل حقها من الفرض إلى العصوبة، فأما أن (١) يوجب لها حقا لم يكن ثابتا في الأصل فلا، ولأن الأنثى إنما تصير عصبة بأخيها كي لا يؤدي إلى تفضيل الأنثى على الذكر أو المساواة، وهذا لا يوجد فيمن لا فرض له حالة الانفراد.
وأما الثالث: وهي العصبة مع غيره، فكل أنثى تصير عصبة مع أنثى أخرى كالأخت مع البنت كما ذكرنا، وهو قوله ﵊: «اِجْعَلُوا الأخوات مع البناتِ عَصَبَةً».
والفرق بين العصبة بغيره ومع غيره أن الباء للإلصاق، والإلصاق يقتضي الملصق والملصق به، وذا لا يتحقق إلا عند المشاركة في الاستحقاق؛ فيكون ذلك الغير عَصَبَةٌ بخلاف كلمة " مع " فإنها للقِرَانِ، والقران يتحقق بينهما بغير المشاركة؛ فلا يكون ذلك الغير عَصَبَة، كذا قيل.
وذكر الصحائفي: العَصَبَةُ بغيره هو الذي يصير عصبة بعصبة بنفسه، والعصبة مع غيره هو الذي يصير عصبة مع عصبة بغيره، فإن الأخت تصير عصبة مع البنت، والبنت عصبة بأخيها.
قال شيخي العلامة: هذا لا يستقيم؛ لأن البنت عند عدم الابن لا تكون عصبة، ومع الابن لا تصير الأخت عصبة منها.
فإن قيل: جعل الأخوات مع البنات عصبة بخلاف القياس بالنص، فيقتصر على مورد النص، وهو قوله ﷺ : «اِجْعَلُوا الأخوات مع البناتِ عَصَبَةً»، فينبغي أن لا تصير الأخت الواحدة عصبة مع بنت واحدة.
قلنا: هذا مقابلة الجمع بالجمع يقتضي انقسام الآحاد على الأحاد، ولأنه ﷺ أدخل اللام في الجمع ولا معهود، فصار اللام للجنس، وبطل معنى الجمعية كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ﴾ [الأحزاب: ٥٢]، فكان تقديره اجعلوا جنس الأخوات مع جنس البنات عصبة، فيستوي فيه الواحد والجمع، وإذا اجتمعت العصبات وهم في درجة واحدة قسم المال عليهم باعتبار أبدانهم دون أصولهم.
стр. 7528
مثاله: ابن أخ، وعشرة بني أخ آخر، وعشرة بني عم، وابن عم آخر، فالمال بينهم على أحد عشر سهما لكل منهم سهم.
وفي المبسوط: رجل تزوج امرأةً وابنهُ أمَّها، فولد لكل واحد غلام، فقرابة ما بين الولدين أن ابن الأب عم ابن الابن، وابن الابن خال ابن الأب وابن أخيه، فأيهما مات ورث صاحِبَهُ بالعصوبة، وهي مسألة يا خالي وأنا عمك يدعوك أبي وهو جدك.
وفيه حكاية عبد الملك بن مروان، فإنه جلس يوما للمظالم فقام رجل وقال: إني تزوجت امرأة، وزوجتُ أمَّها من ابني، فمُرْ بعطائي، فقال: لو كان عكس هذا كان أولى، وأنا أسألك عن مسألة فإن أحسنت جوابها (أمرتك) (١) بعطائك، وإن لم تحسن لا أعطيك شيئًا، فقال: هات، فقال: إن ولدك غلام، ولابنك غلام، فما قرابة بين الغلامين؟ فلم يحسن الجواب، فقال: سل القاضي الذي وليته، فإن أحسن الجواب فاصرف عطائي إليه وإلا فاعذرني، فلم يحسن القاضي ولا أحد من القوم إلا رجل في أخريات الناس، فقال: أنا إن أجبتُ هل تقضي حاجتي؟ قال: نعم، فأجاب كما ذكرنا، فقال: الله دَرُّ هذا العلم، وقال: ما حاجتك؟ فقال: إن عاملك يسقط حرفًا من كتاب الله تعالى، قال: وما ذاك؟ قال: قال الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣]، فهو يسقط حرف "من" ويأخذ كل مالنا، قال: هذا أحسن من الأول، فعزل ذلك العامل.
ولو أن أخوين ادعيا غلامًا ولدته جارية مشتركة بينهما حتى ثبت نسبه منها، فمات الرجلان ثم مات أبوهما وترك ابن ابن له آخر، وابن ابنيه فإنهما يرثان مال جدهما نصفين، ولا يرث هذا من وجهين، بخلاف الجدة فإنها ترث من الجهتين؛ لأن للجدة نسبين معروفين، وهذا الولد لواحد منهما، إلا أنا لا نعرفه فنسبه نسب واحد، ولو ثبتت حرمة المصاهرة بين الزوجين ثم حدث ولد قيل: لا يرث الولد عنه كولد الملاعنة فإنه يرث عن أمه دون أبيه، وقيل: يرث؛ لأنه ثابت النسب لاختلاف العلماء في الحرمة ومثلها لا يمنع النسب، بخلاف ولد الملاعنة، وبه قالت الأئمة الثلاثة.
стр. 7529
اعلم أن الملاعن لا يرث ولده الملاعن به ولا أحد من عصباته، وانقطع تعصيبه من جهته، وترثه أمه، وذوو الفروض منه فروضهم، فينقطع التوارث بين الزوجين، ولا خلاف بين أهل العلم في هذه الجملة، فلو مات أحدهم قبل تمام اللعان بين الزوجين ورثه الآخر في قول الجمهور.
وقال الشافعي: إذا كمل الزوج لعانه لم يتوارثا.
وقال مالك: إن مات الزوج بعد لعانه فإن لاعنت المرأة لم ترث ولم تحد، وإن لم تلاعن ورثت وحدت، وإن ماتت هي بعد لعان الزوج ورثها في قول جميعهم إلا الشافعي.
ولو تم اللعان بينهما فمات أحدهما قبل تفريق الحاكم لا يتوارثان عند مالك، وزفر، وأحمد في رواية، وداود.
ومثله روي عن الزهري، والأوزاعي، وربيعة؛ لأن اللعان يقتضي التحريم المؤبد بالنص، فلا يعتبر الحكم بالتفريق.
وعندنا: يتوارثان ما لم يفرق الحاكم بينهما؛ لأنه ﷺ فرق بين المتلاعنين، فلو حصل التفريق بمجرد اللعان لم يحتج إلى تفريقهم، وقد مر في اللعان، ثم لا قرابة له من قبيل أبيه، ولا قرابة من جهة أمه، ولا يكون عصبة أمه عصبته، ولا أمه عصبة له عند الجمهور.
وعن ابن مسعود وابن عمر: أن عصبة أمه عصبته، وبه أخذ عطاء، ومجاهد، والشعبي، والنخعي.
وعن ابن مسعود في رواية أخرى عنه أن أمّه عصبته؛ لما روى واثلة بن الأسقع عن النبي ﷺ أنه قال: «تَحْرُزُ المرأةُ ثلاث مواريث عتيقها ولقيطها وولدها الذي لاعَنَتْ عليهِ».
وعن ابن عباس أنه قال: أم ولد الملاعنة أبوه وأمه، وإن لم تكن فعصبتها عَصَبَتُهُ؛ لما روي عن داود بن أبي (١) هند أنه كتب إلى صديق له بالمدينة أن يسأل من بقي من أصحاب النبي ﷺ عن ولد الملاعنة مَنْ عَصَبَتُهُ؟ فذكروا أنه ﵊ جعل عصبته عصبة أمه.
стр. 7530
وقلنا: الميراث إنما ثبت بالنص، ولا نص في توريث الأم أكثر من الثلث، وفي توريث أخ من أم أكثر من السدس، ولا في توريث أبي الأم وأشباهه من عصبات الأم، وفيه خلاف النص.
ولأن العصوبة أقوى أسباب الإرث، والإدلاء بالأم أضعف فلا يجوز أن يستحق به أقوى أسباب الإرث.
وفي الحديث بيان أنها تحرز، والإحراز لا يدل على العصوبة، فإنها تجوز أن تحرز فرضًا وردا لا تعصيبًا.
ومعنى حديث ابن أبي هند أن عصبة قوم أمه في الاستحقاق بمعنى العصوبة، وهي الرحم (١) لا في إثبات حقيقة العصوبة، وولد الملاعنة إذا كان توأما فعندنا وعند الشافعي وأحمد والجمهور من العلماء هما كالأخوين لأم.
وقال مالك: هما كالأخوين لأبوين، وهو وجه لأصحاب الشافعي؛ لأن نسبهما ثابت؛ لأنهما خُلقا من ماء واحد، ويقطع النسب باللعان ضرورة؛ فيتقدر بقدرها، وهو قطع النسب لا في كونهما خلقا من ماء واحد، فكانا أخوين لأبوين بخلاف ولد الزنا؛ لأن هناك لم يثبت النسب أصلا؛ لانعدام الفراش، ولهذا لا يثبت من الزاني وإن ادعاه.
وقلنا: الأُخُوَّة لأب لا تثبت إلا بواسطة الأب، ولا أب لهما، فلا تثبت الأخوة لأب كما في ولد الزنا وإن خلقا من ماء واحد إذا كانا توأمين، وبالقضاء تبين أن النسب لم يكن ثابتا من الملاعن لا أن كان ثابتا فانقطع إذا عرفت هذا، فلو ترك ابن الملاعنة بنتًا وأما فالمال بينهما أرباعًا فرضًا وردا عند علي، وهو مذهبنا.
وعند زيد: للبنت النصف، وللأم السدس، والباقي لبيت المال.
وفي رواية عن ابن مسعود: الباقي للأم عصوبة، وهو رواية عن أحمد، وقول الحكم بن عيينة.
وفي رواية عن ابن مسعود: الباقي لأقرب عصوبة أمه كما قلنا، وهو قول إبراهيم.