. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فإنهما مقصودان، وقد فاتا في حق الإمام المومئ، فلا يكون حاله مثل حال المقتدي.
وأما الجواب عن تعلقه بقوله ﵇: «لا يَؤُمَّنَّ … » (١) أن المراد الجالس القادر على القيام، ونحن نقول هكذا، فكان ﵇ مخصوصاً به، وإنما قلنا ذلك بدليل قصة الحديث، وهو ما روى الزهري عن أنس أنه ﵇ سقط من فرسه فجحش شقه الأيسر في رواية مبسوط السَّرَخْسِي (٢)، وفي رواية مبسوط شيخ الإسلام: شقه الأيمن (٣)، فلم يخرج أياماً، فدخل عليه الصحابة فوجدوه يصلي قاعداً، فافتتحوا الصلاة خلفه قيامًا، فصلوا قياماً وهو جالس، فأشار إليهم أن اقعدوا، فلما فرغ من صلاته قال: «إنما جُعِلَ الإمامُ إماماً ليؤتم به فلا تَخْتَلِفوا عليه، فإذا صلَّى قائماً فَصَلُّوا قيامًا، وإذا صلّى قاعدًا فصلوا قعودًا أجمعين، لا يَؤُمَّنَّ أحدٌ بعدي جالسًا - أي: الجالس - هو قادر على القيام، كما فَعَلتُهُ أنا، فإنّي كنتُ مخصوصاً بذلك» (٤) كذا في المبسوطين (٥)، والأسرار.
وهذا في الحقيقة جواب عما تمسك أحمد بهذا الحديث، ثم قال في الأسرار: وكلام محمد أحب إلي.
وفي الْمُجْتَبى (٦): هذا الحديث محمول على الاستحباب، كما قال ﵇: «لا يؤُمُّ المُقيَّد المُطلقين» (٧) وإمامته لهم جائزة، والمراد نفي الفضيلة، فكذا هذا.
стр. 807
لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الحَالِ، إِلَّا أَنْ يُومِنَ المُؤْتَمُّ قَاعِدًا وَالإِمَامُ مُضْطَجِعًا، لِأَنَّ القُعُودَ
وقيل: محمول على غير حالة العذر، والتخيير بين القيام والقعود كان مخصوصاً بالنبي ﵇، وقال أبو عمر بن عبد البر (١): حديث «لَا يَؤْمَنَّ أحدٌ بَعدِي … » لا يصح؛ لأنه رواه جابر الجعفي عن الشعبي، وأهل الحديث لا يقبلون مسند الجعفي، فكيف يقبلون مرسله، ومتفق رد روايته.
وقيل: إنه يقول بالتناسخ والرجعة، ويتظاهر بسب السلف الصالح، فلا يحل قبول قوله في الدين.
ولأن القعود قيام مقصود؛ لأن كماله باستواء النصفين، وقد وجد أحد نصفيه مستويًا، فصار كاقتداء المستوي قائما مع المنحني ظهره، حتى كان كالراكع. كذا في الأسرار (٢).
وعن شيخ شيخي: هذه النكتة قاطعة للشغب؛ لما أن القيام عبارة عن استواء النصفين، فلما لم يوجب فوات استواء النصف الأعلى عدم جواز الاقتداء؛ لم يوجب فوات النصف الأسفل عدم الجواز أيضاً؛ لأنهما سواء في تكميل القيام واسم النصف.
قوله: (لاستوائهما في الحال): قال التمرتاشي: لو كان الإمام يصلي قاعداً بالإيماء، والمقتدي يصلي قائما بالإيماء؛ صح اقتداؤه به أيضاً؛ لأن هذا القيام ليس بركن، حتى كان الأولى تركه دل عليه: ما لو عجز عن السجود وقدر على غيره من الأفعال؛ أنه يصلي قاعداً بإيماء، فيستوي حالهما (٣).
قوله: (إلا أن يومئ المؤتم قاعدًا) إلى آخره؛ أي: فحينئذ لا يجوز.
وذكر التمرتاشي حكم هذه المسألة على خلاف هذا؛ فإنه قال: واختلف في اقتداء من يصلي قاعداً مومِنًا بمن يصلي مضطجعاً مومنا، والأصح: أنه يجوز على قول محمد، وكذا الأظهر على قولهما الجواز (٤).
стр. 808
مُعْتَبَرٌ فَتَثْبُتَ بِهِ القُوَّةُ (وَلَا يُصَلِّي الَّذِي يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ خَلْفَ المُومِئِ) لِأَنَّ حَالَ المُقْتَدِي أَقْوَى، وَفِيهِ خِلَافُ زُفَرَ ﵀.
(وَلَا يُصَلِّي المُفْتَرِضُ خَلْفَ المُتَنَفِّلِ) لِأَنَّ الاِقْتِدَاءَ بِنَاءُ، وَوَصْفُ الفَرْضِيَّةِ مَعْدُومٌ فِي حَقِّ الإِمَامِ، فَلَا يَتَحَقَّقُ البِنَاءُ عَلَى المَعْدُومِ. قَالَ: (وَلَا مَنْ يُصَلِّي فَرْضًا خَلْفَ مَنْ يُصَلِّي فَرْضًا آخَرَ) لِأَنَّ الاِقْتِدَاءَ شَرِكَةٌ وَمُوَافَقَةٌ فَلَا بُدَّ مِنْ الاتِّحَادِ … ...
وذكر في المحيط (١) ما يوافق رواية الهداية، ثم ذكر التمرتاشي: وعلى هذا الخلاف اقتداء السليم بالأحدب الذي بلغ حد الركوع (٢)، وهذا على خلاف ما ذكرنا قبله من الأسرار، ولكن رواية المحيط مثل رواية الأسرار.
قوله: (خلاف زفر): والشافعي أيضاً (٣).
لهما: أن الفرض سقط إلى خلف وهو الإيماء، والمتأدى بالبدل كالمتأدى بالأصل، فصار كإمامة المتيمم المتوضئين، والماسح الغاسلين.
ولنا: أن الإيماء ليس ببدل عنهما؛ لأنه بعضهما كما بينا، وبعض الشيء لا يكون بدلاً عنه. كذا في المحيط (٤).
فإن قيل: يلزم راكب ترك في صلاته؛ فإنه يبني الركوع والسجود على الإيماء.
قلنا: إحرامه انعقد مُجَوّزاً لهما؛ لقدرته عليهما، لكنهما سقطا لعجز حالي، فصح البناء وبقولنا: قال مالك (٥)، وأحمد (٦).
قوله: (لأن الاقتداء شركة)؛ أي: في التحريمة.
(وموافقة)؛ أي: في الأفعال.
стр. 809
وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀: يَصِحُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ، لِأَنَّ الاِقْتِدَاءَ عِنْدَمَا أَدَّاءُ عَلَى سَبِيلِ المُوَافَقَةِ،
(وعند الشافعي يصح في جميع ذلك) (١) وهو قول عطاء، وأحمد في رواية (٢)، واختاره ابن المنذر؛ لحديث معاذ: أنه كان يصلي مع النبي ﵇ العشاء، ثم يرجع فيصلي بقومه في بني سلمة (٣)، وزاد الدارقطني (٤): فكان صلاة العشاء لمعاذ نفلا ولقومه فرضًا، ولأنه لا يظن بمعاذ أنه يترك فضيلة فرضه خلف النبي ﵇، مع قوله ﵇: «إذا أقيمَتِ الصَّلاةُ فَلَا صَلاةَ إلا المكتوبة» (٥)، فكيف يظن بمعاذ أنه يصلي النافلة مع إقامة المكتوبة؟.
ولأنهما صلاتان اتفقتا في الأفعال المعهودة، ويصحان جماعة وفرادى، فيصح بناء أحدهما على الآخر، قياساً على صلاة واحدة، ولا يلزم الجمعة بمن يصلي الظهر، حيث لا يجوز عنده؛ لأنه قال: يصح فرادى وجماعة، والجمعة لا تصح فرادى، ولأن لها شرائط لم توجد في الظهر.
وبقولنا: قال مالك (٦)، وأحمد في رواية، واختارها أكثر أصحاب أحمد (٧).
ودليلنا: ما روي أنه ﵇ قال: «الإمام ضامن … » الحديث (٨)، وقوله ﵇: «إنّما جُعِلَ الإمامُ إماماً لِيُؤْتَمَّ به، فلا تَخْتَلِفوا عليه» (٩)، نهى عن الاختلاف عليه، والفرض غير موجود في صلاة الإمام، فيعمل على إطلاقه.
ومعنى قوله: (ضامن)؛ أي: ضامن لصلاة القوم صحة وفساداً، فإن كل مصلي ضامن لصلاة نفسه، والضمان ليس في الذمة لما ذكرنا، فثبت أن معناه:
стр. 810
وَعِنْدَنَا مَعْنَى التَّضَمُّنِ مُرَاعَى (وَيُصَلِّي المُتَنَفِّلُ خَلْفَ المُفْتَرِضِ) لِأَنَّ الحَاجَةَ فِي حَقِّهِ
صارت في ضمن صلاة الإمام صحة وفساداً؛ لأن الأداء لا يسقط عنهم بأداء الإمام بالإجماع. كذا في الأسرار. (١)
وفي المبسوط (٢): ومعنى قوله: (والإمام ضامن)؛ أن تتضمن صلاته صلاة القوم، وتضمين الشيء فيما فوقه لا يجوز، وفيما دونه يجوز، وهو المعنى في الفرق بين اقتداء المتنفل بالمفترض، وبين اقتداء المفترض بالمتنفل.
فإن قيل: ينبغي أن لا يصح اقتداء المتنفل بالمفترض؛ لأن القراءة فرض على المقتدي في الآخرتين دون الإمام.
قلنا: لما اقتدى به لم يبق عليه قراءة، لا فريضة ولا نفلا، وكذا قعدة المتنفل في الشفع الأول تصير نفلا لما صار نفله أربعاً. كذا في الأسرار". (٣)
وفي المحيط (٤): بين مشايخنا اختلاف في اقتداء المفترض بالمتنفل، قال بعضهم: لا يجوز في جميع الأفعال، ولكن يجوز في فعل واحد؛ ألا ترى أن محمداً ذكر أن الإمام إذا رفع رأسه من الركوع، فجاء إنسان واقتدى به، وسبق الإمام الحدث قبل السجود، فاستخلف هذا الذي اقتدى؛ صح الاستخلاف، ويأتي الخليفة بالسجدتين، ويكونا هما نفلين له حتى يعيدهما بعد ذلك، وفرضين في حق من أدرك أول الصلاة، ومع هذا صح الاقتداء، وكذا لو اقتدى المتنفل بالمفترض في الشفع الأخير يجوز، وهذا اقتداء المفترض بالمتنفل في حق القراءة.
وقال عامتهم: لا يجوز شيء من أفعال الصلاة.
وأجابوا عن المسألتين: أما عن الأولى؛ فلأن السجدتين فرضان في حق الخليفة أيضاً؛ لوجود حد الفرض؛ وهو أنه إذا لم يأت به تفسد صلاته، وهذا كذلك؛ لأن الخليفة قام مقام الإمام.
стр. 811
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وأما عن الثانية؛ فإن صلاة المقتدي أخذت حكم الفرض بسبب الاقتداء، ولهذا لزمه قضاء ما لم يدرك الإمام من الشفع الأول، وكذا لو أفسده يلزمه قضاء الأربع، وإذا كان كذلك؛ كانت القراءة نفلا في حقه أيضا كما في حق الإمام، مع أنه لم يبق عليه قراءة بالاقتداء كما بينا، فكان هذا من قبيل اقتداء المتنفل بالمفترض في حق القراءة.
وأما حديث معاذ فتأويله: أنه كان يصلي مع النبي ﵇ بنية النفل؛ ليتعلم سنة القراءة.
قال الطحاوي: فعل معاذ حين كانوا يصلون الفريضة الواحدة مرتين، ثم نهوا عن ذلك. ذكره ابن بطال في شرح البخاري (١)؛ بدليل أن إسلام معاذ متقدم، وقد صلى النبي ﵇ بعد سنين من الهجرة صلاة الخوف، فلو جاز ما ذكروه لما تحملها مع المفسدات.
وأما الزيادة التي هي له تطوع ولهم فريضة؛ فقد روى ابن عيينة عن عمرو بن دينار حديث جابر هذا، ولم يذكر فيه (هي له تطوع)، فيجوز أن يكون ذلك من قول الراوي، أو من قول جابر ظنا واجتهادا، فلا يجزم به.
وقد سئل أحمد عن حديث معاذ؛ فضعف هذه الزيادة وقال: من كلام ابن عيينة، فإنه روى الحديث منصور بن زاذان وشعبة، ولم يقولا ما قاله ابن عيينة يعني الزيادة.
وأما قولهم: لا يظن بمعاذ كذا، فقلنا: سائر أئمة مساجد المدينة، أليس كانت الفضيلة تفوتهم، وفضيلة النافلة خلفه تقوم مقام أداء الفريضة خلفه، وامتثال أمره ﵇ في إمامة قومه زيادة طاعة، مع أنه يحتمل أنه كان يصلي معه ﵇ صلاة النهار ومع قومه صلاة الليل؛ لأنهم كانوا أهل خدمة لا يحضرون بالنهار مباركهم، فأخبر الراوي بحال معاذ في وقتين، ومع أنه حكاية حال لم تعلم كيفيتها.
стр. 812
إِلَى أَصْلِ الصَّلَاةِ وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي حَقِّ الإِمَامِ فَيَتَحَقَّقَ البِنَاءُ.
وأما المراد من قوله ﵇: «إِذَا أُقيمَتِ الصلاةُ … » الحديث (١)؛ أن لا يصلي النافلة غير الصلاة التي تقام؛ لأن المحذور وقوع الخلاف على الأئمة، وهو منتف مع الاتفاق في الصلاة، ولهذا تجوز النافلة خلف المفترض بالإجماع، ولو تناوله النهي؛ لما جاز مطلقًا، فعلم أن المراد الانفراد بما يشوش عليه.
وما روي عن أبي داود (٢) عن جابر: أن معاذا كان يصلي مع النبي ﵇ العشاء، ثم يأتي قومه فيصلي بهم تلك الصلاة؛ غير ثابت؛ لأن البخاري ومسلم والنسائي وأبا داود أيضاً صرحا أنه كان يصلي مع النبي ﵇، ثم يرجع قومه فيؤمهم، وليس في قول جابر: (فيصلي بهم تلك الصلاة)، ولأن تغاير الفرضين يمنع صحة المشاركة، فلا يجوز؛ قياساً على مصلي الجمعة بمن يصلي الظهر، وعلى القارئ بالأمي؛ فإنه لا يصح؛ لأن المقتدي يبني صلاته على تحريمة الإمام، فما أمكنه البناء بنفسه على تحريمته أمكنه بالاقتداء، وما لا فلا. كذا في المبسوطين (٣). وقياسه منقوض باقتداء القارئ بالأمي.
قوله: (فيتحقق البناء): وتفسير البناء: أن تجعل التحريمتان تحريمة واحدة.
وقال مالك (٤)، والزهري: لا يجوز اقتداء المتنفل بالمفترض أيضاً؛ لأن الاقتداء شركة وموافقة، والمغايرة بين الفرض والنفل ثابتة.
وجوابهما: ما قلنا من حديث معاذ، وقوله ﵇ لأبي ذر: «كيف بِكَ يا أبا ذر إذا كانَ أُمراء سوءٍ يُؤخِّرُونَ الصَّلاةَ عن مواقيتها؟ وإذا كان كذلك فصل في بيتك، ثم اجْعَلْ صَلاتَكَ معهُمْ سُبحَةً» (٥)، ولأن البناء يتحقق فيجوز.
стр. 813
(وَمَنِ اقْتَدَى بِإِمَامٍ ثُمَّ عَلِمَ أَنَّ إِمَامَهُ مُحْدِثٌ أَعَادَ) لِقَوْلِهِ ﵊: مَنْ أَمَّ قَوْمًا ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّهُ كَانَ مُحْدِثًا أَوْ جُنُبًا، أَعَادَ صَلَاتَهُ وَأَعَادُوا وَفِيهِ خِلَافُ الشَّافِعِيِّ ﵀ بِنَاءً عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَنَحْنُ نَعْتَبِرُ مَعْنَى التَّضَمُّنِ وَذَلِكَ فِي الجَوَازِ
وقيد بقوله: (يصلي فرضاً آخر)؛ لأنه لو صلى فرض الإمام أداء وقضاء؛ يجوز بالإجماع، حتى يجوز اقتداء القاضي بالقاضي إذا فاتهما فرض واحد من يوم واحد كالأداء.
والحاصل: أن اتحاد الصلاتين شرط عندنا، ومالك، وأحمد، خلافًا للشافعي.
قوله: (ثم علم): قيد بالعلم بعد الاقتداء؛ لأنه لو علم أن إمامه محدث قبل الاقتداء؛ لا يصح اقتداؤه بالإجماع.
(وفيه خلاف الشافعي): في تتمتهم (١): اقتدى بجنب أو محدث أو بمن على ثوبه نجاسة، فإن كان عالما به؛ لا تصح صلاته؛ لأنه مفرط في الاقتداء بمن لا صلاة له، وإن كان جاهلا بحالة حتى فرغ من صلاته، أو علم في أثناء الصلاة فانفرد عنه؛ فصلاة المقتدي صحيحة، وبه قال أحمد (٢).
وقال مالك (٣): إن كان الإمام ناسياً؛ لا إعادة على المقتدي، وإن كان قد تعمد ذلك؛ فعلى المأموم الإعادة.
وقال عطاء: إن كان حدثه جنابة بطلت صلاته، وإن كان غيرها؛ أعاد في الوقت، وبعده لا.
للشافعي: حديث أنس: أنه ﵇ خرج ذات يوم وكَبَّرَ لصلاة الصبح وكبروا معه، ثم تذكر أنه قد أصابته جنابة، فأومأ إلى القوم أن امكثوا، فدخل الحجرة واغتسل، وخرج ورأسه يقطر ماء، فأتم الصلاة بهم (٤)، ولو لم تكن
стр. 814
وَالفَسَادِ. (وَإِذَا صَلَّى أُمِّيٌّ بِقَوْمٍ يَقْرَؤُونَ وَبِقَوْمٍ أُمِّيِّينَ فَصَلَاتُهُمْ فَاسِدَةٌ عِنْدَ أَبِي
صلاتهم منعقدة؛ لم يكلفهم استدامة القيام، مع قوله ﵇: «لا تقوموا في الصَّفِّ حَتَّى تَرَوْنِي خَرَجْتُ» (١)، فدل أن عدم الطهارة لم يمنع الانعقاد، حيث لم يأمرهم بالاستئناف.
وروي أن عمر ﵁ صلي بالناس الصبح، ثم رأى على ثوبه أثر الاحتلام، فاغتسل وأعاد ولم يأمر القوم بالإعادة (٢)، ولأنه غير مفرط بهذا الاقتداء.
ولنا: ما روي في الكتاب.
وجواب حديثه: أنه كان في بدء الأمر قبل تعلق صلاة القوم بصلاة الإمام؛ ألا ترى أن في الحديث: جاء النبي ﵇ وكبر ولم يأمرهم بإعادة التكبير، فيكون القوم مصلين بصلاته بتكبير قبل تكبير الإمام، وهذا لا يصح بالإجماع، ولأن محمد بن سيرين ذكر هذه القصة، وذكر أنه ﵇ أومأ إليهم أن اقعدوا، ولو انعقدت صلاتهم لم يأمرهم بالقعود، ويحتمل أن الأمر بالمكث كيلا يتفرقوا، حتى يجيء رسول الله ﷺ ، والحديث حكاية حال لا عموم له، فلا يجوز ترك القياس بمثله.
وحديث عمر يحتمل أنه كان ما دون الدرهم، وأعاد هو للاحتياط، مع أنه لا يلزم على الإمام الإعلام إذا كانوا قوماً غير متعينين.
وقوله: (أنه غير مفرط) يشكل؛ بما لو ظهر أنه كافر أو امرأة، حيث لا يصح وإن كان هو غير مفرط. كذا في الأسرار، ومبسوط شيخ الإسلام (٣).
وفي الْمُجْتَبى (٤): أمَّ قوماً مدة ثم قال: صلّيتُ بغير طهارة، أو مع العلم بالنجاسة المانعة، أو قال: كنت مجوسياً؛ لا تلزمهم الإعادة؛ لأنه صرح
стр. 815
حَنِيفَةَ، وَقَالَا: صَلَاةُ الإِمَامِ وَمَنْ لَا يَقْرَأُ تَامَّةٌ) (*) لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ أَمَّ قَوْمًا مَعْذُورِينَ وَغَيْرَ مَعْذُورِينَ، فَصَارَ كَمَا إِذَا أَمَّ العَارِي عُرَاةٌ وَلَا بِسِينَ. وَلَهُ: أَنَّ الإِمَامَ تَرَكَ فَرْضَ القِرَاءَةِ مَعَ القُدْرَةِ عَلَيْهَا فَتَفْسُدَ صَلَاتُهُ، وَهَذَا لِأَنَّهُ لَو اقْتَدَى بِالقَارِئِ تَكُونُ قِرَاءَتُهُ
بكفره، وقول الفاسق غير مقبول في الديانات بناء على ما تقدم؛ وهو أن عنده الاقتداء أداء على سبيل الموافقة، ونحن نعتبر معنى التضمين جوازا وفساداً.
(وقالا): والشافعي في قول: تصح صلاة الإمام وبمن بحاله؛ لأنه معذور أم معذورا.
وفي قول له: تصح صلاة القارئ أيضاً؛ لأنه يجوز في قول اقتداء القارئ بالأمي مع القدرة عليها (١)؛ لأنهم لما جاؤوا مجتمعين لأداء هذه الصلاة بالجماعة، فالأمي يقدر أن يجعل صلاته بالقراءة؛ بأن يقدم القارئ، قال ﵇: «قراءة الإمام قراءة له» (٢).
الأمي: منسوب إلى أُمّية العرب، وهي الأمة الخالية من صناعة العلم والكتابة والقراءة، قال تعالى: ﴿بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا﴾ [الجمعة: ٢]، ثم استعير لمن لا يعرفهما.
فإن قيل: لو صلى الأمي وحده وهناك قارئ؛ تجوز صلاته، مع أنه يقدر أن يجعل صلاته بقراءة؛ بالاقتداء بالقارئ.
قلنا: قال أبو حازم على قياس قول أبي حنيفة لا تجوز (٣)، وهو قول مالك (٤).
وفي شرح الطحاوي: لا رواية عنه فيها، بل اختلف المشايخ في ذلك وبعد
стр. 816
قِرَاءَةٌ لَهُ، بِخِلَافِ تِلْكَ المَسْأَلَةِ
التسليم؛ لما لم يظهر هناك رغبة بالجماعة لا يعتبر وجوده؛ لأنه لا ولاية له على القارئ حتى يأمره بأداء الصلاة بها، فلا يلزمه ذلك، بخلاف ما نحن فيه.
فإن قيل: هذا على أصل أبي حنيفة لا يستقيم؛ فإنه لا يعتبر قدرة الغير، حتى لا يوجب الحج والجمعة على الضرير وإن وجد قائداً.
قلنا: الفرق أن الأعمى لا يقدر على إتيانهما بدون اختيار القائد، وهاهنا قادر على الاقتداء بالقارئ بدون اختياره. كذا قيل.
ولأبي حنيفة وجه آخر؛ وهو أن افتتاح الكل قد صح؛ لأنه أوان التكبير، والأمي قادر عليه، فيصح الاقتداء، وصار الأمي متحملاً فرض القراءة عن القارئ، فإذا جاء أوان القراءة وهو عاجز عن الوفاء بما تحمل؛ فتفسد صلاته، وفساد صلاته يفسد صلاة القوم بخلاف سائر الأعذار؛ فإنها قائمة عند الافتتاح، فلا يصح اقتداء من لا عذر به ابتداء، ولا يقال: لو كان القارئ مشتغلا ينبغي أن يلزمه القضاء، حيث صح شروعه في الابتداء، لأنا نقول: صار شارعاً في صلاة لا قراءة فيها، والشروع كالنذر، ولو نذر أن يصلي بغير قراءة؛ لا يلزمه شيء، فكذا لو شرع. كذا في المبسوط (١).
وفي جامع الكردري: والصحيح: أن اقتداءه لا يصح ابتداء لما ذكر.
في الأصل (٢): لو اقتدى القارئ في النفل به؛ لا يلزمه القضاء، فهذا دليل على عدم صحة اقتدائه؛ لأنه لو صح ثم فسد بترك القراءة؛ ينبغي أن يلزمه القضاء، ولكن لا يلزم هذا؛ لما ذكر من الفرق.
في المبسوط وعلى هذا الخلاف: لو أمّ الأخرس لقوم خرس ولقوم قارئين (٣).
(تلك المسألة)؛ وهي مسألة العراة واللابسين.
стр. 817
وَأَمْثَالِهَا، لِأَنَّ المَوْجُودَ فِي حَقِّ الإِمَامِ لَا يَكُونُ مَوْجُودًا فِي حَقِّ الْمُقْتَدِي (وَلَوْ كَانَ يُصَلِّي الأُمِّيُّ وَحْدَهُ وَالقَارِئُ وَحْدَهُ جَازَ) هُوَ الصَّحِيحُ، لِأَنَّهُ لَمْ تَظْهَرْ مِنهُمَا رَغْبَةٌ فِي
(وأمثالها)؛ كصاحب الجرح السائل الجريح والأصحاء، والمومئ المؤمئين، والمصلين بركوع وسجود.
(لا يكون موجودا في حق المقتدي)؛ فإن لبس الإمام لا يكون لبساً في حق المقتدي، وكذا الركوع والسجود والطهارة، فلا يكون قادراً بإزالة هذا العذر بتقديم من لا عذر له.
وقوله: (هو الصحيح)؛ احتراز عن قول أبي حازم على ما ذكرنا.
وذكر التمرتاشي: ويجب أن لا يترك الأمي الاجتهاد آناء ليله ونهاره حتى يتعلم مقدار ما تجوز به الصلاة، فإن قصر لم يعذر عند الله تعالى (١)، وبه قالت الأئمة الثلاثة.
ولو افتتح الأمي ثم حضر القارئ؛ قيل: تفسد صلاته.
وقال الكرخي: لا تفسد صلاته؛ لأنه إنما يقدر على أن يجعل صلاته بالقراءة قبل الافتتاح (٢).
ولو حضر الأمي على قارئ يصلي، فلم يقتد به وصلّى وحده، اختلفوا فيه، والأصح: أن صلاته فاسدة.
وفي المحيط (٣): رأيت مسألة في بعض النسخ: أن القارئ إذا كان على باب المسجد أو بجواره، والأمي يصلي وحده في المسجد؛ جازت صلاته بلا خلاف، وكذا إذا كان القارئ في صلاة غير صلاة الإمام؛ يجاز للأمي أن يصلي وحده ولا ينتظر فراغ القارئ بالاتفاق.
وعن الجرجاني (٤): في مسألة الأمي والأخرس إنما تفسد صلاتهما عند أبي حنيفة؛ إذا علم خلفه قارئاً، أما إذا لم يعلم؛ لا تفسد صلاتهما.
стр. 818
الجَمَاعَةِ (فَإِنْ قَرَأَ الإِمَامُ فِي الأُولَيَيْنِ ثُمَّ قَدَّمَ فِي الأُخْرَيَيْنِ أُمِّيًّا فَسَدَتْ صَلَاتُهُمْ) وَقَالَ زُفَرُ ﵀: لَا تَفْسُدُ لِتَأَدِّي فَرْضِ القِرَاءَةِ. وَلَنَا: أَنَّ كُلَّ رَكْعَةٍ صَلَاةٌ، فَلَا تَخْلُو عَنِ القِرَاءَةِ إِمَّا تَحْقِيقًا أَوْ تَقْدِيرًا وَلَا تَقْدِيرَ فِي حَقِّ الأُمِّيِّ لِانْعِدَامِ الأَهْلِيَّةِ، وَكَذَا عَلَى هَذَا لَوْ قَدَّمَهُ فِي التَّشَهُدِ.
وفي ظاهر الرواية: لا فرق بين العلم وعدمه؛ لأن القراءة فرض، وما يتعلق بالفرائض لا يختلف بين العلم وعدمه، وإليه مال أبو نصر الصفار.
قوله: (قَدَّمَ فِي الْأُخْرَيَيْنِ أُمِّيًا)؛ أي: أحدث فاستخلف أميا. كذا ذكره مقيداً في بعض نسخ الجامع (١).
(وقال زفر: لا تفسد): وكذا روي عن أبي يوسف في غير رواية الأصول؛ لأن الإمام الأول أدى فرض القراءة، وليس في الأخريين قراءة، فكان استخلاف القارئ والأمي سواء، مع أن عند زفر تجوز إمامة الأمي للقارئ ابتداء، فالأولى أن تجوز بعد تأدي الفرض، فكان ما ذكر في الكتاب: (لتأدي فرض القراءة) دليل أبي يوسف.
وقوله: (وقال زفر) وقع مكان قوله: (وقال أبو يوسف)؛ ولهذا ذكر في جامع الكردري (أبو يوسف) مكان (زفر).
وقلنا: القراءة فرض جميع الصلاة، وتؤدى في موضع مخصوص، فإذا كان الإمام قارئاً؛ فقد التزم أداء جميع الصلاة بالقراءة، والأمي عاجز عن ذلك، فلا يصح خليفة، واستعماله باستخلاف من لا يصلح للإمامة تفسد صلاته، كما لو استخلف، امرأة، أو تقديراً؛ فإن القراءة في الأوليين قراءة في الأخريين بالحديث (٢)، وشرط اعتبار القراءة المعدومة موجودة استمرار الأهلية إلى آخر الصلاة.
(وكذا على هذا)؛ أي: على هذا الخلاف.
(لو قدمه في التشهد)؛ يعني: قبل أن يقعد قدر التشهد لو استخلف أميا،
стр. 819
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أما لو استخلفه بعد ما قعد قدر التشهد؛ تجوز صلاته عندهما، خلافاً لأبي حنيفة، وهي من المسائل الاثني عشر.
وقيل: لا تفسد عند الكل، أما عندهما فظاهر، وأما عنده؛ لوجود الخروج من الصلاة بصنعه وهو الاستخلاف، كما لو قهقه أو تكلم. كذا في جامع قاضي خان (١).
وجعل التمرتاشي عدم الفساد عند الكل أولى، وهو قول الهندواني، وجعل الكشاني عدمه بالإجماع.
ثم الأمي إذا اقتدى؛ قال الهندواني: تفسد صلاتهما عند أبي حنيفة؛ لأنه قادر على تكبير الافتتاح، فيكون قارئاً حكماً (٢).
وقال الكرخي: صلاة الأمي فاسدة، وصلاة الأخرس جائزة، ولو اقتدى الأخرس جازت صلاتهما.
لو نوى الاقتداء بإمام على ظن أنه أصل فإذا هو خليفة؛ جاز، أما لو نوى الاقتداء بالأصل فإذا هو خليفة لم يجزه؛ لأنه ما اقتدى بمن هو إمام.
وفي فتاوى الصغرى (٣): اقتدى بإمام وفي زعمه أنه فلان، ثم ظهر أنه غيره يجزيه، وإن اقتدى بفلان بعينه ثم ظهر أنه غيره لا يجزيه.
اقتدى مسبوق بمسبوق في قضاء ما سبقا لا يجوز؛ لأنه اقتدى في موضع الانفراد، وكذا لا يجوز اقتداء اللاحق باللاحق. كذا في الخلاصة (٤).
شك في إتمام وضوء إمامه جاز اقتداؤه به؛ لأن الظاهر هو الإتمام. كذا في جمل النوازل (٥).
стр. 820
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وفي الْمُجْتَبى (١)، والخلاصة: يجوز اقتداء المتنفل بالمتنفل، واقتداء الناذر بالناذر، والشارعين فيما أفسد بعد الشروع؛ لا يصح؛ لاختلاف الأسباب.
ولو نذر أحدهما صلاة، وقال الآخر: الله عليّ أن أصلي بتلك المنذورة؛ يصح الاقتداء، ولو قال مثله لا يصح إلا في رواية عن أبي يوسف، واقتداء الحالف بالناذر يصح، وعلى العكس لا يصح، ولو اشتركا في نافلة ثم أفسداها؛ صح اقتداء أحدهما بصاحبه، وإن لم يشتركا لم يصح.
شرع في ظهر الإمام متطوعاً، ثم قطعها فاقتدى بِمُصَلِّ ظهر ذلك اليوم جاز.
تكلم الإمام في شفع الترويحة، ثم أمَّهم في ذلك جاز، وكذا لو اقتدى في سنة العشاء بمن يصلي التراويح، أو في السنة بعد الظهر بمن يصلي الأربع قبل الظهر؛ صح، ولو صليا الظهر ونوى كل واحد إمامة صاحبه صحت صلاتهما، ولو نويا الاقتداء فسدت.
وفي الخلاصة، والخزانة (٢): أربعة مواضع لا يتابع المقتدي الإمام إذا فعله.
منها: ما لو زاد سجدة في صلاته لا يتابعه، ولو زاد في تكبيرات العيد؛ يتابعه ما لم يخرج عن أقاويل الصحابة، ولو خرج لا يتابعه.
ومنها: لو كبر خمساً في صلاة الجنازة؛ لا يتابعه.
ومنها: لو قام إلى الخامسة ساهياً بعد ما قعد قدر التشهد على الرابعة؛ لا يتابعه، فإن لم يقيد الإمام الخامسة بالسجدة، وعاد وسلم؛ سلّم المقتدي معه، وإن قيدها بالسجدة؛ سلم المقتدي ولا يتابعه، ولو لم يقعد على الرابعة وقام إلى الخامسة ساهياً، وتشهد المقتدي وسلّم، ثم قيد الإمام الخامسة بها؛ فسدت صلاتهم.
وتسعة أشياء إذا لم يفعلها الإمام يفعلها المقتدي:
أحدها: إذا لم يرفع يديه عند الافتتاح يرفعهما المقتدي.
стр. 821
بَابُ الحَدَثِ فِي الصَّلَاةِ
(وَمَنْ سَبَقَهُ الحَدَثُ فِي الصَّلَاةِ انْصَرَفَ فَإِنْ كَانَ إِمَامًا اسْتَخْلَفَ وَتَوَضَّأَ وَبَنَى)
والثاني: إذا لم يثن، أثنى المقتدي إن كان الإمام في الفاتحة، وإن كان في السورة فكذلك عند أبي يوسف، خلافا لمحمد.
والثالث: ما لو ركع ولم يُكَبِّر، يكبر المقتدي.
والرابع: إذا لم يسبح في الركوع والسجود، يسبح المقتدي.
والخامس: إذا لم يقل (سمع الله لمن حمده).
والسادس: إذا لم يكبر عند الانحطاط.
والسابع: إذا لم يقرأ التشهد.
والثامن: إذا لم يسلّم، سلم المقتدي.
والتاسع: لو نسي الإمام تكبير التشريق وذهب، كبر المقتدي.
[بَابُ الْحَدَثِ فِي الصَّلَاةِ]
لما ذكر أحكام السلامة من العوارض في الصلاة انفرادا وجماعة؛ لأنها هي الأصل؛ ذكر في هذا الباب ما يعرض لها من العوارض، ويمنع المصلي من المضي؛ فإن المرشد كما يرشد السالك إلى الطريق الجادة، يرشده إلى التخلص من مضايق العبادة.
قوله: (انصرف)؛ أي: بلا توقف بعد سبق الحدث، حتى لو مكث ساعة يصير مؤدياً جزءًا من الصلاة مع الحدث، وأداؤها معه لا يجوز، فيفسد ما أدى، وإذا فسد ما أدى فسد الكل؛ لأن الصلاة الواحدة لا تتجزأ صحة وفساداً. نص على هذا في مبسوط شيخ الإسلام، والمحيط (١).
(استخلف): وتفسير الاستخلاف: أن يجذب ثوبه ويجره إلى المحراب، سواء كان المقتدي مدركًا أو مسبوقًا أو لاحقا، ولو ترك ركوعاً يضع يده على ركبته مشيرًا إليه، وفي السجود على الجبهة، وفي القراءة على الفم، وفي سجدة
стр. 822
وَالقِيَاسُ أَنْ يَسْتَقْبِلَ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيّ ﵀، لِأَنَّ الحَدَثَ يُنَافِيهَا وَالمَشْيَ وَالانْحِرَافَ يُفْسِدَانِهَا فَأَشْبَهَ الحَدَثُ العَمْدَ. وَلَنَا: قَوْلُهُ ﵊ «مَنْ قَاءَ أَوْ رَعَفَ أَوْ أَمَذَى فِي صَلَاتِهِ فَلْيَنْصَرِفْ وَلْيَتَوَضَّأَ وَلِيَبْنِ عَلَى صَلَاتِهِ مَا لَمْ يَتَكَلَّمْ»
التلاوة يضع أصبعه على أنفه، وفي جواز الاستخلاف في الجنازة اختلاف المشايخ، وإنما خص الإمام بالبناء مع أن جوازه شامل للمقتدي والمنفرد؛ لأنه أعلم بشرائط البناء غالبا من غيره.
ومعنى الاستئناف: أن يعمل عملاً يقطع الصلاة ثم يشرع بعد الوضوء.
وقيد بقوله: (سبقه الحدث)؛ أي: لم يكن بفعله، حتى إذا كان بفعله يستقبل، عمداً كان أو سهواً.
وفي المبسوط (١): سبقه حدث من بول أو غائط، أو ريح أو رعاف بغير قصد؛ انصرف.
(وهو)؛ أي: القياس.
(قول الشافعي) للشافعي قولان (٢): قال في الجديد: يستقبل، وهو قول مالك آخر ا (٣)، وأحمد (٤)؛ لأن الطهارة شرط بقاء الصلاة كما هو شرط ابتدائها، فلا يبقى مع وجود الحدث المنافي لشرطها، كما في الحدث العمد، وبقوله ﵇: «إذا فسا أحدُكُم في صَلاتِهِ فَلْيَنصَرِفْ وَلْيَتَوضَّأُ وَلْيُعِدْ صلاته» (٥).
وقال في القديم: يجوز له البناء، وهو قول مالك أولاً، وقولنا، وهو استحسان للحديث المذكور في الكتاب. وقوله: (أمذى)؛ أي: صار ذا مذي.
وقيل: في المسألة إجماع الصحابة؛ فإنه روي عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، والعبادلة الثلاثة وأنس وسلمان ﵃ أجمعين؛ جواز البناء،
стр. 823
وَقَالَ ﵊: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَقَاءَ أَوْ رَعَفَ فَلْيَضَعْ يَدَهُ عَلَى فَمِهِ وَلْيُقَدِّمْ مَنْ لَمْ يُسْبَقْ بِشَيْءٍ»
والمراد: إجماع فقهائهم، وقولهم: يترك القياس؛ لأن قولهم: فيما لا يدرك بالقياس كالنص في كونه راجحاً على القياس، مع أنه مؤيد بالحديث.
وجه الاستدلال بالحديث: أن قوله (وَلْيَبْنِ) أمر، وأدنى درجاته الإباحة، فثبت شرعية البناء، ولا يقال: قوله (فليتوضأ) للوجوب، فينبغي أن تكون (وليبن) للوجوب أيضاً.
قلنا: لا يضرنا؛ لأنه لو كان للوجوب يكون الدعاء أثبت، لكن البناء غير واجب بالإجماع، وما رواه الشافعي محمول على ما إذا تعمد الفساد، وقياسه بالحدث العمد فاسد؛ لأنا جوزنا البناء بالخبر والأثر على خلاف القياس، وهما وردا في الحدث السماوي، فلا يقاس الحدث العمد عليه. كذا في المحيط (١)، والمبسوط (٢).
وعن مولانا فخر الدين المَايْمَرْغِي: البناء في الأحداث الخارجة من بدنه موجبة للوضوء دون الغسل، بلا قصده للحدث أو سببه أو من غيره، ولم يأت بعده ما ينافي الصلاة من توقف، أو فعل ينافي الصلاة مما له بد منه، والمشي والانحراف لا ينافيانها، كما في صلاة الخوف.
وقوله ﵇: «تقدم من لم يسبق» (٣) يعني: غير المسبوق، بيان الأفضلية في الحديث «مَنْ قَلَّدَ إنساناً عملاً، وفي رَعِيَّتِهِ مَنْ هُوَ أَوْلَى منه؛ فقد خان الله ورسولَهُ وجماعة المؤمنين» (٤)، والمقتدين بمنزلة الرعايا، فغير المسبوق أولى؛ لأنه أقدر على إتمام الصلاة. كذا في الكاثي (٥).
стр. 824
وَالبَلْوَى فِيمَا يَسْبِقُ … ... … .
وقوله: (والبلوى فيما يسبق): جواب عن قياس الشافعي، يعني: البلوى في الحدث السماوي، فلا يلحق به العمد؛ لأنه في التعمد جان، والجاني لا يستحق التخفيف، تحرزاً عن شبهة الخلاف؛ لأنه أقرب إلى الاحتياط، وذلك أن البناء عمل بخبر الواحد، والاستئناف عمل بالإجماع، وهو أقوى من خبر الواحد.
وفي فتاوى قاضي خان (١): انصرف للتوضؤ فانكشفت عورته في الوضوء، أو كشفها هو، قال أبو علي النسفي: إن لم يجد بدا من ذلك؛ فلم تفسد صلاته، وإن وجد منه بدا؛ بأن يمكنه أن يستنجي ويغسل موضع النجاسة تحت القميص، فأبدى عورته؛ تفسد، وكذا إذا أتى الحوض فوجد موضعاً يقدر على الوضوء، فجاوز عنه وتوضأ في مكان آخر تفسد؛ لأنه شيء بلا حاجة. كذا في شرح الطحاوي (٢).
وفي الذخيرة (٣): المرأة كالرجل في الوضوء والبناء؛ لأن كلمة (من) في الحديث تتناول الرجل والمرأة.
وعن أبي يوسف في غير رواية الأصول: إن أمكنها الوضوء من غير كشف عورتها؛ بأن غسلت ذراعيها في الكمين، ومسح رأسها مع الخمار؛ بأن كان ذلك رقيقا يصل الماء إلى ما تحته، فكشفتهما لا تبني ولو لم يمكنها؛ بأن كان عليها جبة وخمار ثخين، لا يصل الماء إلى ما تحته؛ جاز كالرجل إذا كشف عورته في الاستنجاء عند مجاوزة النجاسة المخرج أكثر من الدرهم، إلا أن محمدا أطلق الجواب؛ لأن في إلزامها الغسل في الكمين حرجاً.
وعن ابن رستم: لا يجوز لها البناء؛ لأنها عورة (٤)، والحديث حجة عليه.
стр. 825
دُونَ مَا يَتَعَمَّدُه فَلَا يُلْحَقُ بِهِ (وَالِاسْتِئْنَافُ أَفْضَلُ) تَحَرُّزًا عَنْ شُبْهَةِ الخِلَافِ، وَقِيلَ: إِنَّ المُنْفَرِدَ يَسْتَقْبِلُ وَالإِمَامَ وَالمُقْتَدِيَ يَبْنِي صِيَانَةٌ لِفَضِيلَةِ الجَمَاعَةِ (وَالمُنْفَرِدَ إِنْ شَاءَ أَتَمَّ فِي مَنْزِلِهِ، وَإِنْ شَاءَ عَادَ إِلَى مَكَانِهِ)،
وفي فتاوى العتابي، والمجتبى (١): نزح الماء من البئر لا يفسد، ولو كان الدلو منخرقا فخرزه تفسد. وفي خزانة الأكمل (٢): النزح يقطع البناء.
وقيل: الماء بعيد وبقربه بئر، فإن كان مؤنة النزح أقل ينزح، وإلا فليذهب إلى الماء، ولو نسي ثوبا في متوضئه فأخذه تفسد، ولو سقط كرسفها تبني، ولو أحدث نائماً ثم انتبه بعد ساعة يبني، وإن مكث اليقظان ساعة تفسد، ولو عطس فسبقه الحدث يبنى.
(والمنفرد إن شاء أتم في منزله): هذا اختيار بعض المشايخ؛ لما فيه من تقليل المشي.
(عاد إلى مكانه)؛ أي: مُصلّاه؛ ليكون مؤديا جميع الصلاة في مكان واحد.
وفي المبسوطين (٣): وهو أفضل، والمقتدي يعود، حتى لو أتم في بيته قبل فراغ الإمام لا يجزيه، إلا أن يكون بينهما حائل.
وفي نوادر ابن سماعة (٤): لو عاد المقتدي إلى المسجد بعد ما فرغ الإمام تفسد صلاته؛ لأنه مشى بلا حاجة.
وقيل: لا تفسد كما المنفرد؛ ليكون مؤديًا جميع الصلاة في مكان واحد، والمشي إن وجد حقيقية لم يوجد حكماً؛ لأن حرمة الصلاة تجعل الأماكن المختلفة كمكان واحد. كذا في مبسوط شيخ الإسلام (٥)، وكذا الإمام يعود أيضاً.
стр. 826
وَالمُقْتَدِيَ يَعُودُ إِلَى مَكَانِهِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ إِمَامُهُ قَدْ فَرَغَ أَوْ لَا يَكُونَ بَيْنَهُمَا حَائِلٌ (وَمَنْ ظَنَّ أَنَّهُ أَحْدَثَ فَخَرَجَ مِنْ المَسْجِدِ ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُ لَمْ يُحْدِثُ اسْتَقْبَلَ الصَّلَاةَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ خَرَجَ مِنْ المَسْجِدِ يُصَلِّي مَا بَقِيَ) وَالقِيَاسُ فِيهِمَا الِاسْتِقْبَالُ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مُحَمَّدٍ اللهُ لِوُجُودِ الِانْصِرَافِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ.
قوله: (إلا أن يكون الإمام قد فرغ):
فإن قيل: اللاحق في حكم المقتدي فيما يتم من صلاته، فإذا كان بينه وبين الإمام ما يمنع صحة الاقتداء من طريق أو نهر، فينبغي أن لا تجوز في بيته.
قلنا: نعم بمنزلة المقتدي، ولكن الإمام قد خرج من حرمة الصلاة، فلا يراعى ترتيب المقام بينه وبين إمامه، وربما خرج أو أحدث أو نام. كذا في المبسوط (١).
(أو لا يكون بينهما حائل)؛ يعني: يجوز له أن يصلي في بيته على وجه الاقتداء بالخليفة وإن لم يفرغ الإمام؛ إذ لم يكن مانع يمنعه من الاقتداء، من البعد والحيطان والنهر.
(وهو)؛ أي: القياس (رواية عن محمد) وخلافه فيما إذا كان باب المسجد على غير حائط القبلة؛ ليتحقق الانصراف، أما لو مشى في المسجد ووجهه إلى القبلة؛ بأن كان باب المسجد على حائط القبلة؛ لا تفسد صلاته بالاتفاق.
وجه القياس: أن الانصراف عن القبلة بلا عذر مفسد، فيلزم الاستقبال؛ كالمتيمم رأى سرابًا فظنه ماء، والماسح ظن أنه لم يمسح، فانصرف ثم علم أنه قد مسح، وصلى الظهر وظن أنه لم يُصَلِّ الفجر، فانصرف ثم علم أنه قد صلى الفجر، أو ظن الماسح أن مدة المسح انقضت، فانصرف ثم علم أنه لم ينقض؛ فإنه يستقبل.
وفي ظاهر الرواية: لم يفصل بين ما إذا مشى مستقبل القبلة أو انصرف عن القبلة؛ لأن المشي بلا ضرورة مفسد.
стр. 827
وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ: أَنَّهُ انْصَرَفَ عَلَى قَصْدِ الإِصْلَاحِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ تَحَقَّقَ مَا تَوَهَّمَهُ بَنَى عَلَى صَلَاتِهِ فَأُلْحِقَ قَصْدُ الإِصْلَاحِ بِحَقِيقَتِهِ … ... … ...
(بحقيقته)؛ أي: تحقيق الإصلاح، فإن القصد إلى الشيء يجعل كأنه يفعل ذلك الشيء في الشرع، نظيره: ما لو تترس الكفار بأسارى المسلمين؛ فإنه يباح الرمي إليهم، بشرط إن كان قصدهم الرمي إلى الكفار، وكما ألحقنا البغاة بتأويلهم الفاسد بأهل العدل في الأحكام، وإن فارقوهم في الآثام، وبحقيقة الإصلاح لم تفسد صلاته؛ فكذا إذا انصرف على قصده.
فإن قيل: لو كان قصد الإصلاح ملحقاً بحقيقته، ينبغي أن يجوز البناء بعد الخروج من المسجد، كما في حقيقة الإصلاح، وكما في صورة الاستخلاف.
قلنا: الحكم يثبت على حسب دليله، ثم في حقيقته وجد شيئان في الانصراف: قصد الإصلاح، وقيام العذر، فيقوى أحدهما بالآخر، فيثبت لحقيقة الإصلاح من القوة ما لم تكن لغيرها، فلا تفسد به خرج من المسجد أو لا، وفي تلك المسائل - وهي المتيمم أو الماسح، ومصلي الظهر - لم يوجد واحد منهما، فيبقى مجرد الانصراف فتبطل، وفي مسألتنا وجد أحدهما وهو قصد الإصلاح، ولم يوجد الآخر وهو قيام العذر، فقلنا بأنه لا يفسد ما دام في المسجد؛ عملاً بقصد الإصلاح؛ لما أن المسجد لمكان واحد، بدليل صحة الاقتداء، وعدم تكرر وجوب سجدة التلاوة، وبالخروج تفسد؛ لعدم قيام العذر، ولاختلاف المكان حقيقة وحكماً، وفي صورة الاستخلاف لا يجوز البناء؛ لكثرة الأفعال المنافية للصلاة؛ ألا ترى لو انصرف بعد سبق الحدث، واستقى ماءً لوضوئه؛ تفسد. كذا في الخبازية (١)، وفيه تأمل.
وقيل: في الاستخلاف لا يكون ضرورة ما دام في المسجد، فلا يكون فيه الإصلاح.
وفي جامع التمرتاشي، وحمل النوازل: وكذا الغازي لو ظن حضور العدو فانصرف، والأمر بخلافه؛ لم تفسد ما لم يخرج من المسجد، وفي الصحراء ما
стр. 828
مَا لَمْ يَخْتَلِف المَكَانُ بِالخُرُوجِ، وَإِنْ كَانَ اسْتَخْلَفَ فَسَدَتْ، لِأَنَّهُ عَمَلٌ كَثِيرٌ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إِذَا ظَنَّ أَنَّهُ افْتَتَحَ الصَّلَاةَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ، فَانْصَرَفَ ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُ عَلَى وُضُوءٍ، حَيْثُ تَفْسُدُ وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ، لِأَنَّ الإِنْصِرَافَ عَلَى سَبِيلِ الرَّفْضِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ تَحَقَّقَ مَا تَوَهَّمَهُ يَسْتَقْبِلُهُ فَهَذَا هُوَ الحَرْفُ، … ... …
لم يجاوز مكان الصفوف لم تفسد، وإلا تفسد والبيت كالمسجد، والمرأة إن نزلت من مصلاها فسدت؛ لأنه بمنزلة المسجد في حق الرجل، ولو ذهب قدامه في الصحراء، فبمقدار الصفوف حده إن لم تكن سترة، وإن كانت فحده السترة (١).
وفي الْمُجْتَبى (٢): أحدث في قيامه، فسبح ذاهباً أو جائيًا؛ لم تفسد، ولو قرأ فسدت.
وقيل: إنما تفسد إذا قرأ ذاهباً. وقيل: على العكس، والمختار: ما قلنا.
ولو أحدث في ركوعه وسجوده؛ لا تفسد بالقراءة.
قال مجد الأئمة: أحدث فيهما لا يرتفع مستوياً، بل يتأخر محدودباً ثم ينصرف (٣).
(فهذا)؛ أي: ما ذكرنا أن في الانصراف على قصد الإصلاح لا يستقبل ما لم يخرج عن المسجد، وإن كان على سبيل الرفض والترك؛ يستقبل بمجرد الانصراف وإن لم يخرج من المسجد.
(هو الحرف)؛ أي: الأصل.
وفي المبسوط (٤): أحدث الإمام ولم يُقدِّم أحدًا حتى خرج منه؛ فصلاة القوم فاسدة؛ لأنهم مقتدون، ولم يبق إمام مكانه، وهو في المسجد.
ولم يبين في الكتاب ما حال الإمام، قال الطحاوي (٥): تفسد صلاته أيضاً؛
стр. 829
وَمَكَانُ الصُّفُوفِ فِي الصَّحْرَاءِ لَهُ حُكْمُ المَسْجِدِ، وَلَوْ تَقَدَّمَ قُدَّامَهُ فَالحَدُّ هُوَ السُّتْرَةُ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فَمِقْدَارُ الصُّفُوفِ خَلْفَهُ، وَإِنْ كَانَ مُنْفَرِدًا فَمَوْضِعُ سُجُودِهِ مِنْ كُلِّ جَانِبِ (وَإِنَّ جُنَّ أَوْ نَامَ فَاحْتَلَمَ، أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ، اسْتَقْبَلَ)
لأنه بعد سبق الحدث كان عليه الاستخلاف؛ ليصير هو في حكم المقتدين كغيره، فيتركه لما فسدت صلاتهم، فلأن تفسد صلاته كان أولى.
وقال أبو عصمة: لا تفسد؛ لأنه في حق نفسه كالمنفرد، وهو الأصح، فلو قدم القوم رجلاً قبل خروجه؛ فصلاته وصلاتهم تامة؛ لأن تقديمهم كتقديمه، فالحد هو السترة؛ لأن موضعها صار منتهى قدامه شرعاً؛ ألا ترى أن المرور بين يدي المصلي مكروه، ولا يكره من وراء السترة، فإذا تباين المكانان في حكم من أحكام الصلاة؛ صار بمنزلة خارج المسجد بالنسبة إليه، وإن لم تكن سترة؛ فمقدار الصفوف التي خلفه، سواء كان صفا واحداً أو أكثر؛ لأنه أحد جانبيه، فيقاس بالثاني.
(فموضع سجوده)؛ أي: مقدار موضع السجود من كل جانب.
قوله: (أو نام فاحتلم): وإنما قال: احتلم؛ لأن مجرد النوم في الصلاة لا يفسدها.
وقيل: إنما قال (نام فاحتلم) ولم يقل (فاحتلم) مع أن الاحتلام لا يكون إلا في النوم؛ لأن (احتلم) يستعمل في البلوغ، يقال: احتلم الغلام؛ أي: بلغ أو عقل، وهذا موضع الاحتمال؛ لأنه قال (جن)، ولو قال (فاحتلم) يوهم أنه بمعنى (عقل) بقرينة (جُنَّ)، وفيه بعد. هذا إذا وجدت هذه الأشياء قبل أن تقعد مقدار التشهد فأما لو وجدت بعده؛ فصلاته وصلاة القوم تامة؛ لأنه يصير خارجاً عنها بهذه الأشياء.
فإن قيل: الخروج بفعله فرض عند أبي حنيفة ولم يوجد.
قلنا: وجد؛ لأنه بعد ما صار محدثًا بها لا بد من اضطراب أو مكث بعد الحدث، فإن المكث أداء جزء من الصلاة مع الحدث، وهو صنع كيف ما كان، فحينئذ وجد الصنع إما من حيث الاضطراب أو من حيث المكث. وكذا في
стр. 830
لِأَنَّهُ يَنْدُرُ وُجُودُ هَذِهِ العَوَارِضِ، فَلَمْ يَكُنْ فِي مَعْنَى مَا وَرَدَ بِهِ النَّصُّ، وَكَذَلِكَ إِذَا قَهْقَه، لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الكَلَامِ وَهُوَ قَاطِعٌ.
مبسوط شيخ الإسلام (١).
(يندر وجود هذه العوارض): وفي الخبازية (٢): وفيه معنى آخر؛ وهو أن يبقى بعد الجنون والإغماء على حاله، فيصير كمن سبقه الحدث، فقام في مكانه ولم ينتقل؛ تبطل صلاته؛ لأنه يصير مؤدياً جزءا منها مع الحدث، والنص ورد في الوضوء وهو عمل يسير، والاغتسال عمل كثير، ولأنه يحتاج فيه إلى كشف العورة، وأنه ممن يقطع ما ورد به النص، وهو حدث غالب الوجود، وهو الدم والقيء، والرعاف والريح، والمذي وغيرها، فإن الحدث ورد فيه، وهذه الأحداث نادرة، فلا يلحق بها قياساً؛ لأنه ثبت على خلاف القياس.
(وكذا إذا قهقه)؛ أي: لا يبني (لأنه)؛ أي: فعل القهقهة (بمنزل الكلام)؛ من حيث إن كلا منهما ينقل المعنى من ضميره إلى فهم السامع.
وفي المبسوط (٣): القهقهة أفحش من الكلام عند المناجاة، ولهذا جعلت ناقضة للوضوء، ثم سوى بين النسيان والعمد، ففي القهقهة أولى، والبناء للبلوى، وذا لا يتحقق فيها، ولو قهقه بعد ما قعد قدر التشهد لا تفسد صلاته، كما لو تكلم بعده، ولكن يلزمه الوضوء لصلاة أخرى عندنا، وعند زفر لا يلزمه؛ لأنه قال: كل قهقهة توجب إعادة الصلاة توجب الوضوء، ومالا فلا؛ لأنه ليس في معنى المنصوص من كل وجه.
وقلنا: هذه قهقهة صادفت حرمة الصلاة لبقائها، فكانت الجناية أفحش، فيلزمه الوضوء لهذا، أما الإعادة؛ فلبقاء البناء، وقد عجز عنه بالقهقهة لفساد ذلك الجزء، ولم يبق عليه البناء هاهنا، فلم تلزمه الإعادة. كذا في المبسوط (٤).
وفي مبسوط شيخ الإسلام ما يوجب فساد الصلاة من الأفعال؛ لا يقع
стр. 831
(وَإِنْ حَصِرَ الإِمَامُ عَنْ القِرَاءَةِ فَقَدَّمَ غَيْرَهُ أَجْزَأَهُمْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: لَا يُجْزِئُهُمْ) (*) لِأَنَّهُ يَنْدُرُ وُجُودُهُ فَأَشْبَهَ الجَنَابَةَ فِي الصَّلَاةِ. وَلَهُ: أَنَّ الِاسْتِخْلَافَ لِعِلَّةِ العَجْزِ وَهُوَ هَاهُنَا أَلْزَمُ، … ... …
الفرق بين كونه عمداً أو ناسياً كالكلام (١).
وهذا الذي ذكرنا قولنا، فأما على قول الشافعي (٢): تفسد صلاة الإمام لا صلاة القوم؛ لأن الاقتداء عنده أدل على سبيل الموافقة، ولهذا لو ظهر الإمام محدثا أو جنبًا والمقتدي لا يعلم به؛ لا تفسد صلاة المقتدي عنده.
قوله: (وإن حَصَرَ): الْحَصَرُ - بِفَتْحَتَيْنِ -: الْعِيُّ وَضِيقُ الصَّدْرِ، وَالْفِعْلُ منه: حَصْرَ، من باب (ليس)، وضم الحاء فيه خطأ. كذا في المغرب (٣).
وفي الصحاح: كل من امتنع عن شيء ولم يقدر عليه؛ فقد حصر عنه (٤).
(يندر وجود)؛ يعني: جواز الاستخلاف ثبت بخلاف القياس، والنص ورد في الحدث الغالب، وهذا ليس في معناه؛ لأنه مما تعم به البلوى ولا يندر، أما نسيان جميع ما حفظه أمر نادر، فأشبه الجنابة، فلا يلحق.
وفي الفوائد الظهيرية (٥): ليس الحصر في معنى الحدث من وجوه: أحدها: أن الطهارة شرط لجميع الصلاة والقراءة شرط لبعضها.
والثاني: أنه لا جواز لها بدون الطهارة، ولها جواز بدون القراءة، كما في الأُمِّي.
والثالث: أن القراءة يجري لها النيابة، بخلاف الطهارة.
(وهو)؛ أي العجز (هاهنا ألزم)؛ أي: أثبت بالنسبة إلى العجز في الحدث؛ لأنه لا يمكنه الخلاص عن الحصر بنفسه؛ إذ لا بد له من يعلم، وأنه
стр. 832
وَالعَجْزُ عَنِ القِرَاءَةِ غَيْرُ نَادِرٍ فَلَا يَلْحَقُ بِالجَنَابَةِ. (وَلَوْ قَرَأَ مِقْدَارَ مَا تَجُوزُ بِهِ الصَّلَاةُ لَا يَجُوزُ الاسْتِخْلَافُ بِالإِجْمَاعِ) لِعَدَمِ الحَاجَةِ إِلَيْهِ (وَإِنْ سَبَقَهُ الحَدَثُ بَعْدَ التَّشَهُدِ تَوَضَّأَ وَسَلَّمَ) لِأَنَّ التَّسْلِيمَ وَاجِبٌ فَلَا بُدَّ مِنْ التَّوَضُّةِ لِيَأْتِيَ بِهِ (وَإِنْ تَعَمَّدَ الحَدَثَ فِي
مناف للصلاة، أو تذكر والتذكر نادر، بخلاف سبق الحدث؛ لأنه يمكنه الخلاص بإعادة الطهارة بنفسه؛ لأنه ربما يجد ماء في المسجد فيتوضأ ويبني من غير استخلاف. كذا ذكره قاضي خان (١).
وذكر التمرتاشي: قال أبو بكر الرازي: إنما يستخلف إذا لم يمكنه أن يقرأ شيئاً، فإن أمكنه قراءة آية فلا يستخلف، وإن استخلف فسدت صلاته (٢).
وذكر أبو اليسر: إنما يجوز الاستخلاف إذا كان حافظا للقرآن، لكن لحقه خجل أو خوف فحصر، فأما لو نسي فصار أميا؛ فلم يجز الاستخلاف إجماعاً؛ لأن إتمام القارئ صلاة الأمي غير جائز (٣).
وفي الخبازية: قال بعض مشايخنا - منهم الفقيه أبو جعفر -: هذا فرع مسألة أخرى؛ وهو أن الإمام إذا حصر عن القراءة؛ صار أميا يجوز له المضي عندهما من غير أن يقتدي بالقارئ، كما في مسألة إقامة الأمي، فلم يحتج إلى الاستخلاف وعند أبي حنيفة: لا يجوز له المضي؛ لإمكانية أن يقتدي بالقارئ فيحتاج إليه (٤)، وهذا ليس بسديد؛ لأن الاستخلاف لم يشرع في حق الإمام، بل شرع نظرا للقوم؛ ألا ترى أن أصله الحدث، والإمام إذا لم يستخلف وخرج من المسجد جازت صلاته، وإنما فسدت صلاة القوم؛ علم أنه شرع للقوم، ولا يمكن لهم المضي؛ لأن الإمام صار أميًا، فاحتجنا إلى الاستخلاف، ولهذا لو قدم القوم رجلًا قبل خروج الإمام من المسجد يجوز؛ لأن التسليم واجب، فلا بد من التوضي له، ولحديث عائشة كما مر.
وعند الشافعي ﵁: إصابة لفظ السلام فرض (٥)، فلا يجوز له البناء على
стр. 833
هَذِهِ الحَالَةِ أَوْ تَكَلَّمَ أَوْ عَمِلَ عَمَلًا يُنَافِي الصَّلَاةَ تَمَّتْ صَلَاتُهُ) لِأَنَّهُ يَتَعَذَّرُ البِنَاءُ لِوُجُودِ القَاطِعِ، لَكِنْ لَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ الْأَرْكَانِ.
(فَإِنَّ رَأَى المُتَيَمِّمُ المَاءَ فِي صَلَاتِهِ بَطَلَتْ) وَقَدْ مَرَّ مِنْ قَبْلُ (وَإِنْ رَآهُ بَعْدَمَا فَعَدَ
قول فيستأنف تمت صلاته؛ لحديث ابن مسعود، فلا يتوضأ ولا يسلم؛ لتعذر البناء لوجود القاطع.
وفي مختصر شرح الكرخي: بوجود القاطع يفسد ما بقي من صلاته ولا إعادة عليه؛ لأنه لم يبق عليه فرض بعد وفساد ما بقي لا يؤثر في فساد ما مضى (١).
وعند الشافعي (٢)، ومالك (٣)، وأحمد (٤): فسد صلاته؛ لأن السلام من الأركان أو الفرائض عندهم.
(وقد مر من قبل)؛ أي: في باب التيمم.
فإن قيل: يشكل على هذا؛ بالمتيمم إذا أحدث في صلاته فانصرف، ثم وجد ماء؛ له أن يتوضأ ويبني على صلاته، فلم تبطل صلاته هناك برؤية الماء، والمسألة في مسح الخف في فتاوى قاضي خان (٥).
قلنا: الفرق بينهما حيث يلزمه الاستئناف هنا ولا يلزمه في تلك المسألة؛ هو أن التيمم ينتقض بصفة الاستناد إلى ابتداء وجوده عند وجود الماء، فيصير محدثًا بالحدث السابق، وفي مسألتنا لم ينتقض التيمم بصفة الاستناد؛ لانتقاضه بالحدث الطارئ على التيمم، فلم توجد القدرة على الأصل حال قيام الخلف، قبل حصول المقصود بالخلف فلا يلزم الانتقاض بصفة الاستناد. كذا في الفوائد الظهيرية (٦).
стр. 834
قَدْرَ التَّشَهُدِ أَوْ كَانَ مَاسِحًا فَانْقَضَتْ مُدَّةُ مَسْحِهِ أَوْ خَلَعَ خُفَّيْهِ بِعَمَلٍ يَسِيرٍ أَوْ كَانَ أُمِّيًّا فَتَعَلَّمَ سُورَةً أَوْ عُرْيَانًا فَوَجَدَ ثَوْبًا، أَوْ مُومِيًا فَقَدَر عَلَى الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، أَوْ تَذَكَّرَ فَائِتَةً عَلَيْهِ قَبْلَ هَذِهِ أَوْ أَحْدَثَ الإِمَامُ القَارِئُ فَاسْتَخْلَفَ أُمِّيَّا أَوْ طَلَعَتْ الشَّمْسُ فِي الفَجْرِ أَوْ دَخَلَ وَقْتُ العَصْرِ فِي الجُمُعَةِ، أَوْ كَانَ مَاسِحًا عَلَى الجَبِيرَةِ فَسَقَطَتْ عَنْ
قوله: (بعمل يسير)؛ بأن كان الخف واسع الساق، لا يحتاج في نزعه إلى المعالجة؛ لأنه إن كان ضيقًا فعالج في نزعه؛ تتم صلاته بالاتفاق؛ لوجود الصنع منه. كذا في المبسوط (١).
(فتعلم سورة)؛ أي: تذكرها بعد النسيان، أما إذا تلقنها ابتداء، فذلك صنع منه؛ فيخرج به عنها. كذا ذكره الحلواني (٢).
وقيل: سمعها بلا اختيار وحفظها بلا صنع، وهذه المسائل تسمى باثني عشرية؛ لأنها بذلك العدد في الروايات المشهورة.
قيل: هي خطأ من حيث العربية؛ لأنه لا تجوز النسبة إلى اثني عشر، ولا إلى غيره من العدد المركب، إلا إذا كان علماً؛ فحينئذ ينسب إلى صدره، يقال:
خَمْسِيٌّ في خمسة عشر، وبَعْلِيٌّ في بعلبك. ذكره في المفصل وغيره (٣).
وقد يزيد عليها مسائل، منها: إذا كان يصلي بثوب وفيه نجاسة مانعة، ثم وجد من الماء ما يغسل به النجاسة في هذه الحالة.
ومنها: أنه يقضي صلاة الفجر وقد فاتته، فدخل وقت الزوال في هذه الحالة.
ومنها: أنه يقضي صلاة الظهر في وقت العصر، فتغرب الشمس في هذه الحالة. كذا في مبسوط شيخ الإسلام (٤).
قوله: (أو دخل وقت العصر في الجمعة):
стр. 835
بُرْءٍ، أَوْ كَانَ صَاحِبَ عُذْرٍ فَانْقَطَعَ عُذْرُهُ كَالمُسْتَحَاضَةِ وَمَنْ بِمَعْنَاهَا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: تَمَّتْ صَلَاتُهُ) (*) وَقِيلَ: الأَصْلُ فِيهِ أَنَّ الخُرُوجَ عَنِ الصَّلَاةِ بِصُنْعِ المُصَلِّي فَرْضٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ تَظُهُ وَلَيْسَ بِفَرْضٍ عِنْدَهُمَا، فَاعْتِرَاضُ هَذِهِ
فإن قيل: كيف يتحقق الخلاف فيه، فإن دخول العصر عنده إذا صار ظل كل شيء مثليه، وعندهما إذا صار مثله؟.
قلنا: هذا على قول الحسن بن زياد؛ فإن عنده وقت مهمل بين خروج الظهر ودخول العصر، فإذا صار الظل مثله تحقق الخروج عندهما الصلاة تامة وعنده باطلة. كذا في الكاثي (١).
وقيل: يمكن أن يقعد فيها بعد ما قعد قدر التشهد مقدار ما صار الظل مثليه، فحينئذ يتحقق الخلاف.
وفي المستصفى (٢): هذا على اختلاف القولين، فعندهما: إذا صار الظل مثله، وعنده: إذا صار مثليه.
وقيل: تخصيص الجمعة اتفاقي؛ لأن الحكم في الظهر كذلك.
قوله: (كالمستحاضة) لانقطاع الاستحاضة لا بد من استيعاب وقت كامل، فلو انقطع الدم بعد التشهد فلو سال الدم في وقت صلاة أخرى؛ فالصلاة الأولى جائزة، وإن لم يَسِلْ؛ فالصلاة الأولى عند أبي حنيفة باطلة؛ لأنه تحقق الانقطاع بعد التشهد، وأنه كالانقطاع في وسط الصلاة، وعندهما: جائز؛ لأنه كالانقطاع بعد تمام الصلاة.
قوله: (أن الخروج عن الصلاة بفعل المصلي فرض):
فإن قيل: يشكل بمسألة المحاذاة؛ فإنها لو حاذت في هذه الحالة تتم صلاته بالاتفاق، ولا صنع من الرجل والمسألة في المبسوط (٣).
стр. 836
العَوَارِضِ عِنْدَهُ فِي هَذِهِ الحَالَةِ كَاعْتِرَاضِهَا فِي خِلَالِ الصَّلَاةِ، وَعِنْدَهُمَا كَاعْتِرَاضِهَا بَعْدَ التَّسْلِيمِ. لَهُمَا: مَا رَوَيْنَا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁. وَلَهُ: أَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ أَدَاءُ صَلَاةٍ أُخْرَى إِلَّا بِالخُرُوجِ مِنْ هَذِهِ.
وَمَا لَا يُتَوَصَّلُ إِلَى الفَرْضِ إِلَّا بِهِ يَكُونُ فَرْضًا.
قلنا: المحاذاة يستلزم الصنع من الجانبين، وإن لم يكن للرجل فيه اختيار.
قيل: يشكل بما لو تعلم سورة بلا اختيار. أجيب: أنه لا صنع فيه، وهو غير قوي.
(ولهما: ما روينا من حديث ابن مسعود)؛ وهو قوله ﵇: «إذا قلت هذا … الحديث» (١)، ولأن الخروج لو كان ركنا أو فرضاً؛ لكان إذا وجد في وسط الصلاة ينبغي أن لا تفسد به الصلاة؛ وإن كان في غير محله كالقعدة والركوع والسجود، ولأن الخروج لو كان فرضاً؛ لاختص بما هو قربة في نفسه، كالخروج من الحج، فحينئذ لما كان الحدث العمد مخرجاً.
(وله)؛ أي: لأبي حنيفة: أن إتمام الصلاة وإنهاءها فرض بالإجماع؛ ألا ترى أنه ممنوع عن البقاء على هذه الحالة إلى وقت صلاة أخرى بالاتفاق بعد قدر التشهد، ولو لم يبق عليه شيء من الصلاة لم يمنع. كذا في المبسوطين (٢).
وهو معنى قوله: (لا يمكنه أداء صلاة أخرى إلا بالخروج من هذه)؛ يعني: لو يُحْرِمُ للظهر، فلم يخرج منها حتى دخل وقت العصر؛ لزمه أداء العصر مثلا، ولا يمكنه أداؤها إلا بعد الخروج عن تحريمة الظهر؛ لأن العصر لا يتأدى بهذه التحريمة، فيكون الخروج عنها سبباً يتوصل به إلى أداء العصر، وأداء العصر فرض.
(وما لا يتوصل إلى الفرض إلا به يكون فرضًا)؛ كالانتقال من ركن إلى
стр. 837
وَمَعْنَى قَوْلِهِ: «تَمَّتْ قَارَبَتِ التَّمَامَ»، … ... … ...
ركن في باب الصلاة عد من الأركان، وإن لم يكن ركناً في نفسه، كذا هذا؛ لأنه ما لم يبق الأولى على الصحة لا يمكنه أداء الثانية؛ لأن الترتيب فرض عندنا، ولا يخرج عن الأولى على وجه يبقى صحيحاً إلا بصنع يوجد منه، فكان فرضاً. كذا نقل عن الشيخ أبي منصور (١).
فإن قيل: لو كان لخروج فرضاً لغيره لا لعينه، لأن يجب أن يتم صلاته في صورة انقضاء مدة المسح، وإصابة المتيمم الماء ونحوهما؛ لحصول المقصود من الصنيع وهو الخروج، كالسعي يسقط إذا أمكن أداء الجمعة بدونه.
قلنا: الفساد هاهنا عنده لا بسبب أنه فات الصنع، بل الفساد عنه في هذه المسائل أنه أدى ما أدى مع الحدث، كان المتيمم والماسح بإصابة الماء وانقضاء المدة صارا محدثين بالحدث السابق، فأسندت صيرورتهما محدثين إلى ذلك الوقت، فحصلت الصلاة مؤداة مع الحدث؛ لأن الاستناد يظهر في حقهما؛ لأن حرمتها قائمة. كذا في مبسوط شيخ الإسلام (٢).
وقوله: (ومعنى قوله ﵇؛ جواب عن تمسكهما بالحديث؛ يعني: معنى قوله: (تمت قاربت التمام)، كما في قوله ﵇: «مَنْ وقف بعرفة فقد تَمَّ حَجُّهُ»؛ أي: قارب التمام بالاتفاق؛ لبقاء فرض بعده وهو الطواف بالاتفاق، وقال ﵇: «لقنوا أمواتَكُم … » الحديث (٣)، وإنما حمل على هذا بدلالة الإجماع كما بينا. كذا في المستصفى (٤).
وهذا الأصل قول أبي سعيد البردعي من أصحابنا، وقال الكرخي: ليس أصل أبي حنيفة في هذه المسائل ما ذكره أبو سعيد (٥)، وليس الخلاف بين أصحابنا أن الخروج بفعل المصلي ليس بفرض؛ فإنه لو كان فرضاً
стр. 838
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لاختص بما هو قربة في نفسه، ولما كان الحدث العمد مخرجاً، بل الأصل فيها عنده؛ أن أول الصلاة ووسطها وآخرها سواء في وجود المُغَيّر عنده، كنية الإقامة أو الاقتداء بالمقيم؛ فإنهما إذا وجدتا في أولها أو آخرها غيرنا الفرض، ولولا الاستواء لما استوى، وهذه العوارض مُغيّرة أيضاً؛ فإن الصلاة تجب عليه بعد وجودها، بصفة لم تكن واجبة عليه بتلك الصفة قبل وجودها، فإنما تجب بعد رؤية الماء وانقضاء مدة المسح، ووجدان الثوب وتعلم السورة بطهارة الوضوء والغسل، وبصفة اللبس وبالقراءة بعد أن كانت واجبة بطهارة التيمم والمسح، وبصفة العُرْيِ وبدون القراءة، فكان اعتراضها في هذه الحالة كاعتراضها في أثناء الصلاة، أو في أولها، فتفسد بها الصلاة، بخلاف الكلام والسلام؛ فإنه قاطع، والقهقهة والحدث العمد والمحاذاة مفسدة لا مُغيّرة؛ ألا ترى أنه لا تتغير بها الصلاة من صفة إلى صفة.
وقيل: المراد بكون هذه العوارض مُغيِّرَة؛ أن الصلاة يجتمع معها وأضدادها؛ فإنها تصح بالتيمم وبالمسح والغسل والوضوء، أما الكلام والقهقهة والحدث العمد والمحاذاة؛ لا يجتمع معها بحال، وقالا: ليس وجود هذه العوارض في آخر الصلاة كوجودها في أولها أو أثنائها؛ لأن وجودها في أولها أو أثنائها يستلزم صحة بناء ما بقي منها على ما مضى منها، وذلك غير ممكن، فيلزم بطلان ما مضى، فكان في أثنائها كوجودها قبل الشروع، وهذا المعنى مفقود في آخرها؛ فإنه لم يبق عليه فرض، فكان وجودها بعد التشهد كوجودها بعد السلام.
والجواب عنه لأبي حنيفة ﵁: أن بناء البطلان على تعذر بناء الباقي مُسلم، لكن تعذر بناء الباقي مبني على وجود تحصيل صفة الكمال، فإن الصلاة بسبب حدوث هذه العوارض وجبت أكمل ما كانت واجبة قبلها، ولا يمكن تحصيلها إلا ببطلان التحريمة؛ لتعذر بناء الكامل على الناقص، فأخر الصلاة في وجوب تحصيل صفة الكمال كأولها، فيلزم البطلان أيضاً، وذلك لأن الأركان وإن تمت بعد التشهد فقد بقيت التحريمة، فبالنظر إلى تمامها لا يجب
стр. 839
وَالِاسْتِخْلَافُ لَيْسَ بِمُفْسِدٍ حَتَّى يَجُوزُ فِي حَقِّ القَارِئِ، وَإِنَّمَا الفَسَادُ ضَرُورَةُ حُكْمِ شَرْعِيٌّ وَهُوَ عَدَمُ صَلَاحِيَّةِ الإِمَامَةِ.
التكميل؛ لحصول الفراغ، فلا يؤثر المُغَيِّرُ كما بعد التسليم، وبالنظر إلى بقاء التحريمة كأنه بقي عليه جزء من الصلاة، فيجب التكميل، فيؤثر المغير في إبطالها تحصيلاً للكمال؛ ألا ترى أن نية الإقامة لما غُيّرت قبل تمام الأركان تحصيلا للكمال؛ غُيّرت بعد تمامها قبل الفراغ تحصيلا لصفة الكمال.
فالحاصل: أنهما نظرا إلى ظاهر وجوب البناء، وبنيا البطلان عليه، ففرقا بين أثناء الصلاة وآخرها، وأبو حنيفة نظر إلى مقصود البطلان؛ وهو وجوب التكميل، فجمع بين الحالتين في وجوب التكميل، وجعل كأنه محتاج إلى البناء تقديراً؛ بالنظر إلى بقاء التحريمة، فحكم بالبطلان احتياطاً، وهذا بخلاف الكلام؛ فإنه قاطع لا مُغَيّر، وبخلاف القهقهة والحدث العمد والمحاذاة؛ فإنها مبطلة لا مغيّرة؛ إذ لا تتغيّر بها صفة الواجب أصلاً، فلا يمكن اعتبار اعتراضها في آخرها باعتبار اعتراضها في وسطها.
قال شمس الأئمة: والصحيح ما قاله الكرخي (١).
وقال صاحب التأسيس (٢): ما قاله أبو الحسن أحسن؛ لأن الأول ليس بمنصوص عن أبي حنيفة.
وفي الْمُجْتَبى: وعليه المحققون من أصحابنا (٣)، وكان المصنف أورد قول أبي سعيد اتباعاً للعامة، وأشار بقوله: (وقيل) (٤) إلى أن المختار قول الكرخي عنده، كما هو مختار بعض المحققين.
وهذه المسائل كلها بناء على قولنا، أما عند الشافعي: تفسد بهذه العوارض في هذه الحالة؛ لأن الخروج بالسلام فرض عنده كما ذكرنا.
قوله: (والاستخلاف … ) إلى آخره جواب سؤال يرد على قوله: (أو أحدث الإمام القارئ واستخلف أمياً) بأن يقال: ينبغي أن لا تفسد عنده في هذه
стр. 840
(وَمَنِ اقْتَدَى بِإِمَامٍ بَعْدَ مَا صَلَّى رَكْعَةً فَأَحْدَثَ الإِمَامُ فَقَدَّمَهُ أَجْزَاهُ) لِوُجُودِ المُشَارَكَةِ فِي التَّحْرِيمَةِ، وَالأَوْلَى لِلْإِمَامِ أَنْ يُقَدِّمَ مُدْرِكًا، لِأَنَّهُ أَقْدَرُ عَلَى إِثْمَامِ صَلَاتِهِ، وَيَنْبَغِي لِهَذَا المَسْبُوقِ أَنْ لَا يَتَقَدَّمَ لِعَجْزِهِ عَنِ التَّسْلِيمِ (فَلَوْ تَقَدَّمَ يَبْتَدِئُ مِنْ حَيْثُ انْتَهَى إِلَيْهِ الإِمَامُ) لِقِيَامِهِ مَقَامَهُ (وَإِذَا انْتَهَى إِلَى السَّلَامِ يُقَدِّمُ مُدْرِكًا يُسَلِّمُ بِهِمْ، فَلَوْ أَنَّهُ حِينَ أَتَمَّ صَلَاةَ الإِمَامِ قَهْقَهَ أَوْ أَحْدَثَ مُتَعَمِّدًا أَوْ تَكَلَّمَ أَوْ خَرَجَ مِنْ المَسْجِدِ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ وَصَلَاةُ القَوْمِ تَامَّةٌ) لِأَنَّ المُفْسِدَ فِي حَقِّهِ وُجِدَ فِي خِلَالِ الصَّلَاةِ وَفِي حَقِّهِمْ بَعْدَ تَمَامِ أَرْكَانِهَا، (وَالإِمَامُ الأَوَّلُ إِنْ كَانَ فَرَغَ لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ، وَإِنْ لَمْ يَفْرُغْ
الصورة؛ لما أن الاستخلاف صنع منه. ذكره في المبسوط (١).
فقال في جوابه: نعم، ولكن صنع غير مفسد، بدليل أنه لو استخلف القارئ في صلاته لم يضره، ولكن الفساد هاهنا ضرورة حكم شرعي؛ وهو عدم صلاحية الأمي لإمامه القارئ.
قلت: وقد قال التمرتاشي، والهندواني، والكسائي: تجوز صلاته بالاتفاق؛ لوجود الصنع المفسد وهو استخلاف من لا يصح استخلافه، وقد مر قبل باب الحدث، فكان ما ذكر هاهنا اختيار ما ذكر في المبسوط، فكانت مسألة الاستخلاف على الخلاف (٢).
(لأنه)؛ أي: المدرك؛ وهو الذي أدرك أول الصلاة إلى آخرها (أقدر)؛ أي من المسبوق على إتمام صلاته؛ أي: صلاة الإمام، إليه أشار قوله: «من قلد إنسانًا عملا … ». الحديث.
(وإذا انتهي إلى السلام)؛ أي: موضع السلام تأخر وتقدم مدركًا.
(فلو أنه)؛ أي: هذا المسبوق.
(وفي حقهم بعد تمام)؛ أي: الصلاة فلم يبق عليهم البناء.
فإن قيل: ينبغي أن لا يجوز استخلاف المسبوق؛ لأن الاستخلاف عمل
стр. 841
تَفْسُدُ)، وَهُوَ الْأَصَحُ (فَإِنْ لَمْ يُحْدِث الإِمَامُ الأَوَّلُ وَقَعَدَ قَدْرَ التَّشَهُدِ ثُمَّ قَهْقَهَ أَوْ أَحْدَثَ مُتَعَمِّدًا فَسَدَتْ صَلَاةُ الَّذِي لَمْ يُدْرِكْ أَوَّلَ صَلَاتِهِ عند الإِمَامِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَا: لَا تَفْسُدُ (*)، وَإِنْ تَكَلَّمَ أَوْ خَرَجَ مِنْ المَسْجِدِ لَمْ تَفْسُدْ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا)
كثير ثبت على خلاف القياس في حق المدرك، والمسبوق ليس في معناه، فلا يلحق به.
قلنا: لا نسلم أنه كان في المدرك. كذا في الكاثي (١).
قوله: (وهو الأصح): وفي المبسوط (٢): فأما الإمام الأول إن كان قد فرغ من صلاته خلف الثاني مع القوم؛ فصلاته تامة كغيره، وإن كان في بيته ولم يدخل مع الإمام الثاني في الصلاة؛ تفسد صلاته.
وفي رواية أبي حفص قال: صلاته تامة أيضاً؛ لأنه مدرك أول الصلاة، فيكون كالفارغ بقعدة الإمام قدر التشهد والأصح هو الأول؛ لأنه قد بقي عليه البناء، وضحك الإمام في المنع عن البناء كضحك نفسه في هذه الحالة، فتفسد صلاته بضحك الإمام كما في ضحكه (٣).
ورواية أبي حفص كأنها غلط وقع من الكاتب؛ لأنه اشتغل بالتقسيم ثم أجاب في الفصلين: بأن صلاته تامة، وظاهر هذا التقسيم يستدعي المخالفة في الجواب.
واحترز المصنف بقوله: (وهو الأصح) عن رواية عن أبي حفص.
وفي الخبازية (٤): وجه الأصح: أنه لما استخلف صار مقتدياً به، فتفسد صلاته بفساد صلاة إمامه؛ ألا ترى أنه لو صلى ما بقي من صلاته في منزله، إن كان بعد فراغ الإمام الثاني جاز، وقبل فراغه لا يجوز؛ لأن له إماماً يلزمه الاقتداء به، فإذا انفرد بصلاته في حال وجوب الاقتداء فسدت صلاته.
стр. 842
لَهُمَا: أَنَّ صَلَاةَ المُقْتَدِي بِنَاءً عَلَى صَلَاةِ الإِمَامِ جَوَازًا وَفَسَادًا، وَلَمْ تَفْسُدْ صَلَاةُ الإِمَامِ فَكَذَا صَلَاتُهُ وَصَارَ كَالسَّلَامِ وَالكَلَامِ. وَلَهُ: أَنَّ القَهْقَهَةَ مُفْسِدَةٌ لِلْجُزْءِ الَّذِي تُلاقِيهِ مِنْ صَلَاةِ الإِمَامِ فَتُفْسِدُ مِثْلَهُ مِنْ صَلَاةِ المُقْتَدِي، غَيْرَ أَنَّ الإِمَامَ لَا يَحْتَاجُ إِلَى البِنَاءِ وَالمَسْبُوقَ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ، وَالبِنَاءُ عَلَى الفَاسِدِ فَاسِدٌ بِخِلَافِ السَّلَامِ، لِأَنَّهُ مِنْهُ
(أول صلاته)؛ أي: صلاة الإمام.
وفي المحيط (١): وهذا إذا لم يقيد المسبوق بالسجدة، فأما لو قيد لا تفسد صلاته بضحك الإمام أو بحدثه؛ لأنه لما قيد بها يتحقق كونه منفرداً، ولهذا لو سجد الإمام للسهو والمسبوق يتابعه بعد قيده بالسجدة؛ تفسد صلاة المسبوق، أما إذا لم يقيده لو تابعه في سجدة السهو؛ لا تفسد صلاته؛ لأنه لم يتحقق انفراده. كذا في الكاثي والخبازية (٢).
(وصار كالسلام والكلام)؛ حيث لم تفسد صلاته بهما بالاتفاق.
قوله: (لأنه منه): المراد من المنهي: ما يكون مستحقا بالتحريمة، إما بصفة الاتصال كالسلام أو الانفصال كالخروج. كذا في الْمُجْتَبى (٣).
وأما الحدث العمد والقهقهة؛ فليستا من موجبات التحريمة، بل هما من محظوراتها، بخلاف السلام والخروج؛ فإنهما من موجبات التحريمة، أما السلام؛ فلقوله ﵇: «وَتَحْلِيلُها التسليم» (٤)، وأما الخروج؛ فلقوله تعالى ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا﴾ [الجمعة: ١٠].
يوضح الفرق؛ ما ذكره شمس الأئمة قالوا: أن المقتدي بعد سلام الإمام وكلامه بعد ما قعد قدر التشهد يُسلّم، وبعدما قهقه أو أحدث عمدا لا يسلم، فعلم أن المنهي لا يتعدّى والمفسد يتعدّى. كذا في الفوائد الظهيرية (٥).
стр. 843
وَالكَلَامَ فِي مَعْنَاهُ، وَيَنْتَقِضُ وُضُوءُ الإِمَامِ لِوُجُودِ القَهْقَهَةِ فِي حُرْمَةِ الصَّلَاةِ.
(وَمَنْ أَحْدَثَ فِي رُكُوعِهِ أَوْ سُجُودِهِ تَوَضَّأَ وَبَنَى، وَلَا يُعْتَدُّ بِالَّتِي أَحْدَثَ فِيهَا)، لِأَنَّ إِثْمَامَ الرُّكْنِ بِالِانْتِقَالِ …
وفي مبسوط شيخ الإسلام (١): السلام منه لا يفسد؛ لأنه قاطع، والقاطع في أوانه منه وفي غير أوانه مبطل، وهاهنا في أوانه، فيكون منهيا لا مفسداً، فلا تفسد صلاة المقتدي لأنها بناء عليها.
وذكر التمرتاشي في صلاة اللاحق روايتين (٢).
(والكلام في معناه)؛ أي: في معنى السلام؛ لأن السلام كلام مع القوم عن يمينه ويساره؛ لوجود كاف الخطاب، ولهذا لو حلف لا يكلم فلانا فسلمه يحنث، ولو سلم الإمام أو تكلم؛ كان على القوم أن يسلموا، ولو ضحك أو أحدث متعمداً؛ ذهب القوم من غير سلام. كذا في جامع قاضي خان (٣).
وفي فتاواه (٤): لو تكلم الإمام قبل فراغ المقتدي من التشهد فإنه يتم التشهد؛ لأنه بمنزلة السلام، ولو أحدث متعمداً لا يتم وينتقض وضوء الإمام، وقال زفر: لا ينتقض؛ لأن كل قهقهة لا توجب فساد الصلاة؛ لا توجب انتقاض الوضوء عنده؛ لأنها ناقض بالنص على خلاف القياس، فيقتصر على مورد النص، ومورده القهقهة المفسدة للصلاة، وهذه غير مفسدة فلا ينتقض الوضوء.
وقلنا: أنها حصلت في حرمة الصلاة، وهي في الصلاة ناقضة بالنص.
قوله: (لأن تمام الركن بالانتقال): تمام السجدة بالرفع عند محمد ولم يوجد، وعند أبي يوسف: وإن تمت بالوضع، لكن الجلسة بين السجدتين فرض عنده، ولا تتحقق هي بغير طهارة، والانتقال من ركن إلى ركن فرض بالإجماع، فلا يعتد ركوعه ولا سجوده؛ لعدم تحقق الانتقال بالطهارة.
стр. 844
وَمَعَ الحَدَثِ لَا يَتَحَقَّقُ فَلَا بُدَّ مِنْ الإِعَادَةِ، وَلَوْ كَانَ إِمَامًا فَقَدَّمَ غَيْرَهُ، دَامَ المُقَدَّمُ عَلَى الرُّكُوعِ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ الإِثْمَامُ بِالاسْتِدَامَةِ.
(وَلَوْ تَذَكَّرَ وَهُوَ رَاكِعٌ أَوْ سَاجِدٌ أَنَّ عَلَيْهِ سَجْدَةً فَانْحَطَ مِنْ رُكُوعِهِ أَوْ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ سُجُودِهِ فَسَجَدَهَا يُعِيدُ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ وَهَذَا بَيَانُ الأَوْلَى لِتَقَعَ أَفْعَالُ الصَّلَاةِ مُرَتَّبَةٌ بِالقَدْرِ المُمْكِنِ، وَإِنْ لَمْ يُعِدْ أَجْزَأَهُ) لِأَنَّ الِانْتِقَالَ مَعَ الطَّهَارَةِ شَرْطٌ وَقَدْ وُجِدَ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀: أَنَّهُ تَلْزَمُهُ إِعَادَةُ الرُّكُوعِ لِأَنَّ الْقَوْمَةَ فَرْضٌ عِنْدَهُ.
(أن عليه سجدة)؛ أي: سجدة صلبية أو سجدة تلاوة.
(ودام المقدم)؛ أي: يمكث الغير راكعاً كما هو، ولا يحتاج إلى رفع رأسه ثم إنشاء الركوع.
(لأنه يمكنه الإتمام بالاستدامة): فلا يحتاج إلى إنشاء الركوع؛ لأن للدوام حكم الابتداء في الفعل الممتد، والركوع والسجود له امتداد، فلما دام المقدم صار كأنه ركع، أصله: حلف لا يلبس ثوباً وهو لابسه، أو لا يركب وهو راكبه؛ يحنث بالاستدامة؛ لوجود اللبس أو الركوب تاما بالاستدامة، ولأن الخليفة قائم مقام الأول، فكان الأول في مكانه، ولو كان في مكانه يمكث في ركوعه، فكذا هذا.
فإن قيل: لو قال: إذا جامعتك فأنت طالق، فجامع ولبث في الجماع؛ لا تثبت الرجعة عند محمد، فعلم أن الدوام ليس له حكم الابتداء.
قلنا: لا تثبت الرجعة عنده احتياطا؛ لأن الجماع هو الإيلاج والإخراج، وهما ليسا ممتدين فلا تثبت الرجعة بالشك.
قوله: (بالقدر الممكن)؛ يعني: إعادة الركوع والسجود؛ لتحقق الترتيب على اعتبار أن لا يكون الأول محسوباً، ويجوز أن يكون المراد تقريب الركوع والسجود إلى محله بقدر الإمكان.
قوله: (وإن لم يُعد أجزأه) فرق بين هذا وبين ما تقدم، والفرق من وجهين:
أحدهما: إن تذكر السجود في الركوع لا ينتقض الركوع؛ لأن الترتيب في
стр. 845
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أفعال الصلاة الواحدة ليست بشرط، وإذا لم ينتقض لا يلزمه الإعادة، أما سبق الحدث فناقض للركن؛ لأنه تنعدم به الطهارة، وهو شرط جواز الصلاة.
والثاني: أن تمام الركوع برفع الرأس؛ لأن الركن إنما يتم بالانتقال، وبعد الحدث لا يمكن أن يجعل ذلك انتقالا؛ كي لا يصير مؤديا أشياء من الصلاة مع الحدث، فيلزمه إتمام الركوع بعد الطهارة، وذلك لا يمكن إلا بالإعادة، أما تذكر السجدة لا يمنع من الانتقال وقد رفع رأسه، فيمكن أن يجعل إتماما لركوعه بعد تذكرها؛ لأن أداء شيء من الصلاة مع تذكرها جائز، فإنه لو أخر تلك السجدة إلى آخر الصلاة تجوز صلاته، إلا أنه يقصد بهذا الرفع إتمام ذلك الركوع، فتستحب له الإعادة، وإن لم يُعِدْ أجزأه. كذا في جامع قاضي خان، والمبسوط (١).
وفي المبسوط (٢): قال زفر: عليه إعادة القيام والركوع؛ لأن من أصله أن مراعاة الترتيب في أفعال الصلاة واجبة، فبطل ما أدى، وعندنا المراعاة غير واجبة؛ ألا ترى أن المسبوق لو بدأ بما أدرك مع الإمام يجوز، ولو كان الترتيب ركناً لما جاز له تركها بعذر الجماعة، كالترتيب بين الصلوات، وإن كان واجباً فقد سقط بعذر النسيان.
فإن قيل: الانتقال حصل لأداء ركن قبله، فهلا جعل الانتقال رفضاً ونقصاً لذلك الركن الذي تذكر فيه، كما لو قعد قدر التشهد ثم عاد إلى السجدة الصلبية، أو تذكر في الركوع أنه لم يقرأ فعاد للقراءة، يرفض ما كان فيه، وما الفرق بينهما؟.
قلنا: المشروع في الصلاة ركناً أو فرضاً أنواع، منها ما يتخذ في كل صلاة أو يتخذ في كل ركعة، ومنها ما يتعدد في ركعة أو في كل الصلاة، والترتيب شرط بين المتحد والمتحد، وبين المتعدد في كل الصلاة، أو كل الركعات وبين المتحد في كل الصلاة؛ لأن ما اتخذت شرعيته في كل الصلاة يراعى وجوده