← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30179

معراج الدراية في شرح الهداية

الكاكي

Полный текст (7 597 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

تَفْسُدُ)، وَهُوَ الْأَصَحُ (فَإِنْ لَمْ يُحْدِث الإِمَامُ الأَوَّلُ وَقَعَدَ قَدْرَ التَّشَهُدِ ثُمَّ قَهْقَهَ أَوْ أَحْدَثَ مُتَعَمِّدًا فَسَدَتْ صَلَاةُ الَّذِي لَمْ يُدْرِكْ أَوَّلَ صَلَاتِهِ عند الإِمَامِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَا: لَا تَفْسُدُ (*)، وَإِنْ تَكَلَّمَ أَوْ خَرَجَ مِنْ المَسْجِدِ لَمْ تَفْسُدْ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا) كثير ثبت على خلاف القياس في حق المدرك، والمسبوق ليس في معناه، فلا يلحق به. قلنا: لا نسلم أنه كان في المدرك. كذا في الكاثي (١). قوله: (وهو الأصح): وفي المبسوط (٢): فأما الإمام الأول إن كان قد فرغ من صلاته خلف الثاني مع القوم؛ فصلاته تامة كغيره، وإن كان في بيته ولم يدخل مع الإمام الثاني في الصلاة؛ تفسد صلاته. وفي رواية أبي حفص قال: صلاته تامة أيضاً؛ لأنه مدرك أول الصلاة، فيكون كالفارغ بقعدة الإمام قدر التشهد والأصح هو الأول؛ لأنه قد بقي عليه البناء، وضحك الإمام في المنع عن البناء كضحك نفسه في هذه الحالة، فتفسد صلاته بضحك الإمام كما في ضحكه (٣). ورواية أبي حفص كأنها غلط وقع من الكاتب؛ لأنه اشتغل بالتقسيم ثم أجاب في الفصلين: بأن صلاته تامة، وظاهر هذا التقسيم يستدعي المخالفة في الجواب. واحترز المصنف بقوله: (وهو الأصح) عن رواية عن أبي حفص. وفي الخبازية (٤): وجه الأصح: أنه لما استخلف صار مقتدياً به، فتفسد صلاته بفساد صلاة إمامه؛ ألا ترى أنه لو صلى ما بقي من صلاته في منزله، إن كان بعد فراغ الإمام الثاني جاز، وقبل فراغه لا يجوز؛ لأن له إماماً يلزمه الاقتداء به، فإذا انفرد بصلاته في حال وجوب الاقتداء فسدت صلاته.

стр. 842

لَهُمَا: أَنَّ صَلَاةَ المُقْتَدِي بِنَاءً عَلَى صَلَاةِ الإِمَامِ جَوَازًا وَفَسَادًا، وَلَمْ تَفْسُدْ صَلَاةُ الإِمَامِ فَكَذَا صَلَاتُهُ وَصَارَ كَالسَّلَامِ وَالكَلَامِ. وَلَهُ: أَنَّ القَهْقَهَةَ مُفْسِدَةٌ لِلْجُزْءِ الَّذِي تُلاقِيهِ مِنْ صَلَاةِ الإِمَامِ فَتُفْسِدُ مِثْلَهُ مِنْ صَلَاةِ المُقْتَدِي، غَيْرَ أَنَّ الإِمَامَ لَا يَحْتَاجُ إِلَى البِنَاءِ وَالمَسْبُوقَ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ، وَالبِنَاءُ عَلَى الفَاسِدِ فَاسِدٌ بِخِلَافِ السَّلَامِ، لِأَنَّهُ مِنْهُ (أول صلاته)؛ أي: صلاة الإمام. وفي المحيط (١): وهذا إذا لم يقيد المسبوق بالسجدة، فأما لو قيد لا تفسد صلاته بضحك الإمام أو بحدثه؛ لأنه لما قيد بها يتحقق كونه منفرداً، ولهذا لو سجد الإمام للسهو والمسبوق يتابعه بعد قيده بالسجدة؛ تفسد صلاة المسبوق، أما إذا لم يقيده لو تابعه في سجدة السهو؛ لا تفسد صلاته؛ لأنه لم يتحقق انفراده. كذا في الكاثي والخبازية (٢). (وصار كالسلام والكلام)؛ حيث لم تفسد صلاته بهما بالاتفاق. قوله: (لأنه منه): المراد من المنهي: ما يكون مستحقا بالتحريمة، إما بصفة الاتصال كالسلام أو الانفصال كالخروج. كذا في الْمُجْتَبى (٣). وأما الحدث العمد والقهقهة؛ فليستا من موجبات التحريمة، بل هما من محظوراتها، بخلاف السلام والخروج؛ فإنهما من موجبات التحريمة، أما السلام؛ فلقوله ﵇: «وَتَحْلِيلُها التسليم» (٤)، وأما الخروج؛ فلقوله تعالى ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا﴾ [الجمعة: ١٠]. يوضح الفرق؛ ما ذكره شمس الأئمة قالوا: أن المقتدي بعد سلام الإمام وكلامه بعد ما قعد قدر التشهد يُسلّم، وبعدما قهقه أو أحدث عمدا لا يسلم، فعلم أن المنهي لا يتعدّى والمفسد يتعدّى. كذا في الفوائد الظهيرية (٥).

стр. 843

وَالكَلَامَ فِي مَعْنَاهُ، وَيَنْتَقِضُ وُضُوءُ الإِمَامِ لِوُجُودِ القَهْقَهَةِ فِي حُرْمَةِ الصَّلَاةِ. (وَمَنْ أَحْدَثَ فِي رُكُوعِهِ أَوْ سُجُودِهِ تَوَضَّأَ وَبَنَى، وَلَا يُعْتَدُّ بِالَّتِي أَحْدَثَ فِيهَا)، لِأَنَّ إِثْمَامَ الرُّكْنِ بِالِانْتِقَالِ … وفي مبسوط شيخ الإسلام (١): السلام منه لا يفسد؛ لأنه قاطع، والقاطع في أوانه منه وفي غير أوانه مبطل، وهاهنا في أوانه، فيكون منهيا لا مفسداً، فلا تفسد صلاة المقتدي لأنها بناء عليها. وذكر التمرتاشي في صلاة اللاحق روايتين (٢). (والكلام في معناه)؛ أي: في معنى السلام؛ لأن السلام كلام مع القوم عن يمينه ويساره؛ لوجود كاف الخطاب، ولهذا لو حلف لا يكلم فلانا فسلمه يحنث، ولو سلم الإمام أو تكلم؛ كان على القوم أن يسلموا، ولو ضحك أو أحدث متعمداً؛ ذهب القوم من غير سلام. كذا في جامع قاضي خان (٣). وفي فتاواه (٤): لو تكلم الإمام قبل فراغ المقتدي من التشهد فإنه يتم التشهد؛ لأنه بمنزلة السلام، ولو أحدث متعمداً لا يتم وينتقض وضوء الإمام، وقال زفر: لا ينتقض؛ لأن كل قهقهة لا توجب فساد الصلاة؛ لا توجب انتقاض الوضوء عنده؛ لأنها ناقض بالنص على خلاف القياس، فيقتصر على مورد النص، ومورده القهقهة المفسدة للصلاة، وهذه غير مفسدة فلا ينتقض الوضوء. وقلنا: أنها حصلت في حرمة الصلاة، وهي في الصلاة ناقضة بالنص. قوله: (لأن تمام الركن بالانتقال): تمام السجدة بالرفع عند محمد ولم يوجد، وعند أبي يوسف: وإن تمت بالوضع، لكن الجلسة بين السجدتين فرض عنده، ولا تتحقق هي بغير طهارة، والانتقال من ركن إلى ركن فرض بالإجماع، فلا يعتد ركوعه ولا سجوده؛ لعدم تحقق الانتقال بالطهارة.

стр. 844

وَمَعَ الحَدَثِ لَا يَتَحَقَّقُ فَلَا بُدَّ مِنْ الإِعَادَةِ، وَلَوْ كَانَ إِمَامًا فَقَدَّمَ غَيْرَهُ، دَامَ المُقَدَّمُ عَلَى الرُّكُوعِ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ الإِثْمَامُ بِالاسْتِدَامَةِ. (وَلَوْ تَذَكَّرَ وَهُوَ رَاكِعٌ أَوْ سَاجِدٌ أَنَّ عَلَيْهِ سَجْدَةً فَانْحَطَ مِنْ رُكُوعِهِ أَوْ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ سُجُودِهِ فَسَجَدَهَا يُعِيدُ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ وَهَذَا بَيَانُ الأَوْلَى لِتَقَعَ أَفْعَالُ الصَّلَاةِ مُرَتَّبَةٌ بِالقَدْرِ المُمْكِنِ، وَإِنْ لَمْ يُعِدْ أَجْزَأَهُ) لِأَنَّ الِانْتِقَالَ مَعَ الطَّهَارَةِ شَرْطٌ وَقَدْ وُجِدَ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀: أَنَّهُ تَلْزَمُهُ إِعَادَةُ الرُّكُوعِ لِأَنَّ الْقَوْمَةَ فَرْضٌ عِنْدَهُ. (أن عليه سجدة)؛ أي: سجدة صلبية أو سجدة تلاوة. (ودام المقدم)؛ أي: يمكث الغير راكعاً كما هو، ولا يحتاج إلى رفع رأسه ثم إنشاء الركوع. (لأنه يمكنه الإتمام بالاستدامة): فلا يحتاج إلى إنشاء الركوع؛ لأن للدوام حكم الابتداء في الفعل الممتد، والركوع والسجود له امتداد، فلما دام المقدم صار كأنه ركع، أصله: حلف لا يلبس ثوباً وهو لابسه، أو لا يركب وهو راكبه؛ يحنث بالاستدامة؛ لوجود اللبس أو الركوب تاما بالاستدامة، ولأن الخليفة قائم مقام الأول، فكان الأول في مكانه، ولو كان في مكانه يمكث في ركوعه، فكذا هذا. فإن قيل: لو قال: إذا جامعتك فأنت طالق، فجامع ولبث في الجماع؛ لا تثبت الرجعة عند محمد، فعلم أن الدوام ليس له حكم الابتداء. قلنا: لا تثبت الرجعة عنده احتياطا؛ لأن الجماع هو الإيلاج والإخراج، وهما ليسا ممتدين فلا تثبت الرجعة بالشك. قوله: (بالقدر الممكن)؛ يعني: إعادة الركوع والسجود؛ لتحقق الترتيب على اعتبار أن لا يكون الأول محسوباً، ويجوز أن يكون المراد تقريب الركوع والسجود إلى محله بقدر الإمكان. قوله: (وإن لم يُعد أجزأه) فرق بين هذا وبين ما تقدم، والفرق من وجهين: أحدهما: إن تذكر السجود في الركوع لا ينتقض الركوع؛ لأن الترتيب في

стр. 845

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . أفعال الصلاة الواحدة ليست بشرط، وإذا لم ينتقض لا يلزمه الإعادة، أما سبق الحدث فناقض للركن؛ لأنه تنعدم به الطهارة، وهو شرط جواز الصلاة. والثاني: أن تمام الركوع برفع الرأس؛ لأن الركن إنما يتم بالانتقال، وبعد الحدث لا يمكن أن يجعل ذلك انتقالا؛ كي لا يصير مؤديا أشياء من الصلاة مع الحدث، فيلزمه إتمام الركوع بعد الطهارة، وذلك لا يمكن إلا بالإعادة، أما تذكر السجدة لا يمنع من الانتقال وقد رفع رأسه، فيمكن أن يجعل إتماما لركوعه بعد تذكرها؛ لأن أداء شيء من الصلاة مع تذكرها جائز، فإنه لو أخر تلك السجدة إلى آخر الصلاة تجوز صلاته، إلا أنه يقصد بهذا الرفع إتمام ذلك الركوع، فتستحب له الإعادة، وإن لم يُعِدْ أجزأه. كذا في جامع قاضي خان، والمبسوط (١). وفي المبسوط (٢): قال زفر: عليه إعادة القيام والركوع؛ لأن من أصله أن مراعاة الترتيب في أفعال الصلاة واجبة، فبطل ما أدى، وعندنا المراعاة غير واجبة؛ ألا ترى أن المسبوق لو بدأ بما أدرك مع الإمام يجوز، ولو كان الترتيب ركناً لما جاز له تركها بعذر الجماعة، كالترتيب بين الصلوات، وإن كان واجباً فقد سقط بعذر النسيان. فإن قيل: الانتقال حصل لأداء ركن قبله، فهلا جعل الانتقال رفضاً ونقصاً لذلك الركن الذي تذكر فيه، كما لو قعد قدر التشهد ثم عاد إلى السجدة الصلبية، أو تذكر في الركوع أنه لم يقرأ فعاد للقراءة، يرفض ما كان فيه، وما الفرق بينهما؟. قلنا: المشروع في الصلاة ركناً أو فرضاً أنواع، منها ما يتخذ في كل صلاة أو يتخذ في كل ركعة، ومنها ما يتعدد في ركعة أو في كل الصلاة، والترتيب شرط بين المتحد والمتحد، وبين المتعدد في كل الصلاة، أو كل الركعات وبين المتحد في كل الصلاة؛ لأن ما اتخذت شرعيته في كل الصلاة يراعى وجوده

стр. 846

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . صورة ومعنى، تحرّزاً عن تفويت ما تعلق به جزءًا أو كلا؛ إذ لا يمكن استيفاء ما تعلق به جزءا أو كلاً من جنسه ضرورة اتحاده في الشرعية، والإفراد بها دليل توقف ذلك عليه، وهكذا يقول فيما اتحدت شرعيته في كل ركعة، بشرط الترتيب بين المتحد والمتحد، وكذلك ما تعددت شرعيته في كل ركعة. كذا في الفوائد الظهيرية (١). أو نقول: إنما لا يجوز تأخير السجدة عن القعدة، ونرفض القعدة بإتيان السجدة؛ لما أنه ﵇ علق تمام الصلاة بها في قوله: «إذا قلت هذا أو فَعَلْتَ هذا … » الحديث (٢)، فلو قلنا بجواز تأخير غيرها عنها؛ لكان تمام الصلاة بذلك الغير، وهو خلاف ما شرعه الشارع فلا يجوز، وكذا لا يجوز تأخير القيام أو الركوع عن السجود؛ لما أن القيام وسيلة الركوع والركوع وسيلة السجود، حتى أن من لم يقدر على الركوع والسجود لا يجب عليه القيام؛ لأن نهاية التواضع فيه، والوسائل مقدمة على المقاصد، وكذلك القراءة؛ فإنها زينة القيام، فلما كان القيام مقدماً؛ كانت زينته أيضاً مقدمة على الركوع. وفي مبسوط شيخ الإسلام: هذا إذا لم يقرأ أصلا، فإن المعتبر هو الركوع الثاني على اتفاق الروايات، أما إذا أتم القراءة وركع ثم عاد إلى القراءة ثانياً؛ ففيه روايتان في ارتفاض الركوع. قال شمس الأئمة (٣) بعد قوله: ولو ترك سجدة من الركعة الأولى فَخَرَّ ساجداً ثم رفع رأسه، فإن احتسب بذلك الركوع يجاز، وإن أعاد فهو أحب إليَّ، وقال زفر: عليه أن يعيد القيام والقراءة والركوع؛ لأن من أصله أن مراعاة الترتيب في أفعال الصلاة شرط، فالتحقت هذه السجدة بمحلها، وبطل ما أدى

стр. 847

قَالَ: (وَمَنْ أَمَّ رَجُلًا وَاحِدًا فَأَحْدَثَ وَخَرَجَ مِنْ المَسْجِدِ فَالْمَأْمُومُ إِمَامٌ نَوَى أَوْ لَمْ يَنْوِ لِمَا فِيهِ مِنْ صِيَانَةِ الصَّلَاةِ، وَتَعْيِينُ الأَوَّلِ لِقَطْعِ المُزَاحَمَةِ وَلَا مُزَاحَمَةَ هَاهُنَا، وَيُتِمُّ الأَوَّلُ صَلَاتَهُ مُقْتَدِيًا بِالثَّانِي كَمَا إِذَا اسْتَخْلَفَهُ حَقِيقَةٌ (وَلَوْ لَمْ يَكُنْ خَلْفَهُ إِلَّا صَبِيٌّ أَوِ امْرَأَةٌ قِيلَ: تَفْسُدُ صَلَاتُهُ) لِاسْتِخْلَافِ مَنْ لَا يَصْلُحُ لِلْإِمَامَةِ، وَقِيلَ: لَا تَفْسُدُ)، لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَد الاسْتِخْلَافُ قَصْدًا وَهُوَ لَا يَصْلُحُ لِلْإِمَامَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. لترك الترتيب فأعيد وعندنا مراعاة الترتيب ليس بركن؛ ألا ترى أن المسبوق يبدأ بما أدرك مع الإمام، ولو كان الترتيب ركنا لما جاز، إلى آخر ما ذكرناه. قوله: (نوى): الضمير في (نوى) يحتمل الإمام، يعني نوى الإمام استخلافه أولا لتعينه، كما لو قال لعبديه: أحدكما حر، ثم مات أحدهما قبل البيان، فتعين الحي للحرية لتعينه، فكذا هذا. ويحتمل المقتدي يعني نوى هو للإمامة أولا، لتعينه للاستخلاف الصلاحيته للإمامة، أما لو كان خلفه صبي أو امرأة ولم يقدمها؛ حيث لا تصير إماماً لعدم صلاحيتها لها، وصلاة الرجل تامة كالمنفرد، وصلاتها فاسدة؛ لأنها مقتدية ولم يبق لها إمام، والمقتدي متى لم يبق له إمام تفسد صلاته؛ لفوات شرط الاقتداء. كذا في مبسوط شيخ الإسلام (١). وفي جامع قاضي خان (٢): أحدث وخلفه من لا يصلح للإمامة، نحو الصبي والمرأة والأمي؛ اختلف فيه: قيل: تفسد صلاة الإمام لا غير. وقيل: تفسد صلاة المقتدي لا غير، وهو الصحيح؛ لأنه إنما يتعين للإمامة إذا كان أهلا لها؛ صيانة للصلاة عن الفساد، أما إذا لم يكن أهلاً؛ كان في تعينه إفساد صلاة الكل، فلا يتعين، فحينئذ بقي الإمام منفرداً، فلا تفسد صلاته وتفسد صلاة المقتدي؛ لخلو مكان إمامه عن الإمام. قال التمرتاشي (٣): الأصح: أن صلاة الإمام لا تفسد؛ لأن الإمامة انتقلت

стр. 848

بَابُ مَا يُفْسِدُ الصَّلَاةَ وَمَا يُكْرَهُ فِيهَا منه من غير صنعه، وكذا لو اقتدى مقيم بالمسافر في فائتة السفر فأحدث الإمام؛ لا يصير المقيم إماماً له؛ لعدم صلاحية إمامته له، ولو كان خلفه جماعة لا يتعين أحدهما إلا بتقديم الإمام أو القوم، أو بتقدمه فيقتدوا به، ولو استخلف الإمام رجلين، أو هو رجلاً والقوم رجلاً أو القوم رجلين، بعضهم رجلاً وبعضهم رجلاً آخر؛ فسدت صلاة الكل، فإن خرج الإمام قبل تعين الخليفة؛ فسدت صلاة القوم، والإمام المحدث على إمامته ما لم يخرج عن المسجد، أو يقيم خليفته مقامه، أو يستخلف القوم غيره، أو يتقدم بنفسه حتى صح الاقتداء به، ولو تأخر الإمام ليستخلف، فلبث في مكانه لينظر من يصلح، فقيل: إن استخلف كَبَّر رجل من وسط الصف للخلافة وتقدم؛ فصلاة من كان أمامه فاسدة، ومن خلفه جائزة، وكذا لو استخلف الإمام رجلاً من وسط الصف، قبل أن يخرج وقبل أن يقوم خليفته مكانه؛ تفسد صلاة من كان أمامه، ولو استخلف القوم إمامين؛ فسدت صلاة الأقل، وإن استويا فسدت صلاة الكل. وعن السَّرَخْسِي: أن الأقل إن كان ثلاثة فسدت صلاة الكل؛ لأن الثلاثة جمع، فيكون مساوياً للأكثر حكمًا، كالمدعيين يقيم شاهدين والآخر عشرا (١). قال الحسن: واتفقت الروايات أن الخليفة لا يصير إماماً حتى ينوي (٢). وعن أبي حنيفة، ومحمد: إن نوى الإمامة في الحال؛ صار إماماً قبل التقدم، حتى لو أتم الصلاة في مكانه؛ فسدت صلاة من أمامه، ولو نوى أن يصير إماماً إذا تقدم؛ فهو على ما نوى (٣). [بَابُ مَا يُفْسِدُ الصَّلَاةَ وَمَا يُكْرَهُ فِيهَا] هذا الباب لبيان نوع من العوارض في الصلاة أيضاً، فكان من جنس الباب المتقدم، إلا أنه في العوارض التي لا اختيار للمصلي فيها، فكانت سماوية، وهذا لبيان المكتسبة، فتقدم السماوية.

стр. 849

(وَمَنْ تَكَلَّمَ فِي صَلَاتِهِ عَامِدًا أَوْ سَاهِيًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ) خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ ﵀ فِي الخَطَا وَالنِّسْيَانِ، وَمَفْزَعُهُ الحَدِيثُ المَعْرُوفُ (خلافًا للشافعي) (١) فإنه قال: كلام الخاطئ والناسي لا يفسد، وكذا كلام الجاهل بتحريم الكلام في الصلاة؛ بأن كان حديث عهد بالإسلام ولم يطل الكلام، فلو أطال؛ ففي ظاهر مذهبه تبطل صلاته؛ لأن الكلام الكثير مما لا يقع السهو به عادة، فيمكن الاحتراز عنه. وقال بعض أصحابه: لا تبطل وإن كثر (٢)؛ لإطلاق الحديث. وبقوله: قال مالك (٣)، وأحمد في رواية (٤)، وقال أحمد في رواية: مثل قولنا. (مفزعه)؛ أي: مرجعه وملجأه (الحديث المعروف)؛ وهو قوله ﵇: «رفع عن أُمتي … الحديث» (٥)، وحديث معاوية بن الحكم؛ فإنه لما رجع من الحبشة شمت العاطس في صلاته، فلما انصرف النبي ﵇ قال: «إنّ صلاتنا هذه لا يَصلُحُ فيها شيءٌ من كلام الناس» (٦)، ولم يأمره بالإعادة، وحديث ذي اليدين وهو معروف (٧). وقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ﴾ [الأحزاب: ٥]، وقياس الكلام بالسلام؛ إذ كل واحد منهما قاطع، ثم يفصل فيه بين العمد والنسيان، فكذا في الكلام، بخلاف الحدث؛ لأنه مناف للصلاة، فيسوى فيه بين العمد والنسيان. كذا في الأسرار (٨).

стр. 850

وَلَنَا: قَوْلُهُ ﵊: «إِنَّ صَلَاتَنَا هَذِهِ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ، وَإِنَّمَا هِيَ التَّسْبِيحُ وَالتَّهْلِيلُ وَقِرَاءَةُ القُرْآنِ»، وَمَا رَوَاهُ مَحْمُولٌ عَلَى رَفْعِ الإِثْمِ. بِخِلَافِ السَّلَامِ سَاهِيًا، لِأَنَّهُ مِنْ الأَذْكَارِ، فَيُعْتَبَرُ ذِكْرًا فِي حَالَةِ النِّسْيَانِ، وَكَلَامًا فِي ولنا: ما روينا من قوله ﵇: «وَلْيَبْنِ على صلاته ما لم يتكلم» (١)، أباح البناء ما لم يتكلم ولم يقل شيئا عن قصد، وقوله ﵇: «إن الكلام ينقض الصلاة لا الوضوء» (٢)، وما روي عن ابن مسعود أنه قال: لما قدمت من الحبشة وجدت النبي ﵇ في الصلاة، فسلمت عليه فلم يرد علي، فأخذني من قرب ومن بعد، فلما فرغ ﵇ من الصلاة قال لي: «يا ابن مسعود؛ إنّ الله تعالى يُحدِثُ من أمرِهِ ما يشاءُ، وإن مما أحدث أن لا يُتَكَلَّم في الصلاة» (٣). كذا في المبسوط (٤). وحديث معاوية بن الحكم وهو مذكور في الكتاب. وجه الاستدلال به: أن الشرع نفى الصلاح عند الكلام، فيكون الكلام ضده؛ لأن انتفاء الشيء إنما يكون بثبوت ضده، وهو كالأكل والشرب فإنهما يفسدانها؛ لأنهما لا يصلحان فيها، فكان قوله: «لا يصلح فيها» أوجب فساد الصلاة بالكلام، ولم يُفَصِّل، فيسوى فيه كلام الناسي والعامد. فإن قيل: جاز أن يكون مكروهاً؛ لأنه غير صالح أيضاً. قلنا: هو صالح من وجه دون وجه والنص يقتضي انتفاء الصلاح مطلقا،

стр. 851

حَالَةِ التَّعَمُّدِ، لِمَا فِيهِ مِنْ كَافِ الخِطَابِ … والمعنى: أن ما لا يصلح للصلاة مفسد لها ناسياً أو عامداً كالأكل والشرب، ولهذا لو طال الكلام يفسد، ولو كان النسيان عذراً لاستوى فيه الطول والقصر، كالأكل في باب الصوم، والقياس في السلام كذلك، إلا أنا اسْتَحْسَنَّا فيه بمعنى لا يوجد في الكلام؛ وهو أن السلام من جنس الأذكار، فإن المصلي في التشهد يُسَلِّمُ على النبي وعلى عباد الله الصالحين، ولأنه اسم من أسماء الله تعالى، وإنما أخذ حكم الكلام بكاف الخطاب، وإنما يتحقق فيه معنى الخطاب عند القصد، فيعتبر ذكرا في حال النسيان وكلاما في حالة العمد عملاً بالشبهين، بخلاف الكلام؛ فإنه مناف الصلاة على كل حال، وتحمل الآية والحديث على رفع الإثم. كذا في المبسوط (١)، والأسرار، ويعرف تمام هذا البحث في الأصول. وأما حديث ذي اليدين؛ فقد كان في وقت كان الكلام مباحاً في الصلاة ثم انتسخ ذلك؛ ألا ترى أن ذي اليدين كان عامداً بالكلام، وكذا أبو بكر وعمر ﵄ ولم يأمرهم بالاستقبال. ويدل على نسخه أيضاً: أن ذي اليدين لم يُسبّح برسول الله، باتفاقنا أن رجلاً لو ترك أمامه شيئاً من صلاته يسبح به؛ ليعلم إمامه ما قد تركه، فدل أن ما علمه ﵇ الناس من التسبيح في الصلاة لنائبة كان متأخرا عن ذلك. فإن قيل: كيف يستقيم هذا؛ فإن راوي حديث ذي اليدين أبو هريرة، وهو أسلم بعد فتح خيبر، وقد قال أبو هريرة: صلى بنا … . وحرمة الكلام كان ثابتًا حين قدم ابن مسعود من الحبشة، وذلك في أول الهجرة. قلنا: معنى قوله: صلى بنا؛ أي: بأصحابنا، فلا وجه للحديث إلا هذا؛ لأن ذا اليدين قتل ببدر، واسمه مشهور في شهداء بدر، وذلك قبل فتح خيبر بزمان طويل. كذا في المبسوط (٢).

стр. 852

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وروى أبو داود (١) عن زيد بن أرقم: كان أحدنا يكلم الرجل إلى جنبه في الصلاة، فنزلت ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، فأُمِرْنا بالسكوت ونُهِيناً عن الكلام، والآية في سورة البقرة، وهي مدنية بالإجماع، وصحبة زيد بن أرقم كانت بالمدينة لرسول الله، فيثبت به أن نسخ الكلام بعد قدوم النبي ﵇ من مكة وإسلام أبي هريرة، وكونه متأخرا لا يقدح بالقول بالنسخ؛ لأن أبا هريرة صحب النبي ﵇ أربع سنين، وليس بممتنع أن تكون الآية المُحَرِّمة للكلام نزلت بعد إسلامه، فلا يجوز الاحتجاج به ما لم يقم دليل على أنه كان بعد نسخ الكلام، وإنما لم يأمر معاوية بن الحكم بالإعادة؛ لأن نسخ الكلام ثبت بعده، لقوله: «إنَّ صلاتنا هذه … » الحديث (٢). كذا في الْمُجْتَبى (٣) وهذا غير قوي؛ لما روي أن معاوية بن الحكم قال: صليت خلف النبي ﵇، فعطس بعض القوم، فقلت: يرحمك الله، فرماني القوم بأبصارهم ينظرون إلي شزراً، فضربوا أيديهم على أفخاذهم، علمت أنهم يسكتونني، فلما فرغ النبي ﵇ دعاني، والله ما قهرني ولا زجرني، ولكن قال: «إن صلاتنا … » الحديث، وهذا يدل على أن نسخ الكلام قبله، وحديث ابن مسعود يدل على نسخه قبله. ثم الكلام العمد قليلا كان أو كثيراً، طال أو قصر، لإصلاح الصلاة أو لا؛ مفسد، وعند مالك: إن كان لإصلاح الصلاة لا تفسد؛ كإعلام إمامه سهوه إن لم ينتبه إلا بالكلام (٤)، وهكذا حكي عن الأوزاعي، وقال: إذا تكلم عمدًا فيها بكلام واجب عليه لا تبطل، وذلك أن يخاطب الرسول أحدا من القوم وهو في الصلاة فتجب الإجابة؛ لأنه ﵇ مر على أبي وهو يصلي، فقال ﵇: «السَّلامُ عليكَ يا أُبَيّ»، فلم يَرُدّ عليه، فقال ﵇: «ما مَنعَكَ أن

стр. 853

(فَإِنْ أَنَّ فِيهَا أَوْ تَأَوَّهَ أَوْ بَكَى فَارْتَفَعَ بُكَاؤُهُ، فَإِنْ كَانَ مِنْ ذِكْرِ الجَنَّةِ أَوْ النَّارِ لَمْ يَقْطَعْهَا) لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى زِيَادَةِ الخُشُوعِ (وَإِنْ كَانَ مِنْ وَجَعٍ أَوْ مُصِيبَةٍ قَطَعَهَا) لِأَنَّ فِيهِ إِظْهَارَ الجَزَعِ وَالتَّأَسُّفِ فَكَانَ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ رَحْمَهُ: أَنَّ قَوْلَهُ: «آهِ» تُجِيبَني؟»، فقال: كنت في الصلاة، فقال ﵇: «أَلَم تَجِد فيما أُوحِيَ إليَّ»: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ٢٤] (١)؟. وقلنا: هذا في بدء الإسلام بحديث معاوية بن الحكم. وحد الكلام المفسد المسموع المتهجى، وأقله: حرفان، سواء كان مفيدا أو لا. وإن لم يُسمع وصح الحروف؛ لا يفسد خلافًا للكرخي، والمختار: أن الكلام نائما والسلام عمدًا مفسد (٢). وقيل: السلام عمدا إنما يفسد إذا خاطب به إنساناً. كذا في الْمُجْتَبى (٣). قوله: (فَإِنْ أَنَّ فِيهَا)؛ أي: في الصلاة (أو تأوَّهَ): قالوا تفسير الأنين: أن يقول آه، وتفسير التأوه: أن يقول أوه. وفي الصحاح (٤): قولهم عند الشكاية (أووه من كذا) ساكنة الواو، وإنما هو تَوَجُعُ، وربما قلبوا الواو ألفا فقالوا: (آه من كذا)، وربما شدّدوا الواو وكسروها وسكنوا الهاء فقالوا: أوه من كذا، وربما حذفوا الهاء مع التشديد وقالوا: (آو من كذا) بلا مد، وبعضهم قالوا: (آوه) بالمد والتشديد وفتح الواو، وساكنة الهاء؛ لتطويل الصوت بالشكاية. (فارتفع بكاؤه)؛ أي: حصل به الحروف وبقولنا: قال مالك (٥)، وأحمد (٦).

стр. 854

لَا يُفْسِدُ فِي الحَالَيْنِ (*) وَ «أُوَّهِ» يُفْسِدُ. وَقِيلَ: الأَصْلُ عِنْدَهُ أَنَّ الكَلِمَةَ إِذَا اشْتَمَلَتْ عَلَى حَرْفَيْنِ وَهُمَا زَائِدَتَانِ أَوْ إِحْدَاهُمَا لَا تَفْسُدُ، وَإِنْ كَانَتَا أَصْلِيَّتَيْنِ تَفْسُدُ. وَحُرُوفُ الزَّوَائِدِ جَمَعُوهَا فِي قَوْلِهِمْ: «اليَوْمَ تَنْسَاهُ». وإنما افترق الحكم بين ذكر الجنة والنار، وبين الوجع والمصيبة؛ لما أن الأنين من ذكر الجنة والنار تعريض لسؤال الجنة، والتعوذ من النار، ولو صرح به فقال: اللهم إني أسألك الجنة وأعوذ بك من النار لم يضره، فكذلك هاهنا، وإذا كان من وجع فهو تعريض بإظهار الوجع، ولو صرح به فقال: أعينوني فإني مصاب تفسد، فكذا هاهنا. ثم إن كان الأنين من وجع مما يمكن الامتناع عنه؛ عن أبي يوسف: يقطع الصلاة، وإن كان مما لا يمكن لا يقطع. وعن محمد أنه قال: إن كان المرض خفيفاً يقطع، وإن كان ثقيلاً لا يقطع؛ لأنه لا يمكن القعود إلا بالأنين. كذا ذكره المحبوبي (١). (في الحالين)؛ أي: حال ذكر الجنة والنار، وحال التوجع. ثم عند الشافعي: البكاء لا يُفْسِدُ في الحالين؛ لأن ما ظهر من الصوت ليس بكلام في الحالين، ولا مُعَبِّر عما في القلب، فلا معنى للفصل بين الحالين (٢). لكن قد ذكرنا الفرق. (الأصل عنده)؛ أي: عند أبي يوسف. (وإن كانتا أصليتين تفسد)؛ فلذلك لم يفسداه؛ لأنهما من حروف الزوائد، و (أوه) تفسد وإن كان كلها من الزوائد؛ لأنه زاد على الحرفين. وقد قيل: عدم الإفساد بالحرفين، فكان الزائد عليهما مفسداً وإن كان هو من حروف الزوائد، وفيه إشارة إلى أن (ليس) مفسد؛ لأن فيه حرفين أصليين، (وأوه) مفسد أيضاً؛ لأنه زائد على الحرفين.

стр. 855

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وفي جمل النوازل: وكذا أُفٌ وتفّ غير مفسد (١). وقال الشافعي في قول كقول أبي يوسف. احتج أبو يوسف: بما روي أنه ﵇ صلى صلاة الكسوف ونفخ في سجوده، وقال: «أُفّ وتفّ (٢)؛ ألم تَعِدُني ألا تعذِّبَهُم وأنا (٣) فيهم» (٤)، ولما ثبت هذا بالنص ثبت غيره بالاستدلال به. والمعنى فيه: أن أصل كلام العرب ثلاثة أحرف ليكون له ابتداء ووسط وانتهاء، فكان الحرف الواحد أقل الجملة، فلا يطلق عليه اسم الكلام، وكذلك الحرفان إذا كان أحدهما من الزوائد؛ لأنه واحد على اعتبار الأصل؛ ألا ترى أن التنحنح وهو (أح) لا يقطع الصلاة؛ لأنه حرفان: أحدهما همزة، وهي من حروف الزوائد. كذا في الأسرار (٥). وعند أبي حنيفة، ومحمد، والشافعي في قول (٦)، ومالك في رواية (٧)، وأحمد (٨)، وأبي يوسف أولاً: يقطع؛ لقوله ﵇ لرباح وهو ينفخ في صلاته: «أَمَا عَلِمْتَ أن مَنْ نفخ في صَلاتِهِ فَقَد تَكَلَّم» (٩)، ولأنه من جنس الكلام؛ لأنه حروف مهجاة، وله معنى مفهوم يذكر لمقصود؛ فإنه يستعمل جوابًا

стр. 856

وَهَذَا لَا يَقْوَى، لِأَنَّ كَلَامَ النَّاسِ فِي مُتَفَاهَمِ العُرْفِ يَتْبَعُ وُجُودَ حُرُوفِ الهِجَاءِ وَإِفْهَامَ المَعْنَى، وَيَتَحَقَّقُ ذَلِكَ عما تضجر منه، ولكل ما يستقذر. وقيل: (أف) اسم لوسخ الأظافر، و (تف) اسم لوسخ البراجم. وقيل: اسم لوسخ الأذن، و (تف) لوسخ الظفر، وفيها لغات قرئ بها في الشواذ وغيرها، قال تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفّ﴾ [الإسراء: ٢٣] فجعله من القول. وقال الشاعر (١): أُفَّا وَتَفًا لِمَنْ مَوَدَّتُهُ … إِنْ غِبْتُ عَنْهُ سُوَيْعَةً زَالَتْ إِنْ مَالَتْ الرِّيحُ هَكَذَا وَكَذَا … مَالَ مَعَ الرِّيحِ أَيْنَمَا مَالَتْ (٢) والكلام مفسد بخلاف التنحنح؛ فإنه لإصلاح الحلق، ليتمكن به من القراءة، وحديث الكسوف يحتمل أنه حين كان الكلام مباحاً، ويحتمل بعده، والخبر حكاية فعل لا عموم له، فسقط الاحتجاج به، مع أن الثقات رووه أنه ﵇ قاله في سجود المناجاة بعد الفراغ من الصلاة. كذا في المبسوط (٣). وفي المحيط (٤): إذا قال (أف) مخفّفًا؛ لا تفسد عند أبي يوسف بلا خلاف بين المشايخ، ولو قال (أف) مشدّدا؛ ينبغي أن يكون فيه اختلاف المشايخ، وعندهما: تفسد الصلاة فيهما جميعاً لما ذكرنا. (وهذا)؛ أي: الأصل الذي ذكر على قول أبي يوسف (لا يقوى)؛ لأنه لو كانت ثلاثة أحرف زوائد تفسد عنده، وينبغي أن لا تفسد على اعتبار الأصل، كما لو كانت حرفان أحدهما زائد. (يتبع وجود الهجاء): وفي بعض النسخ: حروف الهجاء. (ويتحقق ذلك)؛ أي: إفهام المعنى في الكلمة التي كل حروفها زوائد،

стр. 857

فِي حُرُوفٍ كُلُّهَا زَوَائِدُ (وَإِنْ تَنَحْنَحَ بِغَيْرِ عُذْرٍ) بِأَنْ لَمْ يَكُنْ مَدْفُوعًا إِلَيْهِ (وَحَصَلَ بِهِ فإنك إذا قلت: أنتم اليوم سألتمونيها؛ تفسد بالاتفاق، وهذا مبتدأ وخبر، وفعل وفاعل، ومفعول به ومفعول فيه، وكلها من حروف الزوائد. قيل: هذا لا يرد عليه؛ لأن كلامه في الحرفين لا في الزائد عليهما، فإن في الزائد قوله كقولهما. وفي المجتبى (١): نفخ في التراب فقال: أف أو تف أو بف؛ فسدت عندهما، خلافا لأبي يوسف، والصحيح: أن الخلاف في المخفف، وفي المشدد يفسد بالاتفاق. وقيل: في الأنين لا يقطع عندهم؛ لأنه صوت ممتد لا حروف له، وفي الأربع من حروف الزوائد يقطع عند أبي يوسف، وفي الثلاث اختلاف المشايخ. ولو قال في سوق الحمار أو زجر الكلب: هرا وهم؛ فسدت عندهما، ولو ساق حمارا أو أوقفه، أو استعطف كلبا أو هرة بما يعتاد الرستاقيون، من مجرد صوت ليس فيه حروف مهجاة؛ لا تفسد بالاتفاق. (بأن لم يكن مدفوعا إليه)؛ أي: لم يكن مضطرا في التنحنح، بأن كان مبعوث الطبع؛ لأنه حينئذ لا يمكنه الاحتراز عنه فلا تفسد. قال شيخ الإسلام: التنحنح لتحسين الصوت لا يقطع الصلاة؛ لأنه لإصلاح القراءة، فكان من القراءة (٢). وفي زلة القارئ لصدر القضاة: تنحنح الإمام عند القراءة؛ لا بأس به ما لم يكثر، فإن كثر فغيره أفضل، إلا إذا كان متبركا به (٣). قال المحسن: التنحنح اختيار كالنفخ على الاختلاف، والأصح كالسعال لا يقطع بالاتفاق. كذا في المجتبى (٤).

стр. 858

الحُرُوفُ، يَنْبَغِي أَنْ يَفْسُدَ عِنْدَهُمَا، وَإِنْ كَانَ بِعُذْرٍ فَهُوَ عَفْوٌ كَالعُطَاسِ) وَالجُشَاءِ إِذَا حَصَلَ بِهِ حُرُوفٌ. (وَمَنْ عَطَسَ فَقَالَ لَهُ آخَرُ: «يَرْحَمُكَ اللَّهُ» … ... … ... … وفي المحيط (١): إن لم يكن مدفوعا إليه في التنحنح، إلا أنه لإصلاح الحلق، إن ظهر له حروف نحو قوله: (أح أح) وتكلف في ذلك؛ فقال إسماعيل الزاهد: يقطع الصلاة عندهما؛ لأنه حروف مُهجَّاةٌ. وقال غيره من المشايخ: لا يقطع. وإن لم تظهر له حروف مُهجَّاةٌ لا يقطع بالاتفاق، وكذا قال الشافعي (٢). فالاختلاف في هذه المسألة لم يقطع الجواب في المتن، وقال: (ينبغي أن يفسد عندهما). وللشافعي في التنحنح إن ظهر له حروف قولان كما في النفخ. (كالعطاس)؛ يعني: إذا ظهر له حروف، نحو: (أصهب) لا يفسد. كذا في المبسوط (٣). وأراد بالأصهب: هيئة العطاس؛ فإنه يكون لبعض الناس على هذه الهيئة. (والجشاء)؛ يعني: إذا ظهر له حروف مهجاة. وفي فتاوى العتابي (٤): وكذا التثاؤب إذا ظهر له حروف مهجاة، وفيه لو اشتد مرضه فقال: (بسم الله) عند قيامه لضعفه؛ لا تفسد، وكذا لو أنَّ وهو لا يملك. قوله: (فقال له آخر: يرحمك الله): وإنما قيد بهذا؛ لأنه لو قال لعاطس لنفسه لا تفسد؛ لأن هذا بمنزلة قوله: (يرحمني الله)، وبهذا لا تفسد. كذا في الفوائد الظهيرية (٥).

стр. 859

وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ، فَسَدَتْ صَلَاتُهُ) لِأَنَّهُ يَجْرِي فِي مُخَاطَبَاتِ النَّاسِ فَكَانَ مِنْ كَلَامِهِمْ، بِخِلَافِ مَا إِذَا قَالَ العَاطِسُ أَوْ السَّامِعُ الحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى مَا قَالُوا، لِأَنَّهُ لَمْ يُتَعَارَفْ جَوَابًا. وفي المحيط (١): أسند ما ذكر في الفوائد إلى بعض المشايخ. وفي فتاوى قاضي خان (٢): ذكر الفساد، وقال: ينبغي أن لا تفسد، كما لو دعا بدعاء آخر، والأحسن السكوت. وفي المحيط (٣): في مسألة الكتاب لم تفسد صلاته عند أبي يوسف؛ لأن هذا دعاء بالمغفرة والرحمة، فله ذلك. ولهما: حديث معاوية بن الحكم، وبقولهما: أخذ الشافعي (٤)، وأحمد (٥). وعند مالك (٦): لا يُشَمِّتُ، ولو شَمَّتَ لا يرد بإشارة في فرض ولا نفل، بخلاف رد السلام بالإشارة عنده. (وهو)؛ أي: الآخر الذي قال: يرحمك الله. وفي قوله: (على ما قالوا)؛ إشارة إلى خلاف البعض. وفي المحيط (٧): لو حمد الله العاطس في نفسه ولا يحرك لسانه؛ عن أبي حنيفة: لا تفسد، فلو تحرك تفسد. وفي فتاوى العتابي (٨): لو قال السامع (الحمد لله) على رجاء الثواب من غير إرادة الجواب لا تفسد، وعن الحسن عن أبي حنيفة: تفسد إن أراد استفهامه، وعن محمد: أنه يحمد بعد الفراغ.

стр. 860

[الفتح على الإمام] (وَإِنْ اسْتَفْتَحَ فَفَتْحَ عَلَيْهِ فِي صَلَاتِهِ تَفْسُدُ) ولو سمع اسم النبي ﵇ وصلّى تفسد، وكذا لو سمع اسم الشيطان وقال: (لعنه الله) تفسد. وقيل: على قول أبي يوسف لا تفسد؛ لأنه في القرآن. ولو أجاب المؤذن تفسد، ولو أذن؛ ذكر البقالي (١) أنه يفسد، خلافا لأبي يوسف، وفي الفتاوى (٢): لا تفسد ما لم يقل (حي على الصلاة). وفي الْمُجْتَبى (٣): ولو أذن وأجاب المؤذن فسدت عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف: لا تفسد حتى يقول (حي على الصلاة)، ولو قال (نعم) أو (أرى)، لو اعتاده خارج الصلاة فسدت، وإلا فلا. ولو شمت العاطس بالتحميد لا تفسد إلا في رواية عن أبي حنيفة ومحمد، والعاطس يحمد الله فيها في نفسه، وبه قال مالك (٤)، وتركه أحسن. وفي الواقعات (٥): الأحسن السكوت، وعن أبي يوسف: يُسِرُّ المقتدي التحميد ويُخيَّر المنفرد. مصليان، عطس أحدهما فشمته ثالث، فقالا: آمين؛ فسدت صلاة العاطس؛ لأنه أجابه، دون الثاني. وفي الصحاح (٦): تشميت العاطس بالشين والسين، والشين أكثر (٧). وقوله: (استفتح): الاستفتاح: طلب الفتح، والفتح كشادن، ويقال: الاستنصار أيضاً، قال تعالى: ﴿يَسْتَفْتِحُونَ﴾ [البقرة: ٨٩]؛ أي: يستنصرون، ويصلح هاهنا إرادة المعنيين؛ فإن كلا منهما مفسد؛ لأن الفتح بمنزلة قول القائل: إذا انتهيت إلى هذا فبعده هذا، والتصريح به مفسد، فكذا النازل منزلته.

стр. 861

وَمَعْنَاهُ: أَنْ يَفْتَحَ المُصَلِّي عَلَى غَيْرِ إِمَامِهِ، لِأَنَّهُ تَعْلِيمُ وَتَعَلَّمُ فَكَانَ مِنْ جِنْسِ كَلَامِ كذا في الفوائد الظهيرية (١). (على غير إمامه)؛ لأنه لو كان المستفتح إماما والفاتح مقتديا يجوز بالنص؛ وهو ما روي أنه ﵇ قرأ في الصلاة سورة المؤمنين، فترك حرفًا، فلما فرغ قيل له، قال: «ألم يكُنْ فِيكم أَبَيّ؟ قالوا: نعم، قال ﵇: «هَلْ فَتَحْتَ عَلَيَّ؟» فقال: ظننت أنها نسخت، فقال: لَو نُسِخَتْ لأَنبَأْتُكُم بِها» (٢). وعن علي ﵁ أنه قال: " إذا استطعمك الإمام فأطعمه " (٣). رواه أبو داود عن النبي ﷺ . والاستطعام: مجاز عن الاستفتاح؛ لاشتراكهما في معنى الاستعانة. كذا في المبسوط (٤)، وفوائد الظهيرية. وفي المبسوط (٥): وابن عمر قرأ الفاتحة في المغرب، فلم يتذكر سورة، فقال نافع: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ [الزلزلة: ١] فقرأها. ولأن المقتدي قاصد لإصلاح صلاته؛ فإن قراءة الإمام قراءة له، فلتحقق حاجته لا تفسد، ولهذا لا ينبغي أن يعجل بالفتح، ولا ينبغي للإمام أن يلجئ القوم إلى الفتح، بل يركع إن قرأ مقدار ما تجوز به الصلاة، أو يتجاوز إلى آية أخرى أو سورة أخرى، فإن لم يفعل وخاف أن يجري على لسانه ما يفسد الصلاة؛ فحينئذ يفتحه، بخلاف غير المقتدي إذا فتح على المصلي تفسد صلاته، وكذا المصلي إذا فتح على غير المصلي فسدت صلاته؛ لأنه تعليم وتعلّم. وفي المنية (٦): لو فتح على الإمام من ليس في صلاته، ويذكر هو، فلو

стр. 862

النَّاسِ، ثُمَّ شَرَطَ التَّكْرَارَ فِي الأَصْلِ أخذ في التلاوة قبل تمام الفتح لم تفسد؛ لأن تذكره مضاف إلى الفتح، والقارئ إذا استفتح غيره فكأنه يقول بعد ما قرأت: ماذا فذكرني، والذي يفتح عليه كأنه يقول بعد ما قرأت: كذا فخذ مني، ولو صرح بهذا لم يشكل فساد الصلاة. (ثم شرط التكرار في الأصل)؛ أي: في المبسوط. وفي مبسوط شيخ الإسلام (١): رجل يصلي وخلفه رجل يتعلم القرآن، فاستفتح ففتح عليه غير مرة المصلي، فإنه ينظر إن أراد بهذه تعليمه فسدت صلاته، وإن لم يرد تعليمه بل أراد قراءة القرآن لا تفسد؛ لأن التعليم ليس من أفعالها، فإذا كثر منه في الصلاة أوجب الفساد، كما لو اشتغل بعمل آخر. ونظيره: ما لو قال إنسان لمصلي: ما مالك؟، فقال: الخيل والبغال والحمير، فإنه إن أراد جوابه تفسد، وإن أراد قراءة القرآن لا تفسد، وكذا لو كان أمامه كتاب وخلفه رجل يسمى يحيى، فقال: ﴿يَيَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ﴾ [مريم: ١٢]، وكذا لو كان هو في السفينة وابنه خارجها، فقال: ﴿يَبْنَى أَرْكَب مَعَنَا﴾، فهو على هذا التفصيل. قال بعض المشايخ ما ذكر في الكتاب قول أبي حنيفة ومحمد، أما على قول أبي يوسف: لا تفسد أراد بذلك تعليمه، أو لم يرد وأراد جواب السائل أو لا؛ لأن الأصل عنده أن ما كان قرآن أو ثناء لا يتغير بالنية. كذا في شروح الجامع (٢). وفي جامع قاضي خان، وأبي اليسر: ما ذكر في الأصل يشير إلى أنه إذا لم يتكرر لم تفسد، ولكن الصحيح ما ذكره في الجامع؛ لأن الكلام نفسه قاطع وإن قل (٣).

стр. 863

لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَعْمَالِ الصَّلَاةِ، فَيُعْفَى القَلِيلُ مِنهُ، وَلَمْ يُشْتَرَ فِي الجَامِعِ الصَّغِيرِ، لِأَنَّ الكَلَامَ بِنَفْسِهِ قَاطِعٌ وَإِنْ قَلَّ (وَإِنْ فَتَحَ عَلَى إِمَامِهِ لَمْ يَكُنْ كَلَامًا مُفْسِدًا) اسْتِحْسَانًا، لِأَنَّهُ مُضْطَرٌّ إِلَى إِصْلَاحِ صَلَاتِهِ، فَكَانَ هَذَا مِنْ أَعْمَالِ صَلَاتِهِ مَعْنَى (وَيَنْوِي الفَتْحَ عَلَى إِمَامِهِ دُونَ القِرَاءَةِ) هُوَ الصَّحِيحُ، لِأَنَّهُ مُرَخَّصٌ فِيهِ، وَقِرَاءَتُهُ (لأنه)؛ أي: التعليم أو التعلم أو الفتح، فيعفى القليل كالخطوة والخطوتين. (استحسانًا)؛ أي: بأثر عَلِيّ، وهو قوله: " إذا أستطعمك الإمام فأطعمه" (١)، وفي القياس: هذا والأول سواء. وقوله: (وهو الصحيح)؛ احتراز عن قول بعض المشايخ: أنه ينوي بالفتح إمامة التلاوة؛ لئلا يكون مباشراً عملاً ليس من الصلاة. وقال الإمام السَّرَخْسِي: وهذا سهو، بل ينوي الفتح ولا ينوي القراءة (٢). (لأنه)؛ أي: المقتدي ممنوع عنها دون الفتح (مرخص فيه)؛ أي: في الفتح، فلا يدع فيه ما رخص له فيه بنية ما هو ممنوع عنه، وإنما هذا إذا أراد أن يفتح على غير إمامه، فحينئذ ينبغي أن ينوي التلاوة دون التعليم فلا يضره. كذا في مبسوطه (٣). وفي جامع قاضي خان، وفتاواه (٤)، وجامع التمرتاشي: لو استفتح بعد ما قرأ مقدار ما تجوز به الصلاة ففتح عليه؛ اختلفوا فيه: قيل: تفسد صلاته، ولو أخذ الإمام تفسد صلاة الكل، والأصح: أنه لا تفسد صلاة أحد؛ لأنه لو لم يفتح ربما يجري على لسانه ما يكون مفسداً، فكان فيه إصلاح صلاته. وعن أبي حنيفة: لا ينبغي لأحد أن يفتح على إمامه، وإن فعل فقد أساء ولا تفسد.

стр. 864

مَمْنُوعٌ عَنْهَا (وَلَوْ كَانَ الإِمَامُ انْتَقَلَ إِلَى آيَةٍ أُخْرَى تَفْسُدُ صَلَاةُ الفَاتِحِ، وَتَفْسُدُ صَلَاةُ الإِمَامِ لَوْ أَخَذَ بِقَوْلِهِ) لِوُجُودِ التَّلْقِينِ وَالتَّلَقنُ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ. وَيَنْبَغِي لِلْمُقْتَدِي أَنْ لَا يُعَجِّلَ بِالفَتْحِ، وَلِلْإِمَامِ أَنْ لَا يُلْجِتَهُمْ إِلَيْهِ، بَلْ يَرْكَعَ إِذَا جَاءَ أَوَانُهُ أَوْ يَنْتَقِلَ إِلَى آيَةٍ أُخْرَى. (وَلَوْ أَجَابَ رَجُلًا فِي الصَّلَاةِ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وعند الشافعي (١)، ومالك (٢): لا بأس به. وتفسد صلاة الإمام لو أخذ بقوله: إطلاق هذا الجواب خلاف ما ذكر في المحيط (٣) في قول عامة المشايخ، فقال فيه: لو أخذ الإمام من الفاتح بعد ما انتقل إلى آية أخرى؛ تفسد صلاة الإمام، حكي عن أبي بكر الزريخري: أنه لا تفسد، وقال غيره: تفسد أن لا يلجئهم. وتفسير الإلجاء: أن يردد الآية أو يقف ساكتا. (بل يركع إذا جاء أوانه): أطلق الأول ولم يفصل؛ لأن الرواية اختلفت فيه، في بعضها اعتبر الاستحباب، وفي بعضها اعتبر فرض القراءة، فإنه ذكر التمرتاشي: للإمام إذا أُرتج أن يتجاوز إلى سورة أخرى، أو يركع إذا كان قرأ المستحب؛ صيانة للصلاة عن الزوائد، وذكر تكرره، يكره للإمام إذا أُرتج أن يتردد، فيلجئ القوم إلى أن يفتحوا عليه إذا كان مقدار ما يتعلق به الجواز، ولكن يركع؛ لأنه وإن كان إصلاحاً حقيقة، ولكنه تصور بصورة التعلم والتعليم فيكره. كذا ذكره صاحب المحيط (٤)، وقاضي خان. قوله: (أجاب رجلا في الصلاة بلا إله إلا الله): بأن قيل بين يدي المصلي: أمعَ اللهِ إله؟ فقال المصلي: لا إله إلا الله، وعلى هذا الخلاف: إذا وصف الله تعالى بوصف لا يليق به جل وعلا، فقال: سبحان الله، أو أخبر بخبر سار فقال: (الحمد لله) يريد الجواب؛ تفسد عندهما خلافا لأبي يوسف،

стр. 865

فَهَذَا كَلَامٌ مُفْسِدٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدِ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا يَكُونُ مُفْسِدًا) (*). وَهَذَا الخِلَافُ فِيمَا إِذَا أَرَادَ بِهِ جَوَابَهُ. لَهُ: أَنَّهُ ثَنَاءُ بِصِيغَتِهِ فَلَا يَتَغَيَّرُ بِعَزِيمَتِهِ، وَلَهُمَا: ولو أراد لعلامة بأنه في الصلاة لا تفسد بالاتفاق. كذا في أمالي قاضي خان (١). وبقول أبي يوسف: قال الشافعي (٢). وبقولهما: قال أحمد (٣)، ومالك (٤)، وإن قصد الإفهام أنه في الصلاة دون التلاوة. (له)؛ أي: لأبي يوسف (أنه)؛ أي: قوله: لا إله إلا الله، وما أشبهه. (بصيغته)؛ أي: بأصله. (فلا يتغير بعزيمته)؛ أي: بإرادته غير الثناء، قياساً على ما لو فتح لإمامه إذا نابته نائبة، وقياساً على ما لو قصد الإعلام؛ فإن ما يكون ثناء لا يخرج عنه بقصده الجواب، كما لا يصير كلام الناس بالقصد ثناء، ولأن صيغة هذه الألفاظ للثناء على الله تعالى، وهو موجود في القرآن، ولم تجر العادة في استعمال هذه الألفاظ بين الناس للجواب بخلاف الاسترجاع وتشميت العاطس؛ فإنه غلب استعمالهما بين الناس للجواب في قوله (يرحمك الله)، وعند المصيبة في قوله (إنا لله وإنا إليه راجعون). وعند الشافعي: لو قصد الإعلام تبطل أيضاً، ولو قصد قراءة القرآن لا تبطل وإن تضمن تنبيها (٥). (ولهما)؛ أي: لأبي حنيفة ومحمد حديث معاوية بن الحكم، فإن تشميت العاطس لا شك أنه ذكر الله، لكن ألحقه النبي ﵇ بكلام الناس حين قصد به خطاب العاطس، فدل أن الذكر إن قصد به خطاب الآدمي يلتحق بكلام الناس، وهو قاطع، بخلاف ما لو أراد الإعلام أنه في الصلاة حين استأذنه وقد

стр. 866

أَنَّهُ أَخْرَجَ الكَلَامَ مَخْرَجَ الجَوَابِ وَهُوَ يَحْتَمِلُهُ، فَيُجْعَلُ سبح؛ حيث لا تفسد فإنه قال بعض المشايخ: القياس فيه أن تفسد، إلا أنا تركناه بالحديث؛ وهو قوله ﵇: «إذا نابَ أحدكم … » الحديث (١)، والمعدول به عن القياس لا يقاس عليه. كذا في مبسوط شيخ الإسلام (٢). فإن قيل: روي عن ابن مسعود أنه استأذن النبي ﵇ وهو في الصلاة، فقال ﵇: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾ [الحجر: ٤٦] وهو متمسك الشافعي. قلنا: قال شمس الأئمة (٣): لا يحمل هذا على أنه أراد بذلك الجواب، بل على أنه ﵇ انتهى بالقراءة إلى هذا الموضع، ويحتمل أنه ﵇ أراد به الإعلام أنه في الصلاة. وأما قوله: (فلا يتغير بعزيمته)؛ قلنا: بلى يتغير بعزيمته؛ ألا ترى أنه لو سئل المصلي على أي شيء مررت فقال: ﴿وَبِثْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ [الحج: ٤٥]، أو قال في الصلاة مخاطباً لرجل اسمه يحيى: ﴿يَيَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم: ١٢]، وكذا لو قال لرجل اسمه إبراهيم ﴿يَإِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ [هود: ٧٦]، أو قال لابنه وهو خارج السفينة، وهو في السفينة ﴿يَبْنَى ارْكَبَ مَعَنَا﴾ [هود: ٤٢]؛ تفسد صلاته في الوجوه كلها، وكذا لو أنشد شعرًا في الصلاة، هو ثناء محض كقوله: تَبَارَكَ رَبُّنَا الأَحَدُ الوَحِيدُ … لَهُ الأُولَى وَالمَجْدُ المَجِيدُ (٤) ألا كل شيء ما خلا الله باطل (٥) ويتعلق الفساد بالإنشاد. كذا في الفوائد الظهيرية (٦). وكذا لو قرأ الجنب أم القرآن بنيته الثناء يجوز، وكذا لو قرأها في صلاة

стр. 867

جَوَابًا كَالتَّشْمِيتِ، وَالاسْتِرْجَاعُ عَلَى الخِلَافِ فِي الصَّحِيحِ (وَإِنْ أَرَادَ إِعْلَامَهُ أَنَّهُ فِي الجنازة بنية الثناء يجوز، فعلم أنه تغير بعزيمته. وفي الْمُجْتَبى: لو قرأ التوراة والإنجيل والزبور؛ قال في الأصل: لم يجز، وفي جامع الكرخي: فسدت صلاته، وعن أبي يوسف: إن أشبه التسبيح جاز (١). (والاسترجاع)؛ بأن قيل له: مات أبوك، فقال: (إنا لله وإنا إليه راجعون). وقوله: (على الخلاف في الصحيح)؛ احتراز عن قول الفضلي، فإنه قال: مسألة الاسترجاع على الوفاق (٢). والفرق لأبي يوسف: أنه لإظهار المصيبة وغلب استعماله فيها، والصلاة ما شرعت لأجله، والتحميد لإظهار الشكر، والصلاة شرعت لأجله. وقلنا: لما قاله جواباً؛ فيصير كلام الناس، فكأنه قال: (الحمد لله على قدوم أبي)، وأشباه ذلك، ولو صرح بذلك تفسد صلاته، فكذا ها هنا. وقال الشافعي: إن قصد بالاسترجاع قراءة القرآن لا تفسد، وإلا تفسد (٣). وفي غريب الرواية (٤): دعا على ظالم أو لصالح، فقال المصلي: آمين، أو أخبر بمصيبة فاسترجع، أو سقط إنسان من السطح فقال المصلي: بسم الله، أو سمع رعداً أو رأى برقا أو هولاً من الأهوال، فسبح أو هلل أو استرجع أو تنحنح أو جر ثوبه؛ لم تفسد. والصحيح في جنس هذه المسائل قولهما؛ لأن الكلام مبني على قصد المتكلم كما ذكرنا، ولو غير المصلي أو أصابه وجع فقال: (بسم الله) تفسد عندهما؛ لأنه من كلام الناس ولو قام الإمام إلى الثالثة في الظهر قبل أن يقعد، فقال المقتدي: سبحان الله؛ قيل: لا تفسد، وقال الكرخي: تفسد عندهما (٥).

стр. 868

الصَّلَاةِ لَمْ تَفْسُدْ بِالإِجْمَاعِ) لِقَوْلِهِ ﷺ : «إِذَا نَابَتْ أَحَدَكُمْ نَائِبَةٌ فِي الصَّلَاةِ فَلْيُسَبِّحْ» (وَمَنْ صَلَّى رَكْعَةً مِنْ الظُّهْرِ ثُمَّ افْتَتَحَ العَصْرَ أَوْ التَّطَوُّعَ فَقَدْ نَقَضَ الظَّهْرَ) لِأَنَّهُ صَحَّ شُرُوعُهُ فِي غَيْرِهِ. قوله: (افتتح العصر): وفي جامع البرهاني (١)، وفخر الإسلام، وقاضي خان: هذا إنما يتصور في حق من لا ترتيب له بكثرة الفوائت، أو بضيق الوقت أو بالنسيان؛ لأن صاحب الترتيب إذا انتقل من الظهر إلى العصر لا يصير منتقلاً إلى العصر، بل إلى النفل؛ لأن العصر لا ينعقد عصراً قبل أداء الظهر في حقه. وقيل: صورة المسألة في الفوائت، أو انتقل إلى عصر سابق على الظهر بكونها فائتة. وفي الكافي: افتتح باللسان وقال: الله أكبر؛ لا ينتقض ظهره، ولا بد مع النيه من الذكر به. وإليه أشار في جامع قاضي خان (٢). (صح شروعه في غيره): أو في غير الظهر، فإن نوى تحصيل ما ليس بحاصل، وله القدرة عليه شرعاً، وفي ضرورته خروجه عن الظهر ضمنًا، كما لو اشترى عبدا بألف ثم اشتراه بألف وخمسمائة؛ يصح البيع الثاني تصحيحًا لتصرف العاقل، بصدوره عن ولاية شرعية، ومن ضرورته انفساخ الأول. وفي جامعي شمس الأئمة، والتمرتاشي: وعلى هذا من كان في المكتوبة وكبر وينوي النافلة، أو على العكس، أو في الظهر فكبّر ينوي الجمعة، أو على العكس، أو كان منفردا فكبّر ينوي الاقتداء، أو مقتديا فكبر للتفرد أو للإمامة؛ يخرج عن صلاته (٣). وقال أحمد (٤) والشافعي (٥) في أحد قولهما: إن المنفرد إذا نوى الدخول في صلاة الإمام صح دخوله فيها، ويجزئه ما صلى قبله بتحريمة قبل إمامه.

стр. 869

فَيَخْرُجُ عَنْهُ (وَلَوِ افْتَتَحَ الظُّهْرَ بَعْدَمَا صَلَّى مِنهَا رَكْعَةً، فَهِيَ هِيَ وَيَجْتَزِيءُ بِتِلْكَ الرَّكْعَةِ) لِأَنَّهُ نَوَى الشُّرُوعَ فِي عَيْنِ مَا هُوَ فِيهِ، فَلَغَتْ نِيَّتُهُ وَبَقِيَ المَنْوِيُّ عَلَى حَالِهِ. وعندنا يخرج من صلاته، ولو كان منفرداً فاقتدى به رجل، فافتتح ثانيًا لأجله؛ فهو على الافتتاح الأول، إلا أن يكون الداخل امرأة. وحاصله: أن الثانية لو كانت غير الأولى ونوى الدخول فيها؛ فمن ضرورته خروجه عما فيه، فيبطل ما صلى، كمن باع بألف ثم جدد العقد بأقل أو أكثر؛ ينتقض الأول، كذا هاهنا، وفائدته: أخذ الشفيع بالبيع الثاني لو كان سلّم الشفعة في البيع الأول. وعند الشافعي: يخرج منها بنية القطع (١). وأما الثانية لو كانت عين الأولى؛ فلا يلغو ما صلى، بل يجتزئ - أي: يحتسب - ويكتفي بما صلى. وفي الحلية (٢): لو نوى المقتدي مفارقة إمامه بلا عذر؛ لم تبطل في الأصح، وفي قول: تبطل، وهو قول أبي حنيفة، ومالك (٣)، ولم يفرقا بين العذر وعدمه. قوله: (فهي هي)؛ أي: فالركعة التي صلاها؛ هي عين الركعة المعتبرة المحسوبة في الصلاة، التي هو فيها، فيلغو ما نوى من الافتتاح، حتى لو صلى بعدها ثلاث ركعات يخرج عن عهدة الفرض. ولو صلى أربعاً على ظن أن الأولى انتقضت، ولم يقعد في الثالثة؛ فسدت صلاته؛ لأنه ترك القعدة الأخيرة، فكان معنى: (هي هي)؛ أي: تلغو نيته وبقي على حاله؛ لأنه نوى ما هو حاصل فتلغو، كما تبايعا بألف ثم تبايعاً بألف؛ لا ينفسخ الأول. وفي الخلاصة (٤): هذا إذا نوى بقلبه، أما لو نوى بلسانه بأن قال: نويت

стр. 870

[القِرَاءَةُ مِنَ المُصْحَفِ] (وَإِذَا قَرَأَ الإِمَامُ مِنْ المُصْحَفِ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: هِيَ تَامَّةٌ) (*) لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ انْضَافَتْ إِلَى عِبَادَةٍ أُخْرَى … ... أن أصلي الظهر؛ ينتقض ما صلى، ولا يُجْتَرَأُ بتلك الركعة. وفي النوادر (١): كبر على جنازة، فجيء بأخرى ووضعت بجنبها، فإن كبّر التكبيرة الثانية ينوي الصلاة على الأولى أو عليهما، أو لا نية له؛ فهو على الجنازة الأولى على حالها يتمها، ثم يستقبل الصلاة على الثانية؛ لأنه نوى اتحاد الموجود، وهو لغو، ولو كبر ينوي الصلاة على الثانية؛ يصير رافضاً للأولى شارعاً في الثانية؛ لأنه نوى ما ليس بموجود، فصحت نيته. قوله: (وإذا قرأ الإمام من المصحف): وضع المسألة في الإمام اتفاقي، إذ الحكم لا يختلف في الإمام وغيره، ولذلك أطلق الرواية في المبسوط (٢)، وكذلك الدليل بين الطرفين لا يفصل بينهما. ويحتمل أن يكون قيد الإمام؛ باعتبار أن الإمام هو الذي يحتاج إلى تطويل القراءة عادة، فيحتاج إلى القراءة من المصحف، ولم يفصل في الكتاب بين ما إذا قرأ قليلاً أو كثيراً منه. قال بعض مشايخنا: إن قرأ مقدار آية تامة تفسد عنده، وإلا فلا. وقال بعضهم: مقدار الفاتحة، وإلا فلا. وفي الْمُجْتَبى (٣): وقيل: الخلاف فيمن لم يحفظ من القرآن شيئاً، ولو حفظه فسدت عندهم. وقيل: على العكس. (لأنه عبادة)؛ أي: النظر في المصحف عبادة، قال ﵇: «أعْطُوا أعينكم حظها من العبادَةِ» قيل: وما حَظها؟ قال: «النظر في المصحفِ» (٤). كذا

стр. 871

(إِلَّا أَنَّهُ يُكْرَهُ) لِأَنَّهُ تَشَبُّهُ بِصَنِيعِ أَهْلِ الْكِتَابِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ رَحْمَ اللَّهِ: أَنَّ حَمْلَ المُصْحَفِ وَالنَّظَرَ فِيهِ وَتَقْلِيبَ الأَوْرَاقِ عَمَلٌ كَثِيرٌ، … ... … في الكافي (١). ولأن ذكوان مولى عائشة كان يؤم عائشة في رمضان ويقرأ من المصحف (٢)، ولأنه قرأ القرآن فيجزيه، كما لو قرأ عن ظهر قلب؛ وهذا لأن الفساد لا يَخْلُو إما أن يكون لأجل حمله، أو لأجل النظر فيه، أو لأجل تقليب الأوراق، لا جائز أن يكون لأجل الحمل؛ لأن حمل ما هو أكثر من المصحف لا يوجب الفساد؛ ألا ترى أنه ﵇ كان يصلي وأمامة بنت أبي العاص على عاتقه، فكان يضعها إذا سجد، ويحملها إذا رفع رأسه من السجود، ولا جائز أن تكون لأجل النظر؛ لأنه عبادة كما ذكرنا، فانضافت إلى عبادة أخرى، ولأن النظر فيه لا يكون أكبر حالا من النظر في النقوش في المحراب، وهو لا يوجب الفساد، ولا جائز أن يكون لتقليب الأوراق؛ لأنه عمل قليل لا يوجب الفساد. (إلا أنه)؛ أي: النظر إلى المصحف (يكره لأنه تشبه بصنيع أهل الكتاب)؛ فإنهم يفعلون كذلك، وقال ﵇: «لا تَتَشبَّهوا باليهود ولكن خالفوهم» (٣) فنهينا عن التشبه بهم فيما لنا منه بد. كذا في الكافي (٤). وقال الشافعي (٥)، وأحمد (٦): لا يكره أيضاً؛ لحديث ذكوان. (والنظر فيه)؛ أي في المصحف والتفكر بفهم (عمل كثير)؛ وهو مفسد كالرمي بالقوس، وهذه النكتة توجب أن لو نظر في مصحف موضوع بين يديه وقرأ، أو قرأ ما هو مكتوب في المحراب؛ لا تفسد صلاته، وهكذا روي عن الكرخي.

стр. 872

وَلِأَنَّهُ تَلَقَّنٌ مِنْ المُصْحَفِ، فَصَارَ كَمَا إِذَا تَلَقَّنَ مِنْ غَيْرِهِ، … ... … ... وعن البردعي: لا يجوز أيضاً على قول أبي حنيفة؛ لأن التمييز بين الحروف عمل كثير (١). (ولأنه)؛ أي: النظر في المصحف (تلقن منه)؛ فكأنه تعلم من معلم فكان مُفسِدًا، ولهذا قال الفضلي: أجمعنا على أنه إذا كان يمكنه أن يقرأ منه، ولا يمكنه أن يقرأ عن ظهر القلب، لو صلى بغير قراءة؛ يجزئه، فلولا أن القراءة من المصحف مما يوجب الفساد، وإلا ما أبيح له الصلاة بغير قراءة، إلا أنهما لا يسلمان هذا. كذا في مبسوط شيخ الإسلام (٢). وجعل السَّرَخْسِي في مبسوطه هذا التعليل أصح (٣)، وفي جامعه. أما إذا كان يحفظ عن ظهر قلب، وهو مع ذلك ينظر في المكتوبة وعلى المحراب فيقرأ؛ فلا إشكال أنه تجوز صلاته، أما على قولهما؛ فلأنه عبادة انضافت إلى عبادة أخرى، وعلى قوله؛ لعدم التعلم (٤). وأما حديث ذكوان فهما مخالف له؛ لأن هذه قراءة مكروهة، وعائشة كانت لا تفعل المكروه، وإن صح فهو متأوّل، وتأويله: يجوز أنه كان يفعل بين كل شفعين، فيحفظ مقدار ما يقرأ في الركعتين، فظن الراوي أنه كان يقرأ من المصحف، فنقل على ما ظن. كذا في جامع الإسبيجابي (٥). أو المراد بيان حالة أنه كان لا يقرأ جميع القرآن عن ظهر القلب، والمقصود بيان أن قراءة جميع القرآن ليس بفرض في قيام رمضان. وأما حديث بنت أبي العاص؛ قيل: أنه منسوخ. وقيل: مخصوص بالنبي ﵇. قال الخطابي: لعل الصبية من طول ما ألفته واعتادته من ملابسته في غير

стр. 873

وَعَلَى هَذَا لَا فَرْقَ بَيْنَ المَوْضُوعِ وَالمَحْمُولِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ يَفْتَرِقَانِ، وَلَوْ نَظَرَ إِلَى مَكْتُوبِ وَفَهِمَهُ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ بِالإِجْمَاعِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا حَلَفَ لَا يَقْرَأُ الصلاة كانت تتعلق به، والنبي لا يدفعها، لا أنه ﵇ قصد ذلك (١). قيل: يدفع هذا التأويل قول أبي قتادة: نحن جلوس في المسجد خرج علينا النبي ﵇ على عاتقه بنت أبي العاص، فيصلي ويضعها إذا ركع، ويعيدها إذا قام (٢). (وعلى هذا)؛ أي: على أنه تلقن، وهو ظاهر الجواب على قوله: (وهو الصحيح). كذا في الكافي (٣). قوله: (إلى) (مكتوب)؛ أي: مكتوب غير القرآن؛ لأنه لو نظر إلى مكتوب هو قرآن وفهمه؛ لا خلاف لأحد فيه أنه يجوز. وذكر شمس الأئمة في الجامع الصغير هذه المسألة، وقال: ولم يذكر ما إذا تأمل في المكتوب على المحراب بما سوى القرآن، حتى فهم ذلك من غير أن يقرأ بلسانه، هل تجوز صلاته؟ فالصحيح أنه يجوز؛ لأنه وإن فهم، فبالنظر فيه لا يكون متكلماً، والمفسد هو الكلام (٤). وذكر شيخ الإسلام: قال بعض مشايخنا: لا تفسد على قول أبي يوسف، وعلى قول محمد تفسد (٥). وقوله في الكتاب: والصحيح أنه لا تفسد؛ احتراز عن هذا، قاسوا هذه المسألة على مسألة اليمين؛ بأن حلف لا يقرأ كتاب فلان فنظر فيه حتى فهمه، ولم يقرأ بلسانه؛ قال أبو يوسف: لا يحنث؛ لأنه لم يقرأه، والقراءة مما تكون باللسان، وقال محمد: يحنث متى فهم ما فيه، فجعل محمد التفهم كالقراءة في حق الحنث، فكذا في حق الصلاة، ولهذا قالوا: يجب أن لا

стр. 874

كِتَابَ فُلَانٍ، حَيْثُ يَحْنَثُ بِالفَهْمِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ، لِأَنَّ المَقْصُودَ هُنَالِكَ الفَهْمُ، أَمَّا فَسَادُ الصَّلَاةِ فَبِالعَمَلِ الكَثِيرِ وَلَمْ يُوجَدْ. [المُرُورِ بَيْنَ يَدَيِ المُصَلِّي] (وَإِنْ مَرَّتَ امْرَأَةٌ بَيْن يَدَيِ المُصَلِّي لَمْ تَقْطَعْ صَلَاتَهُ) لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ يضع المتعلم الجزء بين يديه في الصلاة؛ لأنه ربما يكون مكتوباً فيه الجزء الأول أو الثاني، فينظر في ذلك ويفهم، فيدخل في ذلك شبهة الاختلاف، فيجب أن يتحرز عنه. ومن مشايخنا من قال: لا تفسد على قول محمد أيضاً وإن فهم، وقد روى عن محمد أيضًا (١) أن صلاته لا تفسد. وذكر شمس الأئمة السَّرَخْسِي هذا الاختلاف بين المشايخ، ثم قال: ولكن الأصح هو الفرق بين مسألة اليمين والصلاة؛ لأنه اعتبر العادة هناك؛ لأن مقصود الحالف الامتناع من قراءة كتابه؛ كيلا يقف على أسراره، وذلك يحصل بالنظر فيه والتفهم. وفي الجامع الأصغر: لو شم ريحانة، أو نظر إلى مكتوب في حائط ومحراب وأكثر ذلك؛ تفسد صلاته، وإن قل لا. وفي الْمُجْتَبى (٢): نظر إلى مكتوب وفهم ما فيه؛ لم تفسد عند أبي يوسف، وعن محمد روايتان. والمستحب أن لا يكتب الأحاديث والحكم في المحاريب، وجدران المسجد والسجادات. وفي الحاوي: تفكر فأنشأ كلاماً مرتباً من خطبة أو رسالة أو شعر؛ لا تفسد؛ لأنه عمل القلب (٣). قوله: (مرت امرأة) في جامع شمس الأئمة وغيره: عند أهل الظاهر (٤):

стр. 875

وَالسَّلَامُ: «لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ مُرُورُ شَيْءٍ، إِلَّا أَنَّ المَارَّ آثِمٌ» لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ تفسد الصلاة بمرور المرأة بين يديه؛ لقوله ﵇: «يقطع الصلاة المرأة والكلب والحمار» (١). وفي الكافي: عند أهل العراق تفسد بمرور الكلب والمرأة والحمار (٢). وفي الحلية (٣): قال أحمد (٤): يقطع الصلاة الكلب الأسود، وفي قلبي من الحمار والمرأة شيء، وإنما قال الأسود؛ لأنه ﵇ قال: «الكلب الأسود شيطان» حين سأله راوي الحديث أبو ذر (٥). وقلنا: أنكرت عائشة هذا الحديث حين بلغها، وقالت: يا أهل العراق، يا أهل الشقاق والنفاق، قرنتمونا بالكلاب والحمر، وكان رسول الله ﷺ يصلي بالليل وأنا معترضة بين يديه اعتراض الجنازة، فإذا سجد خنست رجلي، وإذا قام مددتها. وحديث ولد أم سلمة يدل على أن المرور لا يقطع الصلاة، كما سيجيء، وحديث ابن عباس قال: زرت النبي ﵇ على حمار في بادية، فوجدنا رسول الله ﷺ يصلي على غير جدار، فصلينا معه والحمار يرتع بين يديه، وحديث أبي سعيد الخدري أنه ﵇ قال: «لَا يَقْطَعُ الصَّلاةَ مُرُورُ شَيْءٍ» (٦). كذا في المبسوط (٧).

стр. 876

وَالسَّلَامُ، «لَوْ عَلِمَ المَارُّ بَيْنَ يَدَيِ المُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ مِنْ الوِزْرِ لَوَقَفَ أَرْبَعِينَ» وَإِنَّمَا يَأْثَمُ إِذَا مَرَّ فِي مَوْضِعِ سُجُودِهِ عَلَى مَا قِيلَ، وَلَا يَكُونُ بَيْنَهُمَا قوله: (لوقف أربعين) وفي مبسوط شيخ الإسلام (١): قال الراوي: لا أدري أربعين يوماً أو شهراً أو سنة. وفي جامع الإسبيجابي: أربعين ساعة مكان شهر، والراوي أبو جهم الأنصاري. وقيل: وقد جاء مفسرا في رواية مسلم أنه ﵇ قال: «وقف مِائَةَ عام خيرٌ له مِنْ أَنْ يَمُرَّ» (٢). وفي مسند الدارقطني (٣) «أربعين خريفاً». وروى كعب أنه ﵇ قال: «لَو عَلِمَ المار ماذا عَلَيْهِ لكان أن يَخسِفَ الله به الأرض خيراً لَهُ» (٤)، وإنما وضع المسألة في المرأة؛ لنفي قول أهل الظاهر، أو لأن الجهل فيه غالب، فالظاهر أنها تمر دون الرجل، ولكن في الحكم لا تفاوت بينهما. قوله: (موضع سجوده): قال شيخ الإسلام: هذا إذا كان في الصحراء، أو في الجامع الذي له حكم الصحراء، فأما في المسجد؛ فالحد هو المسجد، إلا أن يكون بينه وبين المار إسطوانة وغيرها (٥). وفي الكافي (٦): أو رجل قائم، أو قاعد ظهره إلى المصلى، ثم اختلفوا في الموضع الذي يكره فيه المرور؛ قيل: مقدر بثلاثة أذرع. وقيل: بخمسة. وقيل: بأربعين. وقيل: بموضع سجوده وقيل: بقدر صفين أو ثلاثة.

стр. 877

حَائِلٌ وَتُحَاذِي أَعْضَاءُ المَارِّ أَعْضَاءَهُ لَوْ كَانَ يُصَلِّي عَلَى الدُّكَّانِ. [أَحْكَامُ السُّتْرَةِ] (وَيَنْبَغِي لِمَنْ يُصَلِّي فِي الصَّحْرَاءِ أَنْ يَتَّخِذَ أَمَامَهُ سُتْرَةً) لِقَوْلِهِ ﵊: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فِي الصَّحْرَاءِ فَلْيَجْعَلْ بَيْنَ يَدَيْهِ سُتْرَةً». قال التمرتاشي: والأصح: إن كان بحال لو صلى صلاة خاشع لا يقع بصره على المار فلا يكره، نحو أن يكون منتهى بصره في قيامه إلى موضع سجوده، وفي ركوعه إلى صدور قدميه، وفي سجوده إلى أرنبة أنفه، وفي قعوده إلى حجره، وفي السلام إلى منكبه، وهو اختيار فخر الإسلام، وقال: لو صلى راميا ببصره إلى موضع سجوده فلم يقع بصره عليه لم يكره، وهذا حسن، واختيار شيخ الإسلام والسرخسي والقاضي خان ما اختاره صاحب الهداية (١). قال شيخ شيخي: ما اختاره فخر الإسلام والتمرتاشي أشبه إلى الصواب؛ لأن المصلي إذا صلى على الدكان وتحاذي أعضاؤه أعضاء المار يكره، وإن كان يمر أسفل الدكان وأسفله ليس بموضع لسجوده فكذا (٢). قال فخر الإسلام: وهذا حسن بينهما؛ أي: بين المار والمصلي (٣). (حائل)؛ من سترة أو غيرها كما ذكرنا. (لو كان يصلي على الدكان)؛ أي: في المسجد والمار يمر تحت الدكان، بحيث يحاذي رأسه قدم المصلي؛ لأن تمام المسجد له حكم موضع سجوده، ولو كان على الدكان خارج المسجد لا يأثم المار؛ لأنه لم يمر في موضع سجوده، وإنما شرط محاذاة بعض أعضائه أعضاء المار؛ لأنه لو كان الدكان مثل قامة الرجل وهو سترة؛ فلا يأثم المار، وكذا السطح والسرير وكل مرتفع، ومن مشايخنا من حده بقدر السترة، وهو غلط؛ لأنه لو كان كذلك لما كره مرور الراكب.

стр. 878

(وَمِقْدَارُهَا ذِرَاعٌ فَصَاعِدًا) لِقَوْلِهِ ﵊: «أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ إِذَا صَلَّى فِي الصَّحْرَاءِ أَنْ يَكُونَ أَمَامَهُ مِثْلُ مُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ» (وَقِيلَ: يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ فِي غِلَظِ الأَصْبُعِ) لِأَنَّ مَا دُونَهُ لَا يَبْدُو لِلنَّاظِرِ مِنْ بَعِيدٍ فَلَا يَحْصُلُ المَقْصُودُ وَيَقْرُبُ مِنْ السُّتْرَةِ لِقَوْلِهِ ﵊: «مَنْ صَلَّى إِلَى سُتْرَةٍ فَلْيَدْنُ مِنهَا» (وَيَجْعَلُ السُّتْرَةَ عَلَى حَاجِبِهِ الْأَيْمَنِ أَوْ عَلَى الْأَيْسَرِ) بِهِ وَرَدَ الأَثَرُ، (ومقدارها)؛ أي: مقدار السترة (ذراع) أقلها، ولو استتر بظهر إنسان جالس كان سترة، وإن كان قائما اختلفوا فيه، ولو استتر بدابة فلا بأس به، وقالوا الحيلة للراكب لو أراد أن يمر فيصير وراء الدابة سترة، وكذا لو مر رجلان متحاذيان؛ فإن كراهة المرور وإثمه يلحق الذي على المصلي. كذا ذكره التمرتاشي (١). وفي فتاوى العتابي (٢): لو كان المار اثنين؛ يقوم أحدهما أمامه ويمر الآخر، ويفعل الآخر هكذا. (مؤخرة الرحل): بضم الميم وكسر الخاء، لغة: في آخرته، وهي الخشبة العريضة التي تحاذي رأس الراكب، وتشديد الحاء خطأ. كذا في المغرب (٣). وفي مبسوط شيخ الإسلام (٤): في حديث جحيفة أنه ﵇ صلى إلى عنزة (٥)، ومقدار العنزة طول ذراع. (غلظ الأصبع)؛ لقول ابن مسعود: "يجزئ من السترة السهم". (وبه ورد الأثر)؛ وهو ما روي عن المقداد أنه قال: "ما صلى النبي ﵇ إلى شجرة ولا إلى عود ولا إلى عمود إلا جعله على حاجبه الأيمن، ولم يصمده صمدا" (٦). كذا في جامع فخر الإسلام (٧). يعني: لم يقصده قصدا

стр. 879

وَلَا بَأْسَ بِتَرْكِ السُّتْرَةِ إِذَا أَمِنَ المُرُورَ وَلَمْ يُوَاجِه الطَّرِيقَ (وَسُتْرَةُ الإِمَامِ سُتْرَةٌ لِلْقَوْمِ) لِأَنَّهُ ﵊ صَلَّى بِبَطْحَاءَ مَكَّةَ إِلَى عَنَزَةٍ وَلَمْ يَكُنْ لِلْقَوْمِ سُتْرَةٌ (وَيُعْتَبَرُ الغَرْزُ دُونَ الإِلْقَاءِ وَالخَطّ) لِأَنَّ المَقْصُودَ لَا يَحْصُلُ بِهِ وَيَدْرَأُ المَارَّ إِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ بالمواجهة. (عنزة) بالتنوين؛ لأنها اسم جنس نكرة، وهي شبه العكازة؛ وهي عصا ذات زُج. كذا في المغرب (١). والزُّج: الحديدة التي في أسفل الرمح. وفي الكافي (٢): لو أريد عنزة النبي ﵇ يكون غير منصرف للتأنيث والعلمية، فيجوز بالنصب والجر ويعتبر الغرز. وفي مبسوط شيخ الإسلام (٣): إنما تغرز إذا كانت الأرض رخوة، فأما إذا كانت صلبة لا يمكنه الغرز، فيضع وضعاً؛ لأن الوضع قد روي كما روي الغرز، لكن يضع طولاً لا عرضاً ليكون على مثال الغرز والخط. روى أبو عصمة عن محمد: إذا لم يجد سترة، قال: لا يخط بين يديه؛ فإن الخط وتركه سواء؛ لأنه لا يبدو للناظر من بعيد (٤). وقال الشافعي بالعراق (٥): إن لم يجد ما يغرز يخط خطا طولاً، وبه أخذ بعض المتأخرين؛ لحديث أبي هريرة أنه ﵇ قال: «إذا صلّى أحدكم في الصحراء فَلْيَتَّخِذْ بين يديهِ سُترةً، فإِن لَمْ يَكُنْ فَلْيَخُطَ خَطَّا» (٦). وفي جامع التمرتاشي (٧): عن محمد: أنه يخط، وقيل في الخط: يخط طولا. وقيل: عرضاً. وقيل: مدورا كالمحراب.

стр. 880

يَدَيْهِ سُتْرَةٌ أَوْ مَرَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السُّتْرَةِ لِقَوْلِهِ ﵊: «ادْرَؤُوا مَا اسْتَطَعْتُمْ» (وَيَدْرَأُ بِالإِشَارَةِ) كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِوَلَدَيْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ (أَوْ يَدْفَعُ بِالتَّسْبِيحِ) وقلنا: الخط لا يعتبر لما ذكرنا، والحديث شاذ فيما تعم به البلوى، فلم نأخذ به. كذا في المبسوط (١). وبه قال مالك (٢)، والشافعي بمصر (٣). قال إمام الحرمين: استقر الأمر أن الخط يلغى، ويدرأ - أي: يدفع - المار (٤). وفي المبسوط (٥): ينبغي أن يدفع المار عن نفسه؛ لئلا يشغله، إما بالدفع، أو بالأخذ طرف ثوبه على وجه ليس فيه مشي ولا علاج. ومن الناس من قال: إن لم يقف بإشارته جاز دفعه بالقتال؛ لما روي أن أبا سعيد الخدري كان يصلي، فأراد ابن مروان أن يمر بين يديه، فأشار عليه فلم يقف، فلما حاذاه ضربه على صدره ضربة أقعده على إسته، فجاء إلى أبيه يشكو أبا سعيد فقال: لم ضربت ابني؟ فقال: ما ضربت ابنك؛ إنما ضربت الشيطان فقال: تسمي ابني شيطانا؟ قال: لأني سمعت النبي ﵇ قال: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَأَرَادَ مَارٌّ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلْيَدْفَعْهُ، فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلُهُ؛ فَإِنَّهُ شيطان» (٦). قيل: معناه: شيطان الإنس. وقيل: معناه: الشيطان معه؛ لأنه لا يجسر أن يمر بين يدي المصلي، فإذا مر إنسي رافقه. ولكنا نستدل بقوله ﵇: «إِنَّ فِي الصَّلَاةِ لَشُغْلًا» (٧)، ولا يشتغل
следующие страницы →