← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30179

معراج الدراية في شرح الهداية

الكاكي

Полный текст (7 597 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

وَالسَّلَامُ، «لَوْ عَلِمَ المَارُّ بَيْنَ يَدَيِ المُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ مِنْ الوِزْرِ لَوَقَفَ أَرْبَعِينَ» وَإِنَّمَا يَأْثَمُ إِذَا مَرَّ فِي مَوْضِعِ سُجُودِهِ عَلَى مَا قِيلَ، وَلَا يَكُونُ بَيْنَهُمَا قوله: (لوقف أربعين) وفي مبسوط شيخ الإسلام (١): قال الراوي: لا أدري أربعين يوماً أو شهراً أو سنة. وفي جامع الإسبيجابي: أربعين ساعة مكان شهر، والراوي أبو جهم الأنصاري. وقيل: وقد جاء مفسرا في رواية مسلم أنه ﵇ قال: «وقف مِائَةَ عام خيرٌ له مِنْ أَنْ يَمُرَّ» (٢). وفي مسند الدارقطني (٣) «أربعين خريفاً». وروى كعب أنه ﵇ قال: «لَو عَلِمَ المار ماذا عَلَيْهِ لكان أن يَخسِفَ الله به الأرض خيراً لَهُ» (٤)، وإنما وضع المسألة في المرأة؛ لنفي قول أهل الظاهر، أو لأن الجهل فيه غالب، فالظاهر أنها تمر دون الرجل، ولكن في الحكم لا تفاوت بينهما. قوله: (موضع سجوده): قال شيخ الإسلام: هذا إذا كان في الصحراء، أو في الجامع الذي له حكم الصحراء، فأما في المسجد؛ فالحد هو المسجد، إلا أن يكون بينه وبين المار إسطوانة وغيرها (٥). وفي الكافي (٦): أو رجل قائم، أو قاعد ظهره إلى المصلى، ثم اختلفوا في الموضع الذي يكره فيه المرور؛ قيل: مقدر بثلاثة أذرع. وقيل: بخمسة. وقيل: بأربعين. وقيل: بموضع سجوده وقيل: بقدر صفين أو ثلاثة.

стр. 877

حَائِلٌ وَتُحَاذِي أَعْضَاءُ المَارِّ أَعْضَاءَهُ لَوْ كَانَ يُصَلِّي عَلَى الدُّكَّانِ. [أَحْكَامُ السُّتْرَةِ] (وَيَنْبَغِي لِمَنْ يُصَلِّي فِي الصَّحْرَاءِ أَنْ يَتَّخِذَ أَمَامَهُ سُتْرَةً) لِقَوْلِهِ ﵊: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فِي الصَّحْرَاءِ فَلْيَجْعَلْ بَيْنَ يَدَيْهِ سُتْرَةً». قال التمرتاشي: والأصح: إن كان بحال لو صلى صلاة خاشع لا يقع بصره على المار فلا يكره، نحو أن يكون منتهى بصره في قيامه إلى موضع سجوده، وفي ركوعه إلى صدور قدميه، وفي سجوده إلى أرنبة أنفه، وفي قعوده إلى حجره، وفي السلام إلى منكبه، وهو اختيار فخر الإسلام، وقال: لو صلى راميا ببصره إلى موضع سجوده فلم يقع بصره عليه لم يكره، وهذا حسن، واختيار شيخ الإسلام والسرخسي والقاضي خان ما اختاره صاحب الهداية (١). قال شيخ شيخي: ما اختاره فخر الإسلام والتمرتاشي أشبه إلى الصواب؛ لأن المصلي إذا صلى على الدكان وتحاذي أعضاؤه أعضاء المار يكره، وإن كان يمر أسفل الدكان وأسفله ليس بموضع لسجوده فكذا (٢). قال فخر الإسلام: وهذا حسن بينهما؛ أي: بين المار والمصلي (٣). (حائل)؛ من سترة أو غيرها كما ذكرنا. (لو كان يصلي على الدكان)؛ أي: في المسجد والمار يمر تحت الدكان، بحيث يحاذي رأسه قدم المصلي؛ لأن تمام المسجد له حكم موضع سجوده، ولو كان على الدكان خارج المسجد لا يأثم المار؛ لأنه لم يمر في موضع سجوده، وإنما شرط محاذاة بعض أعضائه أعضاء المار؛ لأنه لو كان الدكان مثل قامة الرجل وهو سترة؛ فلا يأثم المار، وكذا السطح والسرير وكل مرتفع، ومن مشايخنا من حده بقدر السترة، وهو غلط؛ لأنه لو كان كذلك لما كره مرور الراكب.

стр. 878

(وَمِقْدَارُهَا ذِرَاعٌ فَصَاعِدًا) لِقَوْلِهِ ﵊: «أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ إِذَا صَلَّى فِي الصَّحْرَاءِ أَنْ يَكُونَ أَمَامَهُ مِثْلُ مُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ» (وَقِيلَ: يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ فِي غِلَظِ الأَصْبُعِ) لِأَنَّ مَا دُونَهُ لَا يَبْدُو لِلنَّاظِرِ مِنْ بَعِيدٍ فَلَا يَحْصُلُ المَقْصُودُ وَيَقْرُبُ مِنْ السُّتْرَةِ لِقَوْلِهِ ﵊: «مَنْ صَلَّى إِلَى سُتْرَةٍ فَلْيَدْنُ مِنهَا» (وَيَجْعَلُ السُّتْرَةَ عَلَى حَاجِبِهِ الْأَيْمَنِ أَوْ عَلَى الْأَيْسَرِ) بِهِ وَرَدَ الأَثَرُ، (ومقدارها)؛ أي: مقدار السترة (ذراع) أقلها، ولو استتر بظهر إنسان جالس كان سترة، وإن كان قائما اختلفوا فيه، ولو استتر بدابة فلا بأس به، وقالوا الحيلة للراكب لو أراد أن يمر فيصير وراء الدابة سترة، وكذا لو مر رجلان متحاذيان؛ فإن كراهة المرور وإثمه يلحق الذي على المصلي. كذا ذكره التمرتاشي (١). وفي فتاوى العتابي (٢): لو كان المار اثنين؛ يقوم أحدهما أمامه ويمر الآخر، ويفعل الآخر هكذا. (مؤخرة الرحل): بضم الميم وكسر الخاء، لغة: في آخرته، وهي الخشبة العريضة التي تحاذي رأس الراكب، وتشديد الحاء خطأ. كذا في المغرب (٣). وفي مبسوط شيخ الإسلام (٤): في حديث جحيفة أنه ﵇ صلى إلى عنزة (٥)، ومقدار العنزة طول ذراع. (غلظ الأصبع)؛ لقول ابن مسعود: "يجزئ من السترة السهم". (وبه ورد الأثر)؛ وهو ما روي عن المقداد أنه قال: "ما صلى النبي ﵇ إلى شجرة ولا إلى عود ولا إلى عمود إلا جعله على حاجبه الأيمن، ولم يصمده صمدا" (٦). كذا في جامع فخر الإسلام (٧). يعني: لم يقصده قصدا

стр. 879

وَلَا بَأْسَ بِتَرْكِ السُّتْرَةِ إِذَا أَمِنَ المُرُورَ وَلَمْ يُوَاجِه الطَّرِيقَ (وَسُتْرَةُ الإِمَامِ سُتْرَةٌ لِلْقَوْمِ) لِأَنَّهُ ﵊ صَلَّى بِبَطْحَاءَ مَكَّةَ إِلَى عَنَزَةٍ وَلَمْ يَكُنْ لِلْقَوْمِ سُتْرَةٌ (وَيُعْتَبَرُ الغَرْزُ دُونَ الإِلْقَاءِ وَالخَطّ) لِأَنَّ المَقْصُودَ لَا يَحْصُلُ بِهِ وَيَدْرَأُ المَارَّ إِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ بالمواجهة. (عنزة) بالتنوين؛ لأنها اسم جنس نكرة، وهي شبه العكازة؛ وهي عصا ذات زُج. كذا في المغرب (١). والزُّج: الحديدة التي في أسفل الرمح. وفي الكافي (٢): لو أريد عنزة النبي ﵇ يكون غير منصرف للتأنيث والعلمية، فيجوز بالنصب والجر ويعتبر الغرز. وفي مبسوط شيخ الإسلام (٣): إنما تغرز إذا كانت الأرض رخوة، فأما إذا كانت صلبة لا يمكنه الغرز، فيضع وضعاً؛ لأن الوضع قد روي كما روي الغرز، لكن يضع طولاً لا عرضاً ليكون على مثال الغرز والخط. روى أبو عصمة عن محمد: إذا لم يجد سترة، قال: لا يخط بين يديه؛ فإن الخط وتركه سواء؛ لأنه لا يبدو للناظر من بعيد (٤). وقال الشافعي بالعراق (٥): إن لم يجد ما يغرز يخط خطا طولاً، وبه أخذ بعض المتأخرين؛ لحديث أبي هريرة أنه ﵇ قال: «إذا صلّى أحدكم في الصحراء فَلْيَتَّخِذْ بين يديهِ سُترةً، فإِن لَمْ يَكُنْ فَلْيَخُطَ خَطَّا» (٦). وفي جامع التمرتاشي (٧): عن محمد: أنه يخط، وقيل في الخط: يخط طولا. وقيل: عرضاً. وقيل: مدورا كالمحراب.

стр. 880

يَدَيْهِ سُتْرَةٌ أَوْ مَرَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السُّتْرَةِ لِقَوْلِهِ ﵊: «ادْرَؤُوا مَا اسْتَطَعْتُمْ» (وَيَدْرَأُ بِالإِشَارَةِ) كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِوَلَدَيْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ (أَوْ يَدْفَعُ بِالتَّسْبِيحِ) وقلنا: الخط لا يعتبر لما ذكرنا، والحديث شاذ فيما تعم به البلوى، فلم نأخذ به. كذا في المبسوط (١). وبه قال مالك (٢)، والشافعي بمصر (٣). قال إمام الحرمين: استقر الأمر أن الخط يلغى، ويدرأ - أي: يدفع - المار (٤). وفي المبسوط (٥): ينبغي أن يدفع المار عن نفسه؛ لئلا يشغله، إما بالدفع، أو بالأخذ طرف ثوبه على وجه ليس فيه مشي ولا علاج. ومن الناس من قال: إن لم يقف بإشارته جاز دفعه بالقتال؛ لما روي أن أبا سعيد الخدري كان يصلي، فأراد ابن مروان أن يمر بين يديه، فأشار عليه فلم يقف، فلما حاذاه ضربه على صدره ضربة أقعده على إسته، فجاء إلى أبيه يشكو أبا سعيد فقال: لم ضربت ابني؟ فقال: ما ضربت ابنك؛ إنما ضربت الشيطان فقال: تسمي ابني شيطانا؟ قال: لأني سمعت النبي ﵇ قال: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَأَرَادَ مَارٌّ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلْيَدْفَعْهُ، فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلُهُ؛ فَإِنَّهُ شيطان» (٦). قيل: معناه: شيطان الإنس. وقيل: معناه: الشيطان معه؛ لأنه لا يجسر أن يمر بين يدي المصلي، فإذا مر إنسي رافقه. ولكنا نستدل بقوله ﵇: «إِنَّ فِي الصَّلَاةِ لَشُغْلًا» (٧)، ولا يشتغل

стр. 881

لِمَا رَوَيْنَا مِنْ قَبْلُ (وَيُكْرَهُ الجَمْعُ بَيْنَهُمَا) لِأَنَّ بِأَحَدِهِمَا كِفَايَةٌ. المصلي لغيرها - أي: بغير أعمالها - والقتال ليس بأعمالها. وتأويل الحديث: أنه كان في وقت كان العمل مباحًا فيه - أي: في الصلاة كما فعل رسول الله ﷺ ، روي أنه ﵇ كان يصلي في بيت أم سلمة زوجته، ولها ولدان من زوج آخر، أحدهما عمر، والآخر زينب، فأراد عمر أن يمر بين يديه ﵇، فأشار بيده ليقف، فوقف ثم مرت زينب، فأشار ﵇ فلم تقف، فلما فرغ ﵇ من صلاته قال: «ناقصات العقل ناقصاتُ الدِّينِ صَاحِباتُ يُوسُفَ صاحباتُ كُرسُفٍ، يَغْلِبْنَ الكرامَ ويَغِلَبْهُنَّ اللئام، وكُرسْفُ عِابد فتنَتْهُ النِّسَاءُ» (١). (لما روينا)؛ وهو قوله ﵇: «إذا نابَتْ أحدكم نائبةٌ … » الحديث (٢)، وهذه نائبة في الصلاة. (بينهما)؛ أي: بين الإشارة والتسبيح.

стр. 882

فَصْلٌ: [في العَوَارِضِ] وَيُكْرَهُ لِلْمُصَلِّي أَنْ يَعْبَثَ بِثَوْبِهِ أَوْ بِجَسَدِهِ لِقَوْلِهِ ﵊: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَرِهَ لَكُمْ ثَلَاثًا، … ... … ... … ... .. وفي المبسوط (١): قال في الكتاب: وأحبُّ إلي أن لا يجمع بين التسبيح والإشارة باليد، فإن بأحدهما كفاية، ومنهم من قال: والمستحب أن لا يُفعَلَ شيء من ذلك. وتأويل قوله ﵇؛ أنه كان في وقت كان العمل مباحاً في الصلاة. وفي جامع فخر الإسلام لو مر من بعيد في المسجد الجامع؛ قيل: يكره، والأصح: أنه لا يكره. فَصْلٌ هذا الفصل لبيان العوارض، إلا أنه قدم ما يفسد على ما يكره؛ لأنه أحوج إلى البيان؛ ليصون المصلي عمله من البطلان. (أن يعبث): في البدرية: العَبَث: الذي فيه غرض ولكن ليس بشرعي، والسَّفَه: ما لا غرض فيه (٢). وفي الحميدية: العبث: كل عمل ليس فيه غرض صحيح (٣). (ثلاثا)؛ وهو الرفث في الصوم، والعبث في الصلاة، والضحك في المقابر. رواه أبو هريرة (٤). كذا في المبسوط (٥). وحاصله: أن كل عمل يفيد للمصلي لا بأس أن يفعله. أصله: ما روي أنه ﵇ عرق في صلاته فسَلَت العرق من جبينه (٦).

стр. 883

وَذَكَرَ مِنهَا العَبَثَ فِي الصَّلَاةِ» وَلِأَنَّ العَبَثَ خَارِجَ الصَّلَاةِ حَرَامٌ فَمَا ظَنُّكَ فِي الصَّلَاةِ (وَلَا يُقَلِّبُ الحَصَى) لِأَنَّهُ نَوْعُ عَبَثٍ (إِلَّا أَنْ لَا يُمْكِنَهُ السُّجُودُ فَيُسَوِّيَهُ مَرَّةً وَاحِدَةً) لِقَوْلِهِ ﵊: «مَرَّةً يَا أَبَا ذَرِّ وَإِلَّا فَذَرْ» وَلِأَنَّ فِيهِ إِصْلَاحَ صَلَاتِهِ (وَلَا يُفَرْقِعُ لأنه كان يؤذيه فكان مفيدًا، وكان في زمن الصيف إذا قام من السجود نفض ثوبه يمنة أو يسرةً؛ لأنه كان مفيداً كيلا يبقى صورة قيل: صورة الهوام. وقيل: صورة أعضائه. فأما ما ليس بمفيد للمصلي فيكره أن يشتغل به، قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ١ - ٢] الآية، والعبث خلاف الخشوع، فيكره. (خارج الصلاة حرام)؛ قال ﵇: «مَا أنا مِنَ الدَّد ولا الدَّد مني» (١). (ولا يقلب الحصى)؛ لقوله ﵇: «لأن يُمسِكَ أَحدُكُم عَنْ الحَصَى خيرٌ لهُ مِنْ مائة نوق سودِ الحَدقَةِ، فإن غلب الشيطانُ أَحَدَكُمْ فَلْيَمْسَحْهُ مسحةً واحدةً» (٢) كذا في جامع الْوَرْسَكِيّ، والْمُجْتَبى (٣)، والْمَبْسُوط (٤). (مرة يا أبا ذر): وسأل أبو ذر خير البشر عن تسوية الحجر، فقال خير البشر: «يا أبا ذر مرة أوذر» (٥). ثم اتفق العلماء (٦) على كراهية التقليب بغير عذر، إلا مالكا. (ولا يفرقع): الفرقعة: غمز الأصابع أو مدها حتى تُصَوِّتَ. كذا في المغرب (٧).

стр. 884

أَصَابِعَهُ) لِقَوْلِهِ ﵊: «لَا تُفَرْقِعْ أَصَابِعَكَ وَأَنْتَ تُصَلِّي» (وَلَا يَتَخَصَّرُ) وَهُوَ وَضْعُ اليَدِ عَلَى الخَاصِرَةِ، لِأَنَّهُ ﵊ نَهَى عَنِ الِاخْتِصَارِ فِي الصَّلَاةِ، وَلِأَنَّ فِيهِ تَرْكَ الوَضْعِ المَسْنُونِ. روي أنه ﵇ قال لعليّ: «إني أُحِبُّ لكَ ما أُحِبُّ لِنَفْسِي، لَا تُفَرْقِعْ أصابِعَكَ وأنتَ تُصَلِّي» (١)، فالفرقعة والتشبيك في الصلاة مكروه عند جميع أهل العلم (٢)، فيكون فيه إجماعًا، وروي أنه ﵇ نهى عن تفرقع الأصابع لجالس في المسجد ينتظر الصلاة، وفي رواية: «لمن يمشي إلى الصلاة»، فلما كره للمنتظر أو الماشي، فما ظنك بالمصلي؟ ولأنه نوع عبث فيكره. وفي النوازل: تفرقع في المسجد في غير الصلاة يكره (٣). وقال شيخ الإسلام (٤): كره كثير من الناس الفرقعة خارج الصلاة؛ فإنها تلقين الشيطان، قال ﵇: «التثاؤب مِنَ الشَّيطان والتمدُّدُ مِنَ الشَّيطان والفرقعة مِنَ الشَّيطان» (٥). وقيل: أنه عمل قوم لوط، فيكره التشبه بهم. وفي الْمُجْتَبى (٦): ولا يشبك أصابعه؛ لأنه يفوت الوضع أو الأخذ المسنون. قوله: (ولا يَتَخَصَّرُ): التخصر والاختصار وضع اليد على الخاصرة. كذا في المغرب (٧). وبه قال الجمهور من أهل اللغة والفقه والحديث، روى أبو هريرة «أنه عليه

стр. 885

(وَلَا يَلْتَفِتُ) لِقَوْلِهِ ﵊: «لَوْ عَلِمَ المُصَلِّي مَنْ يُنَاجِي مَا التَفَتَ» السلام نهى أن يصلي الرجل متخصرا» (١). وفي المبسوط (٢): يكره خارج الصلاة أيضا؛ فإن إبليس أخرج من الجنة متخصرا، وقال ﵇: «الاختصار في الصلاة؛ راحة أهل النار» (٣)؛ أي: فعل اليهود وهم أهل النار. وفي المبسوط: قيل: التخصر: أخذ المخصر باليد والاتكاء عليها، والاختصار: قراءة آية أو اثنين من آخر السورة، والخصر: وهو ما فوق الطفطفة والشراسيف (٤). الطفطفة: الخاصرة. والشراسيف: الضلع التي تشرف على البطن. قوله: (ولا يلتفت): فالالتفات مكروه باتفاق أهل العلم. في المبسوط (٥): حد الالتفات المكروه: أن يلوي عنقه حتى يخرج من جهة القبلة. والالتفات يمنة أو يسرة انحراف عن القبلة ببعض بدنه، فلو انحرف بجميع بدنه تفسد صلاته، فإن انحرف ببعضه كره، كالعمل اليسير في الصلاة يكره؛ لأن كثيره يفسد، فكذا هذا، وعن رسول الله ﷺ أنه قال: «الرحمة تواجه العبد ما دام في الصلاة، فإذا التفت عرضت عنه» (٦)، وقال ﵇: «تلك خلسة يختلسها الشيطان من صلاة العبد» (٧)، وهذا دليل على أن الالتفات لا يقطع وإن

стр. 886

(وَلَوْ نَظَرَ بِمُوَخِّرِ عَيْنِهِ يَمْنَةً وَيَسْرَةً مِنْ غَيْرِ أَنْ يَلْوِيَ عُنُقَهُ لَا يُكْرَهُ) لِأَنَّهُ ﵊ كَانَ يُلَاحِظُ أَصْحَابَهُ فِي صَلَاتِهِ بِمُوقِ عَيْنَيْهِ (وَلَا يُقْعِي وَلَا يَفْتَرِشُ ذِرَاعَيْهِ) انحرف عن القبلة يمنة أو يسرة ما لم يستدبرها. كذا في مبسوط شيخ الإسلام (١). وقال الشاعر فيه: لو عَلِمَ المُصَلِّي مَنْ يُناجِي … لَما التَفَتَ اليَمينَ وَلَا الشَّمالُ (٢) (مؤخر عينه): بضم الميم وكسر الخاء؛ مخففا: طرفها الذي يلي الصدغ، والمقدم خلافه، والمؤق - بالهمزة - مؤخر العين، ويجوز قلب الهمزة واواً. قوله: (ولا يُقْعِي): وفي التحفة (٣): اختلفوا في تفسير الإقعاء: قيل: أن ينصب قدميه كما يفعل في السجود، ويضع إليتيه على عقبيه. وقال الكرخي: هو أن يقعد على عقبيه ناصبا رجليه. وقال الطحاوي: الإقعاء أن يضع إليتيه على الأرض واضعاً يديه عليها، وينصب فخذيه، ويجمع ركبتيه إلى صدره، وهذا أشبه بإقعاء الكلب. وفي المبسوط (٤): وهو مراد الفقهاء، وهو الأصح؛ لأن إقعاء الكلب يكون هكذا. وفي الكافي (٥): إلا أن إقعاء الكلب في نصب اليدين، وإقعاء الآدمي في نصب الركبتين إلى الصدر. وفي الْمُجْتَبى (٦): والإقعاء بكل التفاسير مكروه. ثم كراهة الإقعاء مذهب علي ﵁، وأبي هريرة، وابن عمر، والشافعي (٧)، ومالك (٨)، وأحمد (٩)، وأكثر العلماء.

стр. 887

«لِقَوْلِ أَبِي ذَرٍّ ﵁: نَهَانِي خَلِيلِي عَنْ ثَلَاثٍ: أَنْ أَنْقُرَ نَقْرَ الدِّيكِ، وَأَنْ أُقْعِيَ إِقْعَاءَ الكَلْبِ، وَأَنْ أَفْتَرِشَ افْتِرَاشَ الثَّعْلَبِ». وَالإِقْعَاءُ: أَنْ يَضَعَ أَلْيَتَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ وَيَنْصِبَ رُكْبَتَيْهِ نَصْبًا هُوَ الصَّحِيحُ. (وَلَا يَرُدُّ السَّلَامَ بِلِسَانِهِ) لِأَنَّهُ كَلَامٌ (وَلَا بِيَدِهِ) لِأَنَّهُ سَلَامٌ مَعْنَى، حَتَّى لَوْ صَافَحَ == ونقل عن سالم، ونافع، وعطاء، والعبادلة الثلاثة: عدم الكراهة. افتراش الذراعين: ألقاهما على الأرض. كذا في المغرب (١). وفي الطلبة (٢): النقر في الصلاة: تخفيف السجود على النقصان، كنقر الديك، وهو التقاط الحب عن سرعة، وافتراش الذراعين: بسطهما، والإقعاء في اللغة: إلصاق الإليتين بالأرض، ونصب الساقين، ووضع اليدين على الأرض، كما يفعل الكلب، وعند الفقهاء: وضع إليتيه على عقبيه بين السجدتين، قيل: هو أن يجلس على وركيه. وقوله: (هو الصحيح)؛ احتراز عن هذا. قوله: (ولا يرد السلام بلسانه)؛ حتى لو رد به بطلت صلاته، وبه قال الشافعي (٣)، ومالك (٤)، وأحمد (٥)، وأكثر العلماء؛ لما روينا من حديث ابن مسعود «أنه قدم من الحبشة … » الحديث (٦). (ولا بيده): قال الشافعي (٧): يرد بالإشارة باليد والرأس؛ لأن صهيباً سئل عن رجال من الأنصار يُسلّمون على النبي ﷺ في الصلاة، فكيف كان رسول الله ﷺ يرد؟ فقال: " يشير إليهم " (٨)، وفي رواية: لما قدم ابن مسعود من

стр. 888

بِنِيَّةِ التَّسْلِيمِ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ الحبشة وسلّم، فأومأ النبي ﵇ برأسه، وكذا روي عن عائشة. ولنا: حديث ابن مسعود، وما رواه شاذ. وعن أحمد: كراهة الرد بالإشارة في الفرض دون النفل، ومالك مرة كرهه ومرة أجازه. وأما حديث صهيب؛ يحتمل أنه ﵇ كان في التشهد وهو يشير، فظنه ردًا؛ إذ لم يذكر أنه ﵇ كان في القيام أو القعود. ولو صافح بنية التسليم تفسد صلاته عند أبي حنيفة؛ لأنه عمل كثير. قال حسام المؤذني والبقالي: فعلى هذا لو رد بالإشارة ينبغي أن تفسد؛ لأنه كالتسليم باليد، وقال: عند أبي يوسف لا تفسد (١). وفي فتاوى العتابي (٢): لو رد السلام بالإشارة بإصبع أو رأس لا تفسد. وفي الذخيرة (٣): لا بأس للمصلي أن يجيب المتكلم برأسه، به ورد الأثر عن عائشة. ولا بأس بأن يتكلم الرجل مع المصلي، قال تعالى: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمُ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾ [آل عمران: ٣٩] الآية. وفي أحكام القرآن للحلواني: لا بأس للمصلي أن يجيبه برأسه (٤). قيل للمصلي: تقدم فتقدم، أو دخل أحد فرجة الصف فتجانب المصلي يوسعه له؛ فسدت صلاته؛ لأنه امتثل أمر غير الله في الصلاة، وينبغي للمصلي أن يمكث ساعة ثم يتقدم برأيه. قلت: فالإجابة باليد أو بالرأس مثله. ثم هل يجيب بعد الفراغ؟ ذكر الخطابي والطحاوي أنه ﵇ رد على

стр. 889

(وَلَا يَتَرَبَّعُ إِلَّا مِنْ عُذْرٍ) لِأَنَّ فِيهِ تَرْكَ سُنَّةِ القُعُودِ ابن مسعود بعد فراغه من الصلاة. كذا في الْمُجْتَبى (١). وفي الحلية (٢): حكى ابن منذر عن جماعة كراهة السلام على المصلي، منهم عطاء، وعن مالك روايتان في ذلك (٣)، وكان أحمد لا يرى بذلك بأساً (٤). قوله: (ولا يتربع): كان ابن عمر يتربع في الصلاة، فنهاه عمر ﵁، فقال: إني رأيتك تفعله، فقال: في رجلي عذر. وفي الْمُجْتَبى (٥): قال ﵇: «صَلاةُ القاعد على النصفِ مِنْ صَلاةِ القائم إِلَّا المُتَرَبِّعِ» (٦). قال شيخ الإسلام: التربع جلوس الجبابرة، فلهذا كره في الصلاة (٧). قال السَّرَخْسِي في مبسوطه (٨): هذا ليس بقوي؛ فإنه ﵇ كان يتربع في جلوسه في بعض أحواله، حتى أنه ﵇ كان يأكل متربعاً، فنزل عليه الوحي: «كل كما يأكل العبيد، واشرب كما يشرب العبيد، واجلس كما يجلس العبيد» (٩)، وهو ﵇ منزه عن أخلاق الجبابرة، وكذلك جلوس عمر ﵁ في مسجد النبي ﵇ كان متربعاً، لكن الجلوس على الركبتين أقرب إلى التواضع، فهو أولى في حالة الصلاة إلا عن عذر. وفي الخلاصة (١٠): التربع خارج الصلاة مكروه أيضًا.

стр. 890

(وَلَا يَعْقِصُ شَعْرَهُ) وَهُوَ: أَنْ يَجْمَعَ شَعْرَهُ عَلَى هَامَتِهِ وَيَشُدَّهُ بِخَيْطِ أَوْ بِصَمْعَ لِيَتَلَبَّدَ، فَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ ﵊ نَهَى أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ وَهُوَ مَعْقُوصٌ (وَلَا يَكُفُّ ثَوْبَهُ). قوله: (ولا يعقص): في مبسوط شيخ الإسلام (١): صورته: أن يشد ضفيرته حول رأسه، كما تفعله النساء في بعض الأوقات، أو يجمع شعره فحَلَّه حلا عتيقا. وفي المبسوط (٢): عقصه: أن يجمع شعره على هامته. وقيل: أن يشد كله على القفا؛ كيلا يصيب الأرض إذا سجد. (ولا يكف ثوبه)؛ بأن يرفع ثوبه من بين يديه، أو من خلفه إذا أراد السجود، قال ﵇: «أُمِرتُ أن أسجد على سبعة أعظم، وأن لا أكف ثوبًا ولا شعرًا». كذا في الصحيحين (٣). وعن ابن عباس أنه رأى عبد الله بن الحارث يصلي، ورأسه معقوص من ورائه، فجعل يُحِلّه، فلما فرغ قال له: ما لك ورأسي؟، قال ابن عباس: سمعت النبي ﷺ يقول: «إنما مثل هذا ومثل الذي يُصلّي وهو مكتوف» (٤)، ويروى «ولا يَكْفِتَ»، والمعنى واحد. وقال ابن عمر -لرجل يسجد وهو معقوص الشعر-: أرسله يسجد معك (٥)، وهو الحكم (٦) في النهي عنه. وقال مالك: النهي لمن فعل ذلك للصلاة (٧)، وعند الجمهور: النهي لكل من (٨) صلى، سواء تعمد للصلاة أو لمعنى آخر.

стр. 891

لِأَنَّهُ نَوْعُ تَجَبُّرٍ (وَلَا يُسْدِلُ ثَوْبَهُ) لِأَنَّهُ ﵊ نَهَى عَنِ السَّدْلِ، وَهُوَ أَنْ وقيل: لا بأس بكف الثوب صيانة عن التَّتَرّب، ولو صلّى وقد شمر كُمَّيْهِ لعمل أو هيئة ذلك؛ يكره. وقيل: لا بأس به. ويكره تغطية الفم بلا عذر، والاعتجار، وهو أن يلف العمامة حول رأسه. وقيل: أن يلف بعضها على رأسه وبعضها على وجهه، كالنقب ونقر الصلاة، ورفع اليدين عند الانحطاط أو الرفع. وتكره الصلاة في إزار واحد، وحاسِراً رأسَهُ تذللاً وتكاسلاً، وتكره في ثياب البذلة، وفي ثوب فيه تصاوير. ويستحب أن يصلي في ثلاثة أثواب: إزار، وقميص، وعمامة، وللمرأة في قميص وخمار ومقنعة. كذا في الْمُجْتَبى (١). وفي فتاوى الظهيرية (٢): ويكره تغميض عينيه؛ لأنه تشبه باليهود، والصلاة في إزار واحد، وأن يضع ثوبه على رأسه ويلف به جميع بدنه بحيث لا تبقى له فرجة، والصلاة على الأرض، أو ما تنبته الأرض أفضل؛ لقوله ﵇: «الصلاة على ما تُنبته الأرضُ أولى على ما ينبته الغنم» (٣). (نهى عن السدل): وبه قال الشافعي (٤). وقال مالك: السدل جائز (٥). واختلف المشايخ في كراهة السدل خارج الصلاة. وفي الصحاح: السَّدْلُ: بسكون الدال (٦). وفي المغرب: بفتحها (٧).

стр. 892

يَجْعَلَ ثَوْبَهُ عَلَى رَأْسِهِ وَكَتِفَيْهِ ثُمَّ يُرْسِلَ أَطْرَافَهُ مِنْ جَوَانِبِهِ (وَلَا يَأْكُلُ وَلَا يَشْرَبُ) لِأَنَّهُ (ولأنه صنيع أهل الكتاب): وفسر السدل في فتاوى قاضي خان كما ذكر في المتن (١). وفي مبسوط شيخ الإسلام (٢): وهو أن يضع الرداء أو القباء على كتفيه، ولم يدخل يديه في كميه يكره، ومن صلى في قباء أو مطرف أو باراني؛ ينبغي أن يدخل يديه في كميه، ويشد القباء بالمنطقة احترازا عن السدل. وعن أبي جعفر: المتقبب إذا لم يشد الوسط فهو مسيء (٣). وفي فتاوى العتابي (٤): ويكره له شد وسطه؛ لأنه صنيع أهل الكتاب، ويكره له لبسة الصماء وهو الضطباع؛ لأنه عادة الشطارين، وفي البخاري (٥) أنه ﵇ «نَهَى عَنْ لُبْسِةِ الصَّمَّاء». قوله: (ولا يأكل ولا يشرب)؛ أي: بالإجماع إذا كان عامدًا، ولأنه عمل كثير، وأنه قاطع. وعن سعيد بن جبير أنه شرب الماء في النافلة، وعن طاووس قال: لا بأس بشرب الماء في النافلة، وهو رواية عن أحمد (٦). قال [ابن] المنذر: لا يجوز ذلك، ولعل من حكي ذلك عنه كان فَعَلُه ناسياً (٧). وَفِي الْمُجْتَبَى (٨): ذكر البقالي: لو مَصَّ الصبي ثدي أمه فخرج اللبن؛ تفسد صلاتها، فبأكل المصلي أولى.

стр. 893

لَيْسَ مِنْ أَعْمَالِ الصَّلَاةِ (فَإِنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ عَامِدًا أَوْ نَاسِيًا فَسَدَتْ صَلَاتُهُ) لِأَنَّهُ عَمَلٌ قال الإِسْبِيجَابِيُّ (١): لو ارتضع ثديها مرة ومرتين لا تفسد، وإن زاد تفسد. وفي النَّوَادِرِ (٢): ونزل لها لبن، وهو الأصح. وفي شرح الطحاوي (٣): كل ما يفسد الصوم يفسد الصلاة، حتى لو أكل مما بقي بين أسنانه قدر الحمصة تفسد، وما لا فلا. وفي الأَجْنَاسِ (٤): ابتلع ما بين أسنانه، أو فضل طعام أو شراب تناوله قبل الصلاة؛ لا تفسد، ولم يذكر المقدار، وهكذا عن محمد. وقال الشافعي: لو ابتلع شيئاً من بين أسنانه، أو نخامة من رأسه؛ تفسد صلاته (٥). ولو كانت في فمه سُكَّرةٌ فذابت ودخلت في حلقه فسدت، وبه قال أحمد (٦)، وهو الصحيح من وجهي الشافعي (٧). ولو بقيت حلاوة السكر ونحوه في فيه، ولا يدخل حلقه مع ريقه لا تفسد. ولو وقع في فمه بَرَدَةٌ أو ثلج أو قطرة مطر فابتلعه فسدت. وفي الذخيرة (٨): قاء أقل من ملء فيه فعاد لا تفسد، ولو أعاده وهو يقدر على مجه؛ قال المرغيناني: لا تفسد على قياس الصوم عند أبي يوسف، وتفسد عند محمد، وإن تقيأ أقل من ملء فيه لا تفسد، وملء الفم يفسد، وهو المختار. وفي فتاوى قاضي خان (٩): قال بعض المشايخ: ما دون ملء الفم لا يفسد الصلاة، وفرق بين الصلاة والصوم.

стр. 894

كَثِيرٌ وَحَالَةُ الصَّلَاةِ مُذَكِّرَةٌ وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَكُونَ مَقَامُ الإِمَامِ فِي المَسْجِدِ وَسُجُودُهُ فِي ولو كان في فيه إهليلجة فلاكها فسدت، ولو دخل في حلقه شيء منه من غير أن يلوكها لا تفسد، إلا إذا كثر. كذا في الْمُجْتَبى (١). وقوله: (وحالة الصلاة مذكرة)؛ للفرق بين الصوم والصلاة؛ فإن النسيان فيه عفو، لا في الصلاة؛ لأن حالة الصلاة مذكرة بخلاف الصوم، فإن عند الشافعي (٢): إذا أكل أو شرب ناسياً للصلاة أو جاهلاً لتحريمه، إن كان قليلا لم يبطلها، وإن كثر أبطلها في أصح الوجهين، وتعرف القلة والكثرة بالعرف. وقال أحمد: لا تبطل بهما إذا كان ناسياً، كما في الصوم (٣). قال ابن قاسم: لو أكل أو شرب يبتدئ، ولا أحفظ عن مالك، قال ابن حبيب: يبني ما لم يُطل (٤). قوله: (ولا بأس بأن يكون مقام الإمام): قال الحلواني: فيه طريقان: أحدهما: أنه إذا دخل الطاق ليمتاز على القوم، وذلك صنيع أهل الكتاب؛ فإنهم يتخذون لإمامهم دكاناً، والتشبه مكروه، وقال ﵇: «من تشبه بقوم فهو منهم» (٥)، ولهذا يكره الاعْتِجَارِ وتغطية الفم؛ لأنه تشبه بهم، وكذا يكره التمايل عن اليمنى واليسرى، فقد صح عن أبي بكر ﵁ أنه ﵇ قال: «إذا صلَّى أحدُكُم فَلْيُسْكِنْ أطرافَهُ فلا يتمايَلُ تَمايُلَ اليَهُودِ» (٦). كذا في المحيط (٧)، والذخيرة.

стр. 895

الطَّاقِ، وَيُكْرَهُ أَنْ يَقُومَ فِي الطَّاقِ لِأَنَّهُ يُشْبِهُ صَنِيعَ أَهْلِ الكِتَابِ مِنْ حَيْثُ تَخْصِيصُ الإِمَامِ بِالمَكَانِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ سُجُودُهُ فِي الطَّاقِ وَيُكْرَهُ أَنْ يَكُونَ الإِمَامُ وَحْدَهُ عَلَى الدُّكَّانِ لِمَا قُلْنَا والثاني: ما حكي عن أبي حفص أنه قال (١): لأنه يشبه حاله على من يمينه ويساره، حتى إذا كان بجنبي الطاق عمودان، ووراء ذلك فرجة يطلع فيها عن يمينه وشماله على حاله؛ فلا بأس به؛ لأن الإمام إنما كان إماماً ليعلم بحاله، فيتحقق الائتمام به، وإنما هذا بالعراق؛ لأن محاربهم مجوفة مطوقة، مبنية باللبن والآجر، والاعتبار لمكان العدم، حتى لو كان مكان القدم خارجاً عن الطاق لا يكره، واعتبار مكان القدم يوافق أصول أصحابنا، كما فيمن حلف لا يدخل هذه الدار، فأدخل قدميه فيها حنث، ولو كانت عامة بدنه في الدار وقدماه خارجها لم يحنث، وكذا صيد الحرم، إذا كان رجلاه فيه والباقي خارجه يكون صيد الحرم، وكذا إذا كان قدماه على مكان طاهر تجوز صلاته، فكذا هاهنا. قال شمس الأئمة السَّرَخْسِي: من اختار الطريقة الثانية لم يكره عند عدم الاشتباه، وإن كان مقام الإمام في الطاق، ومن اختار الطريقة الأولى قال: يكره في الوجهين جميعاً، وقال: وهذا هو الأصح، وكذا ذكره المحبوبي، والمرغيناني (٢). وفي الخبازية: طعن بعض من خالف أبا حنيفة في قوله: (ولا بأس بأن يكون مقام الإمام في المسجد وسجوده في الطاق)؛ يعني: لم يجعل الطاق منه، وليس كذلك؛ فإن المراد منه هاهنا مصلى الناس وموضع سجودهم، والطاق ليس بمسجد بهذا الاعتبار، وبه تندفع شبهتهم (٣). وقيد بقوله: (وحده)؛ لأنه لو كان معه بعض القوم لا يكره. (لما قلنا)؛ وهو أنه يشبه بصنيع أهل الكتاب.

стр. 896

(وَكَذَا عَلَى القَلْبِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ)؛ لِأَنَّهُ ازْدِرَاءُ بِالْإِمَامِ (وَلَا بَاسَ بِأَنْ يُصَلِّيَ إِلَى ظَهْرِ رَجُلٍ قَاعِدٍ يَتَحَدَّثُ)؛ لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄، رُبَّمَا كَانَ يَسْتَتِرُ بِنَافِعٍ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ. ولم يذكر في الكتاب مقدار ارتفاع الدكان الذي يكره عليه، ذكر الطحاوي أنه مقدر بقدر قامة الرجل الذي هو وسط القامة، وهكذا روي عن أبي يوسف. وقيل: مقدر بقدر ما يقع به الامتياز. وقيل: أنه مقدر بقدر ذراع؛ اعتبارا بالسترة، وعليه الاعتماد. كذا في جامع قاضي خان (١). وذكر شيخ الإسلام: إنما يكره هذا إذا لم يكن من عذر، أما إذا كان فلا يكره، كما في الجمعة، إذا كان القوم على الرف وبعضهم على الأرض لضيق المكان (٢). وحكى الحلواني عن أبي الليث في مسألة الطاق: قيام الإمام فيه لا يكره عند الضرورة؛ بأن ضاق المسجد على القوم. كذا في جامع المحبوبي (٣). (ازدراء)؛ أي: استخفاف بالإمام. وذكر الطحاوي: لا يكره لعدم التشبه بصنيع أهل الكتاب؛ فإنهم لا يفعلون هكذا، وعليه عامة المشايخ (٤). وقوله: (في ظاهر الرواية)؛ احتراز عن هذه الرواية. وبقولنا: قال الشافعي ﵁، إلا إذا أراد الإمام تعليم القوم أفعال الصلاة، أو أراد المأموم تبليغ القوم، فحينئذ لا يكره عنده (٥). وقال مالك (٦)، وأحمد (٧)، والأوزاعي: يكره في الأول. قوله: (إلى ظهر رجل) قيد به؛ لأنه لو صلى إلى وجه رجل يكره، فإن

стр. 897

(وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُصَلِّيَ وَبَيْنَ يَدَيْهِ مُصْحَفٌ مُعَلَّقٌ أَوْ سَيْفٌ مُعَلَّقٌ) لِأَنَّهُمَا لَا يُعْبَدَانِ. عمر ﵁ رأى رجلا يصلي إلى وجه غيره فعلاهما بالدرة، وقال للمصلي: أتستقبل الغير في صلاتك؟ وقال للقاعد: أتستقبل المصلي بوجهك؟ علم أن ذلك حرام. وفي قوله: (إلى ظهر رجل يتحدث)؛ إشارة إلى أنه لا بأس بأن يصلي إن كان بقربه قوم يتحدثون، وبه قالت الأئمة الأربعة، إلا ما روي عن مالك في رواية: إن كان أمامه مجنون أو صبي أو كافر أو امرأة غير محرمة يكره (١)، ومن الناس من كره ذلك؛ لأنه ﵇ نهى أن يصلي الرجل وعنده قوم يتحدثون أو نائمون، رواه ابن عباس (٢). وتأويل ذلك عندنا إذا رفعوا أصواتهم على وجه الغلط، ولهذا قال في جامع البرهاني (٣): قالوا: هذا إذا لم يشوشه حديثهم، فإن كان يشوشه فيكره، وفي النائمين إذا كان يخاف أن يظهر صوت من النائم، فيضحك في صلاته، ويخجل النائم إذا انتبه، فإن لم يكن كذلك فلا بأس به. والدليل عليه: ما روي أن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يصلون، وبعضهم يقرؤون وبعضهم يتكلمون، وبعضهم يذكرون المواعظ، ولم يمنعهم عن ذلك رسول الله ﷺ . كذا في جامع قاضي خان، والفوائد الظهيرية (٤). قوله: (مصحف أو سيف معلق): إنما أورد هذه المسألة؛ لأن من كره ذلك؛ فإن أحمد كره ذلك في المعلق لا في الموضوع، فقال: في استقبال المصحف تشبه بأهل الكتاب (٥). قيل: هو قول إبراهيم النخعي.

стр. 898

وَبِاعْتِبَارِهِ تَثْبُتُ الكَرَاهَةُ (وَلَا بَأسَ بأَنْ يُصَلِّيَ عَلَى بِسَاطِ فِيهِ تَصَاوِيرُ) لِأَنَّ فِيهِ اسْتِهَانَةٌ بِالصُّوَرِ (وَلَا يَسْجُدُ عَلَى التَّصَاوِيرِ) لِأَنَّهُ يُشْبِهُ عِبَادَةَ الصُّورَةِ، وَأَطْلَقَ الكَرَاهَةَ في الأصل،. والسيف: آلة الحرب، وفي الحديد بأس شديد، فلا يليق تقديمه في مقام التضرع. وقيل: هو قول ابن عمر، ولكنا نقول: لا يفعلون ذلك عبادة، بل ليقرؤوا منه في صلاتهم، وذلك مكروه، ولأنه لو كان موضوعاً أمام المصلي فلا بأس به، فكذا إذا كان معلقا. وأما السيف فإنه آلة الحرب مسلم، ولكن الموضع موضع الحرب، ولهذا سمي محراباً، فيليق هو فيه، ولأنا أمرنا بأخذ الأسلحة في صلاة الخوف، قال تعالى: ﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢]، فإذا كان معلقا بين يديه؛ كان أمكن من أخذه إذا احتاج إليه، فلا يوجب الكراهة، وقد كانت العنزة تحمل أمام النبي ﵇، وقد كانت تركز فتبين أنه لا بأس به. كذا ذكره قاضي خان في جامعه، والتمرتاشي، والمرغيناني (١). (في الأصل)؛ أي: في المبسوط، حيث لم يفصل بين أن يسجد على الصورة في حق الكراهة أو لا يسجد عليه. قال شيخ الإسلام صلى على بساط فيه تماثيل يكره؛ لأنه متى صلى عليه، تشبه هذه الصلاة إلى الصورة، وحقيقة الصلاة إليها حرام، فما يشبهها يكون مكروهاً (٢). وفي المغرب (٣): التمثال: ما يصور مُشبّها بخلق الله تعالى من ذوات الروح، والصورة عام. وقيل: التمثال ما يصور على الجدار، والصورة ما على الثوب. كذا في

стр. 899

لِأَنَّ المُصَلَّى مُعَظَّمُ (وَيُكْرَهُ أَنْ يَكُونَ فَوْقَ رَأْسِهِ فِي السَّقْفِ أَوْ بَيْنَ يَدَيْهِ أَوْ بِحِذَائِهِ تَصَاوِيرُ أَوْ صُورَةٌ مُعَلَّقَةٌ) لِحَدِيثِ جِبْرِيلَ: «إِنَّا لَا نَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ أَوْ صُورَةٌ»، وَلَوْ كَانَتِ الصُّورَةُ صَغِيرَةً بِحَيْثُ لَا تَبْدُو لِلنَّاظِرِ لَا يُكْرَهُ لِأَنَّ الصِّغَارَ جِدًّا لَا تُعْبَدُ (وَإِذَا كَانَ التِّمْثَالُ مَقْطُوعَ الرَّأْسِ) … . الكافي (١). (ولأن المصلى معظم)؛ يعني: مستحق للتعظيم، ونحن أمرنا بإهانة الصورة، وهي فيه. (جدا لا تعبد)؛ فإنه قد كان على خاتم أبي موسى ذبابتان. وقيل: خاتم أبي هريرة، ولما وجد خاتم دانيال النبي ﵇ على عهد عمر ﵁، كان على فصه صورة أسد ولبؤة، وبينهما صبي يلحسانه، فلما رآه عمر ذرفت عيناه ودفعه إلى أبي موسى الأشعري. وأصل ذلك: أن دنيال ﵇ ألقي في غيضة وهو رضيع. قيل: حكي أن بختنصر حين استولى أخبر أن بعض ما يولد في زمانك يقتلك، فتتبع الصبيان ويقتلهم، فلما ولد دانيال ﵇ ألقته أمه في غيضة؛ رجاء أن ينجو، فقيض الله له أسد ولبؤة ترضعه، وهما يلحسانه، فأراد بهذا النقش أن يحفظ منة الله تعالى عليه. وكان لابن عباس كانون محفوف بصور صغار، ولأن التمثال في شريعة من قبلنا كان مباحاً، قال الله تعالى: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ تَحْرِيبَ وَتَمَاثِيلَ﴾ [سبأ: ١٣]. قوله: (أي: ممحو الرأس): إنما فسر بهذا؛ لئلا يتوهم أن لو قطع رأسه بخيط من الحلقوم، ورأسه طاهر غير مكروه، فإن الكراهة فيه باقية أيضاً؛ لأن من الطير ما هو منطوق، فلما محي رأسه وصار بحال لا يرى رأسه لا يكره؛ لأنه لا يعبد بلا رأس، فألحق بصور الجمادات. وروي أنه ﵇ أهدي إليه ترس عليه تمثال لطائر، فأصبح وقد محي وجهه، وروي أن جبريل ﵇ استأذن على النبي ﷺ ، فأذن له، فقال:

стр. 900

أَيْ مَمْحُو الرَّأْسِ (فَلَيْسَ بِتِمْثَالِ) لِأَنَّهُ لَا يُعْبَدُ بِدُونِ الرَّأْسِ، وَصَارَ كَمَا إِذَا صَلَّى إِلَى شَمْعِ أَوْ سِرَاجِ عَلَى مَا قَالُوا (وَلَوْ كَانَتِ الصُّورَةُ عَلَى وِسَادَةٍ مُلْقَاةً أَوْ عَلَى بِسَاطِ مَفْرُوشٍ لَا يُكْرَهُ) لِأَنَّهَا تُدَاسُ وَتُوطَأُ، بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَتِ الْوِسَادَةُ مَنْصُوبَةٌ أَوْ كيف أدخل وفي البيت قرام فيه تماثيل حيوان ورجال، فإما أن تقطع رؤوسها، أو تتخذ وسائد فتوطأ (١)، فإن بعد قطع الرأس يصير بمنزلة الشجر، وذلك غير مكروه. كذا في المبسوط (٢). (شمع أو سراج): قيل: يكره كما لو كان بين يديه كانون فيه جمر ونار، والصحيح أنه لا يكره؛ لأنهما لا يعبدان. وعن ظهير الدين: الأصل فيه: إن كان ما يقع تشبهاً بهم فيما يعظمونه؛ يكره الاستقبال بالصلاة إليه، وهم يعبدون الجمر بدون الضرام، إلا أن الاستقبال إليه يكره؛ لأنه لا ينفك عن الجمر، وقالوا أيضاً: تكره الصلاة إلى تنور مفتوح الرأس فيه نار، أو على بساط مفروش. في المبسوط (٣): إن كانت الصورة في موضع وجهه أو أمامه يكره؛ لأن معنى التعظيم يحصل بتقريب الوجه من الصورة، وإن كان في موضع قدميه فلا بأس به؛ لأن فيه استهانة بالصورة، أما اتخاذ الصورة على البساط فمكروه، ولكن الجلوس والنوم عليه لا بأس به؛ لأنه يوطأ، فلا يحصل فيه معنى التعظيم، وكذا الوسادة؛ ألا ترى أنه قال في حديث جبريل ﵇ أن تتخذ وسائد فتوطأ (٤)، وكما يكره في القبلة يكره في السقف، أو على يمين القبلة، أو يسارها؛ لحديث جبريل ﵇، ولو كانت على الجدار خلفه؛ فالكراهة فيه أيسر؛ لأنه لا تعظيم فيه ولا تشبه، وكذا لو كانت الصورة على الإزار أو الستور.

стр. 901

كَانَتْ عَلَى السُّتْرَةِ، لِأَنَّهُ تَعْظِيمٌ لَهَا، وَأَشَدُّهَا كَرَاهَةً أَنْ تَكُونَ أَمَامَ المُصَلِّي ثُمَّ مِنْ فَوْقِ رَأْسِهِ ثُمَّ عَلَى يَمِينِهِ ثُمَّ عَلَى شِمَالِهِ ثُمَّ خَلْفَهُ (وَلَوْ لَبِسَ ثَوْبًا فِيهِ تَصَاوِيرُ يُكْرَهُ) لِأَنَّهُ يُشْبِهُ حَامِلَ الصَّنَمِ، وَالصَّلَاةُ جَائِزَةٌ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ لِاسْتِجْمَاعِ شَرَائِطِهَا، وَتُعَادُ عَلَى وَجْهِ غَيْرِ مَكْرُوهِ، وَهَذَا الحُكْمُ فِي كُلِّ صَلَاةٍ أُدِّيَتْ مَعَ الكَرَاهَةِ … ... … ... … ... .. قال شمس الأئمة (١): وقد كره بعض المتأخرين التمثال على البشتي الكبير، من الوسائد التي توضع في صدر المجلس؛ لأن ذلك في معنى الإزار، فيكره الجلوس عليها. وفي شرح العتابي: فإن كانت خلفه أو تحت رجليه لا تكره الصلاة، ولكن تكره كراهة جعل الصورة في البيت؛ لحديث جبريل ﵇، فيجب تنزيه مكان الصلاة عما يمنع دخول الملائكة (٢). (في جميع ذلك لاستجماع الشرائط)؛ أي في جميع ما ذكرنا من صور الكراهة، والكراهة ليست لمعنى راجع إلى الصلاة. كذا في المبسوط (٣). قوله: (وتعاد)؛ أي: الصلاة (على وجه غير مكروه): وفي كشف شيخنا: إعادة الطواف بالجنابة واجبة كوجوب إعادة الصلاة التي أديت مع الكراهة (٤). وفي جامع التمرتاشي (٥): لو صلى في ثوب فيه الصورة يكره، وتجب الإعادة على وجه غير مكروه، بمنزلة من يصلي وهو حامل الصنم. قال أبو اليسر: هذا هو الحكم في كل صلاة أديت مع الكراهة (٦). وفي المبسوط ما يدل على الأولوية والاستحباب؛ فإنه ذكر فيه: والقومة غير ركن عندهما، فتركها لا يفسد الصلاة، والأولى الإعادة ليتأتي بها (٧)، وهذا

стр. 902

(وَلَا يُكْرَهُ تِمْثَالُ غَيْرِ ذِي الرُّوحِ) لِأَنَّهُ لَا يُعْبَدُ (وَلَا بَأْسَ بِقَتْلِ الْحَيَّةِ وَالْعَقْرَبِ فِي في تَرْكِ الوَاجِبِ، فَالْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ فِي غَيْرِه. كَذَا فِي الْمُجْتَبَى (١). قال مجد الأئمة البخاري: قال أصحابنا: لو ترك الفاتحة يُؤمر بالإعادة، ولو ترك القراءة لا يؤمر، فهذا يدل على وجوبها في ترك الواجب لا في غيره (٢). قوله: (وَلَا يَكْرَهُ تِمْثَالَ غَيْرِ ذِي الرُّوحِ)؛ فإنه روى عن ابن عباس أنه نهى مصورا عن التصوير، فقال: كيف أصنع وهو كسبي؟ فقال: إن لم يكن لك بد فعليك بتمثال الأشجار (٣). وعن علي ﵁ أنه قال: من صور تمثال ذي الروح؛ كُلف يوم القيامة أن ينفخ فيه الروح، وليس بنافخ (٤). (لأنه)؛ أي: تمثال غير ذي الروح (لا يعبد)؛ فلا يحصل التشبيه. فإن قيل: عبد الشمس والقمر والكواكب والشجرة الخضراء. قلنا: عبد عينه لا تمثاله، فعلى هذا ينبغي أن يكون استقبال عين هذه الأشياء مكروهاً. قال مشايخنا: وكما يكره اتخاذ الصورة في البيوت؛ يكره الدخول في هذه البيوت، والجلوس والزيارة، ولا يكره بيع الثوب الذي فيه التصاوير، وفي الأقضية، لا تقبل شهادة الذي يبيع الثياب المصورة أو ينسجها. وفي فتاوى الفضلي: لا تكره إمامة من في يده تصاوير؛ لأنها مستورة بالثياب لا تستبين، فصارت كصورة نقش خاتم (٥). وفي نوادر هشام: عن محمد: أنه لا أجر لمصور تماثيل الرجال ولمزخرفها؛ لأن عمله معصية (٦).

стр. 903

الصَّلَاةِ) لِقَوْلِهِ ﵊: «اقْتُلُوا الأَسْوَدَيْنِ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي الصَّلَاةِ» وَلِأَنَّ وفي التفاريق: هدم بيتا مصورا بالأصباغ؛ ضمن قيمة البيت والأصباغ غير مصور. هذا كله من المبسوطين، وشروح الجامع الصغير (١). قوله: (الأسودين)؛ أي: الحية والعقرب؛ لأن الحية أسود يذكر بطريق التغليب، كما في الأبوان، وهو يصح في المتلازمان، والحية والعقرب يتلازمان ويتجانسان في كونهما مؤذيان. كذا في الكافي (٢). وفيه لدغ عقرب النبي ﵇ في الصلاة، فقتله النبي ﵇ بنعله، فقال بعدها: «لعن الله العقرب؛ لا تبالي نبي الله وغيره» (٣)، وفي رواية: «مصليا وغيره» (٤)، فاختلط الماء بالتراب، فوضع على الموضع الذي لدغ العقرب. وفي المبسوط (٥): قيل: هذا بضربة واحدة من غير مشي ومعالجة، كما فعله النبي ﵇، فأما لو احتاج إلى معالجة وضربات؛ فليستقبل الصلاة، كما لو قتل إنسانا؛ لأن هذا عمل كثير، والأظهر أن الكل سواء فيه؛ لأن هذا عمل رخص فيه للمصلي، فهو كالمشي بعد الحدث، والاستقاء من البئر، وبه قال الشافعي (٦)، وأحمد (٧). قال شيخ شيخي: خالف شمس الأئمة عامة روايات شروح الجامع. وفي جامع البرهاني: إنما يباح قتلهما في الصلاة إذا مر وخاف أن يؤذيه، وإلا فيكره (٨).

стр. 904

فِيهِ إِزَالَةَ الشَّغْلِ فَأَشْبَهَ دَرْءَ المَارِّ، وَيَسْتَوِي جَمِيعُ أَنْوَاعِ الحَيَّاتِ، هُوَ الصَّحِيحُ، وقوله: (وهو الصحيح)؛ احتراز عن قول أبي جعفر (١)، فإنه قال: الحيات على نوعين: ما يكون من سواكن البيوت وهي جِنّية، وصورتها: بيضاء لها ضفرتان، تمشي مستوية، فلا يباح قتلها، قال ﵇: «إياكم والحية البيضاء فإنها من الجن» (٢)، وعلى قوله: لا يباح قتله خارج الصلاة إلا بعد الإعذار والإنذار، بأن قال: خل طريق المسلمين، فإن أبى فحينئذ يقتله، وغير الجني ما كان يضرب لونه إلى السواد، وفي مشيته التواء. قال الطحاوي: هذا الفرق غير صحيح من قبل أنه ﵇ أخذ على الجن عهودا ومواثيق؛ بأن لا يظهروا لأمته في صورة الحية، ولا يدخلوا بيوتهم، فإذا نقضوا العهد يباح قتلها، وكذا قاله الإمام السَّرَخْسِي (٣). وقال قاضي خان: الأولى هو الإعذار رجاء العمل بالعهد (٤). وقال أبو اليسر في جامعه (٥): والصحيح من الجواب: أن يحتاط في قتل الحية، حتى لا يقتل جِنِّيًّا فإنهم يؤذونه، فإذا رأى حية وشك أنه جني، حتى يقول له: خَلَّ طريق المسلين ومرَّ، فإن مرَّ تركه، فإن واحداً من إخواني وهو أكبر سناً مني، قتل حية كبيرة بسيف في دار لنا، فضربه الجن حتى جعلوه زمناً لا تتحرك رجلاه قريباً من الشهر، ثم عالجناه بإرضاء الجن حتى تركوه، وهذا مما عاينته بعيني. قال شيخ الإسلام في مبسوطه في الفرق بين الحية الجني وغيرها: يباح قتل جميع الحيات.

стр. 905

لإِطْلَاقِ مَا رَوَيْنَا وفي فتاوى الظهيرية: يكره قتل القملة والبراغيث، وكذا دفنهما في غير الصلاة في المسجد، وعن أبي حنيفة ﵁: إن قتلهما أو دفنهما فيه فقد أساء، وعن محمد: القتل أحب إلي، وأي ذلك فعل لا بأس به (١). وفي فتاوى العتابي (٢): رمى طائرًا بحجر في الصلاة، أو تروح بمروحة، أو بكُمِّهِ مرة أو مرتين، أو ذبَّ الذباب؛ لا تفسد صلاته ويكره، ولو طلب القمل في ثوبه بالحَسّ دون النظر لا تفسد، ولو كان معه النظر تفسد، ولو طلب القمل في ثوب بين يديه تفسد، ولو انتقض من عمامته كور فسواه لا تفسد، ولو شد إزاره بيديه تفسد. قال أبو بكر: لا عبرة للقيد به، إنما العبرة لكثرة العمل. وفي الْمُجْتَبى (٣): قيل: يحل قتل العقرب لا الحية. وقيل: يحل قتلهما لا الحية البيضاء. وقيل: يحل خارج الصلاة لا في الصلاة، والأصح: أنه يحل قتلهما خارج الصلاة، وفيها إذا خاف الأذى. قال شيخ الإسلام: لو أهوى بيده فرمى إليه شيئاً، أو أكثر المعالجة تفسد، وهكذا في جميع ما يؤذيه في الصلاة (٤). واختلف في الفاصل بين العمل القليل والكثير، فقيل: ما اشتمل على عدد الثلاث فهو كثير. وقيل: الكثير ما يفرد له مجلس على حدة كالإرضاع. وقيل: كل عمل لا يمكنه الإقامة إلا باليدين عادة كشد الإزار، والزر، وكور العمامة؛ فكثير.

стр. 906

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وقال الحلواني (١): لا تفسد لا بالشد ولا بالحل، ولا بلبس الإزار أو القميص، ولا بنزعه، وعن أبي يوسف في اللبس روايتان، وكل عمل يمكن إقامته بيد واحدة؛ فقليل ما لم يتكرر. وقيل: يعتبر استعمال اليدين والواحدة. وقيل: كل عمل يتيقن الناظر أنه ليس في الصلاة فكثير، وقيل: يظن، وإلا فقليل، وهو رواية البلخي عن أصحابنا، واختيار الفضلي، والشافعي (٢). وفي المبسوط (٣): وهو الأصح. وقيل: إن استكثره المصلي فكثير، وهو الأشبه بمذهب أبي حنيفة؛ لاعتباره رأي المبتلي به. وعن الحسن: ضرب دابته للسير تفسد، وإن ركض لا تفسد (٤). وقيل: برجليه تفسد. ولو ضربها ثلاثا في ثلاث ركعات لا تفسد، وفي ركعة تفسد، يريد به على الولاء. ولو قَبَّلَ المصلية لا تفسد صلاتها، قال أبو جعفر: إن كان بشهوة فسدت (٥)، والنظر إلى الفرج لا يفسد. وقيل: إن أراد الرجعة فسدت. ولو عبث بلحيته أو حك جسده مرة أو مرتين لا تفسد، وكذا لو فعل مراراً وبين كل مرتين فرجة، ولو توالت فسدت، وعلى هذا قتل القملة. ولو كتب خطأ مستبينا لا تفسد ما لم يزد على ثلاث كلمات، ولو كتب على يده أو على الهواء أو شيء لا يستبين لا تفسد وإن كثر، وعن أبي يوسف: تفسد (٦).

стр. 907

(وَيُكْرَهُ عَدُّ الآي وَالتَّسْبِيحَاتِ بِاليَدِ فِي الصَّلَاةِ) وَكَذَلِكَ عَدُّ السُّوَرِ، لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ ولو سبقه حدث موجب للغسل أو الوضوء ولكن بفعل الآدمي فسدت ولا يبني. ولو أصاب جرحه يده في ثوبه في الركوع أو السجود، وسال منها دم فسدت عندهما، كمن رماه إنسان ببندقة أو حجر، ودخل الشوك في رجله أو جبهته في السجود فأدماه؛ فسدت عندهما، وعند أبي يوسف: يبني (١). ولو سئل منه شيء، أو طلب منه فأومأ برأسه (أي نعم)، أو كمية الركعات فأشار بأصبعه؛ لم تفسد. وفي الجامع الأصغر: تقدم على إمامه لعذر، أو وقع في صف النساء وقدر أن يتقدم أو يتأخر، فلم يفعل حتى صلى القوم؛ لم تفسد إلا أن يركع ويسجد (٢). وفي صلاة البزدوي: صلى مع واحد في الصحراء، فجاء ثالث وجذب المقتدي إلى نفسه؛ قيل: تفسد، وقيل: لا تفسد (٣). قوله: (ويكره عدّ الآي) خص الصلاة بعدم الكراهة خارجها في الصحيح واليد؛ لأن المكروه العدّ بالأصابع، أو بخيط يمسكه، أما الغمز برؤوسها، أو الحفظ بالقلب لا يكره. كذا في المحيط (٤)، والخلاصة. وفي الإيضاح: إشارة إلى أن العدّ به مكروه أيضاً (٥)، ولو عدّ باللسان تفسد. وخص التسبيح والآيات؛ لأن عد غيرهما مكروه بالاتفاق، وإطلاق الصلاة يدل على أن الخلاف في الفرائض والنوافل. واختلف المشايخ في محل الخلاف؛ قيل: لا خلاف في المكتوبة أنه

стр. 908

مِنْ أَعْمَالِ الصَّلَاةِ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى: أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ يكره، وإنما الخلاف في النوافل. وقيل: لا خلاف فيها، بل الخلاف في المكتوبة كذا ذكره المرغيناني والمحبوبي (١). وفي قوله: (وعن أبي يوسف ومحمد)؛ إشارة إلى أن خلافهما ليس من ظاهر الرواية، ولهذا لم يذكر أبو اليسر خلافهما أصلاً، بل قال بعضهم: (قالوا)، وكذا في شروح الجامع الصغير بكلمة (عن). وأما في النوافل فلا بأس به؛ لأنه جاء مثله عن النبي ﵇ في تكرار السورة والتسبيح، ويحتاج إلى العدد، والصحيح أنه لا يباح؛ لأنه ليس في الكتاب فصل بين الفرض والنفل، وقد يصير العدد عملاً كثيراً. وما روي في الأحاديث: من قرأ في الصلاة كذا مرة (قل هو الله أحد)، وكذا كذا تسبيحة؛ فتلك أحاديث لم يصححها الثقات. أما صلاة التسبيح فقد أوردها الثقات، فإنه يقدر أن يحفظ بالقلب، وإن احتاج يَعُدَّ بِجَرِّ الأصابع لا يصير العدّ عملاً كثيراً، وكذا لم يذكر شمس الأئمة الخلاف فيهما. وفي جامع البزدوي: ويعمل بقولهما في المضطر (٢). وفي العون: يأخذ بقولهما للأثر وللحاجة. ثم اختلف السلف في عَدّ الآي والتسبيح خارج الصلاة: قيل: يكره ذلك؛ لأنه ﵇ رأى رجلا، فقال: «تُذنِبُ وَلَا تُحْصِي، وتُسَبِّحُ وتُحْصِي» (٣). وعن عمر أنه ﵇ لما رأى من يفعل ذلك قال: ﴿أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ﴾ [يونس: ١٨] (٤)، وابن مسعود رأى رجلًا

стр. 909

فِي الفَرَائِضِ وَالنَّوَافِلِ جَمِيعًا (*) مُرَاعَاةً لِسُنَّةِ القِرَاءَةِ وَالعَمَلِ بِمَا جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ. يفعل ذلك، فقال: عُدَّ ذنوبك واستغفر منها وأنت مستغن عن عَدَّ التسبيح (١)، وإذا كرهه في غير الصلاة عرف أنه مكروه فيها، وعن أبي يوسف: لا بأس في التطوع؛ لحديث صلاة التسبيح. وقال فخر الإسلام: وقد دخل النبي ﵇ على بعض الصحابيات وهي تسبح بالنواة، فقال: «ألا أعلمك خيرًا من هذا؟، سبحان الله زنة عرشه، سبحان الله عدد كلماته» (٢)، فقال بعض مشايخنا: لم ينهها عن ذلك، وإنما أرشدها إلى ما يكثر به العدد، فالصواب: أن لا ينهى الضعفاء عن عد النواة؛ فإنه أسكن للقلوب بما جاءت به السنة، وهي صلاة التسبيح على ما هو المعروف، وعن النبي ﵇ قال لنسوة: «اعْقِدْنَ بالأنامل؛ فإنهُنَّ مسؤولاتٍ مُسْتَنْطَقاتٍ» (٣). كذا ذكره الإمام المحبوبي (٤). وقال الشافعي (٥): لو عد الآي في الصلاة عقدا ولم يتلفظ به؛ لم تبطل صلاته؛ لحديث صلاة التسبيح، ولكن تركه أولى؛ لأنه ليس من مصالح أفعال الصلاة، وكذا لو حرك يديه بتحريك أصابعه، وداوم على التحريك لا تبطل صلاته؛ فإن الفعل في نفسه قليل. وقال مالك: لا بأس بالعد (٦). وقلنا ذاك ممكن بالغمز بالأصابع، والحفظ بالقلب، ولا كلام فيه، وإنما الكلام في العد بعقدها.

стр. 910

قُلْنَا: يُمْكِنُهُ أَنْ يَعُدَّ ذَلِكَ قَبْلَ الشُّرُوعِ فَيَسْتَغْنِيَ عَنِ العَدْ بَعْدَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَصْلٌ: [بَيَانِ الكَرَاهَةِ خَارِجَ الصَّلَاةِ] (وَيُكْرَهُ اسْتِقْبَالُ القِبْلَةِ بِالفَرْجِ فِي الخَلَاءِ) لِأَنَّهُ ﵊ نَهَى عَنْ ذَلِكَ. وَالِاسْتِدْبَارُ يُكْرَهُ فِي رِوَايَةٍ لِمَا فِيهِ مِنْ تَرْكِ التَّعْظِيمِ، وَلَا يُكْرَهُ فِي رِوَايَةٍ لِأَنَّ وفي جامع الإسبيجابي: وفي صلاة التسبيح يُعَدُّ عددها بأكبر الرأي لا بالأصابع (١). وتأويل قوله ﵇: «اِعْقِدْنَ … » أنه خارج الصلاة، ولا بأس به خارجها بالاتفاق. وفي الكافي: إنما يتأتى هذا في الآي دون التسبيحات (٢). فَصْلٌ لما ذكر مسائل الكراهة المخصوصة بالصلاة؛ ذكر مسائل الكراهة الخارجة عنها، لكن تتعلق إما بحال المصلي أو بمكانه، ولذلك فصل ورتب. قوله: (ويكره استقبال القبلة): هذه المسألة من خواص مسائل الجامع الصغير. (نهى عن ذلك): روى أبو أيوب الأنصاري أنه ﵇ قال: «لا تَسْتَقِبْلُوا القبلة لغائِط أو بَول ولا تَسْتدبروها، ولَكِنْ شَرِّقوا أو غَرِّبوا» (٣)، وهذا بالمدينة؛ لأن من شرق بها أو غرَّب لا يكون مستقبلا ولا مستدبرا للقبلة، ولكن في ديارنا إذا شرق أو غرَّبَ يكون مستقبلا أو مستدبراً. كذا ذكره فخر الإسلام، وأبو الليث (٤). وقال التمرتاشي: وكذا يكره للمرأة أن تمسك ولدها نحوها ليبول (٥)، وهذا

стр. 911

المُسْتَدْبَرَ فَرْجُهُ غَيْرُ مُوَازِ لِلْقِبْلَةِ. وَمَا يَنْحَطُّ مِنهُ يَنْحَطُّ إِلَى الْأَرْضِ، بِخِلَافِ كله إذا كان ذاكرا للقبلة، ولو جلس ناسياً فلا بأس به، لكن إن أمكنه الانحراف ينحرف؛ فإنه عد ذلك من موجبات الرحمة؛ لأنه قد جاء في الحديث: «ومَنْ تحول عن القِبْلَةِ بِفَرْجِهِ غُفِر له» (١)، فإن لم يفعل فلا بأس به. الخلاء - بالمد -: بيت التغوط، وبالقصر بيت. ويكره أن يدخل الخلاء ومعه خاتم عليه اسم الله، أو شيء من القرآن؛ لما فيه من ترك التعظيم، فإن المكتوب من رقية أو غيرها في غلاف متجافٍ عنه لا يكره، مع أن الاحتراز عن مثله أفضل. وفي جامع العلوم: لا يدخل الخلاء إلا مستوي الرأس (٢)، ولا يتنحنح ولا يبزق، ولا يمتخط، ويكره الكلام عند الوطء والخلاء، ويسكت إذا عطس، ولا يقول: الحمد لله، ويكره مَدُّ الرِّجْلَين إلى القبلة في النوم وغيره عمداً، وكذا إلى المصحف، وكتب الفقه. واختلف في الاستقبال للتطهير وإزالة النجاسة في الأجناس: لا يكره حالة الاستنجاء والطهور. كذا ذكره التمرتاشي (٣). وفي جامع فخر الإسلام (٤): وعن أبي حنيفة في استدبارها روايتان؛ في رواية: يجوز، والثانية: لا يجوز، وبه قال أحمد في رواية (٥). ومن الناس من لم ير بذلك كله بأساً، ومنهم من كره ذلك كله. وقال الشافعي: إنما يكره ذلك في الفضاء، فأما في الأكنَّة - أي البنيان -

стр. 912

المُسْتَقْبِلِ، لِأَنَّ فَرْجَهُ مُوَازٍ لَهَا وَمَا يَنْحَطُّ مِنْهُ … ... … ... … ... … ... … ... … ... … ... . فلا يكره (١)، وبه قال مالك (٢)، وأحمد في رواية (٣)، وروي ذلك عن ابن عباس، وعبد الله بن عمر. وقالوا: ما روي من الحديث وإن كان مطلقا؛ لكن روي عن ابن عمر أنه قال: رقيت السطح مرة، فرأيت رسول الله ﷺ جالساً على لبنتين مستدبرا للكعبة (٤). وعن جابر أنه قال: نهانا رسول الله ﷺ أن نستقبل القبلة بفروجنا، ثم رأيناه قبل موته، فقام مستقبل القبلة (٥)، فجمع بين الحديثين والأثر. وفي جامع الإسبيجابي (٦): عن أبي حنيفة في هذه المسألة ثلاث روايات؛ في رواية: كره الاستقبال والاستدبار، وفي رواية كره الاستقبال دون الاستدبار، وفي رواية: لم يكرههما، وبه قال داود، وفي كل ذلك جاءت الآثار. وجه رواية عدم كراهتهما: ما روي عن جابر، وما روي عن عمر وعن الشعبي أنه ذكر عنده حديث جابر، وحديث أبي أيوب، فقال الشعبي: ما ورد فيه النهي في الصحراء، وما ورد فيه الإباحة في البنيان؛ توفيقاً بين الحديثين، وعملا بالكل. وذكر أبو اليسر: أما الاستدبار فلا بأس به. وقال بعضهم: إن كان ذيله ساقطاً على الأرض فلا بأس به، ولو كان رافعاً؛ قالوا: ينبغي أن يكون مكروهاً؛ لأن عورته تكون إلى القبلة، وأما نهيه عن الاستدبار كأنه قال: ذلك في حق أهل المدينة؛ لأنهم إذا استدبروا صاروا متوجهين إلى بيت المقدس، فكره الاستدبار تعظيماً لبيت المقدس.

стр. 913

يَنْحَطُّ إِلَيْهَا (وَتُكْرَهُ المُجَامَعَةُ فَوْقَ المَسْجِدِ وَالبَوْلُ وَالتَّخَلِّي) لِأَنَّ سَطْحَ المَسْجِدِ لَهُ حُكْمُ المَسْجِدِ، قال شمس الأئمة في جامعه (١): ولم يذكر كراهة البول والمجامعة والخلاء في المواضع المتخذة لصلاة الجنازة، قال بعض أصحابنا: يكره كما في المساجد التي على القوارع، وعند الحياض، والأصح: أنه ليس لهذا الموضع حرمة المسجد؛ فإنه لا بأس بإدخال الميت فيه، مع أنا أمرنا تجنب المساجد عن الموتى، وما كان هذا إلا بنظير الموضع المعد لصلاة العيد، وذلك لا يأخذ حكم المسجد، فهذا مثله، وبهذا قال جمهور الشافعية. وحديث أم عطية في الصحيحين (٢) أنه ﵇ أمر الحيض أن يحضرن يوم العيد، وأما المسجد الجامع فأعظم المساجد حرمة، والمساجد المبنية على القوارع لها حكم المسجد، إلا أن الاعتكاف فيها لا يجوز؛ لأنه ليس له إمام ومؤذن معلوم. وذكر الصدر الشهيد: المختار للفتوى في الموضع الذي يتخذ لصلاة الجنازة والعيد؛ أنه مسجد في حق جواز الاقتداء، وإن انفصل الصفوف رفقا بالناس، وفيما عدا ذلك ليس له حكم المسجد. كذا ذكره المحبوبي (٣). (يَنْحَطُّ إِلَيْهَا)؛ أَيْ: إِلَى القِبْلَةِ، يَعْنِي: جِهَتَهُ. (وَالتَّخَلِّي)؛ أَيْ: التَّغَوُّطُ. كذا ذكره الحلواني (٤)، دون ما يقوله الناس أنه الخلوة بالمرأة، والمراد كراهة التحريم. (له)؛ أي: السطح (حكم المسجد)؛ حتى لو حلف لا يدخل هذه الدار، فقام على سطحها حنث؛ إذ حكمه ثابت للعرصة والهواء جميعاً، وتطهيره واجب، قال تعالى: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾ [البقرة: ١٢٥]، وأمر النبي ﵇ بمجانبة الجنب والحائض عن المسجد. كذا ذكره البزدوي (٥).

стр. 914

حَتَّى يَصِحَّ الِاقْتِدَاءُ مِنْهُ بِمَنْ تَحْتَهُ، وَلَا يَبْطُلُ الاعْتِكَافُ بِالصُّعُودِ إِلَيْهِ، وَلَا يَحِلُّ لِلْجُنُبِ الوُقُوفُ عَلَيْهِ وَلَا بَأسَ بِالبَوْلِ فَوْقَ بَيْتٍ فِيهِ مَسْجِدٌ وَالمُرَادُ مَا أُعِدَّ لِلصَّلَاةِ في البَيْتِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ حُكْمَ المَسْجِدِ وَإِنْ نَدَبْنَا إِلَيْهِ (وَيُكْرَهُ أَنْ يُغْلَقَ بَابُ المَسْجِدِ): لِأَنَّهُ يُشْبِهُ المَنْعَ مِنَ الصَّلَاةِ، (منه)؛ أي: من السطح إذا كان حال إمامه معلوماً بنفسه، أو بإعلام الغير. (لم يأخذ حكم المسجد)؛ بدليل أنه باق على ملكه، وله أن يبيعه، فهو كما لو بال على سطح بيت فيه مصحف، وذلك لا يكره. كذا في جامع البرهاني (١). (وإن ندبنا إليه)؛ يعني: مندوب لكل مسلم أن يتخذ في بيته مكانا يصلي فيه النوافل والسنن، قال تعالى في قصة موسى ﵇ ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [يونس: ٨٧]، وروي أنه ﵇ دخل مسجد صحابي صلى، حيث اختاره صاحب البيت مصلى. كذا في جامع البزدوي، والبرهاني (٢). قوله: (لأنه يشبه المنع من الصلاة)؛ وهو حرام، فما يشبهه مكروه، ولأنهم إذ أغلقوه فقد منعوا من الصلاة والذكر فيه، فيدخلون تحت قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٤] الآية، وروي أنه ﵇ قال: «يا معشر عبدِ مَنافٍ، لا تَمنَعوا أحداً يطوفُ بِهَذا البيت أي ساعة شاء، من ليل أو نهار» (٣)، فإذا كان لا يمنع من دخول المسجد الحرام؛ ففي غيره أولى. وكان السلف الصالح يكرهون شد المصاحف بالقيد، والقيد على صنادفها وخرائطها؛ تحريضاً على القراءة، وكيلا يكون ذلك في صورة المنع من القراءة، فهذا مثله أو فوقه؛ لأن المصحف ملك مالكه، والمسجد ليس بملك أحد.

стр. 915

وَقِيلَ: لَا بَأْسَ بِهِ إِذَا خِيفَ عَلَى مَتَاعِ المَسْجِدِ فِي غَيْرِ أَوَانِ الصَّلَاةِ (وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُنْقَشَ ولكن قالوا: لا بأس في زماننا بإغلاق باب المسجد؛ لأن الغلبة لأهل الفساد. وقيل: إذا تقارب الوقتان كالعصر والمغرب والعشاء لا يغلق، وبعد العشاء يغلق إلى طلوع الفجر، ومن طلوع الشمس إلى الزوال. كذا ذكره شمس الأئمة، وقاضي خان، والتمرتاشي، والمحبوبي (١). قوله: (ولا بأس بأن ينقش): وإنما ذكر هذه المسألة بهذه العبارة؛ لأن العلماء اختلفوا فيها، منهم من استحسن ذلك، ومنهم من كرهه. قال شمس الأئمة (٢): وفي قوله: (لا بأس)؛ إشارة إلى أنه لا يؤجر، ويكفيه أن ينجو رأساً برأس؛ لأنه ﵇ لما قيل له: ألا تَهدُّ مسجدك ثم تبنيه؟، قال: «لا، عريش كعريش موسى ﵇» (٣)، أو قال: «عريش»، وكان سقف مسجده من الجريد؛ وهو غصن النخل، وكان يكف إذا مطر، حتى قال أبو سعيد الخدري: رأيته ﵇ سجد في ماء وطين (٤)، ولأنه ﵇ عدّ ذلك من أشراط الساعة، قال: «تُزخرَفُ المَسَاجِدُ وتَطولُ المنارات» (٥). وقال علي ﵁ حين مر بمسجد مزخرف: "لمن هذه البيعة؟ "، وإنما قال ذلك؛ لكراهته ذلك الصنيع، وعندنا لا بأس بذلك؛ لما روي أن داود ﵇ بنى المسجد الأقصى، ثم أتمه سليمان ﵇ بعده، فزينه حتى نصب على رأس القبة الكبريت الأحمر، وكان ذلك أعز ما يوجد في ذلك
следующие страницы →