← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30179

معراج الدراية في شرح الهداية

الكاكي

Полный текст (7 597 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

المُسْتَدْبَرَ فَرْجُهُ غَيْرُ مُوَازِ لِلْقِبْلَةِ. وَمَا يَنْحَطُّ مِنهُ يَنْحَطُّ إِلَى الْأَرْضِ، بِخِلَافِ كله إذا كان ذاكرا للقبلة، ولو جلس ناسياً فلا بأس به، لكن إن أمكنه الانحراف ينحرف؛ فإنه عد ذلك من موجبات الرحمة؛ لأنه قد جاء في الحديث: «ومَنْ تحول عن القِبْلَةِ بِفَرْجِهِ غُفِر له» (١)، فإن لم يفعل فلا بأس به. الخلاء - بالمد -: بيت التغوط، وبالقصر بيت. ويكره أن يدخل الخلاء ومعه خاتم عليه اسم الله، أو شيء من القرآن؛ لما فيه من ترك التعظيم، فإن المكتوب من رقية أو غيرها في غلاف متجافٍ عنه لا يكره، مع أن الاحتراز عن مثله أفضل. وفي جامع العلوم: لا يدخل الخلاء إلا مستوي الرأس (٢)، ولا يتنحنح ولا يبزق، ولا يمتخط، ويكره الكلام عند الوطء والخلاء، ويسكت إذا عطس، ولا يقول: الحمد لله، ويكره مَدُّ الرِّجْلَين إلى القبلة في النوم وغيره عمداً، وكذا إلى المصحف، وكتب الفقه. واختلف في الاستقبال للتطهير وإزالة النجاسة في الأجناس: لا يكره حالة الاستنجاء والطهور. كذا ذكره التمرتاشي (٣). وفي جامع فخر الإسلام (٤): وعن أبي حنيفة في استدبارها روايتان؛ في رواية: يجوز، والثانية: لا يجوز، وبه قال أحمد في رواية (٥). ومن الناس من لم ير بذلك كله بأساً، ومنهم من كره ذلك كله. وقال الشافعي: إنما يكره ذلك في الفضاء، فأما في الأكنَّة - أي البنيان -

стр. 912

المُسْتَقْبِلِ، لِأَنَّ فَرْجَهُ مُوَازٍ لَهَا وَمَا يَنْحَطُّ مِنْهُ … ... … ... … ... … ... … ... … ... … ... . فلا يكره (١)، وبه قال مالك (٢)، وأحمد في رواية (٣)، وروي ذلك عن ابن عباس، وعبد الله بن عمر. وقالوا: ما روي من الحديث وإن كان مطلقا؛ لكن روي عن ابن عمر أنه قال: رقيت السطح مرة، فرأيت رسول الله ﷺ جالساً على لبنتين مستدبرا للكعبة (٤). وعن جابر أنه قال: نهانا رسول الله ﷺ أن نستقبل القبلة بفروجنا، ثم رأيناه قبل موته، فقام مستقبل القبلة (٥)، فجمع بين الحديثين والأثر. وفي جامع الإسبيجابي (٦): عن أبي حنيفة في هذه المسألة ثلاث روايات؛ في رواية: كره الاستقبال والاستدبار، وفي رواية كره الاستقبال دون الاستدبار، وفي رواية: لم يكرههما، وبه قال داود، وفي كل ذلك جاءت الآثار. وجه رواية عدم كراهتهما: ما روي عن جابر، وما روي عن عمر وعن الشعبي أنه ذكر عنده حديث جابر، وحديث أبي أيوب، فقال الشعبي: ما ورد فيه النهي في الصحراء، وما ورد فيه الإباحة في البنيان؛ توفيقاً بين الحديثين، وعملا بالكل. وذكر أبو اليسر: أما الاستدبار فلا بأس به. وقال بعضهم: إن كان ذيله ساقطاً على الأرض فلا بأس به، ولو كان رافعاً؛ قالوا: ينبغي أن يكون مكروهاً؛ لأن عورته تكون إلى القبلة، وأما نهيه عن الاستدبار كأنه قال: ذلك في حق أهل المدينة؛ لأنهم إذا استدبروا صاروا متوجهين إلى بيت المقدس، فكره الاستدبار تعظيماً لبيت المقدس.

стр. 913

يَنْحَطُّ إِلَيْهَا (وَتُكْرَهُ المُجَامَعَةُ فَوْقَ المَسْجِدِ وَالبَوْلُ وَالتَّخَلِّي) لِأَنَّ سَطْحَ المَسْجِدِ لَهُ حُكْمُ المَسْجِدِ، قال شمس الأئمة في جامعه (١): ولم يذكر كراهة البول والمجامعة والخلاء في المواضع المتخذة لصلاة الجنازة، قال بعض أصحابنا: يكره كما في المساجد التي على القوارع، وعند الحياض، والأصح: أنه ليس لهذا الموضع حرمة المسجد؛ فإنه لا بأس بإدخال الميت فيه، مع أنا أمرنا تجنب المساجد عن الموتى، وما كان هذا إلا بنظير الموضع المعد لصلاة العيد، وذلك لا يأخذ حكم المسجد، فهذا مثله، وبهذا قال جمهور الشافعية. وحديث أم عطية في الصحيحين (٢) أنه ﵇ أمر الحيض أن يحضرن يوم العيد، وأما المسجد الجامع فأعظم المساجد حرمة، والمساجد المبنية على القوارع لها حكم المسجد، إلا أن الاعتكاف فيها لا يجوز؛ لأنه ليس له إمام ومؤذن معلوم. وذكر الصدر الشهيد: المختار للفتوى في الموضع الذي يتخذ لصلاة الجنازة والعيد؛ أنه مسجد في حق جواز الاقتداء، وإن انفصل الصفوف رفقا بالناس، وفيما عدا ذلك ليس له حكم المسجد. كذا ذكره المحبوبي (٣). (يَنْحَطُّ إِلَيْهَا)؛ أَيْ: إِلَى القِبْلَةِ، يَعْنِي: جِهَتَهُ. (وَالتَّخَلِّي)؛ أَيْ: التَّغَوُّطُ. كذا ذكره الحلواني (٤)، دون ما يقوله الناس أنه الخلوة بالمرأة، والمراد كراهة التحريم. (له)؛ أي: السطح (حكم المسجد)؛ حتى لو حلف لا يدخل هذه الدار، فقام على سطحها حنث؛ إذ حكمه ثابت للعرصة والهواء جميعاً، وتطهيره واجب، قال تعالى: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾ [البقرة: ١٢٥]، وأمر النبي ﵇ بمجانبة الجنب والحائض عن المسجد. كذا ذكره البزدوي (٥).

стр. 914

حَتَّى يَصِحَّ الِاقْتِدَاءُ مِنْهُ بِمَنْ تَحْتَهُ، وَلَا يَبْطُلُ الاعْتِكَافُ بِالصُّعُودِ إِلَيْهِ، وَلَا يَحِلُّ لِلْجُنُبِ الوُقُوفُ عَلَيْهِ وَلَا بَأسَ بِالبَوْلِ فَوْقَ بَيْتٍ فِيهِ مَسْجِدٌ وَالمُرَادُ مَا أُعِدَّ لِلصَّلَاةِ في البَيْتِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ حُكْمَ المَسْجِدِ وَإِنْ نَدَبْنَا إِلَيْهِ (وَيُكْرَهُ أَنْ يُغْلَقَ بَابُ المَسْجِدِ): لِأَنَّهُ يُشْبِهُ المَنْعَ مِنَ الصَّلَاةِ، (منه)؛ أي: من السطح إذا كان حال إمامه معلوماً بنفسه، أو بإعلام الغير. (لم يأخذ حكم المسجد)؛ بدليل أنه باق على ملكه، وله أن يبيعه، فهو كما لو بال على سطح بيت فيه مصحف، وذلك لا يكره. كذا في جامع البرهاني (١). (وإن ندبنا إليه)؛ يعني: مندوب لكل مسلم أن يتخذ في بيته مكانا يصلي فيه النوافل والسنن، قال تعالى في قصة موسى ﵇ ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [يونس: ٨٧]، وروي أنه ﵇ دخل مسجد صحابي صلى، حيث اختاره صاحب البيت مصلى. كذا في جامع البزدوي، والبرهاني (٢). قوله: (لأنه يشبه المنع من الصلاة)؛ وهو حرام، فما يشبهه مكروه، ولأنهم إذ أغلقوه فقد منعوا من الصلاة والذكر فيه، فيدخلون تحت قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٤] الآية، وروي أنه ﵇ قال: «يا معشر عبدِ مَنافٍ، لا تَمنَعوا أحداً يطوفُ بِهَذا البيت أي ساعة شاء، من ليل أو نهار» (٣)، فإذا كان لا يمنع من دخول المسجد الحرام؛ ففي غيره أولى. وكان السلف الصالح يكرهون شد المصاحف بالقيد، والقيد على صنادفها وخرائطها؛ تحريضاً على القراءة، وكيلا يكون ذلك في صورة المنع من القراءة، فهذا مثله أو فوقه؛ لأن المصحف ملك مالكه، والمسجد ليس بملك أحد.

стр. 915

وَقِيلَ: لَا بَأْسَ بِهِ إِذَا خِيفَ عَلَى مَتَاعِ المَسْجِدِ فِي غَيْرِ أَوَانِ الصَّلَاةِ (وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُنْقَشَ ولكن قالوا: لا بأس في زماننا بإغلاق باب المسجد؛ لأن الغلبة لأهل الفساد. وقيل: إذا تقارب الوقتان كالعصر والمغرب والعشاء لا يغلق، وبعد العشاء يغلق إلى طلوع الفجر، ومن طلوع الشمس إلى الزوال. كذا ذكره شمس الأئمة، وقاضي خان، والتمرتاشي، والمحبوبي (١). قوله: (ولا بأس بأن ينقش): وإنما ذكر هذه المسألة بهذه العبارة؛ لأن العلماء اختلفوا فيها، منهم من استحسن ذلك، ومنهم من كرهه. قال شمس الأئمة (٢): وفي قوله: (لا بأس)؛ إشارة إلى أنه لا يؤجر، ويكفيه أن ينجو رأساً برأس؛ لأنه ﵇ لما قيل له: ألا تَهدُّ مسجدك ثم تبنيه؟، قال: «لا، عريش كعريش موسى ﵇» (٣)، أو قال: «عريش»، وكان سقف مسجده من الجريد؛ وهو غصن النخل، وكان يكف إذا مطر، حتى قال أبو سعيد الخدري: رأيته ﵇ سجد في ماء وطين (٤)، ولأنه ﵇ عدّ ذلك من أشراط الساعة، قال: «تُزخرَفُ المَسَاجِدُ وتَطولُ المنارات» (٥). وقال علي ﵁ حين مر بمسجد مزخرف: "لمن هذه البيعة؟ "، وإنما قال ذلك؛ لكراهته ذلك الصنيع، وعندنا لا بأس بذلك؛ لما روي أن داود ﵇ بنى المسجد الأقصى، ثم أتمه سليمان ﵇ بعده، فزينه حتى نصب على رأس القبة الكبريت الأحمر، وكان ذلك أعز ما يوجد في ذلك

стр. 916

المَسْجِدُ بِالجِصِّ وَالسَّاجِ وَمَاءِ الذَّهَبِ) وَقَوْلُهُ: «لَا بَأْسَ» يُشِيرُ إِلَى أَنَّهُ لَا يُؤْجَرُ، عَلَيْهِ، لَكِنَّهُ لَا يَأْثَمُ بِهِ، وَقِيلَ: هُوَ قُرْبَةٌ وَهَذَا إِذَا فَعَلَ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ، أَمَّا المُتَوَلِّي فَيَفْعَلُ مِنْ مَالِ الوَقْفِ مَا يَرْجِعُ إِلَى إِحْكَامِ البِنَاءِ دُونَ مَا يَرْجِعُ إِلَى النَّقْشِ الوقت، فكان يضيء من ميل، وكن الغزالات يغزلن بضوئها في الليالي. وفي جامع المحبوبي (١): حتى كانت الغزالات تغزلن من ضوئها بالليالي من مسافة اثني عشر ميلاً، وعمر زاد في مسجد النبي ﵇ وزينه في خلافته، ولأن في التزيين ترغيب الناس في الاعتكاف، والجلوس في المسجد لانتظار الصلاة، وذلك حسن، وفي الحديث الذي رووا زيادة؛ فإنه ﵇ قال: «وقلوبُهُم خاويَةٌ مِنَ الإيمان»، وإنما كره ذلك لهذا. وذكر قاضي خان (٢): الله تعالى حثنا على عمارة المسجد بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٨] الآية، والكعبة مزخرفة بماء الذهب والفضة، مستورة بالديباج والحرير، وزين العباس مسجد الحرام في الجاهلية والإسلام، وفيه تعظيم بيت الله تعالى، ولكن المستحب الصرف إلى المساكين، على ما قيل: المساكين أحوج من الأساطين. وفي شرح الطحاوي: النقش من كسبه الحلال يجوز على حسب المسجد دون النقر (٣). وقيل: لا ينبغي أن يتكلف لدقائق النفس. وقيل: إن كان بديعاً بحيث يشتغل به المصلي يكره، وإلا فلا. وقيل: إن كثر يكره، وإن قل لا. وقيل: يكره في المحراب دون السقف. (والمؤجر يفعل من مال الوقف)؛ يعني: يجب أن يعمل من مال الوقف ما يرجع أحكام البناء، نحو استعمال الجص؛ لأنه من جملة البناء.

стр. 917

حَتَّى لَوْ فَعَلَ يَضْمَنُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. بَابُ صَلَاةِ الوِتْرِ (حتى لو فعل)؛ أي: ما يرجع إلى النقش ضمن. قيل: يضمن في التجصيص أيضاً. وقال الزنجري: هذا في زمانهم، أما في زماننا لو صرف الفضل من العمارة إلى النقش يجوز؛ لأن الظلمة يأخذون ذلك (١). وفي جمع النَّسَفي (٢): مصلى أو بساط فيه اسم الله تعالى؛ يكره بسطه واستعماله، وكذا لو كان (الملك) عليه لا غير، أو الألف واللام وحدها، وكذا يكره إخراجه عن ملكه إذا لم يأمن عن استعمال الغير، والواجب أن يوضع في أعلى موضع لا يوضع فوقه شيء، وكذا يكره كتبة الرقاع وإلصاقها بالأبواب؛ لما فيه من الإهانة. [بَابُ صَلَاةِ الْوِتْرِ] لما فرغ عن بيان الفرائض؛ شرع في بيان ما هو دون الفرائض وفوق النوافل؛ وهي الوتر، ثم فيه ليس في الظاهر رواية منصوصة عنده، لكن روى حماد بن زيد عن أبي حنيفة أنها فرض، وبه أخذ، وروى يوسف بن خالد السمتي أنها واجبة، وهو الظاهر من مذهبه، وروى نوح بن مريم. وقيل: أسد ابن عمر. وعن أبي حنيفة: أنها سنة، وهو قول أبي يوسف، ومحمد، والشافعي (٣)، ومالك (٤)، وأحمد (٥). وفي الحقائق (٦): فيها ثلاث روايات، ولا اختلاف في الحقيقة بين

стр. 918

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الروايات، والصحيح أنها واجبة. وقال أبو بكر الأعمش (١): اتفقوا مع اختلافهم فيها أنها أدون درجة من الفرض، ولا يكفر جاحده، وتجب القراءة في الركعة الثالثة، ويجب قضاؤها بالترك ناسياً وعامداً، ولا تجوز بدون نية الوتر، ولو كانت سنة لكفتها نية الصلاة كما في السنن. كذا في شرح تحفة الفقهاء (٢). وفي الخلاصة (٣): قوم اجتمعوا على ترك الوتر؛ أدبهم الإمام وحبسهم، فإن كانوا مُصرِّين قاتلهم بالسلاح. وفي شرح المجمع (٤): الوتر فرض في حق العمل عند أبي حنيفة، وواجب في حق الاعتقاد، وسنة باعتبار السبب؛ لظهور آثار السنن. فإن قيل: هذه الآثار موجودة في صلاة العيد مع أنها واجبة، مع أن عدم الإكفار لا يوجب عدم الوجوب، فإن الواجب لا يكفر جاحده. قلنا: عدم الإكفار مجردًا لا يدل على عدم الوجوب، بل يدل المجموع؛ وهو أن لا يُكفّر ولا يؤذن، أما في صلاة العيد، فلا نسلم أن لا أذان لها، بل قولهم: (الصلاة يرحمك الله)؛ أذان وإعلام، على أن وجوبها ممنوع في رواية. كذا في الخبازية (٥). وفي الكافي: سلمنا أن المجموع موجود في الواجب، لكن السنة أدنى الواجب، فيثبت بهذا المجموع السنة (٦)، وفيه تأمل. واستدلوا بقوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَوةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨]، ولم تتحقق الوسطى إلا إذا كان عدد الواجبات خمساً، ولو كانت ستّا،

стр. 919

(الوِتْرُ وَاجِبٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: سُنَّةٌ) (*) لِظُهُورِ آثَارِ السُّنَنِ فِيهِ، حَيْثُ لَا والستُ لا وسطى لها؛ إذ الوسطى هي الفرد المتخلل بين العددين المساويين. وبحديث أعرابي، حيث علمه النبي ﷺ خمس صلوات في اليوم والليلة، فقال: فهل عَلَيٌّ غيرُهُنَّ؟، قال: «لَا إلَّا أَنْ تَتَطَوَّعَ» (١)، وبما روي أن رجلا من الأنصار يقال له أبو محمد قال: الوتر فريضة، فبلغ ذلك عبادة بن الصامت، فقال: كذب أبو محمد، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «فرض الله تعالى على عبادِهِ خمس صلوات» (٢)، وبقوله [عليه] السلام: «ثلاث كُتِبَ عليَّ وَلَمْ تُكتَبْ عَلَيْكُم، وهِيَ لكُم سُنّةٌ؛ الوِتْرُ، والضُّحَى، والأضْحَى» (٣). واحتج أبو حنيفة بحديث أبي بصرة الغفاري، وفي رواية خارجة بن حذافة أنه ﵇ قال: «إن الله تعالى زادكم صلاة … » الحديث (٤). قال شيخ الإسلام (٥): الاستدلال به من ثلاثة أوجه: أحدها: بالزيادة؛ فإنها لا تكون إلا من جنس المزيد عليه، لا يقال: زاد في يمنه؛ إذا وهب هبة مبتدأة، ولا يقال: زاد على الهبة؛ إذا باع، والمزيد عليه واجب، فكذا الزيادة، وينبغي أن يكون فرضاً، كما قاله زفر، وأصبغ من المالكية (٦)، وأحمد في رواية (٧)، وأبو حنيفة في رواية، إلا أنه أراد به الفرض العملي وهو الواجب؛ لأن خبر الواحد لا يفيد الفرضية علماً. (*) الراجح قول أبي حنيفة.

стр. 920

يَكْفُرُ جَاحِدُهُ وَلَا يُؤَذَّنُ لَهُ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀: قَوْلُهُ ﵊: «إِنَّ اللَّهَ فإن قيل: السنن مقدرة أيضاً، فهذه (١) كانت زيادة على السنن. قلنا: اعتبار زيادتها في الفرائض أولى لوجهين: أحدهما: أنه أخذ بالاحتياط. والثاني: أنها لو اعتبرت زيادة فيها يكون الأمر معمولاً بحقيقته، ولأنه لا يمكن أن يجعل زيادة على السنن؛ لأنه لا نظير له في الشرع؛ إذ السنن توابع الفرائض، ولا جائز أن تكون تبعاً؛ لأنها لا تؤدى في آخر الوقت وهو آخر الليل، والسنن ليس كذلك. كذا في الخبازية (٢). وفي المبسوط (٣): أضاف الزيادة إلى الله تعالى، والسنن تضاف إلى النبي ﷺ . والثاني: قال: «ألا وهيَ الوِتْرُ» على سبيل التعريف، فهذا دليل على أنه كان معلوماً عندهم، وزيادة تعريف زيادة وصف، وهو الوجوب لا أصل. والثالث: أنه ﵇ أمر بأدائها، والأمر للوجوب. والمعنى في المسألة: أن الوتر صلاة موقتة؛ فإن أفضل الوقت هو السحر، ويكره أداء العشاء فيه أشد الكراهة، ولو كان الوتر تبعاً للعشاء سنة له؛ كان وقته المستحب وقت العشاء. وفي السهيلي (٤): لأبي حنيفة: قوله ﵇: «الوتْرُ حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِم» (٥)، وهذا أكد ألفاظ الوجوب، وفي رواية: «حق واجب على كُلِّ مُسْلِم» (٦). رواه أبو داود، وقال الحاكم: فهو على شرط مسلم والبخاري.

стр. 921

تَعَالَى زَادَكُمْ صَلَاةً أَلَا وَهِيَ الوِتْرُ، فَصَلُّوهَا مَا بَيْنَ العِشَاءِ إِلَى طُلُوعِ الفَجْرِ» أَمْرٌ وعن ابن مسعود، والحسن البصري: أنه واجب، وحكى الطحاوي في وجوبه إجماع السلف. كذا في الأسرار، والمبسوط (١). وفي المبسوط (٢): قال ابن مسعود: " وِتْرُ اللّيلِ كَوِتْرِ النَّهَارِ " (٣)، ثم وتر النهار واجب؛ فكذا وتر الليل، واتفاق الصحابة على تقدير التراويح بعشرين؛ يدل على أن الواجبات في اليوم والليلة عشرين ركعة، وذلك لا يكون إلا بالوتر، وفيه تأمل. وأما استدلالهم بالآية لا يلزمنا؛ لأنا لا نقول يكون الوتر مكتوباً فرضاً، بل نقول إنه واجب بالسنة، فلا يلزم ما ذكرتم. وأما الاستثناء في الحديث فليس بخاص في التطوع؛ فإن عليه صلاة المنذور، والجنازة إذا تعين لإقامتها، والتطوع إذا شرع فيه عندنا، وإذا لم يكن حاضرا ثبت وجوب الوتر بدليله، كما يثبت وجوب تلك الصلوات بأسبابها، ولم يقع التنافي. وأما قوله: «وهي لكم سنة»؛ أي: تحقيق الثلاث سنة لكم، لا أن كلا منها سنة بانفراده. وفائدة هذا الخلاف تظهر في مسائل، منها: إذا تذكر في صلاة الفجر أنه لم يُصَلِّ الوتر؛ فسد الفجر عنده، خلافا لهما. ومنها: إن تذكر في صلاة الوتر فريضة فائتة؛ فسد الوتر عنده، خلافا لهما. ومنها: إذا صلى العشاء بلا طهارة ناسياً أو حاملاً للنجاسة، أو بلا استقبال القبلة، ثم صلى الوتر بجميع الشرائط، ثم بعد أدائها تذكر أن العشاء غير صحيحة فأعادها؛ لم يلزمه إعادة الوتر عنده؛ لمكان الظن وسقوط الترتيب به،

стр. 922

وَهُوَ لِلْوُجُوبِ، وَلِهَذَا وَجَبَ القَضَاءُ بِالإِجْمَاعِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَكْفُرُ جَاحِدُهُ لِأَنَّ وُجُوبَهُ ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ وَهُوَ المَعْنِيُّ بِمَا رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ سُنَّةٌ، وَهُوَ يُؤَدَّى فِي وَقْتِ العِشَاءِ فَاكْتَفَى بِأَذَانِهِ وَإِقَامَتِهِ. قَالَ: (الوِتْرُ ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ لَا يُفْصَلُ بَيْنَهُنَّ بِسَلَامٍ) … وعندهما يعيدها؛ لأنها لا تقع سنة إلا بعد الفريضة الصحيحة، ولم توجد. قوله: (وجب القضاء بالإجماع): وفي الخبازية (١): فيه نظر؛ لأنه نقل عن أبي يوسف: لا يقضي بعد خروج الوقت، وعن محمد أنه قال: أحب إلي أن يقضى، وعنهما أنها سنة مؤكدة، فتقضى لو تركت. وأجيب: إنما قال ذلك بحسب ظاهر الرواية، كما ذكر أبو بكر الأعمش. ذكره في الذخيرة (٢). وما روي عنهما من عدم القضاء غير رواية الأصول، أو يحمل الإجماع على إجماع السلف، ولكن ثبت ذلك الإجماع بطريق الأحاد. كذا قيل. قوله: (ثبت بالسنة)؛ أي: بخبر الواحد؛ لأن ما ثبت وجوبه بالسنة المتواترة يكفر جاحده، كمقادير الزكوات، وأعداد الركعات. (بما روي عنه)؛ أي: عن أبي حنيفة (أنه سنة)؛ أي: اعتقادا. (وهو يؤدى في وقت العشاء)؛ جواب عن قولهما، فلا يؤذن له بأذان على حدة. قوله: (والوتر ثلاث ركعات): وفي التحفة: قال الشافعي (٣): هو بالخيار، إن شاء أوتر بركعة، أو بثلاث بتسليمة واحدة وقعدة واحدة. وفي قول: بقعدتين وتسليمتين. وفي قول: بقعدتين وتسليمة كقولنا، أو سبع أو تسع أو بإحدى عشرة ركعة. وفي الحلية (٤): أدناه واحدة، وأكثره إحدى عشرة ركعة، وأدنى الكمال

стр. 923

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ثلاث ركعات بتسليمتين، وبه قال أحمد (١)، ومالك قال: يوتر بواحدة قبلها شفع (٢). أما الواحد أو الثلاث أو الخمس؛ فلما روي عن أبي أيوب الأنصاري أنه ﵇ قال: «من أحب أن يوتر بخمس فَلْيَفْعَلْ، ومَن أحب أن يوتر بثلاث فَلْيَفْعَلْ، ومن أحب أن يوتِرَ بواحدَةٍ فَلْيَفْعَلْ» (٣)، وأما السبع؛ فلما روي عن أبي أمامة الباهلي «أنه ﵇ كان يوتر بسبع» (٤)، أما التسع والإحدى عشرة؛ فلما روي عن أبي هريرة أنه ﵇ قال: «أوتر بخمس أو سبع أو تسع أو إحدى عشرة» (٥)، وروي عنه ﵇ أنه قال: «إذا خَشِيتَ الصّبحَ فأوتر بواحِدَةٍ» (٦). وفي المبسوط (٧): قال الشافعي: الوتر ركعة؛ لقوله ﵇: «إن الله تعالى وتر يحبُّ الوتر» (٨)، وقال الزهري: الوتر في رمضان ثلاث، وفي غيره واحد.

стр. 924

لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ ﵂: «أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ كَانَ يُوتِرُ بِثَلَاثٍ» وَحَكَى ولنا: ما روي عن عائشة (١) وابن مسعود (٢) وابن عباس (٣) «أنه ﵇ يُصَلِّي بالليل أربعًا أربعًا، ويوتِرُ بثلاث، قرأ في الأولى ﴿سَبِّحِ﴾ [الأعلى: ١]، وفي الثانية بـ ﴿قُلْ يَأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١]، وفي الثالثة بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١]، وقنت قبل الركوع، وكان لا يسلم إلا في آخرهن». رواه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وأحمد (٤). وكذا روى أبي بن كعب وأم سلمة، ورأى عمر سعدا يوتر بركعة فقال: "ما هذه البتيراء؟ لتشفعها أو لأوذينك "، وإنما قال ذلك؛ لأن الأثر أشهر أنه ﵇ نهى عن البتيراء (٥)، وروي عنه أنه قال: «الوتر ثلاث كثلاث المَغْرِبِ» (٦)، وهو مذهب أبي بكر، والعبادلة وأبي هريرة، واتفق فقهاء المدينة على أنه ثلاث بتسليمة واحدة، وحكى الحسن البصري إجماع السلف. فإن قيل: الإجماع قطعي يكفر جاحده. قلنا: هذا إجماع ثبت بالآحاد، فهو كالخبر الصحيح يثبت به الحكم، ولا يكفر جاحده. كذا في الخبازية (٧). ولأن النوافل أتباع للفرائض، فيجب أن يكون لها نظير من الفرض،

стр. 925

الحَسَنُ ﵀ إِجْمَاعَ المُسْلِمِينَ عَلَى الثَّلَاثِ، هَذَا أَحَدُ أَقْوَالِ الشَّافِعِيِّ ﵀، وَفِي قَوْلِ يُوتِرُ بِتَسْلِيمَتَيْنِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكِ، وَالحُجَّةُ عَلَيْهِمَا مَا رَوَيْنَاهُ (وَيَقْنُتُ فِي الثَّالِثَةِ قَبْلَ الرُّكُوعِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: بَعْدَهُ، لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ ﵊ قَنَتَ فِي والركعة الواحدة ليست بمعهودة فرضًا؛ لأنه لو جاز الاقتصار على ركعة لقصرت صلاة الفجر كالظهر، وما روي من الأخبار يجوز أن يكون قبل استقرار الوتر. كذا في الإيضاح (١). ويجوز أن معنى قوله: (يوتر بخمس)؛ أنه ينتفل بالركعتين ويوتر بالثلاث وكذا ما روي بسبع أو تسع؛ أنه ينتفل بأربع ويوتر بالثلاث، أو ينتفل بست ويوتر بثلاث، وكذا ما روي أنه يوتر بإحدى عشرة؛ أنه ينتفل بثمانية ويوتر بثلاث. وفي شرح الآثار (٢): ما روي من الخبر في الوتر قبل استحكام أمره، فإنهم مخيرون في ذلك، وقد أجمعت الأمة وأوتروا وترا؛ لا يجوز لأحد ترك شيء منه. وفي المبسوط (٣): لا حجة للشافعي فيما روي؛ لأن الله تعالى وتر لا من حيث العدد. (والحجة عليهما)؛ أي: على الشافعي ومالك (ما رويناه)؛ من حديث عائشة. (وقال الشافعي بعده)؛ أي: بعد الركوع (٤)، وبه قال أحمد (٥). وفي شرح الإرشاد: لا نص عن الشافعي فيه، ولكن قال أصحابه: ينبغي أن يكون بعد الركوع.

стр. 926

آخَرِ الوِتْرِ وَهُوَ بَعْدَ الرُّكُوعِ. وَلَنَا: مَا رُوِيَ أَنَّهُ ﵊ قَنَتَ قَبْلَ وعندنا، ومالك (١)، وابن سريج من أصحاب الشافعي (٢): يقنت قبل الركوع. وقال بعض أصحاب الشافعي: يتخير بين التقديم والتأخير (٣). للشافعي: ما روي «أنه ﵇ قنت في آخر الوتر» وهو بعد الركوع (٤)، وما روى أبو هريرة أنه ﵇ إذا أراد أن يدعو على أحد أو لأحد قنت بعد الركوع؛ فربما قال بعد التسبيح والتحميد يدعو للمستضعفين بمكة: «اللهم أَنْج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش بن ربيعة، اللهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ، واجعلها سنين كَسِنِي يوسف»، فقحطوا حتى أكلوا العظام البالية، فلما نزل قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْء﴾ [آل عمران: ١٢٨] ترك (٥)، وما روي عن عمر أنه قال: «السنة إذا انتصف الرمضان؛ أن تلعن الكفرة، بعد ما يقول: سمع الله لمن حمده» (٦). ولنا: ما روينا أنه ﵇ قنت قبل الركوع، وهو مذهب علي وابن مسعود؛ لأنه ذكر شرع في خلال الاستقرار من القيام، فوجب أن يكون قبل الركوع، كبناء الاستفتاح والتعوذ والقراءة وتكبيرات العيدين. يوضحه: أن القنوت دعاء من وجه، وقراءة من وجه، فإن قوله: (اللهم إنا نستعينك) إلى قوله: (بالكفار ملحق) مكتوب في مصحف أبي وابن مسعود،

стр. 927

الرُّكُوعِ، وَمَا زَادَ عَلَى نِصْفِ الشَّيْءِ آخِرُهُ. وَيَقْنُتُ فِي جَمِيعِ السَّنَةِ خِلَافًا وكان ابن مسعود يسميه سورة القنوت، ولهذا كره أبو حنيفة ومحمد قراءته للجنب احتياطا، والقيام محل القراءة والدعاء جميعا، وما بعد الركوع موضع الدعاء فقط، فلو أتى به بعده لكان واقعا في موضعه من وجه دون وجه، ولو أتى قبله كان واقعا في موضعه من كل وجه، فكان أولى. ومعنى قول عمر يحتمل الدعاء غير القنوت، فلا يصير حجة. (وما زاد على نصف الشيء يسمى آخره)؛ ولأنه قال عاصم الأحول: سألت أنس بن مالك عن القنوت في الصلاة كان قبل الركوع أو بعده؟، قال: «قبله، إنما قنت رسول الله بعد الركوع شهرا يدعو على قاتلي القراء السبعة ثم تركه» (١)، والترك دليل النسخ. (ويقنت في جميع السنة): وبه قال جمهور الشافعية (٢)، وأحمد (٣)، ومالك في رواية. وقال الشافعي: في النصف الأخير من رمضان (٤)، وبه قال مالك في رواية. وعن مالك: أنه يستحب أن يقنت في جميع رمضان (٥). ثم اختلف أصحاب الشافعي؛ فقيل: يجوز أن يقنت جميع السنة بلا كراهة. وقيل: يستحب. وقال جمهور أصحابه: الاستحباب يختص بالنصف الأخير من رمضان (٦)؛ لأن عمر جمع الناس على أبي بن كعب في ليالي رمضان لصلاة التراويح، فلم يقنت النصف الأخير من رمضان. وفي رواية المبسوط (٧): وأمره بالقنوت في النصف الأخير.

стр. 928

لِلشَّافِعِيِّ ﵀ فِي غَيْرِ النِّصْفِ الأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ لِقَوْلِهِ ﵊ لِلْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ له حِينَ عَلَّمَهُ دُعَاءَ القُنُوتِ: «اجْعَلْ هَذَا فِي وِتْرِكَ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ، … ... » ولنا: حديث تعليم الحسن المذكور في المتن، وما روي عن علي وابن مسعود أنهما كانا يقنتان في جميع السنة، ولأن القنوت مضاف إلى الوتر، فدل أنه من سننه، فإنه لو كان من سنن الوقت؛ لكان مضافًا كتكبيرات التشريق، وإذا ثبت أنه من سنن الوتر؛ فلا يختص ببعض الأزمان كسائر سننه. وتأويل ما روي عن عمر ﵁: أن المراد منه طول القيام، لا القنوت في الوتر. وفي الْمُجْتَبى (١): الاقتداء في الوتر خارج رمضان يجوز. وفي مختصر القدوري (٢): لا يجوز - أي: يكره -. والجماعة في رمضان في الوتر أفضل، واختار علماؤنا أنه يوتر في منزله. ثم لابد من معرفة دعاء القنوت، وكيفية قراءته: أما الدعاء؛ فأطول ما روي فيه، ما روي عن عمر ﵁ أنه ﵇ كان يقول بعد الركوع: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لنا وللمؤمنين والمؤمنات، والمُسلِمينَ والمسلمات، وأصلِح ذات بينهم، وأَلّف بين قلوبهم، وانْصُرْهُم على عَدوِّكَ وعَدُوِّهِم، اللهم العن كفرة أهل الكتاب الذين يصدون عن سبيلك، ويُكذِّبون رَسولَكَ، ويقاتلون أولياءَكَ، اللهم خالِف بين كلِمَتِهِمْ، وأزِلَّ أقدامهم، وأنزل بهم بأسك الذي لا تَردَّهُ عن القومِ المُجرمين» (٣) «بسم الله الرّحمن الرّحيم، اللهم إنا نستعينُكَ ونَسْتَغْفِرُكَ»، وفي رواية: «ونَسْتهديكَ» ثم «ونستغفرك، ونؤمِنُ بك ونتوكَّلُ عليك، ونُثني عليكَ الخير كله»، وفي رواية: «ونتوب إليك» ثم «ونتوكل عليك، نشكرُكَ ولا نكفرُكَ، ونخلع ونترك من يفجُرُكَ».

стр. 929

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . «بسم الله الرحمن الرّحيم، اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد -بالواو-، وإليك نسعى ونَحفِدُ، نرجو رحمتك ونخشى عذابَكَ، إِنَّ عَذابَكَ الجِدَّ بالكفار مُلحق» بفتح الحاء وكسرها، والكسر أصح. وفي بعض الروايات: «نَبَتدِئُ باللهم إنا نستعينك» إلى آخره. والتوفيق بين الروايتين: أنه كان يزيد ذلك حين كان يدعو على الكفار، وعن الحسن بن علي ﵄ أنه قال: علمني رسول الله ﷺ كلمات أقولهن في الوتر؛ «اللهم اهدني فيمَنْ هَديتَ، وعافني فيمن عافيت، وتَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيتَ، وبارك لي فيما أعطيت، أنتَ تَقضي ولا يُقضى عليك، إنه لا يَذِلُّ من واليت، ولا يَعِزُّ مَنْ عادَيْتَ، تبارَكْتَ وتعالَيْتَ» (١). كذا في شرح المؤذني (٢). وعن صدر القراء رشيد الأئمة الفيدي (٣) اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا الكل بِنُونِ الجماعة، إلى آخره، وفي آخره: «لا إله إلا أنت»، وزيادة «وقنا شر ما قضيت». وفي الكافي (٤): ولو قال: (نحفذ) بالذال؛ تفسد صلاته، ويقول بعد قوله: (تَعالَيْتَ عما يقولُ الظالمون عُلُوًّا كَبيراً، لا إلهَ إلّا أنتَ أستغفرك ونتوب إليك، ربنا اغفر لنا ولإخواننا)، إلى قوله: ﴿إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠]، (اللهم إنكَ عَفُو تحب العفو فاعفُ عنّا، واغْفِرْ لَنا وارْحَمْنا وأنتَ خير الراحمين، أعوذُ بعفوك عن عقابك، وبرضاك من سَخَطِكَ، لا أُحصي ثناء عليكَ أنتَ كما أثنيت علَى نَفْسِكَ) (٥).

стр. 930

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وإتيان التسمية في القنوت على قول ابن مسعود؛ فإنهما سورتان من القرآن عنده، فأما على قول أبي: إنه ليس من القرآن، وهو الصحيح، فلا حاجة إلى التسمية، وبه أخذ عامة العلماء، ولكن الاحتياط: أن تجتنب الحائض والنفساء والجنب عن قراءته (١). وأما كيفية قراءته؛ قيل: يجهر الإمام، وقيل: يخافت، وقيل: يتوسط، وبه أخذ محمد، وأخذ أبو يوسف بالجهر، وقيل: على العكس. وعن محمد: يجهر الإمام ويُؤَمِّنُ القومُ، وعنه: يجهر المأموم أيضاً، والجهر للمأموم أحب من الإخفاء، وعن أبي يوسف: يجهر الإمام ويتخير المأموم، إن شاء قرأ وإن شاء أمَّنَ. وقيل: هو كالقراءة، يتحمله الإمام ويجهر به (٢). وفي شرح الإرشاد (٣): بأن الإخفاء به عند محمد؛ لأنه دعاء، وقال ﵇: «خَيرُ الدُّعَاءِ الخَفِيُّ» (٤)، فكان الإخفاء سنة كما في سائر الأدعية، وعند أبي يوسف الجهر؛ لأنه ذكر مشروع في حال القيام، تختص به بعض الصلوات، فكانت فيه الجهر. ومن لا يعرف القنوت يقول: (اللهم اغفر لي) ثلاثا، وهو اختيار أبي الليث (٥)، واختار مشايخنا قول: (اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار).

стр. 931

(وَيَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ) مِنْ الوِتْرِ (فَاتِحَةَ الكِتَابِ وقال القاضي في إملائه (١): واختلفوا في أنه هل يصلي على النبي ﷺ في القنوت؟ قال بعضهم: لا يصلّي، لو صلّى على النبي ﵇ فيه لا يصلي عليه في القعدة الأخيرة، ولو صلى في القعدة الأولى سهواً لا يصلي عليه في القعدة الأخيرة، ولا في القنوت. قال القاضي: الأوتار يُقْنَتُ فيها احتياطاً؛ لأنه لا يضر في التطوع (٢). وفي تتمة أصحاب الشافعي (٣): إذا قلنا يقنت قبل الركوع؛ يبتدئ به بعد الفراغ من القراءة بلا تكبير، وبه قال مالك (٤)، والقنوت هو الدعاء المروي عن الحسن بن علي ﵁، واستحب بعض الأصحاب منهم صاحب التلخيص أن يضيف إليه ما روي عن عمر، وهو " اللهم إنا نستعينك … " إلى آخره، وعليه العمل، وبه قال القاضي أبو الطيب، وزاد هو وغيره: (اللهم عذب كفرة أهل الكتاب الذين يصدون عن سبيلك ويقاتلون أولياءك، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، وأصلح ذات بينهم، وألف بين قلوبهم، واجعل في قلوبهم الإيمان والحكمة، وثبتهم على ملة رسولك، وأوزعهم أن يوفوا بعهدك الذي عاهدتهم عليه، وانصرهم على عدوك وعدوهم، إله الحق اجعلنا منهم). ثم كيفيته: فالإمام يخافت به في قول، والأظهر: أن يجهر به، وأما المأموم، فإن كان الإمام يجهر فالمأموم يجهر، فإن كان يسمع صوته؛ الأصح: أنه يُؤَمِّن ولا يقنتُ. وكذا في شرح الوجيز (٥). قوله: (ويقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب): وهذا بالإجماع، أما عندهم؛

стр. 932

وَسُورَةٌ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠] (وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَقْنُتَ كَبَّرَ) لِأَنَّ الحَالَةَ قَدْ اخْتَلَفَتْ (وَرَفَعَ يَدَيْهِ وَقَنَتَ) لِقَوْلِهِ ﵊: «لَا تُرْفَعُ الأَيْدِي إِلَّا فِي سَبْعِ مَوَاطِنَ». فلأنه نفل، وأما عند أبي حنيفة وإن كان واجباً يحتمل أنه نفل، فكان الاحتياط فيه وجوب القراءة؛ لترجح جهة الوجوب بدليل فيه شبهة. (وسورة)؛ أي: سورة مطلقة غير معينة، كما قال الشافعي: يقرأ في الأولى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَهُ﴾ [القدر: ١]، وفي الثانية: ﴿قُلْ يَأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١]، وفي الثالثة: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١]؛ لأنه ﵇ قرأ كذلك، وفي كتبهم: قرأ في الأولى ﴿سَبِّح﴾ [الأعلى: ١]؛ لأنه ﵇ قرأ كذلك (١). ولنا: قوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا﴾ [المزمل: ٢٠] عام في الوتر وغيره، ولأن درجة الوتر لا تربو درجة المكتوبة، ولم يتوقف فيها شيء سوى الفاتحة، فكذا هذا، وما رواه برواية عمران بن الحصين (٢)، وعائشة (٣): أنه كان يقرأ في الأولى ﴿سَبِّح﴾ [الأعلى: ١]، فعلم أنه لم يتوقف فيها شيء. وعندنا: لو قرأ بما ورد به الآثار لكان حسناً. وقوله: (كبر)؛ احتراز عما قاله بعض أصحاب الشافعي كما ذكرنا؛ لأن الحالة قد اختلفت؛ فإن حالة القراءة غير حالة القنوت، فيكبر بينهما كما بين الركوع والسجود. فإن قيل: هذا منقوض بما بين الثناء والقراءة؛ فإن الحالة هاهنا مختلفة أيضاً. قلنا: إن الثناء سنة لتمهيد القراءة، فيكون تبعاً لها، فلا حاجة إلى الفصل، ولأنه ثبت الرفع بالحدث - كما سيجيء -، وأنه غير مشروع بلا تكبير. (سبع مواطن): وفي بعض النسخ: سبعة.

стр. 933

وَذَكَرَ مِنهَا القُنُوتَ فإن قيل: هذا الحديث يقتضي انحصار جواز الرفع في المواضع السبعة؛ لأنه ذكر حرمة الرفع عاما، ثم استثنى منه المواضع السبعة، فبقي ما وراءها تحت عموم الحرمة ضرورة، حتى استدل به أصحابنا على حرمة الرفع في الركوع، ورفع الرأس منه، وعمل الأمة على خلاف هذا؛ فإنهم يرفعون أيديهم في مواضع الدعاء كله وإن لم يكن من المواضع السبعة، فإنه ذكر في المستخلص: آداب الدعاء عشرة، إلى أن قال: الثالث: أن يدعو مستقبل القبلة، ويرفع يديه حتى يرى بياض إبطيه؛ فإنه ﵇ قال: «إن رَبَّكُم حَيِيٌّ كَرِيمٌ يَسْتَحِي مِنْ عَبْدِهِ إِذا رفعَ يَدَيْهِ أَنْ يَرُدَّها صُفْرًا» (١)، وكذا في شرعة الإسلام؛ فإنه قال فيه: ويرفع يديه إلى المنكبين، ويجعل باطن كفه مما يلي وجهه (٢). وفي المبسوط (٣)، والمحيط (٤) في باب الاستسقاء: وعن أبي يوسف قال: إن شاء رفع يديه في الدعاء، وإن شاء أشار بإصبعيه؛ لأن رفع اليد عند الدعاء سنة، والاستسقاء ليس من المواضع السبعة. قيل في جوابه: وجه الانحصار في السنن الأصلية، التي هي من سنن الهدى أو من سنن الفرائض، وذا لا يكون إلا في هذه المواضع، وفي غيرها الرفع من الآداب والاستحباب وإتباع الآثار، لا على سنة الهدى أو الفرائض. وفي المبسوط (٥): عن محمد بن الحنفية قال: الدعاء أربعة: دعاء رغبة؛ ففيه يجعل بطون كفيه إلى السماء، ودعاء رهبة؛ ففيه يجعل ظهر كفيه إلى وجهه، كالمستغيث من الشيء، ودعاء تضرع؛ ففيه يعقد الخنصر والبنصر،

стр. 934

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ويحلق الإبهام والوسطى، ويشير بالسبابة، ودعاء خفية؛ وهو ما يفعله المرء في نفسه. وعلى هذا قال أبو يوسف: يستقبل بباطن كفيه القبلة عند افتتاح الصلاة، واستلام الحجر، وقنوت الوتر، وتكبيرات العيدين، ويستقبل بباطن كفيه نحو السماء عند الصفا والمروة، وبعرفات وَبِجَمْعِ، وعند الجمرتين؛ لأنه يدعو في هذه المواقف بدعاء الرغبة (١). والمعنى فيه: أن في التكبير مع الرفع إعلامًا لجنس المعذورين، كالأعمى والأصم، كما في تكبيرة الافتتاح، ويتابعه المقتدي؛ لما أن الاستماع أو الإنصات واجب عند القراءة لا عند الدعاء. وللشافعي في رفع اليدين في القنوت وجهان: أحدهما: أنه يرفع؛ لأنه روي الرفع عن ابن مسعود وعثمان وعمر، وهو الذي ذكره في الوسيط (٢). وأظهرهما - ما ذكره في التهذيب -: أنه لا يرفع (٣)، وبه قال مالك (٤)، والليث بن سعد، والأوزاعي؛ لما روي عن أنس «أنه ﵇ لم يكن يرفع اليد إلا في ثلاثة مواطن: الاستسقاء، والاستنصار، وعشية عرفة» (٥)، وهو اختيار القفال، وإمام الحرمين. ولو قلنا أنه يرفع، هل يمسح بهما وجهه؟ في التهذيب: أصحهما: أنه لا يمسح. كذا في شرح الوجيز (٦).

стр. 935

(وَلَا يَقْنُتُ فِي صَلَاةٍ غَيْرِهَا) خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ اللهُ فِي الفَجْرِ لَمَا رَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ قوله: (ولا يقنت في صلاة غيرها): وقال الشافعي (١)، ومالك (٢): السنة أن يقنت في صلاة الصبح، لكن بعد الركوع عند الشافعي، وقبله عند مالك؛ لأنه روى ابن عباس (٣) وأبو هريرة (٤) وأنس (٥) أنه ﵇ قنت في الصبح في الركعة الثانية بعد الركوع حتى فارق الدنيا، وهكذا روي عن الخلفاء الأربعة. وعن أحمد (٦): أن القنوت للأئمة؛ يدعون للجيوش، فإن ذهب إليه ذاهب فلا بأس به. كذا في شرح الوجيز (٧). ولنا: ما روى ابن مسعود كما ذكر في المتن (٨)، وعن ابن عمر قال: «والله إنه لبدعة، ما قنت رسول الله ﷺ إلا شهرا، ولم يقنت قبله ولا بعده» (٩)، وكذا روى أبو هريرة، وما روي عن أم سلمة «أنه ﵇ نهى عن القنوت في الفجر» (١٠)، وقال أنس: «قنت رسول الله ﷺ شهرا أو أربعين يوماً يدعو على

стр. 936

«﵁ أَنَّهُ ﵊ قَنَتَ فِي صَلَاةِ الفَجْرِ شَهْرًا» ثُمَّ تَرَكَهُ (فَإِنْ قَنَتَ رعل وذكوان (١)، وعن أبي مالك الأشجعي أنه قال: "سألت أبي عن القنوت في الفجر، فقال: صليت خلف رسول الله ﷺ والخلفاء الأربعة، فلم يقنتوا فيها، يا بني بدعة، يا بني بدعة (٢)، وقال [أبو] (٣) عثمان النهدي: «صليت خلف أبي بكر وعمر سنين، فلم أر واحدًا منهما قنت في صلاة الفجر». ومن روى القنوت روى تركه، ففعله ﵇ المتأخر ينسخ المتقدم، وقد صح أنه كان ﵇ يقنت في صلاة المغرب كما يقنت في صلاة الفجر (٤) ثم انتسخ أحدهما بالاتفاق، فكذا الآخر. ويقال: كان مقدار القيام في القنوت مقدار ﴿إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ﴾ [الإنشقاق: ١] وليس فيها دعاء موقت - أي معين -، يريد به سوى (اللَّهُمَّ إنّا نستعينك)، فالصحابة اتفقوا على هذا في القنوت، والأولى أن يأتي بعده بما علم النبي ﵇ الحسن. والقراءة اسم من القنوت، فإذا لم يوقت في القراءة بشيء ففي دعاء القنوت أولى. وعن محمد: أن التوقيت في الدعاء يذهب برقة القلب. ومشايخنا قالوا: مراده في أدعية المناسك، أما في الصلاة فإذا لم يوقت فربما يجري على لسانه ما يفسد صلاته. كذا في المبسوط (٥)، وجامع فخر الإسلام. وفي الْمُجْتَبى (٦): وإذا تعارضت روايات فعله؛ ترجح ما اختاره أصحابنا

стр. 937

الإِمَامُ فِي صَلَاةِ الفَجْرِ يَسْكُتُ مَنْ خَلْفَهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يُتَابِعُهُ) (*) لِأَنَّهُ تَبَعٌ لِإِمَامِهِ، وَالقُنُوتُ مُجْتَهَدٌ فِيهِ. وَلَهُمَا، أَنَّهُ مَنْسُوخٌ وَلَا مُتَابَعَةَ فِيهِ، ثُمَّ قِيلَ: يَقِفُ قَائِمًا لِيُتَابِعَهُ فِيمَا تَجِبُ مُتَابَعَتُهُ، وَقِيلَ: يَقْعُدُ تَحْقِيقًا لِلْمُخَالَفَةِ، لِأَنَّ السَّاكِتَ شَرِيكُ الدَّاعِي وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ. بنهيه عن القنوت في الفجر ثم تركه، فالترك دليل النسخ؛ إذ المشروع لا يترك. وفي شرح الإرشاد الخبر المروي عن أنس أنه ﵇ قنت في الفجر حتى فارق الدنيا (١) تعارض، فإنه روي عنه في مقابلته «أنه ﵇ قنت شهراً ثم تركه» (٢)، فتعارض الروايتان، فيتساقطان، وبقي ما روينا من حديث أم سلمة، مع أن رواية (حتى فارق الدنيا) ضعيف غير مشهور عنه، أو المراد: يقنت أطال القيام في الفجر، وسمي طول القيام قنوتا؛ جمعاً بين الروايتين، وإليه ذهب ابن المبارك. قوله: (مجتهد فيه)؛ يعني: التزم متابعة الإمام، وخطأ مخالفة الإمام متيقن، فلا يترك المتابعة بما يحتمل أن يكون مشروعاً؛ فإن خطأ المجتهد ليس بمتيقن، وصار كالاقتداء في العيد بمن يكبر خلاف رأيه ما لم يجاوز أقاويل الصحابة، وكما لو سجد الإمام للسهو قبل السلام؛ فإنه يتابعه. (ولهما)؛ وهو قول زفر (أنه)؛ أي: القنوت في الفجر (منسوخ) بما روينا. (ولا متابعة فيه)؛ كما لو كبر الإمام خمساً في صلاة الجنازة فإنه لا يتابعه، بخلاف تكبيرات العيد، وسجدة الإمام قبل السلام؛ فإنه لم يثبت نسخ شيء منها، فإن أقوال الصحابة لم ترتفع. قيل: هذا رد المختلف على المختلف؛ لأنه لو كبر الإمام في صلاة الجنازة خمساً على هذا الخلاف، كما يجيء. وفي شرح الإرشاد: لا يعتد بخلاف من خالف، كما لا يعتد بخلافه في

стр. 938

وَدَلَّت المَسْأَلَةُ عَلَى جَوَازِ الاقْتِدَاءِ بِالشَّفْعَوِيَّةِ متروك التسمية عامداً؛ لأنه بخلاف الدليل الظاهر، حتى قلنا: إذا جمع بين ذكية ومتروك التسمية عامداً في العقد؛ يفسد العقد فيهما جميعاً. وفيه تأمل؛ لأن الساكت شريك الداعي، قال تعالى: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا﴾ [يونس: ٨٩]، وموسى ﵇ كان داعياً، وهارون كان يؤمن ولا يدعو، سماه داعياً؛ لأنه شريك الداعي. فإن قيل: (آمين) هارون منقول أيضاً، وهو دعاء. قلنا: لا نسلم أن هارون اشتغل بآمين، ولئن ثبت منه ذلك؛ فليس بدعاء صريحاً. فإن قيل: فإذا قعد يكون ساكتاً أيضاً، فيكون شريكاً للداعي أيضاً. قلنا: السكوت يكون دليلاً على الموافقة؛ إذا لم يوجد ما يخالفه، وقد وجد هاهنا هو القعود، فلا يكون سكوته دليلاً على الموافقة. كذا في الكافي (١). وفي جامع الكردري (٢): المستمع شريك الداعي، كما في سجدة التلاوة؛ فإن السامع يساوي التالي في الثواب ووجوب السجدة والأول أظهر. وذكر قاضي خان (٣): وهو الصحيح؛ لأن الأصل المتابعة لا المخالفة، ولو قعد يخالفه فيما يجب متابعته. قوله: (بالشفعوية): وفي ذيل المغرب (٤): ومن الخطأ الظاهر قولهم: اقتداء حنفي المذهب بشفعوي المذهب، وإنما الصواب: الشافعي المذهب في النسبة إلى الشافعي المولد، على حذف ياء النسبة من المنسوب إليه؛ لأن الشافعي منسوب إلى جده شافع، بغير ياء النسبة، ولا يجمع بين منسوبين.

стр. 939

وَعَلَى المُتَابَعَةِ وفي حاشية بخط الإمام تاج الدين الزرنوجي (١): قال الغوري: هو شافع من بني المطلب بن عبد مناف، منهم الإمام الشافعي الفقيه ﵁، ومن قال في النسبة إليه الشفعوي فهو عامي (٢). قيل: فعلى هذا ينبغي أن يقال بالشافعي المذهب. (وعلى المتابعة)؛ أي: دلت على جواز المتابعة في قنوت الوتر في مضان؛ لأن الاختلاف في الدعاء المنسوخ يدل على الاتفاق في القنوت المشروع بالطريق الأولى. كذا ذكره قاضي خان، والتمرتاشي (٣). وقال أبو اليسر (٤): واختلفوا أيضاً في المسبوق إذا قعد مع الإمام، هل يقرأ التشهد والصلوات والدعوات؟ قال: هذه المسألة تدل على أنه يقرأ ذلك كله، وهو اختيارنا.

стр. 940

فِي قِرَاءَةِ القُنُوتِ فِي الوِتْرِ، وَإِذَا عَلِمَ المُقْتَدِي مِنهُ مَا يَزْعُمُ بِهِ فَسَادَ صَلَاتِهِ كَالْفَصْدِ وفي جواز اقتداء الحنفي بالشافعي؛ ذكر أبو اليسر (١): أنه لا يجوز من غير أن يطعن في دينهم؛ لما روى مكحول الشامي في كتاب سماه: كتاب الشعاع. وفي جامع الكردري (٢): في اللؤلؤيات عن أبي حنيفة: أن من رفع يديه عند الركوع وعند رفع الرأس منه تفسد صلاته، وجعل ذلك عملا كثيراً، وصلاتهم فاسدة عندنا، فلا يصح الاقتداء لهذا. وفي الفوائد الظهيرية (٣): وفيه نظر؛ لأن فساد الصلاة عند الركوع وعند رفع الرأس منه برفع اليدين لا يمنع صحة الاقتداء في الابتداء؛ لجواز صلاة الإمام قبله، أما في دلالته على المتابعة؛ فعن محمد أنه يقنت الإمام ويسكت المقتدي. كذا ذكره التمرتاشي (٤). وذكر قاضي [خان] (٥): قيل: يقنت الإمام جهراً، ولا يقنت المقتدي (٦)، والأصح: أن يقنت المقتدي كما يقنت الإمام وغيره، كالرعاف والحجامة، وأن لا يتوضأ بماء راكد بلغ قلتين بوقوع النجاسة فيه، وأن يغسل ثوبه من المني، ويفرك اليابس منه، وأن لا يقطع الوتر، وأن لا يراعي الترتيب في الفوائت، وأن لا يمسح ربع رأسه، فإذا لم تعلم منه هذه الأشياء بيقين؛ يجوز الاقتداء به ويكره. ولو شهر احتجامه ولم يتوضأ، وغسل موضع الحجامة؛ فالصحيح: أنه لا يجوز الاقتداء به. كذا قاله شيخ الإسلام (٧). وذكر قاضي خان (٨): إنما يجوز الاقتداء به إذا كان يتحامى مواضع

стр. 941

وَغَيْرِهِ لَا يُجْزِئُهُ الِاقْتِدَاءُ بِهِ، … . الخلاف؛ بأن يتوضأ من الخارج من غير السبيلين، وأن يقف إلى القبلة مستوياً، ولا ينحرف انحرافاً فاحشاً، ولا يكون متعصباً، ولا شائًا في إيمانه. وفي الخلاصة (١): والمراد بالانحراف الفاحش: أن يجاوز المغارب، وبالشاك في إيمانه أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله، أما لو قال: أنا أموت مؤمناً إن شاء الله يصلي خلفه. وفي شرح الإرشاد: ومن المشايخ من قال: لا يجوز الاقتداء به؛ لأن وتره فاسد، والترتيب واجب في الوتر عند أبي حنيفة، فيكون فجره فاسداً. والأصح: أنه يجوز؛ لأن الفوائت في قول الشافعي قَلَّت أو كَثُرَتْ تسقط الترتيب، وقد أجمع أصحابنا أنه لا يقتدي به في الوتر وإن كان لا يقطعه؛ لأنه ينويه سنة، وهو عند أبي حنيفة واجب. وفي مختصر بحر المحيط (٢): يجوز اقتداء الحنفي لمن يرى أن الوتر سنة؛ لضعف دليل وجوبه. قال الرازي (٣): اقتداء الحنفي بالشافعي في الوتر، وسلّم إمامه على الركعتين؛ لا يسلّم معه، ويصلّي بقيته؛ لأن إمامه لم يخرج بالسلام؛ لأنه مجتهد فيه، كما لو اقتدى بإمام قد رعف، ويرى أنه لا ينقض؛ صح الاقتداء به؛ لأنه مجتهد، فطهارته في حقه صحيحة. قيل: صح الاقتداء في فصل الرعاف والحجامة، وقال الأكثر: لا يصح. كذا في القنية، وصلاة الجلابي (٤). وذكر التمرتاشي (٥): لو اشتهر أنه مس امرأة ولم يتوضأ ثم اقتدى به؛ فإن مشايخنا قالوا: يجوز. وقال الهندواني وجماعة: لا يجوز.

стр. 942

وَالمُخْتَارُ فِي القُنُوتِ الإِخْفَاءُ، لِأَنَّهُ دُعَاءُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قيل: وقول الهندواني أقيس؛ لما أن زعم الإمام أن صلاته ليست بصلاة، فحينئذ كان الاقتداء بناء الموجود على المعدوم في زعمه، وهو الأصل فلا يصح وفي حليتهم (١): صلى خلف حنفي أو مالكي؛ يجوز إذا قرأ الفاتحة مع التسمية، واعتدل الركوع والسجود، وإن كان بخلاف هذا لا يجوز. قوله: (والمختار في القنوت): قال شيخ الإسلام: لا إشكال في المنفرد أنه يخافت وفي الإمام اختلف المشايخ، قال الفضلي وأبو حفص الكردري وغيرهما: يخافت؛ فإنه جرى التوارث في مسجد أبي حفص الكبير بالمخافتة، وهو من أصحاب محمد، فلولا علم من محمد أن السنة المخافتة لما خالفه، ولأن القنوت دعاء في الحقيقة، والسبيل فيه المخافتة؛ لما روينا أن لا تعارض، وكان القنوت في بلادنا الجهر استحسانًا؛ لأن البلاد بلاد العجم، فكانوا لا يعلمون ذلك، فاستحسنوا الجهر لكي يتعلموا، كما روي عن عمر ﵁ أنه جهر بالثناء حين قدم عليه وفد العراق ليتعلموا (٢). ومنهم من يقول: يجهر بالقنوت؛ لأن له شبهة القراءة، فإن الصحابة اختلفوا في (اللهم إنا نستعينك) أنه من القرآن أم لا، كما ذكرنا في المبسوط، والاختيار الإخفاء في حق الإمام والقوم؛ لقوله ﵇: «خير الدعاء الخَفِي» (٣). سئل أبو القاسم الصفار عن الصلاة على النبي ﵇ في القنوت، قال: لا يصلي؛ لأن هذا ليس بموضعه. وقال أبو الليث: أفضل القنوت مع الصلاة؛ لأنه دعاء، والمستحب في الدعاء الصلاة على النبي ﷺ . كذا في الحاوي (٤). ثم قيل: يرسل يديه؛ ليكون حال الدعاء مخالفا لحال القراءة. وقيل: يضع؛ لأن القنوت مشبه بالقراءة، وهو الأصح؛ لأن الوضع سنة قيام فيه ذكر مسنون، فكل قيام فيه ذكر يطول، فالوضع فيه أولى.

стр. 943

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وفي الإيضاح: يرسل (١). واختلفوا في معنى الإرسال: قيل: لا يضع يمينه على شماله فيه، والقومة وقيام صلاة الجنازة. وقيل: يضع إحداهما على الأخرى في هذه الحالة. ومعنى الإرسال: أن لا يبسطهما؛ لقوله: (كفوا أيديكم في الصلاة). وعن أبي يوسف: أنه يبسط يديه بسطاً في حالة القنوت؛ لأنه سنة الدعاء (٢). وعن أبي حنيفة: أنه يشير بإصبعه السبابة من يده اليمنى (٣)، وهو رواية عن أبي يوسف، وكذا رواه الحسن أنه يشير في التشهد، وفي كل ذلك آثار. ومقدار القيام في القنوت قدر سورة ﴿إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ﴾ [الإنشقاق: ١]، ولو نسي القنوت حتى ركع؛ مضى على ركوعه ولم يرفع رأسه للقنوت، فرق بين هذا وبين تكبير العيد؛ فإنه لو تذكره في الركوع كبر، وكذا لو تذكر فيه قراءة سورة أو فاتحة؛ يعود إلى حال القيام فيقرأ، والوجه أن القنوت محله القيام المطلق وقد فات، ولا يمكن نقض الركوع؛ لأن الركوع فرض، والقنوت ليس بفرض، فلا يجوز نقضه له؛ لأنه دونه، فأما تكبيرات العيد فمحله لم يفت؛ لأنه شرع في حال القيام، وفيما يجري مجراه لما عرف في الأصول، وكذا الفاتحة أو السورة؛ فإنه فرض في الأصل؛ ألا ترى أن ما يترك منهما لو أتى به في القيام يقع فرضاً، وإذا تصور كذلك لم يفت محله فيعود. وفي الحاوي (٤): سئل بعض المشايخ: عمن نسي القنوت وتذكر في الركوع، قال: يعود إلى القيام ويقنت، ثم يركع ويسجد للسهو، ولو ترك السورة دون الفاتحة وقنت ثم تذكر؛ يعود ويقرأ السورة، ويعيد القنوت والركوع.

стр. 944

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تتمة كتاب الصلاة بَابُ النَّوَافِلِ (السُّنَّةُ رَكْعَتَانِ قَبْلَ الفَجْرِ، بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [باب النوافل] لُقِّبَ الباب بالنوافل وإن كان فيه السنن؛ لأن النفل أعم. ثم لما فرغ من بيان الفرائض والواجبات شرع في النوافل وابتدأ بذكر سنة الفجر؛ لأنها أقوى السنن بالاتفاق، ولحديث عائشة ﵂ أنه ﵊ قال: «رَكْعَتَا الْفَجْرِ (١) خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» (٢)، وقال ﵊: «صَلُّوهما ولو طَرَدَتْكُمُ الْخَيْلُ» (٣)، وعن ابن عباس في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِدْبَرَ النُّجُومِ﴾ [الطور: ٤٩] أنه ركعتا الفجر، ﴿وَأَدْبَرَ السُّجُودِ﴾ [ق: ٤٠] ركعتا المغرب، كذا في المبسوط (٤)، ولم يقل بوجوبها مع دليل الوجوب وهو مواظبته ﵊ بلا ترك، وللأمر؛ لأنه ﵊ ساقها مع سائر السنن في حديث المثابرة، وذكر المرغيناني عن أبي حنيفة أنها واجبة (٥). وفي جامع المحبوبي: روى الحسن عن أبي حنيفة أنه قال: لو صلّى سنة الفجر قاعدًا بلا عذر لا يجوز (٦)، وقالوا: العالم إذا صار مرجعًا في الفتوى

стр. 945

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . يجوز له ترك سائر السنن لحاجة الناس إلا سنة الفجر. وابتدأ في المبسوط بذكر سنة الظهر؛ لأنها أول صلاة فرضت، وذكر التمرتاشي في "اللآلئ" في ترك الأربع قبل الظهر والتي بعدها وركعتا الفجر لا تلحقه الإساءة؛ لأن محمدًا سماه تطوعًا، إلا أن يستخف به، ويقول: هذا فعل النبي وأنا لا أفعل فحينئذ يكفر (١). وفي النوازل والفوائد للرُّسْتُغفَنِي: لو ترك سنن الصلوات الخمس ولم يرها حقا كفر؛ لأنه ﵊ ما قال من تلقاء نفسه، ولو رآها حقا وتركها قيل: لا يأثم؛ والصحيح أنه يأثم؛ لأنه جاء الوعيد بالترك (٢). وعن أبي سهل الرازي من أصحاب أبي حنيفة ﵁: لو ترك الأربع قبل الظهر وواظب على الترك لا تقبل شهادته (٣). وفي الْمُجْتَبى: لا يختلف الرجل والمرأة في الأربع قبل الظهر (٤). وقيل: إنها سنة لمن يصلي بالجماعة، والأربع قبل الجمعة كالأربع قبل الظهر، وبعد الجمعة أربع، وهو قول ابن مسعود، وبه أخذ أبو حنيفة؛ لحديث أبي هريرة ﵁ أنه ﵊ قال: «من كان مصلياً بعد الجمعة فليصل أربعًا» (٥) وهو المشهور من فعله ﵊ والخلفاء الراشدين بعده قبل إثبات السنة قبل الجمعة مشكل؛ فإنه ﵊ كان يؤذن بين يديه وهو على المنبر فيخطب وينزل ويصلي الجمعة. واستدل أصحابنا بما روى ابن ماجه عن ابن عباس أنه ﵊ «كان يصلي قبل الجمعة أربعا لا يفصل بينهن بسلام» (٦)، ويمكن أنه

стр. 946

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ﵊ صلاها في أول الوقت فيخرج، ويُؤَذِّن للجمعة. واستدل أصحاب الشافعي في إثبات سنة الجمعة بقوله ﵊: «بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ» رواه البخاري (١)، والمراد بالأذانين: الأذان والإقامة (٢). وعن علي ﵁: يصلي بعدها أربعًا ثم يصلي ركعتين، وبه أخذ أبو يوسف والطحاوي وأكثر المشايخ، وروي عنه على العكس. ثم في الترتيب بين السنن؛ قال الحلواني: أقواها ركعتا الفجر، ثم سنة المغرب؛ لأنه ﵊ لم يدعهما في سفر ولا حضر، ثم التي بعد الظهر فإنها سنة متفق عليها، وفي التي قبلها اختلاف، قيل: هي للفصل بين الأذان والإقامة، ثم التي بعد العشاء، ثم التي قبل الظهر، ثم التي قبل العصر، ثم التي قبل العشاء (٣). وقال الحسن: اختلفت في أقواها بعد ركعتي الفجر، قيل: التي قبل الظهر والتي بعدها والتي بعد المغرب سواء (٤). وقيل: بل التي قبل الظهر أكد وهو الأصح (٥). وقال الحلواني ﵀: لا بأس بأن يقرأ الأوراد بين الفريضة والسنة، ولو قام من مصلاه إن شاء قرأ جالسًا وإن شاء قرأ قائمًا (٦).

стр. 947

وَأَرْبَعٌ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَبَعْدَهَا رَكْعَتَانِ، وَأَرْبَعٌ قَبْلَ العَصْرِ، وَإِنْ شَاءَ رَكْعَتَيْنِ، وفي شرح الشهيد: القيام إلى السنة متصلا بالفرض مسنون (١). وفي الشافعي: كان النبي ﵊ إذا سلّم يمكث قدر ما يقول: «اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلامُ، وَمِنْكَ السَّلامُ، تَبَارَكْتَ يَا ذَا الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ» (٢). ولو تكلم بعد السنة قبل الفريضة هل تسقط السنة؟ قيل: تسقط. وقيل: لا، ولكن ثوابه أنقص من ثوابه قبل التكلم (٣). وفي المبسوط: ويكره الكلام بعد انشقاق الفجر إلى أن يصلي الفجر (٤)؛ لما روي أنه ﵊ في سفر مع أصحابه والحادي يحدو، فلما طلع الفجر قال: «أمسك، فإنّها ساعة ذكر» (٥)، ولأنها ساعة تشهدها ملائكة الليل والنهار. جاء في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨] تشهده ملائكة الليل والنهار فلا ينبغي أن تشهدهم إلا على خير. وعند الشافعي وأحمد: ركعتين قبل الظهر، فتصير عشر ركعات؛ لما روى ابن عمر وعائشة أنه ﵊ «صَلَّى قَبْلَ الظُّهْرِ رَكْعَتَيْنِ» رواه الترمذي وصححه (٦). وقلنا: عن عائشة أنه ﵊ «صَلَّى أربعا قبل الظهر» رواه مسلم (٧)، وحديث المثابرة رواه الجماعة إلا البخاري (٨)، ومالك لم يوقت سنة

стр. 948

وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ المَغْرِبِ، وَأَرْبَعٌ قَبْلَ العِشَاءِ، وَأَرْبَعُ بَعْدَهَا، وَإِنْ شَاءَ رَكْعَتَيْنِ) وَالأَصْلُ فِيهِ قَوْلُهُ ﵊: مَنْ ثَابَرَ عَلَى ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةٌ فِي اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الجَنَّةِ وَفَسَّرَ عَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرَ فِي الكِتَابِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُر الأَرْبَعَ قَبْلَ العَصْرِ، فَلِهَذَا سَمَّاهُ فِي الأَصْلِ حَسَنًا، وَخَيَّرَ لِاخْتِلَافِ الْآثَارِ، قبل المكتوبة ولا بعدها، وزعم أنه عمل أهل المدينة وخالف الأحاديث الصحاح. قوله: (وأربع قبل العشاء)؛ أي: مخير فيها؛ بدليل أن محمدًا سماه في الأصل حسنًا، ولم يذكرها من السنن الرواتب. ولأن حديث المثابرة إنما يستقيم على اثني عشر ركعة إذا لم يذكر في السنن ما قبل العصر وقبل العشاء؛ ولهذا لم يذكر أربعًا قبل العشاء. قوله: (وإن شاء ركعتين)؛ أي: بعد العشاء لا غير؛ لأن في بعض النسخ ذكر الأربع قبل العشاء، وشبهها بالأربع قبل الظهر، وأثبت كونه سنة بهذه المثابة، ثم ذكر الأربع بعد العشاء، وقال عقيبه: وإن شاء ركعتين، كذا في الخبازية. وفي المستصفى: لم يرو أنه ﵊ صلى ركعتين قبل العشاء. والأصل فيه؛ أي: فيما ذكر محمد قوله ﵊، روت عائشة أنه ﵊ قال: «من ثابر» (١)؛ أي: داوم وواظب، الحديث. (وفسر)؛ أي: النبي ﵊. (على نحو)؛ أي: مثل ما ذكر في الكتاب أي المبسوط أو القدوري. (سماه)؛ أي: محمد بن الحسن في الأصل؛ أي: المبسوط حسنًا؛ لأن السنة ما داوم النبي ﵊، ولم ينقل المداومة في أربع قبل العصر؛ فلهذا لم يجعله محمد سنة. (وخير)؛ أي: محمد لاختلاف الآثار، روى ابن عمرو ﵄ أنه عليه

стр. 949

وَالأَفْضَلُ هُوَ الأَرْبَعُ، وَلَمْ يَذْكُر الأَرْبَعَ قَبْلَ العِشَاءِ، فَلِهَذَا كَانَ مُسْتَحَبًّا لِعَدَمِ الصلاة والسلام قال: «مَنْ صَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ قَبْلَ العَصْرِ لَمْ تَمَسَّهُ النَّارُ» (١) كَذَا في السُّهَيْلِي. وفي شرح الوجيز: رُوي أنه ﵊ قال: «رَحِمَ اللهُ امْرَأً يُصَلِّي أَرْبَعًا قَبْلَ العَصْرِ» (٢)، ولهذا جعل الشافعية أتم الكمال ثماني عشر ركعة، وزادوا الأربع قبل العصر وركعتين قبل المغرب كما يجيء (٣). وعن علي ﵁: أنه ﵊ «كان يصلي أربعا قبل العصر يفصل بين كل ركعتين بتسليمة» (٤). وفي الإيضاح وأربع قبل العصر، وعن أبي حنيفة: ركعتان، وليست النافلة قبل العصر كالنافلة قبل الظهر في التأكيد؛ لأن الأخبار قد اتفقت على الأربع قبل الظهر، ومداومة النبي ﵊ على ذلك ولم يرو مثله قبل العصر. وقد اختلفت الروايات أيضًا؛ روى بعضهم أنه ﵊ صلَّى أربعًا، وبعضهم أنه صلى ركعتين. وعن النخعي قال: كانوا يستحبون قبل العصر ركعتين ولم يكونوا يعدونها من السنة، وهذا نقل من الصحابة. وفي شرح الوجيز: اختلف الأصحاب في عدد الرواتب؛ قال الأكثرون: عشر ركعات ركعتان قبل الفجر، وركعتان قبل الظهر، وركعتان بعده، وركعتان

стр. 950

المُوَاظَبَةِ، وَذَكَرَ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ العِشَاءِ، وَفِي غَيْرِهِ ذَكَرَ الْأَرْبَعَ فَلِهَذَا خُيْرَ، إِلَّا أَنَّ بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء؛ لما روي عن ابن عمر أنه قال: «صليت مع رسول الله ﷺ هكذا» (١). ومنهم من نقص ركعتي العشاء. ومنهم من زاد على العشر ركعتين قبل الظهر مضمومتين إلى الركعتين اللتين سبق ذكرهما لحديث المثابرة. ومنهم من زاد على هذا العدد ركعتين بعد الظهر؛ لما روي عن أم حبيبة أنه ﵊ قال: «مَنْ حَافَظَ عَلَى أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَأَرْبَعِ بَعْدَهَا، حَرَّمَهُ اللهُ عَلَى النَّارِ» (٢). ثم ليس الخلاف على الاستحباب، وإنما الخلاف في الرواتب، وقال صاحب المهذب وجماعة: أدنى الكمال عشر ركعات، وأتم الكمال ثمانية عشر ركعة (٣). وفي استحباب الركعتين قبل المغرب وجهان؛ قيل: باستحبابها، وإن لم تكن من الرواتب؛ لما روي عن أنس أنه قال: صليت ركعتين قبل المغرب ورآني رسول الله ﷺ ولم يأمرني ولم ينهاني (٤)، وروي أنه ﵊ قال: «صَلُّوا قَبْلَ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ - ثلاثًا - وقال في الثالثة: لمن شاء» (٥). وقيل: لا يستحبان؛ لما روي عن ابن عمر أنه سُئِلَ عنهما فقال: ما رأيت أحدًا على عهد رسول الله ﷺ يصليهما (٦). وعن عمر أنه كان يضرب عليهما (٧)، وبه قال أبو حنيفة؛ لأن تعجيل
следующие страницы →