. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
﵊ صلاها في أول الوقت فيخرج، ويُؤَذِّن للجمعة.
واستدل أصحاب الشافعي في إثبات سنة الجمعة بقوله ﵊: «بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ» رواه البخاري (١)، والمراد بالأذانين: الأذان والإقامة (٢).
وعن علي ﵁: يصلي بعدها أربعًا ثم يصلي ركعتين، وبه أخذ أبو يوسف والطحاوي وأكثر المشايخ، وروي عنه على العكس.
ثم في الترتيب بين السنن؛ قال الحلواني: أقواها ركعتا الفجر، ثم سنة المغرب؛ لأنه ﵊ لم يدعهما في سفر ولا حضر، ثم التي بعد الظهر فإنها سنة متفق عليها، وفي التي قبلها اختلاف، قيل: هي للفصل بين الأذان والإقامة، ثم التي بعد العشاء، ثم التي قبل الظهر، ثم التي قبل العصر، ثم التي قبل العشاء (٣).
وقال الحسن: اختلفت في أقواها بعد ركعتي الفجر، قيل: التي قبل الظهر والتي بعدها والتي بعد المغرب سواء (٤).
وقيل: بل التي قبل الظهر أكد وهو الأصح (٥).
وقال الحلواني ﵀: لا بأس بأن يقرأ الأوراد بين الفريضة والسنة، ولو قام من مصلاه إن شاء قرأ جالسًا وإن شاء قرأ قائمًا (٦).
стр. 947
وَأَرْبَعٌ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَبَعْدَهَا رَكْعَتَانِ، وَأَرْبَعٌ قَبْلَ العَصْرِ، وَإِنْ شَاءَ رَكْعَتَيْنِ،
وفي شرح الشهيد: القيام إلى السنة متصلا بالفرض مسنون (١).
وفي الشافعي: كان النبي ﵊ إذا سلّم يمكث قدر ما يقول: «اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلامُ، وَمِنْكَ السَّلامُ، تَبَارَكْتَ يَا ذَا الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ» (٢).
ولو تكلم بعد السنة قبل الفريضة هل تسقط السنة؟
قيل: تسقط. وقيل: لا، ولكن ثوابه أنقص من ثوابه قبل التكلم (٣).
وفي المبسوط: ويكره الكلام بعد انشقاق الفجر إلى أن يصلي الفجر (٤)؛ لما روي أنه ﵊ في سفر مع أصحابه والحادي يحدو، فلما طلع الفجر قال: «أمسك، فإنّها ساعة ذكر» (٥)، ولأنها ساعة تشهدها ملائكة الليل والنهار.
جاء في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨] تشهده ملائكة الليل والنهار فلا ينبغي أن تشهدهم إلا على خير.
وعند الشافعي وأحمد: ركعتين قبل الظهر، فتصير عشر ركعات؛ لما روى ابن عمر وعائشة أنه ﵊ «صَلَّى قَبْلَ الظُّهْرِ رَكْعَتَيْنِ» رواه الترمذي وصححه (٦).
وقلنا: عن عائشة أنه ﵊ «صَلَّى أربعا قبل الظهر» رواه مسلم (٧)، وحديث المثابرة رواه الجماعة إلا البخاري (٨)، ومالك لم يوقت سنة
стр. 948
وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ المَغْرِبِ، وَأَرْبَعٌ قَبْلَ العِشَاءِ، وَأَرْبَعُ بَعْدَهَا، وَإِنْ شَاءَ رَكْعَتَيْنِ) وَالأَصْلُ فِيهِ قَوْلُهُ ﵊: مَنْ ثَابَرَ عَلَى ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةٌ فِي اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الجَنَّةِ وَفَسَّرَ عَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرَ فِي الكِتَابِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُر الأَرْبَعَ قَبْلَ العَصْرِ، فَلِهَذَا سَمَّاهُ فِي الأَصْلِ حَسَنًا، وَخَيَّرَ لِاخْتِلَافِ الْآثَارِ،
قبل المكتوبة ولا بعدها، وزعم أنه عمل أهل المدينة وخالف الأحاديث الصحاح.
قوله: (وأربع قبل العشاء)؛ أي: مخير فيها؛ بدليل أن محمدًا سماه في الأصل حسنًا، ولم يذكرها من السنن الرواتب. ولأن حديث المثابرة إنما يستقيم على اثني عشر ركعة إذا لم يذكر في السنن ما قبل العصر وقبل العشاء؛ ولهذا لم يذكر أربعًا قبل العشاء.
قوله: (وإن شاء ركعتين)؛ أي: بعد العشاء لا غير؛ لأن في بعض النسخ ذكر الأربع قبل العشاء، وشبهها بالأربع قبل الظهر، وأثبت كونه سنة بهذه المثابة، ثم ذكر الأربع بعد العشاء، وقال عقيبه: وإن شاء ركعتين، كذا في الخبازية.
وفي المستصفى: لم يرو أنه ﵊ صلى ركعتين قبل العشاء.
والأصل فيه؛ أي: فيما ذكر محمد قوله ﵊، روت عائشة أنه ﵊ قال: «من ثابر» (١)؛ أي: داوم وواظب، الحديث.
(وفسر)؛ أي: النبي ﵊.
(على نحو)؛ أي: مثل ما ذكر في الكتاب أي المبسوط أو القدوري.
(سماه)؛ أي: محمد بن الحسن في الأصل؛ أي: المبسوط حسنًا؛ لأن السنة ما داوم النبي ﵊، ولم ينقل المداومة في أربع قبل العصر؛ فلهذا لم يجعله محمد سنة.
(وخير)؛ أي: محمد لاختلاف الآثار، روى ابن عمرو ﵄ أنه عليه
стр. 949
وَالأَفْضَلُ هُوَ الأَرْبَعُ، وَلَمْ يَذْكُر الأَرْبَعَ قَبْلَ العِشَاءِ، فَلِهَذَا كَانَ مُسْتَحَبًّا لِعَدَمِ
الصلاة والسلام قال: «مَنْ صَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ قَبْلَ العَصْرِ لَمْ تَمَسَّهُ النَّارُ» (١) كَذَا في السُّهَيْلِي.
وفي شرح الوجيز: رُوي أنه ﵊ قال: «رَحِمَ اللهُ امْرَأً يُصَلِّي أَرْبَعًا قَبْلَ العَصْرِ» (٢)، ولهذا جعل الشافعية أتم الكمال ثماني عشر ركعة، وزادوا الأربع قبل العصر وركعتين قبل المغرب كما يجيء (٣).
وعن علي ﵁: أنه ﵊ «كان يصلي أربعا قبل العصر يفصل بين كل ركعتين بتسليمة» (٤).
وفي الإيضاح وأربع قبل العصر، وعن أبي حنيفة: ركعتان، وليست النافلة قبل العصر كالنافلة قبل الظهر في التأكيد؛ لأن الأخبار قد اتفقت على الأربع قبل الظهر، ومداومة النبي ﵊ على ذلك ولم يرو مثله قبل العصر.
وقد اختلفت الروايات أيضًا؛ روى بعضهم أنه ﵊ صلَّى أربعًا، وبعضهم أنه صلى ركعتين.
وعن النخعي قال: كانوا يستحبون قبل العصر ركعتين ولم يكونوا يعدونها من السنة، وهذا نقل من الصحابة.
وفي شرح الوجيز: اختلف الأصحاب في عدد الرواتب؛ قال الأكثرون: عشر ركعات ركعتان قبل الفجر، وركعتان قبل الظهر، وركعتان بعده، وركعتان
стр. 950
المُوَاظَبَةِ، وَذَكَرَ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ العِشَاءِ، وَفِي غَيْرِهِ ذَكَرَ الْأَرْبَعَ فَلِهَذَا خُيْرَ، إِلَّا أَنَّ
بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء؛ لما روي عن ابن عمر أنه قال: «صليت مع رسول الله ﷺ هكذا» (١).
ومنهم من نقص ركعتي العشاء.
ومنهم من زاد على العشر ركعتين قبل الظهر مضمومتين إلى الركعتين اللتين سبق ذكرهما لحديث المثابرة.
ومنهم من زاد على هذا العدد ركعتين بعد الظهر؛ لما روي عن أم حبيبة أنه ﵊ قال: «مَنْ حَافَظَ عَلَى أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَأَرْبَعِ بَعْدَهَا، حَرَّمَهُ اللهُ عَلَى النَّارِ» (٢).
ثم ليس الخلاف على الاستحباب، وإنما الخلاف في الرواتب، وقال صاحب المهذب وجماعة: أدنى الكمال عشر ركعات، وأتم الكمال ثمانية عشر ركعة (٣).
وفي استحباب الركعتين قبل المغرب وجهان؛ قيل: باستحبابها، وإن لم تكن من الرواتب؛ لما روي عن أنس أنه قال: صليت ركعتين قبل المغرب ورآني رسول الله ﷺ ولم يأمرني ولم ينهاني (٤)، وروي أنه ﵊ قال: «صَلُّوا قَبْلَ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ - ثلاثًا - وقال في الثالثة: لمن شاء» (٥).
وقيل: لا يستحبان؛ لما روي عن ابن عمر أنه سُئِلَ عنهما فقال: ما رأيت أحدًا على عهد رسول الله ﷺ يصليهما (٦).
وعن عمر أنه كان يضرب عليهما (٧)، وبه قال أبو حنيفة؛ لأن تعجيل
стр. 951
الأَرْبَعُ أَفْضَلُ خُصُوصًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ عَلَى مَا عُرِفَ مِنْ مَذْهَبِهِ، وَالأَرْبَعُ قَبْلَ
المغرب مستحب وقد بيناه.
وعن أصحاب مالك: أن ركعتا الفجر ليستا بسنة؛ بل هما من الرغائب (١)؛ لقوله ﵊: «صَلُّوهُمَا فَإِنَّ فِيهِمَا الرَّغَائِبَ» (٢).
وقلنا: هذا لا يدل على أنهما ليستا بسنة؛ لأن كون الرغائب فيهما غير منافٍ لسنتهما، وحاصله: أن عندنا سنن الرواتب ثنتي عشر ركعة؛ لحديث المثابرة، وروايات فعله ﵇ قد تعارضت كما بينا، فنأخذ بقوله وهو حديث المثابرة، والأفضل هو الأربع؛ لما روينا من حديث ابن عمر ﵄، ولحديث أم حبيبة أنه ﵊ قال: «من صلى قبل العصر أربعًا كانت له جُنَّةً من النَّارِ» (٣) كذا في المبسوط (٤).
(ولم يذكر)؛ أي: النبي ﵊ الأربع قبل العشاء عند تفسير الحديث.
(وذكر)؛ أي: النبي ﵊ فيه -أي: في المبسوط.
(ولم يذكر)؛ أي: النبي ﵇ في هذا الحديث ركعتين، وفي غيره؛ أي: غير هذا الحديث -وهو حديث المثابرة-.
(ذكر)؛ أي: النبي ﵊؛ فلهذا خير -أي محمد بن الحسن أو أبو الحسن القدوري- إلا أن الأربع أفضل.
في المبسوط: لو صلّى أربعًا بعد العشاء فهو أفضل (٥)؛ لحديث ابن عمر ﵄.
стр. 952
الظَّهْرِ بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ عِنْدَنَا، كَذَا قَالَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ،
موقوفًا ومرفوعًا أنه ﵊ قال: «من صلى بعد العشاء أربع ركعات كن كمثلهن من ليلة القدر» (١).
وفي فوائد الرُّسْتُغفَنِي: يقرأ في الأولى الفاتحة وآية الكرسي ثلاث مرات، وفي الثانية الفاتحة و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ثلاث مرات، وفي الثالثة الفاتحة و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ ثلاث مرات. وفي الرابعة الفاتحة و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ ثلاث مرات (٢).
وفي الملتقط: في الثانية والثالثة والرابعة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ والمعوذتين مرة في كل ركعة (٣).
لما عرف من مذهبه - أي: مذهب أبي حنيفة - أن صلاة الليل والنهار الأربع، وعندهما صلاة الليل مثنى، فقال بعض مشايخنا: ما ذكر في الكتاب أنه يصلي ركعتين قولهما أما عند أبي حنيفة ﵀: فالأفضل الأربع، وقال: هي فرع لمسألة أخرى؛ وهي: أن صلاة الليل الأربع.
وقال بعضهم: هذا لا يصح؛ لأن اختلافهم في التطوع الذي ليس من السنن.
ولكن الصحيح: ما قاله الأولون؛ لأن محمدًا جعله بمنزلة صلاة الليل، ولم يعده من السنن المؤقتة؛ لأنه قال: إن فعله فحسن. كذا في المبسوطين (٤).
وفي مبسوط شمس الأئمة (٥): لو تطوع بعد المغرب بست ركعات فهو أفضل؛ لحديث ابن عمر أنه ﵊ قال: «مَنْ صَلَّى بَعْدَ الْمَغْرِبِ
стр. 953
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
سِتُّ رَكَعَاتٍ كُتِبَ مِنَ الأَوَّابِينَ» وتلا قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٢٥] (١)، وعن أبي هريرة أنه ﵊ قال: «من صلى بعد المغرب ست ركعات لم يتكلّم فيما بينهنّ بسوءٍ عَدَلْنَ له بعبادة ثنتي عشرة سنة» رواه الترمذي وضعفه (٢)، وعن عائشة: أنه ﵊ قال: «من صلى بعد المغرب عشرين ركعة بنى الله له بيتا في الجنة» رواه الترمذي (٣).
وعن ابن عباس أنه ﵊ قال: «من صلَّى أربع ركعات بعدَهُ قبل أن يكلم أحدا رفعت له في عليين، وكان كَمَنْ أدرك ليلة القدر في المسجد الأقصى، وهو خير له من قيام نصف ليلة» رواه أبو نعيم الحافظ (٤).
وفي تفسير الكاشاني: روي أن الشيخ عثمان السجزي رئي في المنام فقيل له: ما حالك؟ قال: دفنتموني في مقبرة الكفرة، قيل: لا، بل في مقبرة المسلمين، فقال: هؤلاء كلهم خرجوا من الدنيا بلا إيمان.
قيل: ما المفر عنه؟ قال: أوردت حديثا في مجموعين، فاطلبوا ثم فطلبوا، فوجدوا فيها عن النبي ﵊ أنه قال: «من أراد أن يخرج من الدُّنيا بالإيمان فليصل ركعتين بعدَ سُنَّةِ المغرب، وليقرأ في الأولى الفاتحة وأوَّلَ سورة الأنعام إلى قوله: ﴿يَسْتَهْزِئُونَ﴾، وفي الثانية الفاتحة، ومنه إلى قوله: ﴿يَسْتَهْزِئُونَ﴾ الثاني. وفي رواية: يقرأ في كل ركعة الفاتحة و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ خمس مرات، والمعوذتين مرَّةً».
стр. 954
وَفِيهِ خِلَافُ الشَّافِعِيِّ،
ويستحب الأربع بعد الظهر؛ لما روينا من حديث أم حبيبة (١).
قوله: (وفيه خلاف الشافعي): فإنه قال: يَرَوْنَهُما بتسليمتين وهو أفضل (٢)، وكذا في كل تطوع الليل والنهار، وبه قال مالك (٣) وأحمد (٤)؛ لما روى أبو هريرة أنه ﵊ «كان يصليهن بتسليمتين».
وروي أنه ﵊ قال: صلاة الليلِ والنَّهارِ مثنى مثنى (٥). ولأنه زاد تحريمة وتسليما فكان أفضل.
ولنا: ما رُوي عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ أنه قال: كان يصلي النبي ﵊ بعد الزوال أربع ركعات فقلت: ما هذه الصلاة التي تداوم عليها؟ فقال ﵊: هذه ساعة تُفتح فيها أبواب السماء، وأحب أن يصعد لي فيها عمل صالح فقلت: أفي كلهن قراءة؟ قال: «نعم» فقلت: بتسليمة أو بتسليمتين؟ فقال ﵊: «بتسليمة واحدة» (٦).
ولأن النفل تبع للفرض، والفرض بعد الزوال أربعة، فكذا النفل؛ ألا ترى
стр. 955
قَالَ: (وَنَوَافِلُ النَّهَارِ إِنْ شَاءَ صَلَّى بِتَسْلِيمَةٍ رَكْعَتَيْنِ وَإِنْ شَاءَ أَرْبَعًا، وَتُكْرَهُ الزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ).
أن الفرض لما كان ركعتين كان النفل ركعتين، وأما بعد الظهر شرع ركعتين تيسيرا؛ وذلك لأنه شرع للظهر مكملا على مثال الفرض أربع ركعات قبلها، فكانت الركعتان بعدها زيادة على المكمل؛ فلذلك اقتصر على الركعتين تيسيرًا.
فأما الجمعة أصلها أربع، وبسبب الخطبة عادت إلى ركعتين، فكان النفل أربعًا على أصل القياس.
والجواب عن الحديث الأول: أن معنى قوله: «بتسليمتين» بتشهدين، فيسمى التشهد تسليما؛ لما فيها من السلام، كما سمي تشهدا؛ لما فيها من الشهادة، وقد روي هذا التأويل عن ابن مسعود.
وعن الثاني: فالمشهور منها «صلاة الليل مثنى مثنى» (١) و «النهار» غريب، حتى قال النسائي: هذا الحديث عندي خطأ (٢)، قال الترمذي: وقفه بعضهم على ابن عمر، ورواه الثقات ولم يذكروا فيه صلاة النهار (٣)، ولئن ثبت فمعنى قوله: «مثنى»؛ أي: شفع لا واحدة حتى لا يصلي البتراء.
وعن زيادة التحريمة فقلنا: البقاء على التحريمة أفضل من القطع، كما في حق الفرض شرع أربعًا. ولأن التحريمة إنما توجد بقوله: الله أكبر، وهو يوجد عند قيامه إلى الثالثة. كذا في المبسوطين، والأسرار (٤).
قوله: (ونوافل النهار): وفي الْمُجْتَبى عن عليٍّ ﵁ قال: إذا كانت الشمس من هنا كهيئتها من هنا عند العصر صلِّ ركعتين، وعند الظهر صل أربعًا، وقبل الظهر أربعًا، وبعدها ركعتين، وقبل العصر أربعًا، يفصل بين الركعتين بتسليم قبل الأربع أفضل؛ لأنها أشق على النفس.
(وتكره الزيادة على ذلك)؛ أي: على الأربع؛ لعدم ورود نص عليه.
стр. 956
(وَأَمَّا نَافِلَةُ اللَّيْلِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِنْ صَلَّى ثَمَانِي رَكَعَاتٍ بِتَسْلِيمَةِ جَازَ، وَتُكْرَهُ الزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ، وَقَالَا: لَا يَزِيدُ فِي اللَّيْلِ عَلَى رَكْعَتَيْنِ بِتَسْلِيمَةٍ) (*) وَفِي الجَامِعِ الصَّغِيرِ لَمْ يَذْكُر الثَّمَانِيَ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ، وَدَلِيلُ الكَرَاهَةِ أَنَّهُ ﵊ لَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ،
وتكره الزيادة على ذلك؛ أي: على ثمان ركعات في الليل. وقال بعض أصحاب الشافعي: له أن يصلي ثلاث عشر ركعة بتسليمة واحدة، وهل له أن يزيد؟ فيه وجهان (١).
وفي تتمتهم: ثمان ركعات جائز بتشهد واحد وبتشهدين يقعد بعد السادسة والثامنة، وكذا عشر ركعات بتسليمة واحدة جائز بتشهد واحد وبتشهدين.
وجملة الأمر له أن يزيد عدد الركعات ما أراد، ولكن لا يزيد في التشهد على تشهدين، ويكون بين التشهدين ركعات.
والأصل فيه أنه ﵊ زاد في عدد ركعات الوتر.
وقوله ﵊: «الصَّلاةُ خير موضوع فمَنْ شَاء استقل ومن شاء استكثر» (٢)؛ ولهذا جوز ركعة واحدة بهذا الحديث، وبه قال مالك (٣) وأحمد (٤)؛ لكنا لا نجوز الركعة الواحدة لنهيه ﵊ عن البتراء (٥).
(لم يزد على ذلك)؛ أي: على ثمان ركعات، فلولا الكراهة لزاد تعليما للجواز.
стр. 957
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وفي المبسوط: روي أنه ﵊ كان يصلي في الليل خمس ركعات، سبع ركعات، تسع ركعات، إحدى عشر ركعة، والذي قال خمس ركعات؛ ثلاث وتر، وركعتان صلاة الليل، والذي قال سبع؛ أربع صلاة الليل، وثلاث الوتر، والذي قال أحد عشر؛ ثمان صلاة الليل، وثلاث وتر، والذي قال ثلاث عشرة؛ عشر صلاة الليل، وثلاث وتر. وركعتان سنة الفجر، وكان يصلي هذا كله في الابتداء، ثم فصل البعض عن البعض، هكذا ذكره حماد بن سلمة، ولم يذكر كراهة الزيادة على الثماني بتسليمة واحدة (١).
والأصح: أنه لا يكره؛ لأن فيه وصلا بالعبادة، وهذا فضل، ثم قال: والأربع أحب إليَّ، وهذا قول أبي حنيفة، فأما عندهما: فالأفضل ركعتان، ولكن ذكر في مبسوط شيخ الإسلام وغيره ما يوافق رواية الكتاب؛ فقال: ولما ثبت من فعله ﵊ ما بينا؛ ثبت أن الرخصة انتهت إلى الثماني، فإن زاد على الثماني يكره ولكن يلزمه؛ لأن هذه الكراهة لا تكون أشد من كراهة يكون عند طلوع الشمس وغروبها، وذلك لا يمنع اللزوم بالتحريمة، فكذا هذا (٢).
وقال الشافعي: لا يزيد على الأربع ولو زاد كره.
قال شيخي العلامة ﵀: نافلة النهار مثنى مثنى وأربع أربع، ويكره الزيادة على ذلك باتفاق الروايات عن أصحابنا؛ لعدم النفل، والأربع بتسليمة واحدة أفضل باتفاقهم؛ لحديث أبي أيوب، أما نافلة الليل فأربع بتسليمة واحدة أفضل عند أبي حنيفة؛ لحديث أبي أيوب وللزيادة مشقة وتجوز الزيادة عليها إلى ست بتسليمة واحدة عنده من غير كراهة، وفي رواية الجامع وإلى ثمان في رواية؛ لورود الخبر بكل واحد من العددين، وتكره الزيادة على ذلك وهو اختيار القدوري وفخر الإسلام (٣).
стр. 958
وَلَوْلَا الكَرَاهَةُ لَزَادَ تَعْلِيمًا لِلْجَوَازِ، وَالأَفْضَلُ فِي اللَّيْلِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ
وقال شمس الأئمة: لا يكره (١)، وعندهما الأربع بتسليمتين في الليل أفضل لما ذكرنا، ويكره الزيادة على الأربع، وهل يكره الأربع بتسليمة عندهما؟ فلفظ القدوري يوهم الكراهة؛ حيث قال: وقالا لا يزيد بالليل على ركعتين (٢)، ومثل هذا الكلام في الرواية يوهم نفي الزيادة للحرمة أو للكراهة، ولكن ذكر في المبسوط والجامع الصغير وعامة الكتب أن الاختلاف في الأفضلية يدل على انتفاء الكراهة في الأربع بالاتفاق (٣).
وفي فتاوى قاضي خان: لو صلى التراويح ثمان ركعات بتسليمة واحدة وقعد في كل ركعتين ينوب عن أربع تسليمات عند أبي حنيفة في رواية لعدم الكراهة إلى الثمان، وعندهما ينوب عن تسليمتين؛ لأن ما زاد على الأربع مكروه عندهما فلا تنوب الزيادة عن التراويح (٤)، فهذا تصريح بانتفاء الكراهة عن الأربع؛ إذ الأربع جازت عن التراويح لا الزيادة، فعلى هذا معنى ما ذكر في القدوري، وقالا: لا يزيد بالليل (٥)، إلى آخره: لا يزيد؛ لئلا يلزم ترك الأفضل في الأربع والكراهة في الزيادة عليها، وإليه أشير في النهاية.
وقال المحبوبي: فرق محمد في الكتاب بين صلاة الليل والنهار في كراهية الزيادة على الأربع باعتبار أن الأثر جاء به في صلاة الليل لا النهار، وعلينا الاتباع خصوصًا في العبادات، وليس فيه معنى معقول سوى أن النهار يحتاج إلى التكلم ساعة فساعة، فلم يستكثر الركعات بتسليمة واحدة، والليل وقت نوم وغفلة فيزداد لتحصيل زاد الآخرة فيختار الأشق (٦).
стр. 959
رَحِمَهُمَا اللَّهُ مَثْنَى مَثْنَى، وَفِي النَّهَارِ أَرْبَعٌ أَرْبَعٌ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀ فِيهِمَا مَثْنَى مَثْنَى، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فِيهِمَا أَرْبَعٌ أَرْبَعٌ لِلشَّافِعِيِّ: قَوْلُهُ ﵊: «صَلَاةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى» وَلَهُمَا: الاعْتِبَارُ بِالتَّرَاوِيحِ، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ تَظَلُّهُ: «أَنَّهُ ﵊ كَانَ يُصَلِّي بَعْدَ العِشَاءِ أَرْبَعًا أَرْبَعًا» رَوَتْهُ
(وعند الشافعي فيهما)؛ أي: في الليل والنهار (١)، وبه قال مالك (٢) وأحمد (٣)؛ لما روينا، ولحديث عمارة بن رويبة أنه ﵊ كان يفتتح صلاة الضحى بركعتين، وإنما يبدأ بما هو الأفضل.
(ولهما)؛ أي: ولأبي يوسف ومحمد قوله ﵊: «صلاة الليل مثنى مثنى» (٤) وفي كل ركعتين يسلم والاستدلال بالتراويح.
وفي العون وبقولهما يفتى اتباعا للحديث (٥)، ولأبي حنيفة ما روي عن ابن عباس أنه بات عند خالته ميمونة يراقب صلاة النبي ﵊ بالليل بعثه أبوه لذلك، فلما صلى ﵊ العشاء رقد رقدة ثم انتبه فقام ونظر إلى السماء فقرأ خاتمة سورة آل عمران وتوضأ وصلى أربع ركعات بتسليمة واحدة ثم رقد رقدة ثم انتبه فقام ونظر إلى السماء وقرأ خاتمة سورة آل عمران وتوضأ وصلى أربع ركعات بتسليمة واحدة (٦).
وحديث عائشة ﵂ حين سئلت عن قيام رسول الله ﷺ فقالت: «ما كان النبي ﵊ يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة، يصلي أربعا لا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعا كذلك ثم يصلي
стр. 960
عَائِشَةُ ﵂، وَكَانَ ﵊ يُوَاظِبُ عَلَى الْأَرْبَعِ فِي الضُّحَى، وَلِأَنَّهُ أَدْوَمُ تَحْرِيمَةٌ فَيَكُونُ أَكْثَرَ مَشَقَّةً وَأَزْيَدَ فَضِيلَةٌ، لِهَذَا لَوْ نَذَرَ أَنْ يُصَلِّيَ أَرْبَعًا بِتَسْلِيمَةٍ لَا يَخْرُجُ عَنْهُ بِتَسْلِيمَتَيْنِ، وَعَلَى القَلْبِ يَخْرُجُ، وَالتَّرَاوِيحُ تُؤَدَّى بِجَمَاعَةٍ، فَيُرَاعَى
الوتر» (١)، ولأن التطوع شرع مكملا للفرائض، وأكثر الفرائض في اليوم والليلة أربع إلى آخر ما ذكرنا.
وأما قوله: بين كل ركعتين تسليم؛ أي تشهد، والتشهد سُمِّي سلامًا لما ذكرنا، أو نقول: كلاهما ثبت من فعله ﵊؛ لكن الكلام في الأفضل والأربع أفضل؛ لأنه أدوم تحريمة وأكثر مشقة، وقد يبدأ النبي ﵊ بما هو غير أفضل تعليمًا للجواز بدليل ثبوت مواظبته ﵊ على الأربع في الضحى برواية ابن مسعود: أكثر مشقة؛ لأنه أشد على النفس فيكون أكثر فضيلة.
قال ﵊: «أفضل الأعمال آخرها» (٢)؛ ولهذا ذكر في الزيادات: لو نذر أن يصلي أربعًا … إلى آخره؛ لا يخرج عنه بتسليمتين؛ لأنه شدد الأمر على نفسه، حيث قال بتسليمة، فلا يخرج عن العهدة بما فيه تخفيف، وعلى القلب يخرج؛ وهو إن نذر أن يصلي أربعًا بتسليمتين فصلى أربعًا بتسليمة يخرج؛ لأنه شدد المخفف على نفسه، فيكون أشق فكان أفضل، وأكد في استجلاب الثواب (٣)؛ قال ﵊: «أجرُكَ على قدرِ تَعَبِكَ» (٤).
أو نقول: لما أتم أربعًا بتسليمة مكان تسليمتين، كان إكمال الشفع الأول بالقعود وسائر الأفعال، والتسليم قطع وخروج وليس بمقصود، فلا يضره تركه.
وقوله: (والتراويح)؛ جواب عن استدلالهما بالتراويح.
стр. 961
فِيهَا جِهَةُ التَّيْسِيرِ، وَمَعْنَى مَا رَوَاهُ شَفْعًا: لَا وِتْرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ فِي القِرَاءَةِ
(القِرَاءَةُ فِي الفَرْضِ وَاجِبَةٌ فِي الرَّكْعَتَيْنِ)
في المبسوط: إنما جعل التراويح ركعتين؛ ليكون أروح على البدن، وما يشترك فيه العامة يبتني على اليسر (١).
وفي الْمُجْتَبى: جعل التخفيف في التراويح لكثرتها، ثم طول القيام أفضل من كثرة الركوع والسجود (٢).
وقال أبو يوسف: إذا كان له ورد من الليل فالأفضل أن يكثر عدد الركعات وإلا فطول القيام أفضل.
وقال محمد: كثرة الركوع والسجود أفضل وإخفاء التطوع أفضل من إبدائه.
قال ﵊: «صلاةُ المرء في بيته أفضل من صلاته في مسجده إلا المكتوبة» (٣).
وقال ﵊: «تطوع الليل في بيته يزيد على تطوُّعِهِ عندَ الناس كفضل الجماعة على صلاته وحده» (٤).
فصل
قوله: (واجبة)؛ أي: لازمة وفريضة؛ إذ الواجب نوعان: قطعي وظني، فالقطعي هو الفرض، وهذا الواجب قطعي في حق العمل. كذا في الخبازية (٥).
стр. 962
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: فِي الرَّكَعَاتِ كُلِّهَا لِقَوْلِهِ ﵊: «لَا صَلَاةَ إِلَّا بِقِرَاءَةِ»، وَكُلُّ رَكْعَةٍ صَلَاةٌ، وَقَالَ مَالِكٌ ﵀: فِي ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ، إِقَامَةً لِلْأَكْثَرِ مَقَامَ الكُلِّ تَيْسِيرًا.
وإنما وصفها بالوجوب؛ لعدم إكفار جاحد ما في الركعتين؛ يعني: من ذوات الأربع من الفرائض، وفيه إشارة إلى أنه لا يتعين الركعتين، ثم مسألة القراءة مخمسة فقال علماؤنا: في الركعتين.
وقال الشافعي ﵁: في الكل (١)، وبه قال مالك (٢) وأحمد (٣) حتى قالوا بفرضية الفاتحة في الكل؛ لكن مالك أقام الأكثر مقام الكل.
وقال أبو بكر الأصم والحسن ابن صالح: القراءة في الصلاة سنة لا ركن؛ لأنها من الأقوال التي يؤتى بها في الصلاة فتكون سنة كسائر الأذكار فإن مبنى الصلاة على الأفعال دون الأقوال؛ ألا ترى العاجز عن الأفعال كلا، والقادر على الأذكار لا يخاطب بالصلاة بخلاف العكس، وبخلاف التكبير الأول فإنه لا يؤتي به في الصلاة (٤).
وروي عن عمر أنه صلى المغرب فلم يقرأ فيها شيئاً، فقيل له، قال: لا بأس به (٥).
وروي أن رجلا قال لعلي: صليت فلم أقرأ؟ قال: أتممت الركوع والسجود؟ قال: نعم، قال: تمت صلاتك، رواهما الشافعي وغيره (٦).
وعن مالك في رواية شاذة: الصلاة صحيحة بلا قراءة.
стр. 963
وَلَنَا: قَوْلُهُ تَعَالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠]
وعن زيد بن ثابت قال: القراءة فيها سنة، رواه البيهقي (١).
وقال الحسن البصري وزفر (٢) والمغيرة من المالكية (٣): هي ركن في ركعة واحدة؛ لأن قوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا﴾ أمر بفعل القراءة في الصلاة بالإجماع، وأنه لا يوجب التكرار ولو صليت بظاهر الأمر بسائر الأركان لقلت بأنه لا يتكرر؛ لأن التكرار يثبت فيه بالإجماع فيبقى الباقي على الأصل (٤)
وقلنا: إلحاق القراءة بسائر الأركان (٥) لا يصح؛ لأن سائر الأذكار حين شرع، شُرِعَ سُنَّة حتى وجبت المخافتة على كل حال، وهاهنا وجب الجهر بالقراءة في أكثر الصلوات؛ بل في الكل في الأصل، وسقط في البعض لعذر فلو كانت سنة لكان يخافت بها؛ لما أن مبنى التطوع على الخفية والكتمان ومبنى الأركان على الشهرة والإعلان.
وقوله: مبنى الصلاة على الأفعال.
قلنا: على الأفعال والأقوال جميعًا؛ لأن الأمر كما ورد بها ورد بالأذكار أيضًا.
وفي الأذكار تعظيم أيضًا كما في الأفعال، وإنما العاجز عن الأفعال والقادر على الأقوال لا يخاطب بها، لا لأن مبناها على الأفعال لا غير؛ بل لأنه عجز عن أركان الصلاة وقدر على ركن، وجانب العجز يرجح للكثرة؛ لأن لها حكم الكل، فصار كأنه عجز عن الكل، مع أن هذا منقوض بتكبير الافتتاح؛ فإنه ذكر في الصلاة، ومع ذلك فرض، ولئن سلم عن النقض؛ فهذا قياس في مقابلة النص، فلا يكون حجة. كذا في جامع الكردري.
وما روي من أثر عمر وغيره؛ ضعيف، غريب مخالف لظاهر الكتاب
стр. 964
وَالأَمْرُ بِالفِعْلِ لَا يَقْتَضِي التَّكْرَارَ، وَإِنَّمَا أَوْجَبْنَا فِي الثَّانِيَةِ اسْتِدْلَالًا بِالْأُولَى، لِأَنَّهُمَا يَتَشَاكَلَانِ مِنْ كُلِّ وَجْهِ، فَأَمَّا الأَخْرَيَانِ فَيُفَارِقَانِهِمَا فِي حَقِّ السُّقُوطِ بِالسَّفَرِ.
والأحاديث المشهورة، مع أنه روي عن عمر اشتراط الفاتحة وضم ثلاث آيات، ومعنى قول زيد: إن القراءة سنة؛ أي: على وفق ما في المصحف، وحروف القراءة سنة متبعة.
وأما قوله: (إن الأمر لا يقتضي التكرار)؛ مسلم، لكن التكرار في الثانية لم يجب بالأمر؛ بل باعتبار أن الركعة الثانية تكرار للأولى، فلا بد أن يتكرر بجميع ما وجد من الأركان في الأولى؛ ليكون تكرارًا، ولهذا يتكرر بالصفة التي وجبت في الأولى، وفي كل ركعة صلاة؛ بدليل أنه لو حلف أن لا يصلي، فصلى ركعة؛ حنث؛ فلا يصح بغير قراءة؛ لظاهر الحديث.
أما فرضية الفاتحة؛ فلما بينا، ولأن الشفع الثاني تكرار للشفع الأول؛ كالركعة الثانية تكرار للأولى، فتكون القراءة فرضًا فيهما كما في الركعة الثانية، إلا أنها لا يجب فيهما على الصفة الأولى؛ إظهارا لنقصان القراءة في الركنية.
ولنا: أن الأمر وهو قوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا﴾ [المزمل: ٢٠] لا يقتضي التكرار؛ لما عرف في الأصول.
فإن قيل: قوله تعالى: ﴿أَرْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧] أمر، ومع هذا يتكرر في كل ركعة.
قلنا: لأنه ﵊ بَيَّنَهما في الركعات كلها، وقال في القراءة: القراءة في الأوليين؛ قراءة في الآخرين، وخَيَّر بين أن يقرأ أو يسبح أو يسكت في الأخيرتين. كذا في الكافي (١)؛ لأنهما؛ أي: الأولى والثانية يتشاكلان من كل وجه.
فإن قيل: الأولى تفترق عن الثانية في تكبيرة الافتتاح والتعوذ والثناء، فكيف يتشابهان من كل وجه؟
стр. 965
وَصِفَةِ القِرَاءَةِ وَقَدْرِهَا، فَلَا يَلْحَقَانِ بِهِمَا، وَالصَّلَاةُ فِيمَا رَوَى مَذْكُورَةٌ تَصْرِيحًا
قلنا: المشابهة والمشاكلة في الكمية والكيفية فيما يرجع إلى نفس الصلاة وأركانها، أما التكبير: فشرط، وهو زائد، والقعود والثناء أيضًا زائدان وليسا من أركان الصلاة، فالافتراق فيهما لا يقدح في ثبوت المماثلة. كذا في الخبازية (١)، وفيه تأمل.
(وصفة القراءة)؛ أي: في حق الجهر والمخافتة. (وقدرها)؛ أي: في ضم السورة كذا في الإيضاح.
فأما الأخريان، وفي بعض النسخ: الأخراوان، وفي ذيل المغرب: هو لحن وإنما الصواب الأخريان؛ وذلك لأن الألف إذا كانت ثالثة ردت إلى أصلها في التثنية نحو عضوان وريحان، وإن كانت رابعة فصاعدا لم تقلب إلا نحو: أعشيان، وأجليان، والأوليان.
(فلا يلحقان)؛ أي: للأخريان بأوليين؛ لحديث علي ﵁ كما روينا، ولأنها ذكر مخافت بها في الشفع الثاني في كل الأحوال بالإجماع، فتكون سنة كسائر الأذكار؛ ولهذا عُينت الفاتحة دون غيرها؛ لأنها ذكر وثناء.
ولهذا قال علماؤنا: ينوي بها الذكر والدعاء دون القراءة. وفي غير الرواية: لو قرأ الفاتحة في الأخريين بنية القراءة، ضم إليها سورة، وهذا لأن القراءة ركن ناقص؛ لأنها تتأدى باللسان، واللسان عضو باطن من وجه، ظاهر من وجه؛ فلكونه باطنا من وجه ينبغي أن لا يتعلق به ركن كالقلب، ولكونه ظاهرًا يتعلق به كسائر الأعضاء الظاهرة؛ فلذلك كانت القراءة ركنا ناقصا.
فلو قلنا بأنها تتكرر بالركنية في الركعات كلها، سوينا بين الناقص والكامل، فأظهرنا ذلك في الشفع الثاني؛ لأنه شرع زيادة على أصل الصلاة، فإنه ذكر في جامع فخر الإسلام أن الصلاة في الأصل كانت ركعتان؛ لما روي
стр. 966
فَتَنْصَرِفُ إِلَى الكَامِلَةِ، وَهِيَ الرَّكْعَتَانِ عُرْفًا، كَمَنْ حَلَفَ لَا يُصَلِّي صَلَاةَ، بِخِلَافِ
أنه ﵊ كان على حراء، وكان وقت الظهر، فأتاه جبريل ﵊ فأمره بالوضوء، فقال ﵊: «أين الماء؟» فمسح جبريل بجناحه الأرض ونبع الماء، فتوضأ، وصلى ركعتين (١)، فصار أولى لصرف النقصان إليه، كما جعل أولى بالإسقاط في حالة السفر.
فإن قيل: قوله ﵊: «لا صلاة إلا بالقراءة» (٢) يتناول الشفع الثاني أيضًا؛ لأن الصلاة مذكورة صريحًا.
قلنا: النص عام، ولا يمكن إجراؤه على العموم؛ لأنه بفحواه يدل على أن كل الصلاة لا تخلو عن القراءة، وأن كل ركن من أركان الصلاة فصار كالمجمل، وقد بين النبي ﵊ في الركعتين فقال: «القراءة في الأوليتين قراءة في الأخريين» (٣)؛ أي: ينوب عنهما كذا في المستصفى (٤)، وفيه نوع تأمل.
وأما قوله: لا صلاة إلا بالقراءة؛ فالمراد منه نفي الفضيلة لا نفي الجواز، فإن الصلاة توجد بدونها من حيث الحقيقة، مع أن القراءة في الأوليين قراءة في الأخريين، ولأنه تشهد.
لنا: لأنه ﵊ ذكر الصلاة مطلقا فلا ينصرف إلى ركعة؛ بل ينصرف إلى الكامل؛ إذ المطلق ينصرف إليه، والكامل منهما ركعتان، بدليل مسألة اليمين، ونحن نقول بقوله.
وأما قوله: إن الشفع الثاني تكرار للأول.
قلنا: لا كذلك؛ بدليل أن الجهر لم يتكرر، ولو كان تكرارًا [١/ ١٤٨].
стр. 967
مَا إِذَا حَلَفَ لَا يُصَلِّي (وَهُوَ مُخَيَّرٌ فِي الأُخْرَيَيْنِ) مَعْنَاهُ: إِنْ شَاءَ سَكَتَ وَإِنْ شَاءَ قَرَأَ وَإِنْ شَاءَ سَبَّحَ، كَذَا رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، … ... … ..
لتكررت القراءة بالصفة التي وجدت في الشفع الأول؛ ألا ترى أن الركعة الثانية تكرار للأولى، تكررت القراءة بالصفة التي وجدت في الأولى، مع أن هذا منقوض بتكبير الافتتاح على مذهبه، فإنه ركن عنده، ومع ذلك لا تستوي فيه الركعات.
وأما إظهار نقصان الركنية في المخافتة مع بقائه ركنا؛ غير مستقيم؛ لأن المخافتة جعلت علمًا على السنة والنافلة لا على نقصان الركن في موضع هذا. حاصل ما ذكر في مبسوط شيخ الإسلام.
وفي الأسرار: أصل أركان الصلاة أفعال لما مر؛ ولهذا سقطت القراءة بالاقتداء إذا خاف فوت الركعة بالإجماع دون غيرها؛ ولذلك كانت الصلاة مشروعة قبل القراءة.
وفي المغرب: وإن شاركت الركعة الثالثة للأوليين في عدم السقوط بالسفر، إلا أنا تركنا القراءة فيها بفعل عمر.
لا يصلي صلاة فإنه ينصرف إلى الركعتين فلا يحنث بركعة؛ لأن المصدر متى ذكر صريحًا ينصرف إلى الكامل بخلاف قوله: لا يصلي، حنث يحنث بركعة واحدة؛ لأن المصدر غير مذكور صريحًا فكان ثابتًا ضرورة صحة قوله: لا يصلي، وهي تندفع بركعة واحدة.
قوله: (إن شاء سكت)؛ أي: مقدار تسبيحة. وقيل: بقدر ما ينطلق عليه اسم القيام، ولو أطال السكوت فهو أفضل، وعن علي وابن مسعود ﵄ قالا: لا يقرأ في الأخيرتين شيئًا.
(قرأ)؛ أي: الفاتحة على جهة الثناء كما بينا.
(وإن شاء سبح)؛ أي: ثلاث تسبيحات، كذا في المحيط (١) والتحفة (٢).
стр. 968
وَهُوَ المَأْثُورُ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَعَائِشَةَ ﵃، إِلَّا أَنَّ الْأَفْضَلَ أَنْ يَقْرَأَ، لِأَنَّهُ ﵊ دَاوَمَ عَلَى ذَلِكَ، وَلِهَذَا لَا يَجِبُ السَّهْوُ بِتَرْكِهَا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ.
(وهو)؛ أي: التسبيح. (هو المأثور)؛ أي: المروي.
وفي المبسوط: سأل رجل عن عائشة ﵂ عن قراءة الفاتحة في الأخريين فقالت: اقرأ وليكن على جهة الثناء (١).
وقوله: (إلا أن الأفضل): استثناء من قوله: مخير، وكأنه أراد به نفي رواية الحسن عن أبي حنيفة ﵁؛ أن القراءة تجب فيهما حتى لو لم يقرأ، أو لم يسبح كان مسيئًا إن كان عمدًا، وإن كان ساهيًا فعليه السهو؛ لظاهر قول عائشة ﵄. ولأن القيام في الأخريين مقصود فيكره إخلاؤه عن الذكر والقراءة جميعًا، كما في حال الركوع والسجود.
والأصح: أن تركها لا يوجب الكراهية ولا السهو؛ لأن الأصل في القيام القراءة، فإذا سقطت القراءة فيهما بقي القيام المطلق، فيكون كقيام المؤتم، بخلاف الركوع والسجود؛ لأن القراءة فيهما غير مشروعة؛ بل المشروع فيهما الذكر لا يجوز إخلاؤهما عن الذكر. كذا في المحيط (٢).
وذكر الولوالجي في التعليل الأفضلية بقوله: ليكون مؤديا الصلاة الجائزة بيقين، وعلل في الكتاب بقوله؛ لأنه ﵊ داوم على ذلك (٣)، فهذا يدل على أنها سنة كذا ذكره في المحيط، فعلى هذا ينبغي أن يكره تركها (٤).
وقوله: (ولهذا لا يجب السهو بتركها)؛ لا يدل على الأفضلية لجواز أن تكون سنة لا يجب تركها السهو.
стр. 969
(وَالقِرَاءَةُ وَاجِبَةٌ فِي جَمِيعِ رَكَعَاتِ النَّفْلِ وَفِي جَمِيعِ الوِتْرِ) أَمَّا النَّفَلُ فَلِأَنَّ كُلَّ شَفْعِ مِنْهُ صَلَاةٌ عَلَى حِدَةٍ، وَالقِيَامُ إِلَى الثَّالِثَةِ كَتَحْرِيمَةٍ مُبْتَدَأَةٍ، وَلِهَذَا لَا يَجِبُ بِالتَّحْرِيمَةِ الأُولَى إِلَّا رَكْعَتَانِ فِي المَشْهُورِ عَنْ أَصْحَابِنَا ﵏، … ...
وفي الْمُجْتَبى: والأصح عدم وجوب السهو بتركها؛ لأن الأخبار قد تعارضت ففي بعضها يتخير بين القراءة والتسبيح أو السكوت (١)، وفي بعضها أنه ﵊ داوم على قراءة الفاتحة فيهما؛ ولهذا قال شيخ الإسلام ﵀: والصحيح أن يقرأ الفاتحة فيهما على وجه الثناء والذكر (٢).
وقال أبو بكر الرازي: قال علماؤنا: ينوي بها الذكر والدعاء (٣)، فعلى هذا لا يكون تركها مكروها.
قوله: (صلاة على حدة)؛ بدليل أن فساد الشفع الثاني لا يوجب فساد الشفع الأول، وقد قال ﵊: «لا صَلاة إلَّا بالقراءة» (٤).
وقوله: (ولهذا) توضيح، ولقوله: (إن كل شفع صلاة على حدة).
وقوله: (في المشهور): احتراز عن قول أبي يوسف الأول، فإنه ذكر في مبسوط شيخ الإسلام: لو افتتح النفل أربعًا، ثم تكلم على رأس الركعتين بعد ما قعد قدر التشهد؛ لا يلزمه شيء عندهما، وهو قول أبي يوسف الآخر (٥).
وقال أولا: يلزمه أربع ركعات؛ لأن نية الأربع قارن سبب الوجوب وهو الشروع فيلزمه الأربع قياسًا على النذر، ولكنا نقول: إن النية في حق الشفع الثاني لم يقارن سبب الوجوب؛ لأن الشروع فيه لم يوجد وهو ملزم فبقي مجرد النية، ومجرد النية لا يؤثر في الإيجاب، كما لو نوى أن يصلي ولم يشرع لا يلزمه شيء بخلاف النذر فإن نية الأربع قارنت سبب الوجوب من حيث اللفظ؛
стр. 970
وَلِهَذَا قَالُوا: يُسْتَفْتَحُ فِي الثَّالِثَةِ،
لأن اسم الصلاة كما يتناول اسم الركعتين يتناول الأربع، فإذا نواه فقد نوى ما يحتمله اللفظ فيصح، فعلم أن قوله: في المشهور فيما إذا نوى أربعًا؛ ليصح التقييد بالمشهور.
أما لو شرع في النفل بمطلق النية؛ لا يلزمه أكثر من ركعتين باتفاق الروايات. ذكره في المحيط (١).
قوله: (ولهذا يستفتح)؛ أي: يقرأ سبحانك اللهم توضيح لقوله.
والقيام إلى الثالثة كتحريمة مبتدأة.
وفي الْمُجْتَبى: في الأربع قبل الظهر والجمعة، وبعدها لا يصلي على النبي ﵊، ولا يستفتح إذا قام إلى الثالثة، بخلاف سائر ذوات الأربع من النوافل (٢).
فإن قيل: يشكل على هذا كله قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، والشافعي، وأحمد؛ فإنهم يجوزون ترك القعدة الأولى من الشفع الأول في التطوعات، وكذا في الست والثماني في الصحيح يجوز ترك القعدة، فلو كان كل شفع صلاة على حدة؛ ينبغي أن لا يجوز تركها؛ لأنها الأخيرة، كما في الفرائض كما في الفجر وظهر المسافر.
قلنا: القياس أن تفسد، وهو قول زفر ورواية عن محمد.
وفي الاستحسان: لا تفسد، ويجب سجدتا السهو بتركها ساهيًا؛ لما أن التطوع كما شرع ركعتين شرع أربعا أيضاً، فإذا ترك القعدة وقام إلى الشفع الثاني، أمكننا أن نجعل الكل صلاة واحدة، وفي الصلاة الصلاة الواحدة من ذوات الأربع لا تفترض إلا القعدة الأخيرة، وهي قعدة الختم والتحلل، كما في الظهر بخلاف صلاة الفجر؛ لأنها شرعت ركعتين لا غير، وبضم الشفع الثاني
стр. 971
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لا يصير الكل صلاة واحدة، وهذا الفقه وهو أن القعدة الثانية ليست من جملة الأركان على ما مر، ولكنها فرضت للختم؛ لأن ختم المفروض فرض؛ ولذا لم تكن القعدة الأولى فرضا؛ لأنها ليست بحالة الختم، فإذا قام إلى الثالثة هاهنا؛ صارت الصلاة من ذوات الأربع، فلم تكن القعدة الأولى حالة الختم فلم يبق فرضا كما في الفرض.
فإن قيل: ينبغي أن يكون في حق القراءة كذلك؟
قلنا: إنما اعتبر في حق القراءة كصلاتين؛ لأن القراءة ركن مقصود في الصلاة شرعت لعينها، بدليل أنها شرعت في الركعة الأولى كسائر الأركان، أما القعدة فما شرعت مقصودة، بل شرعت للتحلل أو للفصل بين الشفعين، إلا أن ما يجب للتحلل يفترض، وما شرع للفصل يكون واجبا، فإذا صارت الصلاة أربعا سقطت الفرضية.
فإن قيل: لو صار بالقيام إلى الشفع الثاني كصلاة واحدة كالظهر؛ لما أمر بالعود كما في الظهر.
قلنا: يشابهه من وجه حتى قلنا: إن الفساد في آخره يسري إلى الأول متى ترك القعدة، ويفارقه من وجه، حتى إن القراءة تجب في الشفع الثاني، فكان هذا مشابها للفجر أيضا؛ فلشبهه به يعود إليها ما لم يقيد بالسجدة، ولشبهه بالظهر لا يؤمر بالعود إذا قيد الثالثة بالسجدة، ولم يفسد توفيرا للشبهتين كذا في مبسوط شيخ الإسلام والمحيط (١).
وفي الْمُجْتَبى (٢): يقرأ في كل ركعة من النفل الفاتحة وسورة أو ثلاث آيات أو الآية الطويلة، ولو جمع بين السورتين أو السورة في ركعة لا يكره؛ لأنه ﵊ أوتر بتسع من المفصلة (٣).
стр. 972
وَأَمَّا الوِتْرُ فَلِلِاحْتِيَاطِ.
وقال أبو اليسر: يكره تكرار السورة والآية منها أو في الركعتين، وتطويل الثانية على الأولى يجوز في النوافل لا في الفرائض إلا إذا قرأ في المغرب في الأولى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ سهوا يكررها في الثانية كما فعل أبو حنيفة ﵀ (١).
وقال الطحاوي: يبتدئ من البقرة.
قوله: (فَلِلِاحْتِيَاطِ)؛ إذ الوتر سنة اعتقادًا. كذا في جامع البرهاني (٢).
وفي الكافي: لأنها سنة عندهما فتجب القراءة في الكل نظرا إليه، وبالنظر إلى مذهب أبي حنيفة لا يجب، فيجب احتياطا.
وفي الخبازية: شبهه كون الوتر سنة ثابتة لاختلاف الأحاديث، فإنه روي أنه ﵊ قال: «ثلاث كُتبت علي وهنَّ لَكُمْ سنة: الوِتْرُ، والضُّحَى، والأضحَى» (٣) وترك القراءة في ركعة من السنة يفسدها.
وقال الشافعي ﵀: لا قضاء عليه؛ لكن يستحب إتمامها (٤)، وبه قال أحمد (٥)، وكذا في صوم التطوع.
وقال مالك ﵀: يلزمه إتمامها، ولو خرج من الصوم بعذر كالسفر؛ لم يلزمه القضاء في إحدى الروايتين عنه (٦)، وبه قال أبو ثور (٧).
ولو خرج بغير عذر يجب القضاء في رواية عنه (٨)، وعندنا يلزمه إتمامها
стр. 973
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقضاؤها بالخروج، وهو قول أبي بكر الصديق ﵁ وابن عباس ومالك وآخرين.
وفي الكافي: صورة المسألة فيما لو شرع قصدًا، أما لو شرع ضمنًا؛ لا يلزمه القضاء عندنا خلافًا لزفر كصلاة المظنون (١).
وكما لو شرع في الصوم بنية القضاء ثم علم أنه ليس عليه شيء؛ يتم صومه تطوعًا، ولو أفطر؛ لا يلزمه القضاء عندنا، خلافًا لزفر. كذا في المبسوط (٢).
والسلف أوردوا هذه المسألة في كتاب الصوم اتباعًا للآثار، ولأنها وردت في الصوم، لكن القدوري لما علم أن الحكم فيهما واحد أوردها ههنا.
احتج الشافعي بقوله تعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١] والمتنفل محسن.
وبما روي أنه ﵊ قال: «الصَّائم المتطوع أمير نفسه» (٣)، وبما روي أنه ﵊ أتي بإناء من لبن، فشرب، وناول أم هانئ فشربت، ثم قالت: يا رسول الله؛ والله إني كنت صائمة، لكن كرهت أن أرد سؤرك، فقال ﵊: «أَمِن قضاء كنت تقضين؟» قالت: لا، فقال ﵊: «إن شئت قضيته وإن شئتَ لا» (٤).
ولأن المتنفل متبرع بما ليس عليه؛ فلا يلزمه.
(بما لم يتبرع)؛ أي: الذي لم يتبرع فيه، لكنه مخير في آخره كما كان في أوله، وكمن شرع في تطوع ينوي أربعًا، فصلى ركعتين، كان مخيرًا في الشفع الثاني.
ولنا قوله تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾ [الحديد: ٢٧] فالله تعالى أخبر أن أهل
стр. 974
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الكتاب ابتدعوها رهبانية ولم تكتب عليهم، ثم لم يرعوها حق رعايتها ففسقوا، والرهبانية هي: الاعتزال عن الناس للعبادة أبدا، فلولا أنها كانت سبب التزام لما ابتدعوا ما سبقوا بالترك، وشريعة من قبلنا تلزمنا ما لم يظهر نسخها، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَلَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] فإذا حرم الإبطال لزم الإتمام، فإذا لزم الإتمام يجب القضاء بعد الإتمام.
وما روي عن عائشة ﵂ أنها قالت: أصبحت أنا وحفصة صَائِمَتَيْنِ مُتَطَوِّعَتَيْنِ، فَأُهِدَي لَنَا حيس، فأكلنا، فدخل النبي ﵊، فابتدرنا لنسأله، فبدرتني حفصة وكانت ابنة أبيها سباقة إلى الخيرات، فقال ﵊: «اقضيا يوما مكانه» (١)، فإن كان هذا بعد حديث أم هانئ كان ناسخا، وإن كان قبله تبين به أن المراد من قوله: «إن شئت قضيته وإن شئت لا» (٢) تأخير القضاء وتعجيله، أو تبين أنه ﵊ خص أم هانئ ﵂ بإسقاط القضاء لقصدها إلى التبرك بسؤره ﵊، وكأنها غفلت عن صومها؛ لفرط قصدها إلى التبرك.
كما أن أبا طيبة لما حجم رسول الله ﷺ شرب دمه ﵊، فقال له ﵊: «حرَّمَ اللهُ جسدك على النَّارِ» (٣)، وشرب الدم لا يوجب هذا، ولكنه لفرط المحبة غفل عن الحرمة، فأكرمه النبي ﵊ بذلك، وحديث سؤال أعرابي عن أركان الدين، فبين ﵊ له الإيمان والصلاة وغيرهما، فقال: هل علي غيرهن؟ قال: «لا إلا أن تَطَّوَّعَ» (٤) فاستثنى التطوع عن النفي وكان إيجابًا.
стр. 975
قَالَ: (وَمَنْ شَرَعَ فِي نَافِلَةٍ ثُمَّ أَفْسَدَهَا قَضَاهَا) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ مُتَبَرِّعٌ فِيهِ، وَلَا لُزُومَ عَلَى المُتَبَرِّعِ. وَلَنَا: أَنَّ المُؤَدَّى وَقَعَ قُرْبَةً فَيَلْزَمُ
فإن قيل: معناه إلا أن تفعل ما ليس عليك.
قلنا: نعم، لكن إذا فعل ما ليس عليه يصير عليه حفظه لحكم الاستثناء، ولأن القدر المشروع فيه عمل على سبيل القربة؛ فيحرم عليه إبطاله، وبالخروج عما بقي يبطل ما مضي؛ لأنه مما لا يتحرى، فيحرم بهذا حتى إذا كان لا يبطل لا يحرم، وما ذكر من الشروع في التطوع بنية الأربع يصلي ركعتين من قبيل ذلك؛ فلذلك لا يحرم.
فإن قيل: العبادة لا تتم قربة إلا بآخرها؛ لأنها لا تتجزأ، ولما توقف الجزء الأول على الآخر ليصير قربة لم يحرم إبطال ما صنع؛ لأنه لا يتم قربة كالذي أخرج المال للصدقة، وقال للفقير: تصدقت به عليك؛ لم يلزمه التسليم، وإن كان ما وجد من جملة القرب.
قلنا: إذا شرع في الصوم أو الصلاة فهو متقرب إلى الله تعالى بفعل الصوم أو الصلاة، والفعل حاصل، وهو الركن أو القيام إلى الصلاة، وإنما عدم ما يسمى صومًا أو صلاة.
فأما الصدقة: فإنها شرعت قربة؛ لما فيه من صلة الفقير وإغنائه، ومن هذا الوجه لم يثبت منه شيء قبل التسليم، وإنما يثبت [إذا] (١) سلم.
وأما قوله: (فإنه متبرع): فلا يلزمه ما لم يتبرع به، فإنا لا نقول إن تبرعه بما ليس عليه يلزمه ما لم يتبرع به، ولكن وجب عليه حفظ المؤدى؛ لكونه قربة، فإن التحرز عن إبطال العمل واجب بالنص، ولأنا لو أبحنا له الترك وخيرناه؛ بطل ما مضى باعتبار، فرجحنا جانب العبادة على جانب المباح من الفعل، وهو أصل في الشرع؛ ألا ترى أن الرجل إذا كان في الصلاة في جانب منها مقيما، وفي جانب مسافرًا؛ تلزمه صلاة الإقامة، وإن قصد الترخص بالقصر؛ فيرجح الموجب على المسقط، فكذلك هاهنا، على أنا لا نقول ما بقي
стр. 976
الإِثْمَامُ ضَرُورَةَ صِيَانَتِهِ عَنِ البُطْلَانِ
من الفعل صار واجبًا في نفسه، بل نفليته باقية كما كانت.
ولهذا قال أبو حنيفة ﵀: لو شرع في النفل قائما؛ كان له أن يتمه قاعدًا بلا عذر كابتداء الشروع فيه؛ لأنه في نفسه نفل وليس بواجب، وإنا نأمر بالفعل لحق ما مضى حتى لا يبطل؛ لأنه تعالى نهى عن إبطال القرب، كما أمر بالوفاء بالنذر والعهود، فوجب الاحتراز عن إبطالها، كما وجب الائتمار بوفاء النذور بالإجماع. هذا حاصل ما ذكر في الأسرار والمبسوط (١).
قال شيخ شيخي -رحمهما الله -: لما وجب الفعل بالنذر بالإجماع لأن يجب بالشروع بالطريق الأولى، وبيانه من وجوه:
أحدها: أن الوجوب المستفاد من النذر مستفاد من الأمر بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] وبقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠] ووجوب صيانة المؤدى مستفاد من النهي بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] وما يثبت من الوجوب بالنهي أكد من الوجوب الثابت بالأمر، وإليه أشار النبي ﵊: «لَتَرْكَ ذَرَّةٍ مما نهى الله تعالى خَيْرٌ من عبادة الثقلين» (٢).
وقد صرح التمرتاشي في جامعه: ولو كان على بدن المصلي نجاسة لا يمكنه غسلها إلا بإظهار عورته يصلي معها؛ لأن إظهار العورة منهي والغسل مأمور به، والأمر والنهي إذا اجتمعا كان النهي أولى (٣).
والثاني: أن صيانة الفعل أولى من صيانة التسمية التي هي القول؛ لأن فضيلة العبادة تزيد بزيادة المشقة، وهي في الفعل أكثر؛ ولهذا كان بناء الصلاة
стр. 977
(وَإِنْ صَلَّى أَرْبَعًا وَقَرَأَ فِي الأُولَيَيْنِ وَقَعَدَ ثُمَّ أَفْسَدَ الْأُخْرَيَيْنِ قَضَى رَكْعَتَيْنِ) لِأَنَّ الشَّفْعَ الأَوَّلَ قَدْ تَمَّ، وَالقِيَامَ إِلَى الثَّالِثَةِ بِمَنْزِلَةِ تَحْرِيمَةٍ مُبْتَدَأَةٍ فَيَكُونُ مُلْزَمًا، هَذَا
على الأفعال أكثر وأرسخ من بنائها على الأقوال لما عرف.
والثالث: أن البقاء أسهل من الابتداء، فلما وجب ابتداء الفعل مع قوته لصيانة القول في النذر، لأنف يجب بقاء الفعل مع ضعفه وسهولته لصيانة ابتداء الفعل أولى.
وفي الْمُجْتَبى: وحديث الشافعي ﵁ «أن الصائم المتطوع أمير نفسه» (١) محمول على ما قبل الشروع، وكذا على هذا تحمل الآية (٢).
وفي الصغرى: لو أفسد الصوم النفل في الحال لا يلزمه القضاء، أما لو اختار المضي ثم أفسده؛ عليه القضاء (٣).
قلت: وهكذا في الصلاة ولو شرعت في النفل ثم حاضت وجب القضاء.
قوله: (وإن صلى أربعًا)؛ أي: افتتح وشرع بنية الأربع، فإنها لو كانت على حقيقتها لا يتصور إفساد الأخريين بعد إتمامها، فذكر المسبب وأراد السبب.
وقيد بقوله: (وقعد ثم أفسد)؛ لأنه لو لم يقعد وأفسد الأخريين؛ يلزمه قضاء الأربع بالإجماع؛ اعتبارًا للشروع بالنذر؛ لأن نيته عند الشروع كتسميته بالنذر؛ فيلزمه ما نوى.
وفي المبسوط: افتتح التطوع ينوي أربعًا، ثم تكلم، قضى ركعتين عندهما، وعن أبي يوسف ثلاث روايات في رواية ابن سماعه؛ يلزمه الأربع دون الزيادة وإن نواها؛ لأن التطوع نظير الفرائض، وفي الفرائض أربع بتسليمة واحدة (٤).
وفي رواية بشر عنه: يلزمه ما نوى وإن نوى مائة ركعة؛ لأن نيته عند الشروع كتسميته بالنذر، وعنه في الأربع قبل الظهر والجمعة يلزمه الأربع، وفي
стр. 978
إِذَا أَفْسَدَ الأُخْرَيَيْنِ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهِمَا، وَلَوْ أَفْسَدَ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الشَّفْعِ الثَّانِي لَا يَقْضِي الْأُخْرَيَيْنِ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: أَنَّهُ يَقْضِي اعْتِبَارًا لِلشُّرُوعِ بِالنَّذْرِ. وَلَهُمَا: أَنَّ الشُّرُوعَ يَلْزَمُ مَا شُرِعَ فِيهِ (*)، وَمَا لَا صِحَّةَ لَهُ إِلَّا بِهِ، وَصِحَّةُ الشَّفْعِ الأَوَّلِ لَا تَتَعَلَّقُ بِالثَّانِي، بِخِلَافِ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ، وَعَلَى هَذَا سُنَّةُ الظَّهْرِ لِأَنَّهَا نَافِلَةٌ، وَقِيلَ:
غيرهما ركعتان (١).
وفي الْمُجْتَبَى: والصحيح أنه رجع إلى قولهما (٢)، واتفقوا أن بمطلق النية لا يلزمه أكثر من ركعتين، وكل ركعتين أفسدهما قضاهما دون ما قبلهما ولو ترك القعدة عند الثانية يفسد قياسًا، وبه أخذ محمد وزفر (٣).
وفي الاستحسان: لا يفسد اعتبارًا بالفرض، وبه أخد أبو حنيفة وأبو يوسف -رحمهما الله-.
ولو ترك عند الرابعة أو السادسة اختلف في قولهما.
قوله: (يلزم ما شرع فيه)؛ أي: إتمام ما شرع فيه؛ وهي الركعة الأولى.
(وما لا صحة له إلا به)؛ يعني: لا صحة للركعة الأولى بدون الثانية فيلزمه. (وصحة الشفع الأول لا تتعلق بالشفع الثاني)؛ لأنه منفك عنه في التطوع؛ ولهذا لو دخلت المرأة على زوجها وهو في الشفع الأول، فانتقل إلى الشفع الثاني، ثم خرجت فطلقها؛ يجب كمال المهر لصحة الخلوة، وتبطل الشفعة أيضًا إذا أخبر في الشفع الأول فانتقل إليه.
أما في الفريضة وسنة الظهر لا تصح الخلوة، ولا تبطل الشفعة. كذا في الكافي (٤).
(وعلى هذا)؛ أي: على هذا الخلاف سنة الظهر.
стр. 979
يَقْضِي أَرْبَعًا احْتِيَاطًا، لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ.
(وَإِنْ صَلَّى أَرْبَعًا وَلَمْ يَقْرَأْ فِيهِنَّ شَيْئًا أَعَادَ رَكْعَتَيْنِ وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ: يَقْضِي أَرْبَعًا) (*)، وَهَذِهِ المَسْأَلَةُ عَلَى ثَمَانِيَةِ أَوْجُهِ: وَالأَصْلُ فِيهَا، أَنَّ عِنْدَ مُحَمَّدٍ تَظَلَّهُ تَرْكَ القِرَاءَةِ فِي الأُولَيَيْنِ أَوْ فِي إِحْدَاهُمَا يُوجِبُ بُطْلَانَ التَّحْرِيمَةِ، لِأَنَّهَا تُعْقَدُ لِلْأَفْعَالِ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀: اللهُ تَرْكُ القِرَاءَةِ
وقيل: يقضي أربعًا احتياطا (١).
في المبسوط: اختار بعض المتأخرين من أصحابنا قول أبي يوسف الله فيما يؤدي من الأربع بتسليمة، كالأربع قبل الظهر ونحوها (٢).
وقال الفضيلي له: يقضي أربعًا في أي حال قطعها؛ لأنها بمنزلة صلاة على حدة، حتى إن الزوج إذا خير امرأته وهي في الشفع الأول من هذه الصلاة، أو أخبرت بشفعة لها، فأتمت أربعًا؛ لا تبطل خيارها ولا شفعتها، بخلاف سائر التطوعات كذا في جامع قاضي خان (٣).
قوله: (والأصل فيها)؛ أي: في مسألة الثمانية.
(بطلان التحريمة)؛ أي: في حق الشفع الثاني.
(لأنها) أي: التحريمة. (تعقد للأفعال) والأفعال قد فسدت بالإجماع، ومع صفة الفساد للأفعال لا بقاء للتحريمة.
وفي مبسوط شيخ الإسلام: إذا فسد الأداء بحيث لا يمكن إصلاحه تنقطع التحريمة كالمبيع إذا هلك قبل القبض انفسخ العقد؛ لأنه فات المعقود عليه بحيث لا يرجى وجوده، فكذلك هاهنا التحريمة شرعت للأداء، فإذا فسد فقد فات المعقود عليه بحيث لا يرجى وجوده فتنقطع التحريمة (٤).
стр. 980
فِي الشَّفْعِ الأَوَّلِ لَا يُوجِبُ بُطْلَانَ التَّحْرِيمَةِ، وَإِنَّمَا يُوجِبُ فَسَادَ الأَدَاءِ، لِأَنَّ القِرَاءَةَ رُكْنُ زَائِدٌ، أَلَا تَرَى أَنَّ للصَّلَاةَ وُجُودًا بِدُونِهَا غَيْرَ أَنَّهُ لَا صِحَّةَ لِلْأَدَاءِ إِلَّا بِهَا، وَفَسَادُ الأَدَاءِ لَا يَزِيدُ عَلَى تَرْكِهِ فَلَا يُبْطِلُ التَّحْرِيمَةَ.
وفي مبسوط فخر الإسلام ﵀: لما فسدت الأفعال صارت بمنزلة أفعال ليست هي من الصلاة، ومن فعل في صلاته أفعالا ليست منها تبطل بها التحريمة كالتكلم والحدث العمد كذا هاهنا (١).
فإن قيل: الوضوء لأجل الصلاة وببطلانها لا يبطل الوضوء.
قلنا: التحريمة لأجل ترتيب الأفعال عليها بدون اختياره، سواء اختار الدخول أو لا يكون داخلا، أما الوضوء لأجل إباحة الصلاة؛ ولهذا يؤجل الصلاة بعده باختياره، فيكون فساد الأفعال مبطلا لها لا في الوضوء. كذا في الكافي.
(بدونها)؛ أي: بدون القراءة كما في حق المقتدي، والأمي، والأخرس، فكانت ركنا زائدًا، فإن بناء الصلاة على الأفعال دون القراءة؛ ألا ترى أن من قدر عليها دون القراءة؛ تجب الصلاة، وفي العكس؛ لا يجب إلا بها؛ أي: بالقراءة، يعني: في حق القارئ.
(لا يزيد على تركه)؛ أي: على ترك الأداء، فإن من يُحرم ولم يشتغل بأركان الصلاة حالة كونه منفردًا، أو خلف الإمام، أو سبقه الحدث، فذهب ليتوضأ؛ لا تفسد تحريمته بالاتفاق، وترك الأداء لا يوجب فساد التحريمة؛ ففساده بالطريق الأولى؛ لأن بالفساد ينعدم الجواز، وبالترك تنعدم الصلاة.
فإن قيل: ما ذكرتم تأخير لا ترك.
قلنا: ترك قبل الاشتغال بالأداء، وإنما يعرف كونه تأخيرا إذا اشتغل بالأداء. كذا عن الكردري (٢)، بخلاف الكلام والحدث العمد فإنهما من محظورات التحريمة، وارتكاب المحظور يقطع التحريمة؛ لأنه يمنع انعقادها في
стр. 981
وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀: تَرْكُ القِرَاءَةِ فِي الأُولَيَيْنِ يُوجِبُ بُطْلَانَ التَّحْرِيمَةِ، وَفِي إِحْدَاهُمَا لَا يُوجِبُ، لِأَنَّ كُلَّ شَفْعِ مِنْ التَّطَوُّعِ صَلَاةٌ عَلَى حِدَةٍ، وَفَسَادُهَا بِتَرْكِ القِرَاءَةِ فِي رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ مُجْتَهَدٌ فِيهِ،
الابتداء فيجوز أن يقطعها بعد الصحة. كذا في مبسوط شيخ الإسلام (١).
والفقه فيه: أن التحريمة شرط الأداء عندنا كما مرّ، وبفساد الأداء لا يفسد الشرط، كالوضوء؛ لا يفسد بفساد الصلاة. إليه أشير في المحيط (٢).
قوله: (مجتهد فيه): فإن عند الحسن البصري لا يجب القراءة إلا في الركعة الأولى كما مر.
فإن قيل: ترك القراءة في الكل مجتهد فيه أيضًا، فإن عند أبي بكر الأصم والحسن ابن الصالح القراءة فيها غير واجبة كما مر، فعلى هذا ينبغي أن لا تفسد التحريمة عند ترك القراءة في الشفع الأول؛ لأنه مجتهد فيه أيضًا.
قلنا: ذاك خلاف لا اختلاف؛ لأن قوله مخالف للدليل القطعي؛ وهو قوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا﴾ فلم يعتبر قوله؛ لما أن القضاء في المجتهد فيه إنما يأخذ حكم الصحة إذا كان قول من يخالف لا يخالف الدليل القطعي من الكتاب والسنة.
وفيه تأمل؛ لأن قوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا﴾ غير قطعي عند الأصم في الصلاة؛ لجواز أن يكون أمر ندب أو خارج الصلاة.
قوله: (احتياطا)؛ في المحيط: أن أبا حنيفة عمل بالاحتياط؛ حيث قال: إن الأمر بفعل القراءة لا يقتضي التكرار كما قاله الحسن، لكن أوجبناها في الثانية احتياطا؛ لأنها تكرار الأولى على ما مرَّ، والاحتياط هاهنا في أن لا تجعل القراءة فرضًا في الثانية في حق بقاء التحريمة، حتى حكم بصحة الشروع في الشفع الثاني، فيجب عليه إتمامه، ولا يحكم بصحة الأداء احتياطا أيضًا،
стр. 982
فَقَضَيْنَا بِالفَسَادِ فِي حَقِّ وُجُوبِ القَضَاءِ، وَحَكَمْنَا بِبَقَاءِ التَّحْرِيمَةِ فِي حَقِّ لُزُومِ الشَّفْعِ الثَّانِي احْتِيَاطًا، إِذَا ثَبَتَ هَذَا نَقُولُ: إِذَا لَمْ يَقْرَأْ فِي الكُلِّ قَضَى رَكْعَتَيْنِ عِنْدَهُمَا، لِأَنَّ التَّحْرِيمَةَ قَدْ بَطَلَتْ بِتَرْكِ القِرَاءَةِ فِي الشَّفْعِ الأَوَّلِ عِنْدَهُمَا، فَلَمْ يَصِحَ الشُّرُوعُ فِي الشَّفْعِ الثَّانِي، وَبَقِيَتْ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀، فَصَحَ الشُّرُوعُ فِي الشَّفْعِ الثَّانِي، ثُمَّ إِذَا فَسَدَ الكُلُّ بِتَرْكِ القِرَاءَةِ فِيهِ فَعَلَيْهِ قَضَاءُ الأَرْبَعِ عِنْدَهُ.
(وَلَوْ قَرَأَ فِي الأُولَيَيْنِ لَا غَيْرُ: فَعَلَيْهِ قَضَاءُ الأُخْرَيَيْنِ بِالإِجْمَاعِ) لِأَنَّ التَّحْرِيمَةَ لَمْ تَبْطُلْ فَصَحَ الشُّرُوعُ فِي الشَّفْعِ الثَّانِي، ثُمَّ فَسَادُهُ بِتَرْكِ القِرَاءَةِ لَا يُوجِبُ فَسَادَ الشَّفْعِ الأَوَّلِ وَلَوْ قَرَأَ فِي الأَخْرَيَيْنِ لَا غَيْرُ فَعَلَيْهِ قَضَاءُ الأُولَيَيْنِ بِالإِجْمَاعِ لِأَنَّ عِنْدَهُمَا لَمْ يَصِحَ الشُّرُوعُ فِي الشَّفْعِ الثَّانِي. وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَهُ: إِنْ صَحَ فَقَدْ أَدَّاهَا وَلَوْ قَرَأَ فِي الأُولَيَيْنِ وَإِحْدَى الأُخْرَيَيْنِ فَعَلَيْهِ قَضَاءُ الأُخْرَيَيْنِ بِالإِجْمَاعِ، وَلَوْ قَرَأَ فِي الأَخْرَيَيْنِ وَإِحْدَى الأُولَيَيْنِ فَعَلَيْهِ قَضَاءُ الأُولَيَيْنِ بِالإِجْمَاعِ، وَلَوْ قَرَأَ فِي إِحْدَى الأُولَيَيْنِ وَإِحْدَى الْأُخْرَيَيْنِ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ عَلَيْهِ قَضَاءُ الأَرْبَع، وَكَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّ التَّحْرِيمَةَ بَاقِيَةٌ. وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀: عَلَيْهِ قَضَاءُ الأُولَيَيْنِ (*)، لِأَنَّ التَّحْرِيمَةَ قَدْ ارْتَفَعَتْ عِنْدَهُ.
فأخذ في كل حكم بالاحتياط (١). إليه أشار المصنف بقوله: (فقضينا بالفساد) إلى قوله: (احتياطا).
وفي مبسوط شيخ الإسلام ﵀: ما قاله أبو حنيفة عدل حيث أوجب الفساد بفساد الأداء ولم ترفع التحريمة؛ لأنه لم يوجد ما يقطعها فعليه قضاء الأخريين بالإجماع؛ لبقاء التحريمة وصحة الشروع في الشفع الثاني، وهذا إذا قعد بينهما فإن لم يقعد يقضي أربعًا؛ لأن عندهما لم يصح الشروع في الثاني والأخريان لا يكونان قضاء عن الأولين؛ لأن بنائهما على تلك التحريمة والتحريمة الواحدة لا يتسع فيها الأداء والقضاء. كذا في المبسوط (٢).
стр. 983
وَقَدْ أَنْكَرَ أَبُو يُوسُفَ ﵀ هَذِهِ الرِّوَايَةَ عَنْهُ، وَقَالَ: رَوَيْتُ لَكَ عَنْ أَبِي
قوله: (وأنكر أبو يوسف هذه الرواية)؛ أي: قضاء الأربع عند أبي حنيفة.
في المبسوط: جرت محاورة بين أبي يوسف ومحمد رحمهما الله في مذهبه، حين عرض عليه الجامع الصغير، فقال أبو يوسف: رويت لكم عن أبي حنيفة قضاء ركعتين، وقال محمد: بل رويت لي قضاء الأربع (١).
وقيل: ما حفظ عن أبي يوسف قياس مذهبه؛ لأن التحريمة ضعفت بالفساد بترك القراءة في ركعة فلا يلزمه الشفع الثاني بالشروع فيه لهذه التحريمة، والاستحسان ما حفظه محمد؛ لأن الشروع وإن حصل بصفة الفساد فقد أكده بوجود القراءة في ركعة، فصار ذلك ملزما إياه لتأكده (٢).
والدليل على أن التأكيد يحصل بالقراءة في ركعة قوله ﵊: («لا صلاة إلا بالقراءة») (٣)، وبالقراءة في ركعة تكون صلاة بالقراءة؛ ولهذا قال بعض العلماء: لا تجب القراءة في كل صلاة إلا في ركعة.
وقيل: هذا الخلاف مبني على أن المروي عنه إذا أنكر الرواية، تحل له الرواية بعد ذلك عنه عند محمد خلافًا لأبي يوسف.
قوله: (قال)؛ أي: محمد في الجامع الصغير وتفسير قوله ﵊ إلى آخره.
في جامع الإِسْبِيجابي: هذا التفسير مروي عن عمر، وابن مسعود، وزيد بن ثابت ﵃ (٤).
وفي الخبازية: علي ﵁ مكان زيد (٥) وفيها: وقد رفعه بعضهم إلى النبي ﷺ ، والتمسك به أنه ﵊ أخبر أنه لا يصلي بعد الظهر
стр. 984
حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ قَضَاءُ رَكْعَتَيْنِ، وَمُحَمَّدٌ ﵀ لَمْ يَرْجِعْ عَنْ رِوَايَتِهِ عَنْهُ. (وَلَوْ قَرَأَ فِي إِحْدَى الأُولَيَيْنِ لَا غَيْرَ قَضَى أَرْبَعًا عِنْدَهُمَا، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ قَضَى رَكْعَتَيْنِ، وَلَوْ قَرَأَ فِي إِحْدَى الأَخْرَيَيْنِ لَا غَيْرَ قَضَى أَرْبَعًا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَعِنْدَهُمَا:
مثلها ركعتين بقراءة وركعتين بدونها، فيكون أمر بالقراءة في جميع ركعات النفل، وهذا الحمل أولى من حمل الشافعي على المماثلة في العدد، فإنه مشروع بالإجماع في ركعتي الفجر مع الفجر، والأربع قبل الظهر مع الظهر في الحضر، وفي الظهر مع ركعتين بعدها في السفر، ولو حمل على تكرار الجماعة في مسجد له أهل أو على قضاء صلاة عند توهم الفساد يكون صحيحا. كذا في جامع فخر الإسلام (١).
وفي الخبازية: فإن ذلك مكروه؛ لما فيه من تسليط الوسوسة على القلب (٢)، وبعضهم قالوا: هذا حكم ظهر عقيب سبب، وهو ما روي أنه ﵊ غداة ليلة التعريس دعا بماء فأوتر ثم صلى الفجر بجماعة، فقال له أصحابه: أو نقضي هاتين الركعتين في وقت الصلاة من اليوم الثاني؟ فقال ﵊: «إِنَّ الله تعالى نهاكم عنِ الرِّبا فلا يأمركم به لا يصلى بعد صلاة مثلها» (٣).
معناه: أن الفائتة إذا قضيت لا تقضى في اليوم الثاني في وقت تلك الصلاة من غير دليل (٤).
وفي الكافي: ما ذكر في الهداية أنه بيان فرضية القراءة في ركعات النفل مشكل؛ لأنه خبر الواحد فكيف يقتضي الفرضية، ولئن كان مشهورًا فهو مؤوّل كما ذكرنا فلا يوجب العلم (٥).
стр. 985
رَكْعَتَيْنِ) (*) قَالَ: (وَتَفْسِيرُ قَوْلِهِ ﵊: («لَا يُصَلَّى بَعْدَ صَلَاةٍ مِثْلُهَا» يَعْنِي: رَكْعَتَيْنِ بِقِرَاءَةِ وَرَكْعَتَيْنِ بِغَيْرِ قِرَاءَةِ، فَيَكُونُ بَيَانُ فَرْضِيَّةِ القِرَاءَةِ فِي رَكَعَاتِ النَّفْلِ كُلِّهَا، وَيُصَلِّي النَّافِلَةَ قَاعِدًا مَعَ القُدْرَةِ عَلَى القِيَامِ) لِقَوْلِهِ ﵊: «صَلَاةُ القَاعِدِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ صَلَاةِ القَائِمِ».
ولئن قيل: إنه بيان لمجمل الكتاب، فصار كخبر المسح على الرأس، وخبر القعدة الأخيرة لا يستقيم أيضًا؛ لأن نص القراءة ظاهر مستغن عن البيان وليس بمجمل، ولو كان مجملا؛ لقيل بفرضية الفاتحة وضم السورة.
قال شيخي العلامة رَحْمَةُ اللهِ: ليس فيه إشكال؛ لأنه قال: هو بيان الفرضية ولم يقل أن الفرضية ثابتة به، ويجوز أن يكون خبر الواحد بيان فرضية شيء، وفرضيته ثابتة بدليل آخر كقوله ﵊: «خمس صلوات افترضهن الله تعالى من أحسن وضوء هن … » (١) الحديث؛ فإن فرضية الصلوات ثابتة بالدلائل، وهاهنا فرضية القراءة في ركعات النفل ثابتة بالدليل الذي أوجب فرضيتها في ركعتي الفرض وركعتي النفل؛ إذ كل شفع صلاة على حدة، وهذا الحديث بيان لتلك الفرضية (٢).
وفي الخبازية: تفسير الحديث على الوجه المنقول بيان أن كل شفع من النوافل محل فرض القراءة باعتبار أنه صلاة على حدة كالفرائض ثم الفرضية ثبتت بقوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا﴾ وهذا كما يقال تقدير المسح بالربع ثبت بحديث مغيرة وفرضيته ثبتت بقوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا﴾ [النساء: ٤٣] (٣).
قوله: (على النصف من صلاة القائم)؛ أي: في حق الآخر.
فإن قيل: هذا الحديث لم يتعرض للنفل، ولا للفرض، ولا لحالة العذر