وجه الدلالة:
أن الصحابة ظلوا على حالهم بعد خروج النبي ﷺ ، ولما عاد أكمل الصلاة بهم، ولم يأمرهم أن يستأنفوا الصلاة، فدل ذلك على صحة صلاة المأمومين وإن بطلت صلاة الإمام.
٢ - عموم قوله ﷺ : «يُصَلُّونَ لَكُمْ فَإِنْ أَصَابُوا فَلَكُمْ وَإِنْ أَخْطَئُوا فَلَكُمْ وَعَلَيْهِمْ» (١).
стр. 109
قال البغوي: فيه دليل على أنه إذا صلى بقوم محدثًا أنه تصح صلاة المأمومين، وعليه الإعادة اهـ (١).
٣ - إجماع الصحابة ﵃ (٢)، فقد صلوا أئمة وهم على غير وضوء - ناسين - ثم أعادوا الصلاة ولم يأمروا المأمومين بالإعادة.
وإليك ما جاء في هذا الصدد.
أثر عمر بن الخطاب ﵁:
صلى عمر بن الخطاب بالناس الصبح بالمدينة، ثم خرج إلى الجرف، فذهب يغتسل فرأى في فخذيه احتلامًا، فقال: ما أراني إلا قد صليت بالناس وأنا جنب، فاغتسل ثم أعاد الصلاة (٣).
стр. 110
أثر عثمان بن عفان ﵁:
صلى عثمان بالناس الفجر، فلما تعالى النهار رأى أثر الجنابة على فخذه، فقال: كبرت والله، كبرت والله، أجنبت ولا أعلم، وأعاد
стр. 111
الصلاة ولم يأمرهم أن يعيدوا (١).
أثر عبد الله بن عمر ﵁:
عن سالم بن عبد الله عن أبيه: أنه صلى بهم الغداة، ثم ذكر أنه صلى بغير وضوء، فأعاد ولم يعيدوا (٢).
أثر علي بن أبي طالب ﵁:
عن علي ﵁ أنه قال: إذا صلى الجنب بالقوم فأتم بهم الصلاة: آمره أن يغتسل ويعيد، ولم يأمرهم أن يعيدوا (٣).
стр. 112
وبهذا القول قال سعيد بن جُبير (١)، والحسن البصري (٢)، وغيرهما من التابعين.
وأختم هذه الآثار بقول عبد الله بن المبارك، حيث قال:
ليس في الحديث قوة لمن يقول: إذا صلى الإمام محدثًا يعيد أصحابه، والحديث بألا يعيدوا أثبت لمن أراد الإنصاف بالحديث (٣). اهـ.
أما استدلالهم بالنظر، فقالوا:
١ - إن الحدث مما يخفى، ولا سبيل للمأموم إلى معرفته عن الإمام، والمأموم لم يكلف ما غاب عنه، وقد صلى خلف رجل مسلم في علمه فكان معذورًا في الاقتداء به (٤).
٢ - كما لا يجزئ عن المأموم فعل إمامه = فكذلك لا يفسد عليه فساد إمامه، (٥) وبمعنى آخر: كما أن صلاة الإمام لا تُصح صلاة المأموم
стр. 113
- إن بطلت -: فكذلك لا تبطل صلاةُ الإمام صلاة المأموم - إن صحت - (١).
القول الثاني: تبطل صلاة المأمومين، ويعيدونها.
وبهذا قال الحنفية (٢)، وهو رواية عند الحنابلة (٣).
واستدل هؤلاء بالأثر والنظر:
أما الأثر:
١ - فمنه ما روي عن النبي ﷺ : «من أم قومًا ثم ظهر أنه كان محدثًا أو جنبًا أعاد صلاته وأعادوا».
وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أمر الجميع بالإعادة، فلم يفرق بين الإمام والمأموم، وقد تم الاتفاق على بطلان صلاة الإمام، فيستلزم ذلك بطلان صلاة المأموم أيضًا.
وأجيب عليهم بأن هذا الحديث لا يعرف عن النبي ﷺ (٤).
٢ - وقد روي عنه ﷺ أنه صلى بالناس وهو جنب، فأعاد وأعادوا.
وجه الدلالة:
أن الصحابة أعادوا الصلاة بعلم النبي ﷺ ، ولو كانت صلاتهم صحيحة لنهاهم عن الإعادة، فدل ذلك على بطلان صلاة المأموم أيضًا.
стр. 114
وأجيب عليهم: بأن هذا الخبر أيضًا، لم يصح عن رسول الله ﷺ (١).
٣ - وقد روي نحو هذا عن عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب ﵄.
وأجيب عليهم: بأن هذا أيضًا كسابقيه، لا يصح عن عمر ولا علي (٢).
стр. 115
وأجاب هؤلاء عن حديث أبي هريرة الذي استدل به أصحاب القول الأول بقولهم:
إن هذا لا يقتضى أن خروجه ﵊ من الصلاة كان بعد شروعهم فيها، لجواز كون التذكر كان عقيب تكبيره بلا مهلة قبل تكبيرهم (١).
وأجابوا عن أثر عمر - الذي تقدم في أدلة الفريق الأول - بقولهم:
تأويل حديث عمر ما ذكره في بعض الروايات أنه رأى أثر الاحتلام في ثوبه بعد الفراغ، ولم يعلم متى أصابه، فأعاد صلاته احتياطًا، وعندنا في هذا الموضع لا يجب على القوم إعادة الصلاة (٢).
وأما استدلالهم بالقياس فقالوا:
ويثبت قولنا أيضًا بالقياس على ما لو بان أنه صلى بغير إحرام لا تجوز صلاتهم إجماعًا، والمصلي بلا طهارة لا إحرام له (٣).
وأجيب عن هذا بأنه قياس يصطدم مع ما جاء من فعل الصحابة، كعمر وابنه وعثمان وعلي ﵁، فلا يقدم القياس على إجماع هؤلاء
стр. 116
الصحابة (١).
القول الثالث: إذا كان الإمام يعلم بحدثه وصلى بهم: فصلاتهم جميعًا فاسدة، وإن لم يكن يعلم، فصلاة المأمومين صحيحة.
وهذا مذهب المالكية (٢)، والحنابلة (٣)، وقول للشافعي (٤).
واستدلوا على ذلك بالقياس، فقالوا:
ولنا أنه ائتم بمن صلاته فاسدة مع العلم منهما أو من أحدهما، أشبه ما لو ائتم بامرأة (٥).
وأجاب عن هذا الدليل الماورديُّ ﵀ حيث قال:
وأما قياسهم على المرأة فلا يصح؛ لأنه قد كُلف - أي المأموم -
стр. 117
معرفة حال الإمام في كونه رجلًا أو امرأة لقدرته على معرفة ذلك بظاهر الزي والهيئة، ولم يكلف معرفة طهارة إمامه لتعذر معرفتها، وعدم أمارة تدل عليها.
ثم قال:
وإذا فرق مالك بين عمد الإمام ونسيانه فغلط؛ لأن ما نقض الطهر فحكم العمد والسهو فيه سواء اهـ (١)
ثم أخيرًا: قال شيخنا - حفظه الله -:
الظاهر - والله تعالى أعلم: أن من صلى وراء إمام محدث، ولا يدري أثناء الصلاة عن إحداث إمامه = أن صلاته (أي المأموم) صحيحة، لحديث: «فإن أصابوا فلكم ولهم، وإن أخطأوا فلكم وعليهم»، والقياس والنظر الصحيح يقتضي ذلك، ثم هو رأي الجمهور.
ولو علم المأموم أن إمامه كان محدثًا بعد الصلاة: فالصلاة صحيحة لا تعاد، والله أعلم. اهـ (٢).
стр. 118
١٠ - إمامة المسبوق
مرادنا بالمسبوق: هو من لم يدرك أول صلاة الإمام، فهو قد أدرك صلاة الجماعة لكن فاته شيء من الصلاة يقوم لقضائه بعد تسليم الإمام (١).
وهناك صورتان - نناقشهما هنا - لإمامة من كان هذا حاله، وهما:
الصورة الأولى: أن يؤم هذا المسبوق مسبوقين مثله.
بمعنى: أن الإمام يسلم، وفي المأمومين مسبوقون، فهل يجوز لهم أن يقدموا رجلًا منهم ليؤمهم فيما فاتهم من صلاتهم؟
فالجواب: أن أهل العلم اختلفوا في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: يجوز لهم ذلك.
وهو الصحيح من المذهب عند الشافعية (٢)، والحنابلة (٣).
واستدلوا بالنظر، فقالوا:
يجوز ذلك؛ لأنه لما جاز أن يستخلف (٤) الإمام إذا خرج من الصلاة
стр. 119
قبل تمام صلاته = جاز أن يستخلف إذا خرج منها قبل تمام صلاتهم (١).
القول الثاني: لا يجوز لهم ذلك.
وبه قال الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، وهو وجه عند الشافعية (٤)، ورواية عند الحنابلة (٥).
واستدل هؤلاء بالأثر، والنظر.
أما الأثر: فهو:
أَنَ الْمُغِيرَة بْن شُعْبَةَ قَالَ: تَخَلَّفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَتَخَلَّفْتُ مَعَهُ، فَلَمَّا قَضَى حَاجَتَهُ قَالَ: «أَمَعَكَ مَاءٌ»، فَأَتَيْتُهُ بِمِطْهَرَةٍ، فَغَسَلَ كَفَّيْهِ وَوَجْهَهُ، ثُمَّ ذَهَبَ يَحْسِرُ عَنْ ذِرَاعَيْهِ فَضَاقَ كُمُّ الْجُبَّةِ فَأَخْرَجَ يَدَهُ مِنْ تَحْتِ الْجُبَّةِ، وَأَلْقَى الْجُبَّةَ عَلَى مَنْكِبَيْهِ، وَغَسَلَ ذِرَاعَيْهِ، وَمَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ وَعَلَى الْعِمَامَةِ، وَعَلَى خُفَّيْهِ، ثُمَّ رَكِبَ، وَرَكِبْتُ فَانْتَهَيْنَا إِلَى الْقَوْمِ، وَقَدْ قَامُوا فِي الصَّلَاةِ يُصَلِّي بِهِمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَقَدْ رَكَعَ بِهِمْ رَكْعَةً، فَلَمَّا أَحَسَّ بِالنَّبِيِّ ﷺ ذَهَبَ يَتَأَخَّرُ، فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ فَصَلَّى بِهِمْ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ النَّبِيُّ ﷺ ، وَقُمْتُ فَرَكَعْنَا الرَّكْعَةَ الَّتِي سَبَقَتْنَا (٦).
стр. 120
وجه الدلالة: أنه لما فرغ عبد الرحمن بن عوف من الصلاة: أتم النبي ﷺ لنفسه ولم يؤم المغيرة، فدل على أن الاستخلاف بعد فراغ الإمام غير جائز (١).
وأما استدلالهم بالنظر فقالوا:
إن هذا المأموم المسبوق الذي ائتم بمسبوق مثله: اقتدى في موضع كان عليه الانفراد، ولأنه كان مقتديًا بالإمام الأول في بعض صلاته، والآخر ليس بخليفة الأول، فكان هذا أداء صلاة بإمامين، وذلك لا يجوز (٢).
وأجاب هؤلاء عن دليل الفريق الأول القائلين بالجواز، فقالوا:
الفرق بين هذه الحالة وبين جواز الاستخلاف قبل فراغ الإمام هو: أن كمال الجماعة، لم يحصل بخروج الإمام قبل الفراغ فجاز أن يستخلف لتكمل فريضة الجماعة، وإذا خرج منها بعد الفراغ فقد حصل لهم كمال الجماعة، فلم يجز الاستخلاف بعد الكمال (٣).
الصورة الثانية: أن يؤم هذا المسبوق من لم يدرك الجماعة أصلًا.
بمعنى: أن الإمام بعد أن سلم وقام أحد المسبوقين يتم صلاته، فجاء رجل لم يدرك الجماعة، فهل يجوز له أن يأتم بذلك الرجل المسبوق؟
فالجواب: أن أهل العلم اختلفوا في هذه المسألة - كسابقتها تمامًا -
стр. 121
على قولين:
القول الأول: يجوز له أن يأتم بذلك المسبوق.
وبهذا قال الشافعية (١)، والحنابلة (٢)، ورجحه ابن تيمية [مجموع الفتاوى: ٢٣/ ٣٨٢].
وأما عن دليهم على ذلك فقالوا: إن هذا المسبوق قد انقطعت صلته بإمامه، فصار حكمه كحكم الفذ، فإذا سها سجد لسهوه، وكذلك يجوز أن يؤم غيره.
القول الثاني: لا يجوز له أن يأتم بذلك المسبوق.
وبهذا قال الحنفية (٣)، والمالكية (٤).
وأما عن دليلهم على ذلك فقالوا: إن هذا الإمام المسبوق في الأصل: تبع لغيره، فهو في موضع الاقتداء، والاقتداء بناء التحريمة على التحريمة، فالمقتدي عقد تحريمته لما انعقدت له تحريمة الإمام، فكلما انعقدت له تحريمة الإمام جاز البناء من المقتدي، وما لا فلا (٥).
стр. 122
ثم أخيرًا: قال شيخنا - حفظه الله -:
المسبوق وإمامته له حالان:
الأولى: أن يؤم قومًا كانوا مسبوقين معه فهذه - والله أعلم - لم أقف لها على دليل صريح مرفوع إلى النبي ﷺ ولا أنه رأى ذلك فأقره.
أما عن الحكم: فالأولى - والله أعلم - تركها، إذ الكل بمنزلة واحدة، وقد أدركوا الجماعة الأولى [خاصة عند من يقول: إن الجماعة تدرك بأي شيء قبل التسليم].
ولكن إن فعلت: فالصلاة ليست بباطلة، إذ هي نوع استخلاف عند فريق من العلماء، وقد استخلف عمر عبد الرحمن بن عوف، وكذا استخلف أبو بكر رسول الله ﷺ ، والله أعلم.
الثانية: أن يكون الرجل قد صلى مأمومًا وعليه ركعات ثم بعد انقضاء الصلاة قام يأتي بها فائتم به قوم.
فالظاهر: جواز ذلك - والله أعلم - لعموم صنيع ابن عباس مع النبي ﷺ إذ قد ائتم بالنبي ﷺ بعد قضاء النبي جزءًا من صلاته، والله أعلم.
стр. 123
١١ - إمامة المتنفل للمفترض (١)
تمهيد (٢):
أصل الاختلاف بين أهل العلم في هذه المسألة: هو أنهم اختلفوا:
هل من شرط نية المأموم أن توافق نية الإمام في تعيين الصلاة، وفي الوجوب حتى لا يجوز أن يصلي المأموم ظهرًا بإمام يصلي عصرًا؟ ولا يجوز أن يصلي الإمام ظهرًا يكون في حقه نفلًا وفي حق المأموم فرضًا؟!.
فذهب مالك وأبو حنيفة: إلى أنه يجب أن توافق نية المأموم نية الإمام.
وذهب الشافعي: إلى أنه لا يجب.
والسبب في اختلافهم: معارضة مفهوم قوله ﵊: «إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ». لما جاء في حديث معاذ: من أنه كان يصلي مع النبي ﷺ ثم يصلي بقومه (٣).
فمن رأى ذلك خاصًّا لمعاذ، وأن عموم قوله ﵊: «إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ». يتناول النية = اشترط موافقة نية الإمام للمأموم.
ومن رأى أن الإباحة لمعاذ في ذلك هي إباحة لغيره من سائر المكلفين وهو الأصل (٤) = قال: لا يخلو الأمر في ذلك الحديث الثاني من أحد أمرين:
стр. 124
أ - إما أن يكون ذلك العموم الذي فيه لا يتناول النية؛ لأن ظاهره إنما هو في الأفعال، فلا يكون معارضًا.
ب - وإما أن يكون يتناولها، فيكون حديث معاذ قد خصص ذلك العموم.
عرضت هذه الصور لأصل الاختلاف بين أهل العلم: لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، فإذا تكونت لديك الآن الصورة فأصقلها بأحكام الأئمة، وهي:
اختلف أهل العلم في مسألة إمامة المتنفل للمتفرض على ثلاثة أقوال وهي:
القول الأول: لا تصح إمامة المتنفل للمفترض.
وبهذا قال الحنفية (١)، والمالكية (٢)، وهو الصحيح من المذهب عند الحنابلة (٣).
واستدل هؤلاء بالأثر والنظر.
أما استدلالهم بالأثر، فاستدلوا بأدلة:
الدليل الأول:
عموم قوله ﵊: «إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَلَا
стр. 125
تخْتَلفوا علَيهِ» (١).
وجه الدلالة: أن هذا المفترض المأموم قد خالف إمامه في نيته، فوقع فيما نهي النبي ﷺ في قوله: «فَلَا تخْتَلفوا علَيهِ».
وقد ورد إشكال على أصحاب هذا القول في استدلالهم بهذا الحديث، وهو:
قال الطحاوي:
فإن قال قائل: فإنا قد رأيناهم لم يختلفوا أن للرجل أن يصلي تطوعًا خلف من يصلي فريضة (٢)، فكما كان المصلي تطوعًا يجوز له أن يأتم بمن يصلي الفريضة: كان كذلك يجوز للمصلي فريضة أن يصليها خلف من يصلي تطوعًا = قيل له: إن سبب التطوع هو بعض سبب الفريضة، وذلك أن الذي يدخل في الصلاة ولا يريد شيئًا غير ذلك من نافلة ولا فريضة: يكون لذلك داخلًا في نافلة، وإذا نوى الدخول في الصلاة ونوى الفريضة: كان بذلك داخلًا في الفريضة، فصار يكون ذلك داخلًا في الفريضة بالسبب الذي دخل به في النافلة، وبسبب آخر، فلما كان ذلك كذلك: كان الذي يصلي تطوعًا وهو يأتم بمصل فريضة: هو في صلاة له في كلها إمام، والذي يصلي فريضة ويأتم بمن يصلي تطوعًا: هو في صلاة له في بعض سببها الذي به دخل فيها إمام، وليس له في بقيته إمام، فلم يجز ذلك اهـ (٣).
تتضمن صلاته صلاة القوم.
وتضمين الشيء فيما هو فوقه يجوز، وفيما هو دونه لا يجوز، وهو المعنى في الفرق، فإن الفرض يشتمل على أصل الصلاة والصفة، والنفل يشتمل على أصل الصلاة فإذا كان الإمام مفترضًا: فصلاته تشتمل على صلاة المقتدي وزيادة، فصح اقتداؤه به (١)، وإذا كان الإمام متنفلًا فصلاته لا تشتمل على ما تشتمل عليه صلاة المقتدي فلا يصح اقتداؤه به؛ لأنه بنى القوي على أساس الضعيف (٢).
الدليل الثالث:
عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الْخَوْفِ بِإِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ رَكْعَةً، وَالطَّائِفَةُ الْأُخْرَى مُوَاجِهَةُ الْعَدُوِّ، ثُمَّ انْصَرَفُوا وَقَامُوا فِي مَقَامِ أَصْحَابِهِمْ مُقْبِلِينَ عَلَى الْعَدُوِّ، وَجَاءَ أُولَئِكَ، ثُمَّ صَلَّى بِهِمْ النَّبِيُّ ﷺ رَكْعَةً، ثُمَّ سَلَّمَ النَّبِيُّ ﷺ ، ثُمَّ قَضَى هَؤُلَاءِ رَكْعَةً وَهَؤُلَاءِ رَكْعَةً (٣).
وجه الدلالة: أن النبي ﷺ جعل الناس طائفتين، وصلى بكل طائفة شطر الصلاة لينال كل فريق فضيلة الصلاة خلفه، ولو جاز اقتداء المفترض بالمتنفل لأتم الصلاة بالطائفة الأولى ثم نوى النفل وصلى بالطائفة الثانية، وذلك لينال كل طائفة فضيلة الصلاة خلفه من غير الحاجة إلى المشي وأفعال كثيرة ليست من الصلاة (٤).
وأما استدلالهم بالنظر، فقالوا:
إن صلاة المأموم لا تتأدى بنية الإمام، أشبه صلاة الجمعة خلف من
стр. 137
يصلي الظهر (١).
القول الثاني: تصح إمامة المتنفل للمفترض.
وبه قال الشافعية (٢)، وهو رواية عن الحنابلة (٣)، واختاره ابن حزم (٤).
وقد قيد الحنابلة (٥)، وكذا الشافعية - على الأصح عندهم (٦) -، أي: الإمام والمأموم - ذلك بقيد، وهو: توافق نظم الصلاتين.
فإن اختلف فعلهما - أي الإمام والمأموم، كمن يصلي صلاة مكتوبة خلف من يصلي صلاة الكسوف أو الجنازة: لم يصح الاقتداء، وذلك لمخالفة النظم، وتعذر المتابعة.
واستدل أرباب هذا القول بالأثر والنظر.
أما استدلالهم بالأثر فقالوا:
الدليل الأول:
عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: كَانَ مُعَاذٌ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، ثُمَّ يَأْتِي فَيَؤُمُّ قَوْمَهُ
стр. 138
فَصَلَّى لَيْلَةً مَعَ النَّبِيِّ ﷺ الْعِشَاءَ، ثُمَّ أَتَى قَوْمَهُ فَأَمَّهُمْ، فَافْتَتَحَ بِسُورَةِ الْبَقَرَةِ فَانْحَرَفَ رَجُلٌ فَسَلَّمَ، ثُمَّ صَلَّى وَحْدَهُ وَانْصَرَفَ فَقَالُوا لَهُ: أَنَافَقْتَ يَا فُلَانُ؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ وَلَآتِيَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَلَأُخْبِرَنَّهُ فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا أَصْحَابُ نَوَاضِحَ نَعْمَلُ بِالنَّهَارِ، وَإِنَّ مُعَاذًا صَلَّى مَعَكَ الْعِشَاءَ، ثُمَّ أَتَى فَافْتَتَحَ بِسُورَةِ الْبَقَرَةِ، فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى مُعَاذٍ فَقَالَ: «يَا مُعَاذُ أَفَتَّانٌ أَنْتَ؟ اقْرَأْ بِكَذَا وَاقْرَأْ بِكَذَا» (١).
وجه الدلالة: أن الرجل حين حكى للنبي ﷺ فعل معاذ: لم ينكر عليه النبي ﷺ إلا التطويل، ولو كان فعل معاذ غير جائز لنهاه عنه النبي ﷺ ، فلما سكت عن ذلك مع علمه به دل ذلك على الجواز، إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة (٢).
وقد حاول أصحاب القول الأول توجيه حديث معاذ هذا، فقالوا: لعل معاذًا كان يصلي مع رسول الله ﷺ نافلة وبقومه فريضة.
وأجيب على توجيههم هذا من عدة أوجه (٣):
أولًا: أن هذا التوجيه مخالف لصريح الرواية.
ثانيًا: قال الشافعي: كيف يظن أن معاذًا مع كمال فقهه وعلو مرتبته يجعل صلاته مع رسول الله ﷺ التي لعل صلاة واحدة معه أحب إليه من كل صلاة صلاها في عمره ليست معه، وفي الجمع الكثير = نافلة (٤)؟!
ثالثًا: قال الخطابي وغيره: لا يجوز أن يظن بمعاذ أنه يشتغل بعد إقامة الصلاة لرسول الله ﷺ ولأصحابه بنافلة، مع قوله ﵊
стр. 139
«إِذَا أُقِيمَت الصَّلَاةُ فَلَا صَلَاةَ إِلَّا الْمَكْتُوبَةُ» (١).
قالوا - أي: أصحاب القول الأول -: يحتمل أن يكون حديث معاذ كان في ابتداء الإسلام حين كان تكرار الفرض مشروعًا (٢).
وأجيب عليهم: بأن هذا احتمال لا دليل عليه.
قال بعضهم: كان فعل معاذ للضرورة لقلة القراء في ذلك الوقت.
وأجيب عليهم بأن هذا ضعيف؛ لأن القدر المجزئ في الصلاة كان حافظوه كثيرًا، وما زاد لا يكون سببًا لارتكاب أمر ممنوع منه شرعًا في الصلاة (٣).
الدليل الثاني: عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: أَقْبَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِذَاتِ الرِّقَاعِ قَالَ: كُنَّا إِذَا أَتَيْنَا عَلَى شَجَرَةٍ ظَلِيلَةٍ، تَرَكْنَاهَا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَسَيْفُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُعَلَّقٌ بِشَجَرَةٍ، فَأَخَذَ سَيْفَ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ ، فَاخْتَرَطَهُ فَقَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَتَخَافُنِي؟ قَالَ: «لَا» قَالَ: فَمَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قَالَ: «اللَّهُ يَمْنَعُنِي مِنْكَ»، قَالَ: فَتَهَدَّدَهُ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَغْمَدَ السَّيْفَ، وَعَلَّقَهُ قَالَ: فَنُودِيَ بِالصَّلَاةِ فَصَلَّى بِطَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ تَأَخَّرُوا، وَصَلَّى بِالطَّائِفَةِ الْأُخْرَى رَكْعَتَيْنِ قَالَ: فَكَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ، وَلِلْقَوْمِ رَكْعَتَانِ (٤).
وجه الدلالة:
قال النووي: معناه: أنه صلى بالطائفة الأولى ركعتين، وسلم
стр. 140
وسلموا، وبالثانية كذلك، فكان النبي ﷺ متنفلًا في الثانية وهم مفترضون (١). اهـ.
فدل ذلك على جواز ائتمام المفترض بالمتنفل.
وأما استدلالهم بالنظر فقالوا:
إن هذا يقاس على الإمام المسافر الذي ينوي أن يصلي الفرض ركعتين، فيصلي وراءه المقيم بنيته أربعًا (٢).
كما أنهما صلاتان اتفقتا في الأفعال، فجاز ائتمام المصلي في إحداهما بالمصلي في الأخرى - كالمتنفل خلف المفترض (٣).
وأجاب أصحاب هذا القول عن حديث: «إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ». الذي استدل به أصحاب القول الأول = بقولهم:
المراد ليؤتم به في الأفعال: لا في النية، بدليل قوله ﵊ في نفس الحديث: «فإذا ركع فاركعوا» (٤).
ثم أجابوا عن حديث ابن عمر في صلاة الخوف - المستدل به عند أصحاب القول الأول: بأنه قد صح أيضًا عن النبي ﷺ غيره والذي نقله جابر ﵄، فسقط الاستدلال بحديث ابن عمر على المنع؛ لأن حديث جابر أجازه.
وأما القياس الذي استدلوا به - أي أصحاب القول الأول - فأجيب عليهم: بأنه منقوض بالمسبوق في الجمعة يدرك أقل من ركعة، فينوي
стр. 141
الظهر خلف من يصلي الجمعة (١).
القول الثالث: تصح إمامة المتنفل للمفترض للحاجة وهي كونه أحق بالإمامة.
وهذا القول رواية ثالثة عن الإمام أحمد (٢)، واختيار أبي البركات جد شيخ الإسلام ابن تيمية.
والدليل على هذا القول:
أن النبي ﷺ صلى بأصحابه بعض الأوقات صلاة الخوف مرتين، وصلى بطائفة وسلم، ثم صلى بطائفة أخرى وسلم، فقد دعت الحاجة إلى ذلك (٣).
ثم أخيرًا: قال شيخنا - حفظه الله -:
قد ثبت أن معاذًا ﵁ كان يصلي مع رسول الله ﷺ العشاء ثم يرجع فيصلي بقومه، فهذا دال على جواز إمامة المتنفل للمفترض، والله أعلم (٤).
فائدة: ألحق الفقهاء بهذه المسألة مسألة أخرى، هي في الحقيقة فرع عنها، وهي:
هل تصح إمامة مفترض لمفترض مع تغاير الفرضين؟، كمن يصلي الظهر مقتديًا بمن يصلي العصر - مثلًا؟.
стр. 142
فالجواب أنهم اختلفوا في الإجابة على قولين:
الأول: لا تصح الإمامة مع تغاير الفرضين.
وبه قال الحنفية (١)، والمالكية (٢)، وهو الصحيح من المذهب عند الحنابلة (٣).
الثاني: تصح الإمامة ولو تغاير الفرضان.
وبه قال الشافعية (٤)، وهو رواية عند الحنابلة (٥)، واختاره ابن حزم (٦).
والخلاصه: كما قال الدكتور وهبة الزحيلي:
إن أشد المذاهب في شرط اتحاد صلاتي الإمام والمأموم هو المالكي ثم الحنفي، ثم الحنبلي، ثم الشافعي (٧).
стр. 143
١٢ - إمامة المفترض للمتنفل
وهذه المسألة لا تختلف عن سابقتها في الصورة فحسب، بل تختلف عنها أيضًا من ناحية أقوال الفقهاء.
فبينما وجدنا في إمامة المتنفل للمفترض خلافًا بين العلماء في صحتها كما مضى، نجد هنا اتفاق العلماء على جواز العكس، أي: جواز إمامة المفترض للمتنفل.
قال ابن عبد البر:
وقد أجمعوا أنه جائز أن يصلي النافلة خلف من يصلي الفريضة إن شاء. اهـ (١).
وقال ابن قدامة الحنبلي:
ولا يختلف المذهب في صحة المتنفل وراء المفترض، ولا نعلم بين أهل العلم فيه اختلافًا. اهـ (٢).
وقال السرخسي الحنفي:
اقتداء المتنفل بالمفترض، جائز بالاتفاق (٣). اهـ.
واستدل الفقهاء على ذلك بالأثر والنظر:
стр. 144
أما استدلالهم بالأثر فهو:
الدليل الأول: قوله ﷺ لأَبِي ذَرٍّ: «كَيْفَ أَنْتَ إِذَا كَانَتْ عَلَيْكَ أُمَرَاءُ يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا، أَوْ يُمِيتُونَ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا» قَالَ: قُلْتُ: فَمَا تَأْمُرُنِي؟ قَالَ: «صَلِّ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا، فَإِنْ أَدْرَكْتَهَا مَعَهُمْ فَصَلِّ، فَإِنَّهَا لَكَ نَافِلَةٌ» (١).
الدليل الثاني: حديث ابن مسعود ﵁: « … إنه ستكون عليكم أمراء يؤخرون الصلاة عن ميقاتها، ويخنقونها إلى شرق الموتى (٢)، فإذا رأيتموهم قد فعلوا ذلك: فصلوا الصلاة لميقاتها، واجعلوا صلاتكم معهم سبحة (٣)، … » (٤).
الدليل الثالث: عن يزيد بن الأسود العامري قَالَ: شَهِدْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ حَجَّتَهُ، فَصَلَّيْتُ مَعَهُ صَلَاةَ الصُّبْحِ فِي مَسْجِدِ الْخَيْفِ (٥) قَالَ: فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ، وَانْحَرَفَ إِذَا هُوَ بِرَجُلَيْنِ فِي أُخْرَى الْقَوْمِ لَمْ يُصَلِّيَا مَعَهُ، فَقَالَ: «عَلَيَّ بِهِمَا»، فَجِيءَ بِهِمَا تُرْعَدُ فَرَائِصُهُمَا (٦) فَقَالَ: «مَا مَنَعَكُمَا أَنْ