الظهر خلف من يصلي الجمعة (١).
القول الثالث: تصح إمامة المتنفل للمفترض للحاجة وهي كونه أحق بالإمامة.
وهذا القول رواية ثالثة عن الإمام أحمد (٢)، واختيار أبي البركات جد شيخ الإسلام ابن تيمية.
والدليل على هذا القول:
أن النبي ﷺ صلى بأصحابه بعض الأوقات صلاة الخوف مرتين، وصلى بطائفة وسلم، ثم صلى بطائفة أخرى وسلم، فقد دعت الحاجة إلى ذلك (٣).
ثم أخيرًا: قال شيخنا - حفظه الله -:
قد ثبت أن معاذًا ﵁ كان يصلي مع رسول الله ﷺ العشاء ثم يرجع فيصلي بقومه، فهذا دال على جواز إمامة المتنفل للمفترض، والله أعلم (٤).
فائدة: ألحق الفقهاء بهذه المسألة مسألة أخرى، هي في الحقيقة فرع عنها، وهي:
هل تصح إمامة مفترض لمفترض مع تغاير الفرضين؟، كمن يصلي الظهر مقتديًا بمن يصلي العصر - مثلًا؟.
стр. 142
فالجواب أنهم اختلفوا في الإجابة على قولين:
الأول: لا تصح الإمامة مع تغاير الفرضين.
وبه قال الحنفية (١)، والمالكية (٢)، وهو الصحيح من المذهب عند الحنابلة (٣).
الثاني: تصح الإمامة ولو تغاير الفرضان.
وبه قال الشافعية (٤)، وهو رواية عند الحنابلة (٥)، واختاره ابن حزم (٦).
والخلاصه: كما قال الدكتور وهبة الزحيلي:
إن أشد المذاهب في شرط اتحاد صلاتي الإمام والمأموم هو المالكي ثم الحنفي، ثم الحنبلي، ثم الشافعي (٧).
стр. 143
١٢ - إمامة المفترض للمتنفل
وهذه المسألة لا تختلف عن سابقتها في الصورة فحسب، بل تختلف عنها أيضًا من ناحية أقوال الفقهاء.
فبينما وجدنا في إمامة المتنفل للمفترض خلافًا بين العلماء في صحتها كما مضى، نجد هنا اتفاق العلماء على جواز العكس، أي: جواز إمامة المفترض للمتنفل.
قال ابن عبد البر:
وقد أجمعوا أنه جائز أن يصلي النافلة خلف من يصلي الفريضة إن شاء. اهـ (١).
وقال ابن قدامة الحنبلي:
ولا يختلف المذهب في صحة المتنفل وراء المفترض، ولا نعلم بين أهل العلم فيه اختلافًا. اهـ (٢).
وقال السرخسي الحنفي:
اقتداء المتنفل بالمفترض، جائز بالاتفاق (٣). اهـ.
واستدل الفقهاء على ذلك بالأثر والنظر:
стр. 144
أما استدلالهم بالأثر فهو:
الدليل الأول: قوله ﷺ لأَبِي ذَرٍّ: «كَيْفَ أَنْتَ إِذَا كَانَتْ عَلَيْكَ أُمَرَاءُ يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا، أَوْ يُمِيتُونَ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا» قَالَ: قُلْتُ: فَمَا تَأْمُرُنِي؟ قَالَ: «صَلِّ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا، فَإِنْ أَدْرَكْتَهَا مَعَهُمْ فَصَلِّ، فَإِنَّهَا لَكَ نَافِلَةٌ» (١).
الدليل الثاني: حديث ابن مسعود ﵁: « … إنه ستكون عليكم أمراء يؤخرون الصلاة عن ميقاتها، ويخنقونها إلى شرق الموتى (٢)، فإذا رأيتموهم قد فعلوا ذلك: فصلوا الصلاة لميقاتها، واجعلوا صلاتكم معهم سبحة (٣)، … » (٤).
الدليل الثالث: عن يزيد بن الأسود العامري قَالَ: شَهِدْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ حَجَّتَهُ، فَصَلَّيْتُ مَعَهُ صَلَاةَ الصُّبْحِ فِي مَسْجِدِ الْخَيْفِ (٥) قَالَ: فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ، وَانْحَرَفَ إِذَا هُوَ بِرَجُلَيْنِ فِي أُخْرَى الْقَوْمِ لَمْ يُصَلِّيَا مَعَهُ، فَقَالَ: «عَلَيَّ بِهِمَا»، فَجِيءَ بِهِمَا تُرْعَدُ فَرَائِصُهُمَا (٦) فَقَالَ: «مَا مَنَعَكُمَا أَنْ
ووجه الدلالة في هذه الأحاديث:
أن النبي ﷺ قد أمر من صلى الفرض قبل ذلك أن يعيده خلف من
стр. 150
يصليه لأول مرة، وأخبر أن هذه الصلاة نافلة في حق من صلى قبل ذلك، فكان ذلك إقرارًا منه ﵊، بجواز إمامة المفترض للمتنفل.
وأما استدلالهم بالنظر، فقالوا:
إن إعادة الصلاة في جماعة أمر مشروع لتحصيل فضيلة الجماعة، كما أن الأدنى يتبع الأعلى من غير عكس، ولذا جاز ائتمام المتنفل بالمفترض (١).
стр. 151
١٣ - إمامة الأعمى
لم يختلف أهل العلم في جواز إمامة الأعمى، بل أجمعوا على صحة إمامته وجوازها.
قال ابن المنذر:
وأجمعوا على أن إمامة الأعمى كإمامة الصحيح (١)، ومنع من ذلك أنس بن مالك (٢)، وابن عباس (٣)،
стр. 152
رواية ثابتة. اهـ (١).
واستدلوا على ذلك بأدلة كثيرة: عامة، وخاصة:
أما الأدلة العامة:
فكقوله ﵊: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ» (٢).
فعموم هذا النص يشمل الأعمى والصحيح، وإذا زعم أحد تفريقًا أو اسثناءً فهو مطالب بالدليل على ذلك (٣).
كما أننا قد علمنا - كما مر بنا آنفًا -: أن من صحت صلاته لنفسه صحت لغيره.
وأما الأدلة الخاصة: فكثيرة، منها:
١ - أن النبي ﷺ اسْتَخْلَفَ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ (٤) عَلَى الْمَدِينَةِ يُصَلي بِالنَّاس (٥).
стр. 153
وجه الدلالة: أن المدينة كان فيها من الصحابة مبصرون، وعلى الرغم من ذلك استخلف النبي ﷺ ابن أم مكتوم الأعمى، فدل ذلك على جواز
стр. 154
إمامة الأعمى لغير العماة (١).
٢ - أن عددًا من الصحابة قد أم الناس وهو أعمى، ومن هؤلاء.
أ) عتبان بن مالك ﵁:
فعن محمود بن الربيع: أن عتبان بن مالك كان يؤم قومه وهو أعمى، … الحديث (٢)
ب) جابر بن عبد الله ﵄:
قال أبو جعفر الباقر: دخلنا على جابر وهو أعمى، فجاء وقت الصلاة فقام في نساجه ملتحفًا، كلما وضعها على منكبيه رجع طرفاها إليه من صغرها، ورداؤه إلى جنبه على المشجب = فصلى بنا (٣).
جـ) البراء بن عازب ﵁:
عن مهاجر الصائغ قال: كان البراء يصلي بنا وهو أعمى (٤).
стр. 155
د) عبد الله بن عباس ﵄:
عن سعيد بن جبير أنه قال: أمنا ابن عباس وهو أعمى (١).
وجه الدلالة: أن هؤلاء الصحابة جميعًا أموا الناس وفيهم - أي من المأمومين - البصير ومن يستطيع التقدم للإمامة، فدل ذلك منهم على صحة إمامة الأعمى وجوازها وإن كان في المأمومين بصراء.
ثم استدل الفقهاء أيضًا بالنظر بعد الأثر فقالوا:
إن العمى: فقد حاسة لا يخل بشيء من أفعال الصلاة، ولا بشروطها، فأشبه فقد الشم (٢).
وقال شيخنا - حفظه الله -:
لا بأس بإمامة الأعمى ما لم يخل بالقبلة، وقد استخلف رسول الله ﷺ ابن أم مكتوم على المدينة (٣).
الحاصل من جميع ما سبق:
أن أهل العلم لم يختلفوا في جواز إمامة الأعمى وصحتها، وإنما الخلاف بينهم في شيء آخر، ألا وهو:
стр. 156
أيهما أولى أن يقدم للإمامة: الأعمى؟ أم البصير؟ أم أنهما سواء؟
وهذا السؤال هو ما نجيب عنه - إن شاء الله - في السطور القادمة.
من الأولى أن يقدم للإمامة: الأعمى أم البصير؟
اختلف أهل العلم في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:
القول الأول: البصير أولى.
وهذا مذهب الحنفية (١)، ووجه عند الشافعية (٢)، وهو مذهب الحنابلة (٣).
واحتج هؤلاء بما يلي:
١) أن الأعمى يوجهه غيره إلى القبلة، فيصير في أمر القبلة مقتديًا بغيره، وربما يميل في خلال الصلاة عن القبلة، ولذا كان ابن عباس يمتنع عن الإمامة بعد ما كف بصره ويقول: «كيف أؤمهم وهم يعدلوني إلى القبلة»؟! (٤)
٢) كما أن الأعمى لا يمكنه التوقي عن النجاسات (٥).
٣) كما أنه قد يتوضأ بماء غير طاهر، أو يصلي بثوب نجس (٦)، ولا
стр. 157
يستطيع أن يمنع أحدًا من المرور بين يديه.
٤) ثم إن مبنى الإمامة على الفضيلة، والأعمى لا فضيلة له على البصير (١).
القول الثاني: الأعمى أولى.
وهذا وجه عند الشافعية (٢)، ورواية عند الحنابلة (٣).
والحجة عندهم في ذلك:
١ - استخلاف النبي ﷺ لابن أم مكتوم مع وجود البصراء.
وأجيب عليهم: بأن ذلك كان لفضل ابن أم مكتوم، والمسألة مفروضة عند التساوي في الفضل، فلا يسلم هذا الدليل.
٢ - أن الأعمى أخشع؛ لأنه لا يشتغل في الصلاة بالنظر إلى ما يلهيه (٤).
وأجيب عليهم: بأن البصير لو أغمض عينيه كان مكروهًا، ولو كان ذلك فضيلة لكان مستحبًّا؛ لأنه يحصل بتغميضه ما يحصله الأعمى، ولأن البصير إذا غض بصره مع إمكان النظر كان له الأجر فيه؛ لأنه يترك المكروه مع إمكانه اختيارًا، وأما الأعمى فيتركه اضطرارًا، فكان أدنى حالًا، وأقل فضيلة (٥).
стр. 158
القول الثالث: كلاهما سواء.
فيستوي تقديم البصير أو الأعمى.
وهو ظاهر كلام المالكية (١)، والصحيح من المذهب عند الشافعية (٢)، ورواية عند الحنابلة (٣).
وحجتهم في ذلك:
١ - أن النبي ﷺ استخلف البصير، والأعمى (٤).
٢ - أن في كل منهما - الأعمى والبصير - فضيلة تميزه عن الآخر، فالأعمى: لا يرى ما يلهيه، والبصير: يجتنب النجاسة (٥).
стр. 159
١٤ - إمامة صاحب البيت
اتفقت الكلمة عند المذاهب الأربعة على أن صاحب البيت أحق بالإمامة في بيته من غيره، إلا أن يأذن صاحب البيت لغيره (١).
وإليك شيئًا من أقوالهم:
١) قال الكاساني الحنفي: ويكره للرجل أن يؤم الرجل في بيته إلا بإذنه … ، ولو أذن له لا بأس به؛ لأن الكراهة كانت لحقه (٢). اهـ.
٢) قال الإمام مالك: وأولى بالإمامة صاحب الدار إذا صلوا في منزله، إلا أن يأذن في ذلك. اهـ (٣).
٣) قال الإمام الشافعي: وأكره أن يؤم أحد غير ذي سلطان أحدًا في منزله إلا أن يأذن له الرجل، فإن أذن له: فإنما أم بأمره، فلا بأس إن شاء الله تعالى اهـ (٤).
٤) قال ابن قدامة الحنبلي: فالجماعة إذا أقيمت في بيت: فصاحبه أولى بالإمامة من غيره، وإن كان فيه من هو أقرأ منه وأفقه، … ، وإذا أذن المستحق لرجل في الإمامة: جاز. اهـ (٥).
واستدلوا على ذلك بالأثر والنظر:
стр. 160
أما الأثر فهو:
١) قوله ﵊: « … ، وَلَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ وَلَا يَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ عَلَى تَكْرِمَتِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ» (١).
قال الإمام أحمد: أرجو أن يكون الإذن في الكل (٢).
٢) عن أبي عطية قال: أتانا مالك بن الحويرث، فحضرت الصلاة، فقيل له: تقدم، قال: ليؤمكم رجل منكم [وفي رواية: حتى أحدثكم لم لا أتقدم]، فلما صلوا قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «مَنْ زَارَ قَوْمًا، فَلَا يَؤُمَّهُمْ، وَلْيَؤُمَّهُمْ رَجُلٌ مِنْهُمْ» (٣).
стр. 161
قال الإمام الترمذي: والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم، قالوا: صاحب المنزل أحق بالإمامة من الزائر، وقال بعض أهل العلم: «إذا أذن له فلا بأس أن يصلي به». اهـ.
٣) عن عبد الله بن يزيد الخطمي: وكان أميرًا على الكوفة قال: أتينا قيس بن سعد بن عبادة في بيته فأذن للصلاة، فقلنا لقيس: قم فصل لنا، فقال: لم أكن لأصلي بقوم لست عليهم بأمير، فقال رجل ليس بدونه يقال له عبد الله بن حنظلة بن الغسيل = قال رسول الله ﷺ : «الرجل أحق بصدر دابته، وصدر فراشه، وأن يؤم في رحله»، قال قيس بن سعد عند ذلك: يا فلان لمولى له: قم فصل لهم (١).
٤) عن أبي نضرة أن أبا سعيد صنع طعامًا [وفي رواية قال: تزوجت وأنا عبد مملوك] ثم دعا أبا ذر وحذيفة وابن مسعود، فحضرت الصلاة
стр. 162
فتقدم أبو ذر ليصلي بهم، فقال له حذيفة: وراءك رب البيت أحق بالإمامة، فقال له أبو ذر: كذلك يا ابن مسعود؟!، قال: نعم، قال: فتأخر أبو ذر، [وفي رواية: قال: فقدموني فصليت بهم وأنا عبد مملوك (١).
стр. 163
فدلت هذا الآثار على أن الرجل الزائر - وإن كان فاضلًا - لا يتقدم صاحب البيت في الإمامة إلا بإذنه، فلا شك أن أبا ذر وابن مسعود وحذيفة أفضل من أبي سعيد مولى أبي أسيد، وعلى الرغم من ذلك فقد قدموه.
وأما استدلالهم بالنظر فقالوا:
في تقدم الزائر على صاحب البيت ازدراء به بين عشائره وأقاربه، وهذا لا يليق بمكارم الأخلاق (١).
فائدة: إمام المسجد الراتب أولى بالإمامة من غيره، وذلك قياسًا على
стр. 164
صاحب البيت، وقد نص على ذلك الأمر كثير من الفقهاء (١).
مسألة: إذا اجتمع مالك البيت والمستأجر، فأيهما أولى بالإمامة؟
للفقهاء في هذه المسألة قولان:
الأول: أن المستأجر أولى بالإمامة.
وبهذا قال الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، وهو الصحيح عند الشافعية (٤)، والحنابلة (٥).
الثاني: أن المالك أحق بالإمامة.
وهو وجه عند الشافعية (٦)، ورواية عند الحنابلة (٧).
стр. 165
١٥ - إمامة المرأة للرجال (١)
كاد الإجماع أن ينعقد على عدم صحة إمامة المرأة للرجال، بل نقله البعض: كابن حزم وغيره.
قال ابن حزم: «واتفقوا أن المرأة لا تؤم الرجال وهم يعلمون أنها امرأة، وإن فعلوا فصلاتهم فاسدة بإحماع». اهـ (٢).
إلا أن هذا الإجماع فيه نظر، وهو متعقب (٣).
فللعلماء في هذه المسألة ثلاثة أقوال: وهي:
стр. 166
القول الأول: لا تصح إمامة المرأة للرجال.
وبهذا قال الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، وهو الصحيح من المذهب عند الحنابلة (٤).
وقد عُزي هذا القول إلى جمهور العلماء.
قال النووي: «واتفق أصحابنا على أنه لا تجوز صلاة رجل بالغ ولا صبي خلف امرأة، … ، هذا مذهبنا، ومذهب جماهير العلماء من السلف والخلف، وحكاه البيهقي عن الفقهاء السبعة فقهاء المدينة التابعين». اهـ (٥).
وقال ابن رشد الحفيد: «اختلفوا في إمامة المرأة، فالجمهور على أنه لا يجوز أن تؤم الرجال». اهـ (٦).
واستدل جمهور الفقهاء بالقرآن والأثر والنظر.
стр. 167
أما استدلالهم بالقرآن فهو:
قوله تعالى: ﴿الرجال قوامون على النساء﴾.
وجه الدلالة: أن الله ﵎ لم يجعل القوامة للنساء، ولم يجعل الولاية إليهن فقصرهن عن أن يكن أولياء، بل جعلها للرجال (١).
وإمامة الصلاة نوع ولاية، فلا تصح إمامة المرأة بمن هو قيم عليها.
وأما استدلالهم بالأثر فهو:
الدليل الأول: قوله ﵊: «لا تؤمن امرأة رجلًا» (٢).
وهذا صريح العبارة، واضح الدلالة.
الدليل الثاني: قوله ﵊: «لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُم امْرَأَةً» (٣).
وجه الدلالة: أن الإمام في الصلاة يكون متوليًا أمر المأمومين، والنائب عنهم، فإذا أمت المرأة الرجال فقد ولوها أمرهم، فأصابهم الحديث، ونفي الفلاح يقتضي التحريم.
الدليل الثالث: قوله ﵊: «خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا، وَشَرُّهَا آخِرُهَا، وَخَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا، وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا» (٤).
стр. 168
وجه الدلالة: إذا كان صف النساء الأول الذي يلي الرجال هو شر الصفوف، فلا ريب أن تقدم المرأة على صفوف الرجال شر من ذلك.
وقد يُستدل لأرباب هذا القول أيضًا بالآتي:
الدليل الرابع: قوله ﵊: «التَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ وَالتَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ» (١).
وجه الدلالة: إذا كان النبي ﷺ لم يجوز للنساء التسبيح، فمنعهن من القراءة والإمامة أولى.
الدليل الخامس: قوله ﵊ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَقْطَعُ الصَّلَاةَ الْمَرْأَةُ وَالْحِمَارُ وَالْكَلْبُ الأَسوَد» (٢).
وجه الدلالة: إذا كان مرور المرأة بين يدي المصلي يقطع عليه الصلاة، فكيف يجوز وقوفها أمام الرجال لإمامتهم؟! (٣).
الدليل السادس: حديث ابن مسعود: «أخروهن حيث أخرهن الله» (٤).
стр. 169
وأما استدلالهم بالنظر: فقالوا:
* لو كان ذلك جائزًا لنقل عن الصدر الأول (١)، ولكان أولى الناس به أمهات المؤمنين، وقد كان منهن الفقيهات البالغات، وعن بعضهن نقل كثير من الدين.
* إن الإمامة في الصلاة من العبادات، والعبادات مبنية على التوقيف، والسنة العملية تدل على إمامة الرجل للرجال، فلا يجوز للمرأة أن تؤم الرجال؛ لأن ذلك خلاف ما علم من الشرع المطهر (٢).
* لما كانت المرأة لا تؤذن للرجال: لم يجز أن تؤمهم (٣).
* في إمامة المرأة للرجال ما يسبب افتتانًا بها (٤).
القول الثاني: تصح إمامة المرأة للرجال مطلقًا.
وبهذا قال: أبو ثور، والمزني، والطبري (٥).
وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أذن لها أن تؤم أهل بيتها، ومعلوم أن من الأهل رجالًا، فيكون هذا إقرارًا منه ﵊، بإمامة المرأة للرجال.
وقد أجاب أصحاب القول الأول على هذا الحديث من عدة وجوه هي:
١) أن الحديث لا يصح إسناده. قال أبو الوليد الباجي: هذا الحديث مما لا ينبغي أن يعول عليه. اهـ (١).
٢) في حديث أم ورقة: أنه إنما أذن لها أن تؤم نساء أهل دارها، كذلك رواه الدارقطني (٢)، وهذه زيادة يجب قبولها (٣).
٣) لو قدر ثبوت ذلك لأم ورقة؛ لكان خاصًّا بها، بدليل أنه لا يشرع لغيرها من النساء، أذان ولا إقامة، فتختص بالإمامة، لاختصاصها بالأذان والإقامة (٤).
القول الثالث: تصح إمامة المرأة للرجال في التراويح فقط.
وهذا القول رواية عند الحنابلة (٥).
стр. 172
واستدلوا على ذلك: بحديث أم ورقة (١).
وأجيب عليهم بما أجيب به على أصحاب القول الثاني: وزيد عليه:
أن تخصيص إمامتها للرجال بالتراويح: تحكُّم يخالف الأصول بغير دليل، فلا يجوز المصير إليه (٢).
تنبيه: قال المرداوي: حيث قلنا: تصح إمامتها بهم - يعني بالرجال في التراويح -: فإنها تقف خلفهم لأنه أستر، ويقتدون بها، وهذا الصحيح (٣).
ثم قال: وعنه: تقتدي هي بهم في غير القراءة، فينوي الإمامة أحدهم، اختاره القاضي (٤) في الخلاف فقال: إنما يجوز إمامتها في القراءة خاصة دون بقية الصلاة. اهـ (٥).
وأخيرًا في هذا الباب: قال شيخنا - حفظه الله -:
لا تجوز إمامة المرأة للرجال - والله أعلم - للآتي ذكره.
١) الإجماع المنقول على ذلك.
стр. 173
٢) عدم ورود ذلك على عهد رسول الله ﷺ ، ولا في القرون المفضلة - فيما علمنا -.
٣) قول النبي ﷺ : «التَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ»، ومنعهن من التسبيح.
٤) قوله ﷺ : «شر صفوف النساء أولها».
٥) قوله تعالى: ﴿الرجال قوامون على النساء﴾ الآية.
هذا، وينبغي النظر فيما إذا أمت المرأة أبناءها في البيت لعلة، فهذا يحتاج إلى بحث، والله أعلم. اهـ (١).
стр. 174
١٦ - إمامة المرأة للنساء
حديثنا في هذه المسألة - بإذن الله - ينتظم في ثلاثة أمور، وهي:
أولًا: هل تؤم المرأة النساء أم لا؟
ثانيًا: إذا قلنا بجواز ذلك: فأين تقف منهن؟
ثالثًا: إذا كانت الصلاة جهرية: هل تجهر المرأة بالقراءة أم لا؟
هذا موجز بما يدور عليه الكلام في هذا الباب، والآن: إليك الجواب.
أولًا: هل تؤم المرأة النساء؟
اختلف أهل العلم في هذه المسألة على أربعة أقوال، وهي:
القول الأول: يستحب للمرأة أن تؤم النساء، فرضًا ونفلًا.
وبه قال الشافعية (١)، وهو الصحيح من المذهب عند الحنابلة (٢)، ورواية عن مالك (٣)، واختاره ابن حزم (٤).
стр. 175
واستدل هؤلاء بالأثر والنظر:
أما استدلالهم بالأثر، فهو:
الدليل الأول:
حديث أم ورقة، وفيه: أن النبي ﷺ أذن لها في إمامة أهل بيتها، وفي رواية: أذن لها أن تؤم النساء من أهل بيتها (١).
وجه الدلالة:
إقرار النبي ﷺ لأم ورقة، وإذنه لها يدل على الجواز.
الدليل الثاني:
أن أم المؤمنين عائشة ﵂ أمت نسوة في المكتوبة، فأمتهن فقامت بينهن وسطًا (٢).
стр. 176
الدليل الثالث:
أن أم المؤمنين أم سلمة ﵂ أمت النساء فقامت وسطًا (١).
стр. 177
قالوا: فهذا فعل أمهات المؤمنين، وهما أي عائشة وأم سلمة، من الفقه والعلم بمكانة لا تخفى، ولا نعرف مخالفًا لهما من أمهات المؤمنين، أو الصحابة (١).
стр. 178
الدليل الرابع:
قال ابن عباس: تؤم المرأة النساء تقوم في وسطهن (١).
وقد جاء الترخيص في ذلك عن عدد من التابعين أيضًا، مثل الحسن البصري (٢)، وابن جريج (٣)، وغيرهما.
وأما استدلالهم بالنظر، فقالوا:
إن المرأة لا تقطع صلاة المرأة إذا صلت أمامها، أو إلى جنبها، ولم يأت بالمنع من ذلك قرآن ولا سنة، وهو فعل خير، وقد قال تعالى: ﴿وافعلوا الخير﴾. وهو تعاون على البر والتقوى (٤).
ولأن النساء من أهل الفرض فأشبهن الرجال، فجاز لهن ما جاز للرجال في الصلاة أي الجماعة (٥).
стр. 179
القول الثاني: لا تصح إمامة المرأة للنساء، وبه قال المالكية (١). واستدلوا على ذلك بالأثر والنظر.
أما استدلالهم بالأثر فهو:
الدليل الأول: حديث ابن مسعود: «أخروهن حيث أخرهن الله» (٢).
ويجاب عنه بأنه من قول ابن مسعود ﵁ لا من قول النبي ﷺ ، كما أنه لا يفيد منعها من إمامة النساء، وإنما قد يفيد تأخير صفوف النساء، وإن أفاد معنى ما يستدلون به: فهو مخالف بفعل أم سلمة وعائشة ﵄، فلا يكون قول ابن مسعود حجة عليهما.
الدليل الثاني: قول علي بن أبي طالب «لا تؤم المرأة».
ويجاب عنه: بأنه ضعيف الإسناد، فلا يثبت عن علي (٣).
وأما استدلالهم بالنظر، فقالوا:
* إنه يكره للمرأة الأذان، وهو دعاء الجماعة، فكره لها ما يراد الأذان له (٤).
ويجاب عنه: بأنه قياس في مقابل نص عن الصحابة، فلا يقوى الاستدلال به.
* وإن المرأة أسوأ حالًا من الصبي للأمر بتأخيرها في الصفوف،
стр. 180
بخلافه (١).
القول الثالث: تكره إمامة المرأة للنساء، فرضًا ونفلًا.
وبهذا قال الحنفية (٢).
واستدلوا على ذلك بالنظر، فقالوا:
إن جماعة النساء وحدهن لا تخلو عن ارتكاب مكروه، فإن إمامتهن إما أن تتقدم على القوم، أو تقف وسطهن، وفي الأول زيادة الكشف، وهي مكروهة، وفي الثاني ترك الإمام مقامه، وهو مكروه.
وترك ما هو سنة أولى من ارتكاب مكروه (٣).
وأجاب هؤلاء عن الأدلة التي استدل بها الفريق الأول بأنها منسوخة بقوله ﷺ : «صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها، وصلاتها في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها» (٤).