← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 30185

جامع أحكام صلاة الإمام

أحمد الجابري

Полный текст (484 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

والحنابلة (١) إلى جواز مثل هذه الصورة، شريطة أن يسمع المأموم صوت إمامه أو يراه أو يرى من خلفه. واستدلوا على ذلك بالأثر والنظر: أما استدلالهم بالأثر، فهو: عن صالح مولى التوأمة قال: صليت مع أبي هريرة فوق المسجد بصلاة الإمام وهو أسفل (٢).

стр. 212

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 213

ووجه الدلالة: أن أبا هريرة ائتم بالإمام الذي في المسجد، وهو على سطح المسجد، ولو كان هناك نهيٌ يعلمه في ذلك لما فعله، ولم يُنقل عن غيره نهيٌ في ذلك، فبقي الأمر على الجواز. وقد جاء عن بعض التابعين أيضًا ما يدل على جواز ذلك، ومنهم. سالم بن عبد الله بن عمر: عن سعيد بن مسلم قال: رأيت سالم بن عبد الله صلى فوق ظهر المسجد صلاة المغرب، ومعه رجل آخر، يعني: يأتم بالإمام (١). محمد بن سيرين: عن عبد الله بن عون قال: سئل محمد عن الرجل يكون على ظهر بيت يصلي بصلاة الإمام في رمضان، فقال: لا أعلم به بأسًا إلا أن يكون بين

стр. 214

يدي الإمام (١). ولا يُتصور من هذه الآثار: أن أبا هريرة وسالمًا، وغيرهما يصلون على سطح المسجد والإمام يقف وحده في المسجد، بل العقل يقول: إنه كان هناك من يصلي مع الإمام في المسجد، ولذا لم ينزل أبو هريرة - وغيره، واكتفوا بائتمامهم به من أعلى المسجد، والله أعلم. وأما استدلالهم بالنظر، فقالوا: إن هذا الارتفاع للمأموم عن الإمام لا تأثير له في المنع من الاقتداء بالإمام، ولم يرد فيه نهي، ولا هو في معنى ذلك، فلم يمنع صحة الائتمام به، كالفصل اليسير (٢). الصورة الثانية: وهي نادرة في زماننا. وفيها: يصلي الإمام وحده في مكان، وباقي القوم يأتمون به وهو في مكان أعلى منه. وهذه الصورة، اختلف العلماء في حكمها على قولين: وهما: القول الأول: يكره أن يكون موضع المأموم أعلى من موضع الإمام إلا لحاجة (٣). وبهذا قال: الحنفية (٤)، والمالكية في رواية (٥)، …

стр. 215

والشافعية (١)، وهو رواية عند الحنابلة (٢). واستدل هؤلاء على ذلك بالنظر، فقالوا: تقاس كراهة ارتفاع المأموم على كراهة ارتفاع الإمام، إذ العلة واحدة، وهي اختلاف الإمام والمأموم في المكان، إضافة إلى التشبه بأهل الكتاب، فإنهم لا يشاركون الإمام في المكان (٣). القول الثاني: جائز أن يكون موضع المأموم أعلى من الإمام بلا كراهة. وبهذا قال: بعض الحنفية (٤)، والمالكية في الرواية الأخرى (٥)، وهو الصحيح من المذهب عند الحنابلة (٦). واستدلوا على ذلك بالأثر والنظر: أما استدلالهم بالأثر، فهو: الآثار المستدل بها في الصورة الأولى، عن أبي هريرة ﵁، وسالم، وابن سيرين. قالوا: فهذه الآثار يدل عمومها على جواز ارتفاع المأموم عن الإمام.

стр. 216

وأما استدلالهم بالنظر؛ فقالوا: إن الموجب للكراهة التشبه بأهل الكتاب في صنيعهم، ولا تشبه ههنا، لأن مكان إمامهم لا يكون أسفل من مكان القوم (١). وأما عن اختلاف المكان: فإنه غير مؤثر هنا طالما أن المأموم يتمكن من متابعة إمامه (٢). وأخيرًا: قال شيخنا - حفظه الله -: أما ارتفاع المأمومين عن إمامهم: فنفس الحكم (٣) فيما يبدو، والله أعلم.

стр. 217

٢٠ - الإمام يفصل بينه وبين القوم حائط أو طريق هذه المسألة من المسائل التي لا يكاد يوجد فيها شيء صحيح صريح عن النبي ﷺ ، وهو الأمر الذي يؤدي تبعًا لتباين الآراء بين العلماء إلى الاختلاف الشديد. ويمكن تلخيص هذه المسألة في أربعة أحوال رئيسة، يندرج تحتها كلام الفقهاء، وسأبدأ الكلام في كل حالة - إن شاء الله - بذكر ما اتفق عليه الفقهاء أولًا، ثم أذكر بعد ذلك ما نشأ بينهم من اختلاف - إن وُجد - وهذه الأحوال الأربع هي: أولًا: إذا كان الحائل بين الإمام والقوم في نفس المسجد. نقل النوويُّ الإجماعَ على صحة الصلاة إذا كانا - الإمام والمأموم - في مسجد واحد، مع علم المأموم بصلاة الإمام، سواء حال حائل أم لا. يقول النووي: للإمام والمأموم في المكان أحوال، منها: أن يكونا في مسجد: فيصح الاقتداء، سواء قربت المسافة بينهما أم بعدت لكبر المسجد، وسواء اتحد البناء أم اختلف، كصحن المسجد، وصُفّته وسرداب فيه، وبئر مع سطحه ومساحته، والمنارة التي هي من المسجد، تصح الصلاة في كل هذه الصور وما أشبهها، إذا علم صلاة الإمام ولم يتقدم عليه، سواء كان أعلى منه أم أسفل، ولا خلاف في هذا، ونقل أصحابنا فيه إجماع المسلمين (١). وقال في موطن لاحق: إذا كانا في المسجد: صحت الصلاة إذا علم صلاته، سواء حال حائل

стр. 218

أم لا، وهذا لا خلاف فيه كما سبق. اهـ (١). قلت: ويدخل في هذه المسألة التي نقل الإجماع عليها: المنابر التي نشاهدها في بعض المساجد، والتي يبالغ في بنائها حتى تصبح فاصلًا - أحيانًا - بين الصفوف. وقد سئل الإمام أحمد عن هذه المسألة بعينها، فقال - في المنبر -: إذا قطع الصف: لا يضر اهـ (٢). وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية عمن يصلي مع الإمام، وبينه وبين الإمام حائل بحيث لا يراه ولا يرى من يراه (٣)، هل تصح صلاته أم لا؟ فأجاب قائلًا: الحمد لله، نعم تصح صلاته عند أكثر العلماء، وهو المنصوص الصريح عن أحمد، فإنه نص على أن المنبر لا يمنع الاقتداء. والسنة في الصفوف أن يتموا الأول فالأول، ويتراصون في الصفوف، فمن صلى في مؤخر المسجد مع خلو ما يلي الإمام: كانت صلاته مكروهة، والله أعلم. اهـ (٤). ثانيًا: إذا كان المقتدي خارج المسجد وبينه وبين الإمام حائط أو حائل. لهذه الحالة صورتان: الصورة الأولى: أن يمتلأ المسجد بالمصلين، وتكتمل الصفوف،

стр. 219

فيصلي الناس خارج المسجد والصفوف متصلة ببعضها. فهذه الحالة: الصلاة فيها صحيحة جائزة باتفاق الأئمة (١). الصورة الثانية: أن يكون في المسجد مكان للمصلين، فيصلي المقتدى بالإمام خارج المسجد، كأن يصلى في بيت ملاصق للمسجد، فيكون الفاصل بينه وبين الإمام والصفوف، حائل أو حائط أو جدار، فيقتدي بالإمام بسماع صوته دون رؤيته. وهذه الصورة: اختلف العلماء فيها على قولين: القول الأول: يصح الائتمام بهذا الإمام. وبهذا قال الحنفية (٢)، والمالكية - لكن في غير الجمعة (٣) -، ورواية عند الحنابلة (٤).

стр. 220

يقول الحنفية: وعلى هذا الاقتداء في الأماكن المتصلة بالمسجد الحرام وأبوابها من خارجه صحيح إذا لم يشتبه عليهم حال الإمام بسماع أو رؤية، ولم يتخلل إلا الجدار، وكذا فيمن صلى على سطح بيته المتصل بالمسجد، أو في منزله بجنب المسجد وبينه وبين المسجد حائط مقتديًا بإمام المسجد وذلك بسماع التكبير من الإمام أو من المكبر = تجوز صلاته (١). واستدل هؤلاء على ذلك بالأثر والنظر: أما استدلالهم بالأثر، فهو: الدليل الأول: عَنْ أَسْمَاءَ بنت أبي بكر قَالَتْ: خَسَفَت الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَدَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ، وَهِيَ تُصَلِّي فَقُلْتُ: مَا شَأْنُ النَّاسِ يُصَلُّونَ، فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا إِلَى السَّمَاءِ، فَقُلْتُ: آيَةٌ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، فَأَطَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْقِيَامَ جِدًّا، حَتَّى تَجَلَّانِي الْغَشْيُ (٢)، فَأَخَذْتُ قِرْبَةً مِنْ مَاءٍ إِلَى جَنْبِي، فَجَعَلْتُ أَصُبُّ عَلَى رَأْسِي أَوْ عَلَى وَجْهِي مِنْ الْمَاءِ، قَالَتْ: فَانْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَقَدْ تَجَلَّت الشَّمْسُ … » (٣) الحديث. وجه الاستدلال: أن عائشة ﵂ صلت في بيتها صلاة الكسوف بصلاة النبي ﷺ بالناس، ومعها أختها أسماء ﵁، والبيت منفصل عن المسجد بجدار، فدل ذلك على الجواز (٤)

стр. 221

الدليل الثاني: عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قالت: كان رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يصَلّي من الليل في حجرته، وجدار الحجرة قصير، فرأى الناس شخص النبي ﷺ فقام أناس يصلون بصلاته، فأصبحوا فتحدثوا بذلك، فقام ليلة الثانية، فقام معه أناس يصلون بصلاته، صنعوا ذلك ليلتين أو ثلاثة، حتى إذا كان بعد ذلك جلس رسول الله ﷺ فلم يخرج، فلما أصبح ذكر ذلك الناس، فقال: «إني خشيت أن تكتب عليكم صلاة الليل» (١). وجه الدلالة: أن الصحابة وإن رأوا النبي ﷺ في جزء من الصلاة، إلا أنهم لم يروه في باقي الصلاة، وإنما سمعوا صوته من وراء الجدار، فلم يمنعهم ذلك من الائتمام به، وقد علم النبي ﷺ فعلهم ولم ينكره عليهم، فلو كان ذلك غير جائز لما تأخر عن تبيينه. وقد ورد عن بعض الصحابة والتابعين أيضًا ما يدل على جواز ذلك، ومنه. ١) أثر عائشة ﵂: عن القاسم بن محمد: عن عائشة: أنها كانت تصلي بصلاة الإمام في بيتها وهو في المسجد (٢). ٢) أثر أنس بن مالك ﵁: عن حميد الطويل قال: كان أنس يجمع مع الإمام وهو في دار نافع بن عبد الحارث، بيت مشرف على المسجد له باب إلى المسجد، فكان يجمع فيه ويأتم بالإمام (٣).

стр. 222

٣) أثر إبراهيم النخعي ﵀: عن منصور بن المعتمر قال: كان إلى جنب مسجدنا سطح عن يمين المسجد أسفل من الإمام، فكان قوم هاربين في إمارة الحجاج، وبينهم وبين المسجد حائط طويل، يصلون على ذلك السطح ويأتمون بالإمام، فذكرته لإبراهيم: فرآه حسنًا (١). وأما استدلالهم بالنظر، فقالوا: إن المأموم أمكنه الاقتداء بالإمام، فيصح اقتداؤه به من غير مشاهدة، قياسًا على الأعمى، ولأن المشاهدة تراد للعلم بحال الإمام، والعلم يحصل بسماع التكبير فجرى مجرى الرؤية، ولا فرق بين أن يكون المأموم في المسجد أو في غيره (٢). القول الثاني: لا يصح الائتمام بهذا الإمام. وبهذا قال الشافعية (٣)، وهو رواية عن أبي حنيفة (٤)، وهو الصحيح من المذهب عند الحنابلة (٥). واستدل هؤلاء على ذلك بالأثر، وهو ما جاء عن:

стр. 223

١ - عمر بن الخطاب ﵁: عن نعيم بن أبي هند: عن عمر بن الخطاب: أنه قال في الرجل يصلي بصلاة الإمام قال: إذا كان بينهما طريق، أو نهر، أو جدار فلا يأتم به (١). وأُجيب عليهم: بأن هذا لم يصح عن عمر، فلا حجة فيه لضعفه. ٢ - عائشة ﵂: عن عطاء عن عائشة: أن نساءً صلين في حجرتها، فقالت: لا تصلين بصلاة الإمام، فإنكن في حجاب (٢). وأُجيب عليهم: بأن هذا لم يصح عن عائشة، وقد صح عنها من فعلها خلافُ ذلك. ثالثًا: إذا كان الإمام في المسجد أو خارجه وبينه وبين المقتدي طريق: ابتداءً أقول: إذا كانت الصلاة خارج المسجد فإن الفقهاء يشترطون أن لا تطول المسافة بين الإمام والمأمومين. قال النووي ﵀: يشترط ألا تطول المسافة بين الإمام والمأمومين إذا صلوا في غير المسجد، وبه قال جماهير العلماء، وقدر الشافعي القرب

стр. 224

بثلاثمائة ذراع، وقال عطاء: يصح مطلقًا وإن طالت المسافة ميلًا وأكثر إذا علم صلاته. اهـ (١). ثم نعود إلى مسألتنا هنا وهي: إذا فصل بين الإمام والمأمومين طريقٌ: فللعلماء في هذه المسألة قولان: القول الأول: يصح الاقتداء والائتمام بهذا بالإمام. وبهذا قال المالكية (٢)، والشافعية (٣)، ورواية عند الحنابلة (٤)، بل هو قول الأكثرين (٥). واستدل هؤلاء على ذلك بشيء من الأثر، وهو ما جاء عن: * أنس بن مالك ﵁: عن صالح بن إبراهيم أنه رأى أنس بن مالك صلى الجمعة في دار حميد بن عبد الرحمن بصلاة الوليد بن عبد الملك، وبينهما طريق (٦). وجاء أيضًا عن بعض التابعين، مثل:

стр. 225

١ - عروة بن الزبير: عن هشام بن عروة قال: جئت أنا وأبي مرة فوجدنا المسجد قد امتلأ، فصلينا بصلاة الإمام في دار عند المسجد بينهما طريق (١). وفي رواية عن هشام: أن عروة كان يصلي بصلاة الإمام وهو في دار حميد بن عبد الرحمن، وبينهما وبين المسجد طريق (٢). ٢ - أبو مجلز: لاحق بن حميد: عن أبي مجلز قال: تصلي المرأة بصلاة الإمام، وإن كان بينهما طريق أو جدار بعد أن تسمع التكبير = فلا بأس (٣). قالوا: ولم يأت في المنع نص (٤)، ولا إجماع، ولا هو في معني ذلك، فبقي الأمر على الجواز (٥). القول الثاني: لا يصح الاقتداء. وبهذا قال الحنفية (٦)،

стр. 226

وهو رواية عند الحنابلة (١). واستدلوا على ذلك بشيء من الأثر والنظر: أما استدلالهم بالأثر: فهو ما جاء عن بعض التابعين، مثل: ١) عامر الشعبي: عن عيسى بن أبي عزة قال: سألت الشعبي عن المرأة تصلي بصلاة الإمام بينهما طريق، قال: ليس ذلك لها (٢). ٢) إبراهيم النخعي: عن الأعمش عن إبراهيم: أنه كان يَكرهُ أن يُصلي بصلاة الإمام إذا كان بينهما طريق أو نساء (٣). وأما استدلالهم بالنظر؛ فقالوا: حتى يصح الاقتداء عامة: ينبغي أن يتحد مكان الإمام والمأموم؛ لأن الاقتداء يقتضي التبعية في الصلاة، والمكان من لوازم الصلاة فيقتضي التبعية في المكان ضرورة، وعند اختلاف المكان تنعدم التبعية في المكان فتنعدم التبعية في الصلاة لانعدام لازمها. فلو كان بينهما طريق عام يمر فيه الناس: فإن ذلك يوجب اختلاف

стр. 227

المكانين عرفًا، مع اختلافهما حقيقة، فيمنع صحة الاقتداء، وأصل هذا: ما روي عن عمر بن الخطاب (١) (٢). رابعًا: إذا كان الفاصل بين الإمام والمأمومين نهر: اتفقت المذاهب الأربعة على أنه إذا كان بين الإمام والمقتدي نهر كبير تجري فيه السفن = لا يصح الاقتداء، وإذا كان صغيرًا: يصح الاقتداء. لكنهم اختلفوا في حد هذا الكبر أو الصغر، وكذا في تعريفه، ودونك التفصيل. * فعند الحنفية: قالوا: لو كان الفاصل بين الإمام والمقتدى نهرٌ عظيم: لا يصح الاقتداء، والمراد بالنهر: ما تجري فيه السفن، ولو زورق [نوع من السفن الصغار]. قالوا: وأما ما دون ذلك بمنزلة الجدول: فلا يمنع صحة الاقتداء (٣). * وعند المالكية: قالوا: لو كان الفاصل بين المقتدي والإمام نهر صغير لا يمنع من سماع الإمام أو مأمومه، أو رؤية فعل أحدهما: يصح الاقتداء. قالوا: وأما ما يمنع من سماع الإمام ومأمومه، ومن رؤية فعل أحدهما: فلا يجوز (٤).

стр. 228

* وعند الشافعية: حد النهر الصغير الذي يصح مع وجوده بين الإمام والمقتدى الائتمام هو: أن يمكن العبور من أحد طرفيه إلى الآخر بالوثوب فوقه، أو المشي فيه، أو على جسر ممدود على حافتيه، قالوا: وفي حكمه النهر الصغير المُحِوج إلى السباحة، على الصحيح (١). * وعند الحنابلة: قالوا: إذا كان الفاصل بين المقتدي والإمام نهرٌ تجري فيه السفن: لم يصح الاقتداء (٢). ثم أختم النقل في هذا الباب عمن بدأت بالنقل عنه أيضًا، وهو الإمام النووي حيث قال: ويشترط لصحة الاقتداء علم المأموم بانتقالات الإمام، سواء صليا في المسجد أو غيره، أو أحدهما فيه والآخر في غيره، وهذا مجمع عليه. قال أصحابنا: ويحصل له العلم بذلك بسماع الإمام، أو من خلفه، أو مشاهدة فعله أو فعل من خلفه، ونقلوا الإجماع في جواز اعتماد كل واحد من هذه الأمور. اهـ (٣). وأخيرًا: قال شيخنا - حفظه الله ونفع بعلمه -: لا أعلم في المسألة حديثًا صريحًا حاسمًا، ولكن تعددت أقوال العلماء، ما بين مانع ومجوز، وثم آثار عن الصحابة والتابعين بالتجويز، والمانع يلزمه الدليل، فالقول بالجواز وجهه واضح، ما لم تخرج عن حد الاعتدال، والله أعلم.

стр. 229

٢١ - المد الزائد في التكبيرات في الصلاة «الله أكبر» بها يدخل المسلم في الصلاة. وقد استحب الفقهاء (١) لقائلها - إمامًا كان أو منفردًا - أن يبينها، وأن يحذفها أي: يأتي بها سريعًا بلا مد ولا تمطيط. ويستدل الفقهاء على ذلك بالأثر والنظر. أما استدلالهم بالأثر؛ فهو: حديث إبراهيم النخعي «التكبير جزم» (٢). وأما استدلالهم بالنظر؛ فقالوا: إن المد في أول التكبير لحن من حيث الدين، فمد همزة «الله» يجعلها

стр. 230

استفهامًا، والاستفهام يكون للشك، والشك في كبرياء الله تعالى كفر. وأما المد في آخره فإنه لحن أيضًا، فإن أكبر: على وزن أفعل، وأفعل: لا يحتمل المد لغة. كما أن «أكبار»، بالألف: جمع كبر، والكبر: هو الطبل، وبذلك فسد المعنى (١)، ولذلك ذهب: الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥)، إلى أن هذا المد المذكور يفسد التكبير، ولا يجزأ صاحبه. وأما تكبيرات الانتقال في الصلاة: فللعلماء فيها قولان. القول الأول: يستحب حذفها وعدم المد فيها كما هو الشأن في تكبيرة الإحرام. وهذا قول الحنفية (٦)، والمالكية (٧)، وقول عند الشافعية (٨)، وعليه الحنابلة (٩). واستدلوا على ذلك: بما استُدل به في شأن تكبيرة الإحرام. القول الثاني: يستحب مدها إلى أن يصل إلى الركن المنتقل إليه (١٠).

стр. 231

وهذا هو القول الثاني عند الشافعية، وهو الجديد الصحيح عندهم (١)، واختاره بعض الحنابلة (٢). واستدلوا على ذلك بالنظر؛ فقالوا: وذلك حتى لا يخلو جزء من صلاته من ذكر (٣). تتمة: وأما ما يفعله بعض الأئمة في زماننا من المغايرة والتمييز بين بعض التكبيرات، كالتكبير للتشهد الأول أو الأخير بنبرة مختلفة عن باقي التكبيرات، أو مد زائد في التكبير = فلم أقف فيه على شيء لعلمائنا الأولين! بل قال الشيخ العلامة بكر أبو زيد ﵀ في حديثه عن هذه المسألة: «تطلبت حل هذا الإشكال فلم أر فيه ما يشفي». اهـ (٤). وعلى ذلك: فقد تباينت أقوال أهل العلم المعاصرين في هذه المسألة لفقد النص، بل لفقد أقوال العلماء السابقين (٥). فمن قائل بجواز ذلك، مثل: سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ فقد أجابت اللجنة الدائمة - برئاسة سماحة الشيخ - عن سؤال حول هذه المسألة، ونصه:

стр. 232

س: أفتونا يرحمكم الله عن كيفية أداء تكبيرات الصلاة، وهل من الأفضل تمييز التكبير بالتشهد الأوسط والأخير عن غيرهما بمد [الله أكبر]، لمعرفة المأمومين بالجلوس، خاصة العجزة؛ لأنه حصل بسبب ذلك - وهو أن بعض الأئمة ما يفرقون بين التكبيرات، ثم إن القريب من الإمام يلتفت للنظر هل هو قائم أو جالس، والبعيد عنه يقوم وهو من العجزة ومعه عصا ثم يكون مخالفًا لإمامه، ويرجع مع الكلافة، أما بعض الأئمة فهو يجعل فارقًا بين التكبيرات للتشهد الأوسط والأخير، ويعرف بذلك المأمومون ولو كانوا بعيدين عن الإمام، وذلك حينما يمد لفظ الجلالة «الله» وتكون فارقة عن غيرها. فما رأي فضيلتكم بأحد الأمرين؟ فأجابت اللجنة: الأصل هو عدم التمييز بين التكبيرات في الصلاة، ونحن لا نعلم دليلًا شرعيًّا يدل على التمييز، وتكبيرات الصلاة من العبادات، والعبادات مبنية على التوقيف، ومن ادعى التمييز بينهما فهو مطالب بالدليل، ولكن: لا نعلم حرجًا في التمييز من أجل المصلحة التي ذكرت عملًا بعمومات الأدلة الشرعية الدالة على فضل التيسير والتسهيل والإعانة على الخير، وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم (١). عضو عضو نائب رئيس اللجنة عبد الله بن قعود عبد الله بن غديان عبد الرزاق عفيفي الرئيس عبد العزيز بن عبد الله بن باز

стр. 233

وممن ذهب إلى جواز ذلك أيضًا: فضيلة الشيخ: بكر أبو زيد ﵀ (١). فضيلة الشيخ: ابن جبرين ﵀ (٢). بينما ذهب فريق آخر إلى أن منع ذلك أولى، ومنهم. فضيلة الشيخ ابن عثيمين ﵀ حيث قال: قال العلماء: يكره تمطيط التكبير حتى في النهوض من السجود إلى القيام مع طول النهوض، وحتى في الهوي إلى السجود مع طول ما بين القيام والسجود، قالوا: لأن هذا لم ترد به السنة فيكون مكروهًا، هكذا نص عليه الفقهاء ﵏ ولكن: الظاهر - والله أعلم - أن الأمر في هذا واسع، ولكن ليس مدها بأفضل من قطعها، كما يتوهمه بعض الناس، فبعض الناس يقول: تجعل للركوع هيئة في التكبير، وللسجود هيئة، وللتشهد هيئة، لأجل أن يكون المأموم خلفك آلة متحركة، لأن المأموم إذا صارت التكبيرات تختلف: فإنه يتابع التكبير، حتى ولو كان سارح القلب، إن كبرت تكبيرة السجود سجد، وإن كبرت تكبيرة النهوض نهض. لكن: إذا قطعت التكبير كله: صار المأموم قد شد أعصابه وفكره، يخشى أن يقوم في موضع الجلوس، أو يجلس في موضع القيام، وأما المسبوق فقد يلتبس عليه الأمر، ولكن: هذا محذور يمكن إزالته بأن يقال: إن النبي ﷺ لم ينقل عنه أنه كان يفرق بين التكبيرات، بل إن ظاهر صنيعه ﵇ أنه لا يفرق، لأنه لما صنع المنبر صلى عليه، وقال: «إنما

стр. 234

فعلت هذا لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي» (١)، فلو كان يخالف بين التكبير لكان الناس يأتمون به ولو لم يكن على المنبر. ثم قال الشيخ ﵀: وأهم شيء هو اتباع السنة، مع حصول الفائدة في كون المأموم يشد نفسه حتى يعرف عدد الركعات. اهـ (٢). وشبيه بكلام الفقهاء هنا في هذه المسألة: كلامهم في مسألة أخرى مشابهة، فكما تقدموا عن لفظة «الدخول في الصلاة»، كذلك تكلموا عن لفظة «الخروج منها»، أعني: لفظة التسليم. وهذه مسألتنا التالية، والتي تعرف بـ:

стр. 235

٢٢ - حذف السلام لأهل العلم في تعريف «حذف السلام»، عدة أقوال وهي: ١) قالوا: معناه أن يدرج لفظ السلام، ولا يمده مدًّا (١). ٢) وقيل: معناه الجهر بالتسليمة الأولى وإخفاء الثانية (٢). ٣) وقيل: معناه أن لا يقول في السلام: ورحمة الله (٣). والمعنى المنشود من هذه الأقوال هنا، والذي يقصده الفقهاء: هو القول الأول. إذا علمت هذا: فاعلم أن جميع الفقهاء يستحبون حذف السلام، بلا خلاف بينهم. قال النووي ﵀: يستحب أن يدرج لفظة السلام ولا يمدها، ولا أعلم

стр. 236

فيه خلافًا للعلماء. اهـ (١). وقال الغزالي: ويجزم التسليم، ولا يمده مدًّا، فهو السنة. اهـ (٢). واستدلوا على ذلك بالأثر، وهو عن أبي هريرة ﵁ قال: «حذف السلام سنة» (٣).

стр. 237

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 238

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 239

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 240

قالوا: وإن كان هذا من قول أبي هريرة: إلا أنه مما يدخل في المسند عند أهل الحديث، أو أكثرهم، وعليه فيستحب للإمام أن يترك الإطالة في لفظ التسليم، ويسرع فيه (١). وقال شيخنا - حفظه الله -: لم يثبت في حذف السلام حديث، لكن قول الأكثرين: أنه لا يمد السلام، والله أعلم.

стр. 241

٢٣ - مواطن سكتات الإمام حين يدخل الإمام في صلاة جهرية: فإنه أحيانًا ما يسكت بعد تكبيرة الإحرام يسيرًا، وقد يسكت أيضًا عقب قراءته الفاتحة، … ، إلى غير ذلك من المواطن التي يتبين لمن خلفه سكوته فيها. وهذه السكتات: لم يتفق العلماء عليها، بل اختلفوا. وسبب الاختلاف بينهم: هو تعارض الآثار الواردة في هذا الباب عند بعضهم، أو الاختلاف في صحة الآثار الواردة في ذلك (١). وتلخيص هذا الاختلاف: أن من العلماء من ذهب إلى أن الإمام ليس له سكوت، ومنهم من قال: بل له سكته واحدة، وقال آخرون: بل سكتتان، وزاد آخرون فقالوا: هي ثلاث سكتات، ووصل الأمر بالبعض أن أوصلوها إلى: أربع سكتات. فتحصل لدينا من ذلك أن لأهل العلم في مسألتنا خمسة أقوال: وهي: القول الأول: للإمام أن يسكت سكتة واحدة بعد التكبير وقبل القراءة، يقول فيها: دعاء الاستفتاح، وليس له سكوت بعد ذلك. وبهذا قال الحنفية (٢). واستدلوا على ذلك بالأثر والنظر.

стр. 242

أما استدلالهم بالأثر؛ فهو: ما جاء من الأحاديث الصحيحة في أدعية الاستفتاح (١)، مثل: الدليل الأول: حديث أبي هريرة ﵁. عن أبي هريرة قال: كان رسول الله ﷺ إذا كبر في الصلاة سكت هُنية (٢)، قبل أن يقرأ، فقلت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة، ما تقول؟ قال: «أقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياي (٣)، كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني (٤) من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد» (٥) (٦). وهذا الحديث - كما قال الحافظ: أصح ما ورد في ذلك (٧).

стр. 243

الدليل الثاني: حديث علي بن أبي طالب ﵁. عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ كَانَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ قَالَ: «وَجَّهْتُ وَجْهِيَ (١) لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ (٢) حَنِيفًا (٣) وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ، إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي (٤) وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي (٥) لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ، اللَّهُمَّ أَنْتَ الْمَلِكُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَنْتَ رَبِّي وَأَنَا عَبْدُكَ، ظَلَمْتُ نَفْسِي وَاعْتَرَفْتُ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي ذُنُوبِي جَمِيعًا، إِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، وَاهْدِنِي لِأَحْسَنِ الْأَخْلَاقِ لَا يَهْدِي لِأَحْسَنِهَا إِلَّا أَنْتَ، وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَهَا لَا يَصْرِفُ عَنِّي سَيِّئَهَا إِلَّا أَنْتَ، لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ، وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ أَنَا بِكَ وَإِلَيْكَ تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ … » (٦) الحديث. الدليل الثالث: أثر عمر بن الخطاب ﵁. عن الأسود بن يزيد: أن عمر بن الخطاب ﵁ حين افتتح الصلاة كبر، ثم قال: سبحانك اللهم وبحمدك، تبارك اسمك وتعالى جدك (٧)، ولا إله غيرك (٨).

стр. 244

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 245

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 246

وقد اختار أبو حنيفة من أدعية الاستفتاح: هذا الأخير المروي عن عمر (١). واختار أبو يوسف الجمع بين الدعائين الأخيرين (٢). وأما استدلالهم بالنظر؛ فقالوا: إن سكوت الإمام في هذا الموطن ليس سكوتًا حقيقيًّا، إذ فيه دعاء وذكر - كما سبق - وأما السكوت بلا قراءة: فحرام، ولذلك يحرم عليه السكوت في غير الموطن المذكور (٣). القول الثاني: ليس للإمام أن يسكت في أي موطن، بل يكبر ثم يبتدئ القراءة.

стр. 247

وبهذا قال مالك (١)، وعليه المالكية (٢). واستدلوا على ذلك بالأثر، وهو: الدليل الأول: حديث أنس ﵁: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، وَأَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ ﵄ كَانُوا يَفْتَتِحُونَ الصَّلَاةَ بِالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣). قالوا: فلم يذكر شيئًا عن دعائهم قبل القراءة، أو سكوتهم. وأجيب عليهم: بأن المراد أنهم يفتتحون القراءة - كما في رواية مسلم، ومعناه: أنهم كانوا يقرؤون الفاتحة قبل السورة، وليس المقصود أنه لا يأتي بدعاء الاستفتاح، وبين ذلك حديث عائشة ﵂ حين قالت: كان رسول الله ﷺ يستفتح الصلاة بالتكبير، والقراءة بالحمد لله رب العالمين (٤). ثم واصل المعترضون على دليل المالكية الكلام بقولهم: وإن كان الحديث كما تقولون: فليس فيه تصريح بنفي دعاء الاستفتاح، ولو صرح بنفيه كانت الأحاديث الصحيحة المتظاهرة بإثباته مقدمة، لأنها زيادة ثقات، ولأنها إثبات، وهو مقدم على النفي (٥).

стр. 248

الدليل الثاني: حديث أبي هريرة (١) ﵁. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَدَخَلَ رَجُلٌ فَصَلَّى، ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرَدَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ السَّلَامَ، قَالَ: «ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ»، فَرَجَعَ الرَّجُلُ فَصَلَّى كَمَا كَانَ صَلَّى، ثُمَّ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وَعَلَيْكَ السَّلَامُ»، ثُمَّ قَالَ: «ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ»، حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَقَالَ الرَّجُلُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أُحْسِنُ غَيْرَ هَذَا عَلِّمْنِي قَالَ: «إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ، ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا، … » (٢) الحديث. قالوا: فها هو النبي ﷺ يعلم الأعرابي الصلاة، فيقول له: «إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَأْ … ». ولم يقل له: سبح - كما يقول أبو حنيفة -، ولا قل: وجهت وجهي - كما يقول الشافعي -، فلو كان هذا الاستفتاح من الصلاة لعلمه النبي ﷺ إياه؛ لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز (٣). وأجيب عليهم: بأن النبي ﷺ إنما علمه الفرائض فقط، وهذا ليس من الفرائض، ولذلك لم يذكره له (٤). يقول النووي: - بعد إجابته على أدلة المالكية -: ودليلنا أي: على دعاء الاستفتاح وسكتته - الأحاديث الصحيحة التي

стр. 249

ذكرناها، ولا جواب له [أي مالك]، عن واحد منها. اهـ (١) قلت (القائل أحمد): هناك جوابان: أحدهما عن مالك، والآخر عن بعض المالكية. أما جواب مالك عن هذه الأحاديث: فإن مالكًا ﵀ كان يقول بها في خاصة نفسه لصحة الحديث، وإنما كان لا يراه للناس مخافة أن يعتقدوا وجوبه (٢). وأما الجواب الآخر: وهو خاص بحديث من أحاديث الاستفتاح السالف ذكرها، - وهو حديث علي بن أبي طالب - فيقول القرطبي: فإن قيل: فإن عليًّا قد أخبر أن النبي ﷺ كان يقوله = قلنا: يحتمل أن يكون قاله قبل التكبير ثم كبر، وذلك حسن عندنا (٣). فإن قيل: قد روى النسائي (٤)، والدارقطني (٥)، أن النبي ﷺ كان إذا افتتح الصلاة كبر ثم يقول: «وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض … » الحديث قلنا: هذا نحمله على النافلة في صلاة الليل، كما جاء عند النسائي (٦)، عن أبي سعيد (٧)، أو في النافلة مطلقًا، فإن النافلة أخف من الفرض (٨).

стр. 250

القول الثالث: للإمام أن يسكت سكتتين. الأولى: بعد التكبير وقبل القراءة، والثانية بعد الفراغ من القراءة وقبل الركوع. وهذا قول الشافعي (١)، والمنصوص عن أحمد (٢)، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (٣)، وتلميذه ابن القيم (٤). أما السكتة الأولى: والتي هي لقراءة دعاء الاستفتاح: فقد تقدم عند أصحاب القول الأول الأدلة عليها، فلا حاجة للإعادة هنا. وأما السكتة الثانية: فاستدلوا عليها بالأثر، وهو: الدليل الأول: حديث سمرة بن جندب ﵁. عن الحسن عن سمرة عن النبي ﷺ : أنه كان يسكت سكتتين، إذا استفتح، وإذا فرغ من القراءة كلها. وفي رواية: عن الحسن قال: قال سمرة: حفظت سكتتين في الصلاة، سكتة إذا كبر الإمام حتى يقرأ، وسكتة إذا فرغ من فاتحة الكتاب وسورة عند الركوع، قال: فأنكر ذلك عليه عمران بن حصين، قال: فكتبوا في ذلك إلى أُبي [بن كعب]، فصدق سمرة (٥).
следующие страницы →