وقد اختار أبو حنيفة من أدعية الاستفتاح: هذا الأخير المروي عن عمر (١).
واختار أبو يوسف الجمع بين الدعائين الأخيرين (٢).
وأما استدلالهم بالنظر؛ فقالوا:
إن سكوت الإمام في هذا الموطن ليس سكوتًا حقيقيًّا، إذ فيه دعاء وذكر - كما سبق - وأما السكوت بلا قراءة: فحرام، ولذلك يحرم عليه السكوت في غير الموطن المذكور (٣).
القول الثاني: ليس للإمام أن يسكت في أي موطن، بل يكبر ثم يبتدئ القراءة.
стр. 247
وبهذا قال مالك (١)، وعليه المالكية (٢).
واستدلوا على ذلك بالأثر، وهو:
الدليل الأول: حديث أنس ﵁:
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، وَأَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ ﵄ كَانُوا يَفْتَتِحُونَ الصَّلَاةَ بِالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣).
قالوا: فلم يذكر شيئًا عن دعائهم قبل القراءة، أو سكوتهم.
وأجيب عليهم: بأن المراد أنهم يفتتحون القراءة - كما في رواية مسلم، ومعناه: أنهم كانوا يقرؤون الفاتحة قبل السورة، وليس المقصود أنه لا يأتي بدعاء الاستفتاح، وبين ذلك حديث عائشة ﵂ حين قالت: كان رسول الله ﷺ يستفتح الصلاة بالتكبير، والقراءة بالحمد لله رب العالمين (٤).
ثم واصل المعترضون على دليل المالكية الكلام بقولهم:
وإن كان الحديث كما تقولون: فليس فيه تصريح بنفي دعاء الاستفتاح، ولو صرح بنفيه كانت الأحاديث الصحيحة المتظاهرة بإثباته مقدمة، لأنها زيادة ثقات، ولأنها إثبات، وهو مقدم على النفي (٥).
стр. 248
الدليل الثاني: حديث أبي هريرة (١) ﵁.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَدَخَلَ رَجُلٌ فَصَلَّى، ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرَدَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ السَّلَامَ، قَالَ: «ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ»، فَرَجَعَ الرَّجُلُ فَصَلَّى كَمَا كَانَ صَلَّى، ثُمَّ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وَعَلَيْكَ السَّلَامُ»، ثُمَّ قَالَ: «ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ»، حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَقَالَ الرَّجُلُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أُحْسِنُ غَيْرَ هَذَا عَلِّمْنِي قَالَ: «إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ، ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا، … » (٢) الحديث.
قالوا: فها هو النبي ﷺ يعلم الأعرابي الصلاة، فيقول له: «إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَأْ … ». ولم يقل له: سبح - كما يقول أبو حنيفة -، ولا قل: وجهت وجهي - كما يقول الشافعي -، فلو كان هذا الاستفتاح من الصلاة لعلمه النبي ﷺ إياه؛ لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز (٣).
وأجيب عليهم: بأن النبي ﷺ إنما علمه الفرائض فقط، وهذا ليس من الفرائض، ولذلك لم يذكره له (٤).
يقول النووي: - بعد إجابته على أدلة المالكية -:
ودليلنا أي: على دعاء الاستفتاح وسكتته - الأحاديث الصحيحة التي
стр. 249
ذكرناها، ولا جواب له [أي مالك]، عن واحد منها. اهـ (١)
قلت (القائل أحمد): هناك جوابان: أحدهما عن مالك، والآخر عن بعض المالكية.
أما جواب مالك عن هذه الأحاديث:
فإن مالكًا ﵀ كان يقول بها في خاصة نفسه لصحة الحديث، وإنما كان لا يراه للناس مخافة أن يعتقدوا وجوبه (٢).
وأما الجواب الآخر: وهو خاص بحديث من أحاديث الاستفتاح السالف ذكرها، - وهو حديث علي بن أبي طالب - فيقول القرطبي:
فإن قيل: فإن عليًّا قد أخبر أن النبي ﷺ كان يقوله = قلنا: يحتمل أن يكون قاله قبل التكبير ثم كبر، وذلك حسن عندنا (٣).
فإن قيل: قد روى النسائي (٤)، والدارقطني (٥)، أن النبي ﷺ كان إذا افتتح الصلاة كبر ثم يقول: «وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض … » الحديث قلنا: هذا نحمله على النافلة في صلاة الليل، كما جاء عند النسائي (٦)، عن أبي سعيد (٧)، أو في النافلة مطلقًا، فإن النافلة أخف من الفرض (٨).
стр. 250
القول الثالث: للإمام أن يسكت سكتتين.
الأولى: بعد التكبير وقبل القراءة، والثانية بعد الفراغ من القراءة وقبل الركوع.
وهذا قول الشافعي (١)، والمنصوص عن أحمد (٢)، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (٣)، وتلميذه ابن القيم (٤).
أما السكتة الأولى: والتي هي لقراءة دعاء الاستفتاح: فقد تقدم عند أصحاب القول الأول الأدلة عليها، فلا حاجة للإعادة هنا.
وأما السكتة الثانية: فاستدلوا عليها بالأثر، وهو:
الدليل الأول: حديث سمرة بن جندب ﵁.
عن الحسن عن سمرة عن النبي ﷺ : أنه كان يسكت سكتتين، إذا استفتح، وإذا فرغ من القراءة كلها.
وفي رواية: عن الحسن قال: قال سمرة: حفظت سكتتين في الصلاة، سكتة إذا كبر الإمام حتى يقرأ، وسكتة إذا فرغ من فاتحة الكتاب وسورة عند الركوع، قال: فأنكر ذلك عليه عمران بن حصين، قال: فكتبوا في ذلك إلى أُبي [بن كعب]، فصدق سمرة (٥).
وهذه السكتة الثانية فائدتها - كما قال الإمام أحمد:
حتى يرجع إلى الإمام نفسه قبل أن يركع، ولا يصل قراءته بتكبيرة الركوع (١).
القول الرابع: للإمام أن يسكت ثلاث سكتات، ومواطنها هي:
الأولى: بعد التكبير وقبل القراءة.
الثانية: عقب قراءة الفاتحة، وقبل قراءة السورة.
الثالثة: بعد الفراغ من القراءة وقبل الركوع.
وبهذا قال الحنابلة (٢)، واختاره الشوكاني (٣).
ونُسب هذا القول إلى الشافعي، وأحمد (٤).
ولكن شيخ الإسلام ابن تيمية رد نسبة هذا القول إلى أحمد - خاصة - فقال: ولم يستحب أحمد أن يسكت الإمام لقراءة المأموم، ولكن بعض أصحابه استحب ذلك (٥).
وفي موطن آخر: ذكر أن هذا القول - بالسكتات الثلاث - قال به طائفة من أصحاب الشافعي وأحمد (٦).
وأما عن الأدلة: فقد تقدم الدليل على السكتتين الأولى والثالثة [في القول الأول والثالث].
стр. 256
واستدل أصحاب هذا القول على السكتة الثانية بالأثر والنظر.
وأما استدلالهم بالأثر؛ فهو:
الدليل الأول: حديث سمرة بن جندب:
حيث جاء في رواية للحديث أن السكتة الثانية كانت بعد قراءة الفاتحة، وفي رواية أخرى: كانت بعد الفراغ من القراءة قبل الركوع (١).
قالوا: فالسكتتات الثلاث دل عليها حديث سمرة باعتبار الروايتين المذكورتين (٢).
وأجاب عليهم شيخ الإسلام بقوله:
ليس في الحديث إلا سكتتان، وإحدى الروايتين - أي: المذكورتين أعلاه - غلط، وإلا كانت ثلاثًا. اهـ (٣).
وقال في موطن آخر:
ولم يقل أحد إنه كان له ثلاث سكتات، ولا أربع سكتات، فمن نقل عن النبي ﷺ ثلاث سكتات أو أربع: فقد قال قولًا لم ينقله عن أحد من المسلمين. اهـ (٤).
الدليل الثاني: أثر أبي سلمة بن عبد الرحمن:
عن أبي سلمة قال: للإمام سكتتان، فاغتنموا القراءة فيهما بفاتحة
стр. 257
الكتاب (١).
وجه الدلالة: أن السكتة الأولى ثبت فيها أحاديث صحيحة، وأما السكتة الثانية التي يستطيع المأموم أن يقرأ فيها فهي سكتة الإمام بعد الفاتحة وقبل القراءة، فدل هذا على وجود سكتة للإمام بعد الفاتحة.
الدليل الثالث: أثر إبراهيم النخعي:
عن مغيرة عن إبراهيم: أنه كان إذا كبر سكت هنيهة، وإذا قال: ﴿غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾: سكت هنيهة (٢).
الدليل الرابع: أثر عمر بن عبد العزيز:
عن عمرو بن مهاجر عن عمر بن عبد العزيز قال: كانت له وقفتان: وقفة إذا كبر، ووقفة إذا فرغ من أم الكتاب (٣).
стр. 258
فدل هذان الأثران على أن هناك سكتة للإمام بعد الفاتحة.
وأما استدلالهم بالنظر؛ فقالوا:
إن هذه السكتة الثانية مطلوبة حتى يتمكن المأموم من قراءة الفاتحة خلف الإمام ولا ينازعه فيها (١).
قالوا: ويستحب للإمام في هذه السكتة: أن يشتغل بالذكر، أو الدعاء، كما في حديث أبي هريرة في الاستفتاح، أو القراءة، وهي أولى؛ لأن الصلاة ليس فيها سكوت حقيقي للإمام (٢).
وأجيب على ما ذكروه: بأن السنة لم يأت فيها شيء من ذلك، إذ لو كان النبي ﷺ يسكت سكتة تتسع لقراءة الفاتحة: لكان هذا مما تتوافر الهمم والدواعي على نقله، فلما لم ينقل هذا أحد: علم أنه لم يكن.
وأيضًا: لو كان الصحابة كلهم يقرأون خلفه، إما في السكتة الأولى وإما في الثانية، لكان هذا مما تتوافر الهمم والدواعي على نقله، فكيف
стр. 259
ولم ينقل هذا أحد عن أحد من الصحابة أنهم كانوا في السكتة الثانية خلفه يقرأون الفاتحة، مع أن ذلك لو كان مشروعًا لكان الصحابة أحق الناس بعلمه وعمله (١).
ويقول شيخ الإسلام:
والجمهور لا يستحبون أن يسكت الإمام ليقرأ المأموم، وذلك أن قراءة المأموم عندهم إذا جهر الإمام: ليست بواجبة، ولا مستحبة، بل هي منهي عنها (٢). اهـ.
القول الخامس: للإمام أن يسكت أربع سكتات:
ثلاث منها مضى ذكرهم في القول السابق، و أما الرابعة فموطنها هو: بين قوله: ﴿ولا الضالين﴾، وآمين.
وبهذا قال الشافعية (٣).
стр. 260
قالوا: وهي سكتة لطيفة ليعلم أن آمين ليست من الفاتحة (١).
أقوال لبعض أهل العلم المعاصرين في المسألة (٢)
١ - اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء:
س: هل هناك سكتة في الصلاة بعد الفاتحة للإمام؟
فأجابت اللجنة:
ج: روى أبو داود وابن ماجه عن سمرة بن جندب أنه حفظ عن رسول الله ﷺ سكتتين: سكتة إذا كبر، وسكتة إذا فرغ من ﴿غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾، … الحديث.
وبذلك تعلم مشروعية هاتين السكتتين، وبالله التوفيق (٣).
стр. 261
٢ - سماحة الشيخ: عبد العزيز بن باز ﵀ [ت: ١٤٢٠ هـ].
س: هل يُشرع للإمام السكوت بعد قراءة الفاتحة لتمكين المأموم من قراءة الفاتحة؟
قال ﵀:
السكتة بعد الفاتحة لم يصح منها شيء فيما أعلم، والأمر فيها واسع إن شاء الله فمن فعلها فلا حرج، ومن تركها فلا حرج؛ لأنه لم يثبت فيها شيء عن النبي ﷺ فيما أعلم، وإنما الثابت عنه ﷺ : سكتتان: إحداهما بعد تكبيرة الإحرام يُشرع فيها الاستفتاح، والسكتة الثانية: بعد الفراغ من القراءة وقبل أن يركع، وهي سكتة خفيفة تفصل بين القراءة والتكبير.
والله ولي التوفيق (١).
٣ - فضيلة الشيخ: محمد بن صالح العثيمين ﵀ [ت: ١٤٢١ هـ].
س: ما هي السكتات التي يسكتها الإمام في القراءة الجهرية؟
فأجاب ﵀ بقوله:
للاستفتاح، وهذه ثابتة في الصحيحين من حديث أبي هريرة.
والسكتة الثانية: بعد قراءة الفاتحة، أخرجها أبو داود وغيره من أهل السنن، وقال الحافظ في الفتح: إنها ثابتة (٢)، ولكنها سكتة ليست، كما قاله بعض الفقهاء أنها طويلة بحيث يتمكن المأموم من قراءة الفاتحة، بل هي سكتة يسيرة يتأمل الإمام فيها ما سيقرأ بعد الفاتحة، وينتظر شروع المأموم في قراءتها.
стр. 262
والسكتة الثالثة: وهي سكتة لا تكاد تذكر بعد القراءة التي بعد سورة الفاتحة قبل الركوع، لكنها سكتة يسيرة جدًّا، ولهذا حذفت من بعض الأحاديث (١).
ثم أخيرًا، قال شيخنا أبو عبد الله - حفظه الله -:
يبدو - والله أعلم - أن الأمر في ذلك واسع، وكل له دليله، ولا تثريب على من تقلد قولًا.
والله أعلم (٢).
стр. 263
٢٤ - جهر الإمام بالبسملة (١) في الصلاة
من المسائل التي حدث فيها نزاع بين العلماء قديمًا وحديثًا: مسألتنا في هذا الباب، وهي:
هل يجهر الإمام بالبسملة في بداية القراءة، أم يُسر بها؟
وهذا النزاع - كما ذكرت آنفًا - نزاع قديم، بل قد وصل الخلاف في هذه المسألة في بعض العصور من الحدة والغلو والمبالغة إلى أن صار الحكام يلزمون الناس بما يرونه راجحًا فيها!.
فهذا المقريزي يذكر في ترجمة: محمد بن الحسن المالكي أنه أم الناس بالجامع العتيق بمصر في شهر ربيع الآخر سنة ٣٥٩ هـ، وجهر بالبسملة على كره منه (٢).
وفي عصر الشوكاني: أُلزم الناس بترك الجهر، فأرسل بعض الفضلاء إلى الشوكاني برسالة يقول فيها:
ظهرت في جهتنا في هذه المدة القريبة من بعض الأعلام الأكابر، وأهل الأمر في تلك الجهة = الفتيا بترك الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، وإلزام الناس بذلك، زاعمًا أنه لم يصح فيه عن النبي ﷺ شيء من الحديث، وإنه لاحق بالبدعة، بل ربما يعاقب الجاهر بها!! (٣)
стр. 264
وبالغ بعض أهل العلم في هذه المسألة حتى عدها من مسائل الاعتقاد!! (١).
وكان بعضهم لا يتكلم من الفقه إلا في هذه المسألة خاصة، لأنه يرى أنها متعلقة بالأصول (٢).
ولهذا: فقد أفرد جماعة من العلماء [كالخطيب البغدادي: وأبي عمر ابن عبد البر، وأبي شامة المقدسي، والشوكاني وغيرهم] هذه المسألة بتصانيف مستقلة (٣).
وبعد هذا التمهيد لمسألتنا: نبدأ في ذكر أقوال الفقهاء فيها، مع ذكر أدلتهم فأقول - مستعينًا بالله -:
اختلف أهل العلم في مسألة الجهر بالبسملة على عدة أقوال: أشهرها ثلاثة، وهي:
القول الأول: لا تُقرأ البسملة في أول الفاتحة في الصلاة المكتوبة سرًّا، ولا جهرًا، ويجوز قراءتها في النافلة سرًّا.
وبهذا قال المالكية (٤).
قَالَ: هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ» (١).
وجه الاستدلال: أنه لم يذكر البسملة في حديث القسمة، مع ذكره لباقي آيات الفاتحة، فدل ذلك على أنها لا تقرأ سرًّا، ولا جهرًا (٢).
وأما استدلالهم بالنظر فقالوا:
لنا إجماع أهل المدينة على ذلك، فإن الصلاة تقام بينهم من عهده ﵇ إلى زمن مالك (٣)، مع الجمع العظيم الذي يستحيل تواطؤهم على الكذب، فنقلهم لذلك بالفعل كنقلهم له بالقول، فيحصل العلم، فلا يعارضه شيء من أخبار الآحاد (٤).
стр. 267
القول الثاني:
يقرأ الإمام البسملة في أول الفاتحة، ولكنه يخفيها ولا يجهر بها.
وبهذا قال: الحنفية (١)، والحنابلة (٢).
وقال الزيلعي: وبه قال أبو حنيفة وجمهور أهل الحديث والرأي وفقهاء الأمصار، وجماعة من أصحاب الشافعي اهـ (٣).
واستدلوا على ذلك بالأثر والنظر:
أما استدلالهم بالأثر؛ فهو:
الدليل الأول: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، وَأَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ ﵄ كَانُوا يَفْتَتِحُونَ الصَّلَاةَ بِالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤).
قالوا: والمراد من الأحاديث السابقة أن النبي ﷺ وأصحابه كانوا يخفون البسملة، لا يجهرون بها، وليس المقصود أنهم لا يقرؤونها (١).
وقد ورد عدم الجهر عن بعض الصحابة، مثل:
١ - عمر بن الخطاب ﵁:
عن الأسود بن يزيد قال: صليت خلف عمر سبعين صلاة فلم يجهر فيها ببسم الله الرحمن الرحيم (٢).
وعن معمر قال: سمعت أيوب يسأل عاصم بن أبي النجود: ما سمعت
стр. 274
في قراءة بسم الله الرحمن الرحيم؟ قال: أخبرني أبو وائل أنه سمع عمر ابن الخطاب يفتتح الحمد لله رب العالمين (١).
٢ - علي بن أبي طالب ﵁:
عن أبي فاخته - سعيد بن علاقة -: أن عليًّا كان لا يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم (٢).
وعن أبي وائل: أن عليًّا وعمارًا كانا لا يجهران ببسم الله الرحمن الرحيم (٣).
٣ - عبد الله بن مسعود ﵁:
عن زر بن حبيش: عن عبد الله: أنه كان يفتتح القراءة بالحمد لله رب العالمين (٤).
وعن أبي وائل قال: كان عبد الله بن مسعود يخفي الاستعاذة، وبسم الله الرحمن الرحيم، وربنا ولك الحمد (٥).
стр. 275
٤ - عبد الله بن عباس ﵁:
عن ابن عباس قال: الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم فعل الأعراب (١).
٥ - عبد الله بن الزبير ﵁:
عن هشام بن عروة عن أبيه وابن الزبير: أنهما كانا لا يجهران (٢).
وجاء عن بعض التابعين أيضًا عدم الجهر بها، ومنهم:
١) أبو وائل - شقيق بن سلمة -:
عن عاصم قال: سمعت أبا وائل يستفتح القراءة بالحمد لله رب العالمين (٣).
стр. 276
٢) الحسن البصري:
عن يونس عن الحسن: أنه كان يفتتح القراءة بالحمد لله رب العالمين (١).
٣) محمد بن سيرين:
عن عبد الله بن عون: عن ابن سيرين: أنه كان يخفى بسم الله الرحمن الرحيم (٢).
٤) إبراهيم النخعي:
عن إبراهيم قال: جهر الإمام ببسم الله الرحمن الرحيم بدعة (٣).
توجيه العلماء القائلين بالجهر بالبسملة لقول إبراهيم: «بدعة».
قال ابن عبد البر: بعض العلماء يطلق البدعة فيما هو مخالفة سنة. اهـ (٤).
وقال الرازي: لا ضرر في ذلك، فقد يقول بعض العلماء بدعة فيما هو مخالفة سنة، ألا ترى أن العقيقة وصلاة الاستسقاء هما سنة عند معظم العلماء، وروى بعضهم أنها بدعة؟!!، فكل مجتهد يعبر عن الحكم على ما وصل إليه اجتهاده وأداه إليه، فغاية ما ذكروه أنه مذهب
стр. 277
ذلك التابعي اهـ (١).
وأما استدلالهم بالنظر؛ فقالوا:
لا يتصور أن يكون النبي ﷺ يجهر بالبسملة في صلاته في كل يوم، ولا ينقل ذلك عنه من وجه صحيح (٢).
القول الثالث: يستحب الجهر بالبسملة.
وبهذا قال الشافعية (٣).
وقال ابن عبد البر: كان ابن وهب يذهب إلى الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، ثم رجع إلى الإسرار بها. اهـ (٤).
وأما عن أدلتهم فقالوا:
قد جهر بها النبي ﷺ كما رواه جمع من الصحابة قال ابن عبد البر: بلغت عدتهم أحدًا وعشرين صحابيًّا (٥)، ومن هذه الأحاديث:
حديث أبي هريرة ﵁:
عن نعيم المجمر قال: كنت وراء أبي هريرة فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم، ثم قرأ بأم القرآن حتى بلغ: ﴿ولا الضالين﴾، قال: آمين،
стр. 278
وقال الناس: آمين، ويقول كلما سجد: الله أكبر، ويقول إذا سلم: والذي نفسي بيده إني لأشبهكم صلاة برسول الله ﷺ (١).
وأجاب أصحاب القول الثاني القائلون بالإسرار بالبسملة على هذا الحديث من وجهين، هما:
الأول: أن نعيمًا قال: «قرأ بسم الله الرحمن الرحيم، ثم قرأ أم القرآن»، ولفظ القراءة محتمل أن يكون قرأها سرًّا، ويكون نعيم علم ذلك بقربه منه، ويمكن أن أبا هريرة أخبره بقراءتها (١).
الثاني: أن أبا هريرة لم يخبر عن النبي ﷺ أنه قرأها قبل أم الكتاب، وإنما قال في آخر الصلاة: «إني لأشبهكم صلاة برسول الله»، وفي الحديث أنه أمن وكبر في الخفض والرفع، وهذا ونحوه مما كان يتركه الأئمة، فيكون أشبههم برسول الله من هذه الوجوه التي فيها ما فعله رسول الله ﷺ وتركوه هم، ولا يلزم إذا كان أشبههم بصلاة رسول الله أن تكون صلاته مثل صلاته من كل وجه (٢).
حديث آخر عن أبي هريرة:
وعنه قال: كان رسول الله ﷺ يجهر في الصلاة ببسم الله الرحمن الرحيم، [فترك الناس ذلك] (٣).
стр. 281
حديث ثالث عن أبي هريرة:
وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا قرأتم الحمد لله: فاقرؤوا بسم الله الرحمن الرحيم، إنها أم القرآن وأم الكتاب والسبع المثاني، وبسم الله الرحمن الرحيم إحداها» (١).
حديث رابع لأبي هريرة:
وعنه أن النبي ﷺ كان إذا قرأ وهو يؤم الناس افتتح الصلاة: ببسم الله الرحمن الرحيم، قال أبو هريرة: هي آية من كتاب الله، اقرؤوا إن شئتم فاتحة الكتاب، فإنها الآية السابعة (٢).
стр. 282
حديث خامس لأبي هريرة:
وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : «علمني جبريل الصلاة، فقام فكبر لنا، ثم قرأ بسم الله الرحمن الرحيم فيما يجهر به في كل ركعة» (١).
حديث أنس بن مالك ﵁:
عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: سُئِلَ أَنَسٌ: كَيْفَ كَانَتْ قِرَاءَةُ النَّبِيِّ ﷺ ؟ فَقَالَ: كَانَتْ مَدًّا، ثُمَّ قَرَأَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، يَمُدُّ بِبِسْمِ اللَّهِ، وَيَمُدُّ بِالرَّحْمَنِ وَيَمُدُّ بِالرَّحِيمِ (٢).
وأُجيب عن هذا: بأنه ليس فيه ذكر للصلاة، والنزاع في الجهر بها في الصلاة.
حديث آخر عن أنس:
وعنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يجهر ببسم الله الرحمن
стр. 283
الرحيم (١).
حديث ثالث عن أنس:
وعنه قال: صليت خلف النبي ﷺ وأبي بكر وعمر، وخلف عثمان، وخلف علي، فكلهم كانوا يجهرون بقراءة بسم الله الرحمن الرحيم (٢).
стр. 284
حديث علي بن أبي طالب ﵁:
عن علي قال: كان النبي ﷺ يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم في صلاته. [يجهر بها في السورتين جميعًا] (١).
وعن علي وعمار ﵄: أن النبي ﷺ كان يجهر في المكتوبات ببسم الله الرحمن الرحيم، وكان يقنت في صلاة الفجر، وكان يكبر من يوم عرفة صلاة الغداة ويقطعها صلاة العصر آخر أيام التشريق (٢).
стр. 285
حديث عبد الله بن عباس ﵄:
عن ابن عباس قال: كان النبي ﷺ يفتتح صلاته ببسم الله الرحمن الرحيم (١).