← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 30185

جامع أحكام صلاة الإمام

أحمد الجابري

Полный текст (484 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

في الصلاة (١). الدليل الثامن: أثر أنس بن مالك ﵁: عن ثابت البناني قال: كان أنس يصلي وغلامه يمسك المصحف خلفه، فإذا تعايا في آية فتح عليه (٢). وجه الاستدلال: هذه الآثار كلها عن الصحابة من أقوالهم وأفعالهم، ولا يعرف مخالف لهم، أشبه ما تكون بإجماع منهم على مشروعية الفتح على الإمام وجوازه. قالوا: كما أن المقتدي يقصد إصلاح صلاته، فلم يأت بشيء محظور أو محرم. وليس لمن قال بالمنع دليل من الأثر إلا ما جاء عن علي بن أبي طالب ﵁ وهو: قال النبي ﷺ : «يا علي، لا تفتح على الإمام في الصلاة» (٣).

стр. 352

وهو حديث ضعيف لا يحتج به، فضلًا عن أن يقاوم الأحاديث والآثار الثابتة في جواز الفتح على الإمام. هذا، وتبقى في مسألة الفتح على الإمام أمور متعلقة بها عند المذاهب الأربعة، ونظرًا لتباينها فإني أعرض هنا - على خلاف العادة المتبعة في هذا الكتاب - ما يراه كل مذهب في المسألة على حدة. فبعد أن اتفقت المذاهب الأربعة على مشروعية الفتح على الإمام في الجملة - كما تقدم - اختلفوا في بعض التفاصيل، كما يلي: أولًا: الحنفية: بداية أقول: ليُعلم أن أبا حنيفة كان يكره الفتح على الإمام، ولكن أصحابه هم الذين يقولون بالجواز (١)، بل نقل عن أبي حنيفة قولان في بطلان الصلاة من عدمها إذا فتح على الإمام (٢). فكلامنا هنا عن الحنفية يخرج منه أبو حنيفة؛ لأنه لا يرى بالفتح على الإمام. يقول الحنفية (٣): غير المقتدي إذا فتح على المصلي: تفسد به

стр. 353

صلاة المصلي، وكذلك المصلي على غير المصلي، لأنه تعليم وتعلم (١). وأيضًا: لو كان الإمام انتقل إلى آية أخرى تفسد صلاة الفاتح وتفسد صلاة الإمام لو أخذ بقوله، وذلك لوجود التلقين والتلقن من غير ضرورة، وهذا على قول بعض المشايخ، وعامتهم على أنه لا يفسد وإن انتقل (٢). وقالوا: لا ينبغي للمأموم أن يعجل بالفتح على الإمام، ولا ينبغي للإمام أن يحوجه إلى ذلك بل: يركع، أو يتجاوز إلى آية أو سورة أخرى (٣). وينوي المأموم الفتح على الإمام، لا القراءة، لأن الأول مرخص فيه، والأخير منهي عنه خلف الإمام (٤). ويقول المالكية: إذا خلط الإمام آية رحمة بآية عذاب، أو غير آية تغييرًا يقتضي الكفر، أو وقف وقفًا قبيحًا = فيفتح عليه للتنبيه على الصواب (٥). وإن وقف الإمام أو تردد: فيطلب من المأموم الفتح عليه حينئذ، وإلا فيكره له الفتح عليه، ولا تفسد الصلاة، وهذا في غير الفاتحة، وأما هي فيجب أن يفتح عليه مطلقًا (٦).

стр. 354

وتبطل الصلاة بفتح على غير الإمام، بأن يسمعه يقرأ فيتوقف في القراءة فيرشده للصواب، لأنها من باب المكالمة، بخلاف الفتح على إمامه (١). ويقول الشافعية: يفتح المأموم على الإمام إذا سكت، ولا يفتح عليه ما دام يردد التلاوة، أو يسأل الله الرحمة، ويستعيذ به من العذاب، لقراءة آيتها (٢). ويقصد المأموم عند فتحه على إمامه القراءة فقط، أو القراءة مع الفتح، فإن قصد الفتح وحده، أو لم يقصد شيئًا أصلًا = بطلت صلاته على المعتمد (٣). ويقول الحنابلة: إذا أرتج على الإمام في الفاتحة: لزم من وراءه الفتح عليه، كما لو نسي سجدة لزمهم تنبيهه بالتسبيح (٤). ويكره أن يفتح من هو في الصلاة على من هو في صلاة أخرى، أو على من ليس في صلاة؛ لأن ذلك يشغله عن صلاته، لكن: إذا فعل لم تبطل صلاته. لأنه قرآن، وإنما قصد قراءته دون خطاب الآدمي بغيره، ولا بأس أن يفتح على المصلي من ليس معه في الصلاة (٥). فائدة: نص بعض أهل العلم على أن الإمام إذا نسي الآية في القراءة

стр. 355

الجهرية: يكون الفتح عليه بتذكيره تلك الآية. وإذا نسي غيرها من الأركان: يكون الفتح بالتسبيح للرجال، والتصفيق للنساء (١). وأخيرًا: قال شيخنا أبو عبد الله - حفظه الله -: الذي يظهر وتطمئن إليه النفس هو ما ذهب إليه الشافعية والحنابلة وغيرهما من استحباب الفتح على الإمام إذا لُبست عليه القراءة، ويُصوَّب هذا القول بحديث أبي بن كعب (٢)، والله أعلم. وأما حديث: اقرأ ما لم تبدل آية رحمة بآية عذاب (٣)، فأصله في مسلم من حديث أُبي بدونها، وإن ثبتت قلنا بمقتضاها، والله أعلم.

стр. 356

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 357

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 358

٣٠ - قراءة الإمام من المصحف بعض الأئمة قد لا يكون حافظًا للكثير من القرآن، وهو مع ذلك: قد يحتاج إلى إطالة القراءة بالمصلين في بعض الأوقات، كما هو الحال في صلاة التراويح أو التهجد في رمضان، فعند ذلك: يحتاج أن يقرأ من المصحف. وهذه المسألة: أعني: قراءة الإمام من المصحف - مما تنازع في حكمه العلماء منذ القدم، وحتى نبين أقوالهم وأدلتهم نحتاج أن نفرق بين صلاة النفل وصلاة الفريضة، فأقول: أولًا: القراءة من المصحف في النوافل - كقيام رمضان: اختلف العلماء في حكم قراءة الإمام من المصحف في النافلة - كالتراويح مثلًا على ثلاثة أقوال، وهي: القول الأول: يجوز للإمام أن يقرأ من المصحف. وبهذا قال الشافعية (١)، والحنابلة (٢). وقال به المالكية بشرط أن يبتدئ القراءة من المصحف من أول الصلاة (٣).

стр. 359

واستدلوا على ذلك بالأثر والنظر: أما استدلالهم بالأثر؛ فهو: * عن القاسم بن محمد قال: كان يؤم عائشة عبدها [ذكوان] يقرأ في المصحف (١).

стр. 360

وجه الاستدلال: قوله «من المصحف»، فيه دلالة ظاهرة على جواز قراءة الإمام من المصحف (١). ومما يستدل به أيضًا لأصحاب هذا القول: الدليل الثاني: عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي وَهُوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ بِنْتَ زَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ولأَبِي الْعَاصِ بْنِ رَبِيعَةَ ابْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَهَا وَإِذَا قَامَ حَمَلَهَا (٢).

стр. 361

وجه الاستدلال: دل حمل النبي ﷺ لأمامة ووضعه ورفعه لها عند السجود والقيام = على جواز الحركة في الصلاة لحاجة، فيقاس عليه: حمل الإمام المصحف، وتقليبه لصفحاته (١). وقد ورد عن بعض التابعين ما يدل على ذلك، من قولهم وفعلهم، ومن ذلك: ١ - الحسن البصري ومحمد بن سيرين: عن منصور: عن الحسن ومحمد قالا: «لا بأس به» (٢). عن أيوب قال: كان محمد لا يرى بأسًا أن يؤم الرجل القوم يقرأ في المصحف (٣). عن الحسن قال: لا بأس أن يؤم في المصحف إذا لم يجد، يعني من يقرأ ظاهرًا (٤). ٢ - محمد بن مسلم بن شهاب الزهري: عن محمد بن عبد الله - ابن أخي ابن شهاب، قال: سألت ابن شهاب عن القراءة في المصحف يؤم الناس؟ فقال: لم يزل الناس منذ كان

стр. 362

الإسلام يفعلون ذلك (١). ٣ - عائشة بنت طلحة بن عبيد الله: عن ابن سيرين: عن عائشة ابنة طلحة: أنها كانت تأمر غلامًا - أو إنسانًا - يقرأ في المصحف يؤمها في رمضان (٢). وأما استدلالهم بالنظر؛ فقالوا: إن النظر إلى المصحف هو نظر إلى موضع معين، فلا تبطل الصلاة به، كما لو كان حافظًا، وكالنظر إلى القلم (٣). ولأن ما جاز قراءته ظاهرًا، جاز نظيره، كالحافظ (٤). كما أن النظر في المصحف عبادة (٥)، والقراءة عبادة، وانضمام

стр. 363

العبادة إلى العبادة لا يوجب الفساد (١). القول الثاني: يكره للإمام أن يقرأ من المصحف. وبهذا قال أبو يوسف (٢) ومحمد بن الحسن صاحبا أبي حنيفة - من الحنفية (٣).

стр. 364

ومن قال بهذا القول: لم يحرم القراءة من المصحف على الإمام لما مر من آثار دالة على الجواز، لكن يقول بالكراهة لعلة، وهي: أن في ذلك تشبهًا بأهل الكتاب. قال إبراهيم النخعي: كانوا يكرهون أن يؤمهم وهو يقرأ في المصحف فيتشبهون بأهل الكتاب (١). وممن جاء عنهم الكراهة لهذا من السلف: ١ - سويد بن حنظلة ﵁: عن عياش العامري: عن سويد بن حنظلة: أنه مر على رجل يؤم قومًا من مصحف، فضربه برجله (٢). ٢ - سعيد بن المسيب: عن شعبة قال: سمعت قتادة يحدث عن سعيد في الرجل يصلي في رمضان فيقرأ في المصحف، قال: إذا كان معه ما يقرأ في ليلته فليقرأ به

стр. 365

[وفي لفظ: يردده ولا يقرأ في المصحف] (١). ٣ - الحسن البصري: عن الحسن: أنه كرهه، وقال: هكذا تفعل النصارى (٢). ٤ - مجاهد بن جبر: عن مجاهد: أنه كرهه [وفي لفظ: كان يكره أن يؤم الرجل من المصحف] (٣). وقد أجاب الشافعي ﵀ عن قولهم هذا - أي: في أنه تشبه بأهل الكتاب بقوله: ما نُهينا عن التشبه بهم في كل شيء، فإنا نأكل مما يأكلون. اهـ (٤).

стр. 366

ويمكن أن يقال أيضًا: لو كان ذلك مكروهًا: ما فعلته عائشة ﵁. القول الثالث: لا يجوز للإمام أن يقرأ من المصحف، وتبطل الصلاة إذا فعل. وبهذا قال أبو حنيفة (١)، وابن حزم (٢)، وهو قول عند الحنابلة (٣). واستدل هؤلاء على ذلك بالأثر والنظر: أما استدلالهم بالأثر؛ فهو: عن عبد الله بن مسعود: عن النبي ﷺ قال: «إن في الصلاة لشغلًا» (٤). وجه الاستدلال: قالوا: فصح بهذا أن الصلاة شاغلة عن كل عمل لم يأت في إباحته نص، والنظر في المصحف مما لم يأت فيه نص، فكان الانشغال به عن الصلاة مفسدًا لها (٥).

стр. 367

وقد يجاب عن هذا الاستدلال بما يلي (١). أولًا: أن الحديث في النهي عن الكلام في الصلاة، ليس في النهي عن قراءة القرآن من المصحف في الصلاة. ثانيًا: ثبت عن النبي ﷺ أنه حمل أمامة في الصلاة، يضعها إذا سجد، ويرفعها إذا رفع (٢). ثالثًا: ثبت عن النبي ﷺ أنه تقدم وتأخر في صلاة الكسوف (٣). رابعًا: كما ثبت أنه أمسك شيطانًا في الصلاة وخنقه (٤). وهذه كلها أدلة على أن العمل في الصلاة لا يبطلها مطلقًا. خامسًا: عُرف - عرفًا - أن القراءة من المصحف لا تشغل المصلي. سادسًا: ولو ثبت أن ذلك يشغل الإنسان حتى يسهو في صلاته فأيضًا ليس بمبطل لها، فقد قال النبي ﷺ : «إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ يُصَلِّي، جَاءَ الشَّيْطَانُ فَلَبَسَ عَلَيْهِ، حَتَّى لَا يَدْرِيَ كَمْ صَلَّى، فَإِذَا وَجَدَ ذَلِكَ أَحَدُكُمْ، فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ» (٥). سابعًا: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى فِي خَمِيصَةٍ لَهَا أَعْلَامٌ، فَقَالَ: «شَغَلَتْنِي أَعْلَامُ هَذِهِ» (٦)، ولم يرد عنه ﷺ أنه أعاد الصلاة. وكل هذه أدلة على أن الانشغال في الصلاة لا يبطلها - مطلقًا -، والله أعلم. واستدلوا أيضًا بما روي: عن ابن عباس ﵁ قال: «نهانا أمير

стр. 368

المؤمنين عمر ﵁ أن يؤم الناس في المصحف» (١). قالوا: لو كان جائزًا ما نهى عنه عمر، فدل النهي على عدم الجواز. وأجيب عليهم: بأن هذا ضعيف الإسناد إلى عمر، فلم يثبت عنه. وأما استدلالهم بالنظر؛ فقالوا: إن ما يوجد من الإمام من حمل المصحف، وتقليب الأوراق، والنظر فيه، أعمال كثيرة ليست من أعمال الصلاة، ولا حاجة إلى تحملها في الصلاة، فتفسد الصلاة. فإن قيل: قياس هذه الطريقة أنه لو كان المصحف موضوعًا بين يديه ويقرأ منه من غير حمل وتقليب الأوراق، أو قرأ ما هو مكتوب على المحراب من القرآن = لا تفسد صلاته لعدم المفسد وهو العمل الكثير. قلنا: هناك وجه آخر للبطلان، وهو: أن هذا الإمام يلقن من المصحف فيكون تعلمًا منه، فإن من يأخذ من المصحف يسمى مصحفيًّا، ومن لا يحسن قراءة شيء عن ظهر قلب يكون أميًّا يصلي بغير قراءة، فدل على أنه متعلم من المصحف، والتعلم من معلم مفسد للصلاة. وعلى هذا: فلا فرق بين أن يكون المصحف موضوعًا بين يديه، أو في يديه (٢).

стр. 369

وقد أجاب القائلون بالبطلان على أدلة المجوزين بقولهم: * أما أثر ذكوان «أنه كان يقرأ من المصحف في الصلاة»: فإنما المراد منه بيان حاله، وأنه كان لا يقرأ جميع القرآن عن ظهر قلب، والمقصود بيان أن قراءة جميع القرآن في قيام رمضان ليس بفرض (١). كما أن الأثر - إن صح - محمول على أن ذكوان كان يقرأ من المصحف قبل شروعه في الصلاة، أي: ينظر فيه، ويتلقن منه، ثم يقوم فيصلي. وقيل: تؤول بأنه كان يفعل بين كل شفعين، فيحفظ مقدار ما يقرأ في الركعتين، فظن الراوي أنه كان يقرأ من المصحف فنقل ما ظن. ويؤيد ما ذكر: أن القراءة من المصحف مكروهة، ولا يظن بعائشة ﵂ أنه كانت ترضى بالمكروه، وتصلي خلف من يصلي بصلاة مكروهة (٢). وأما حديث حمل النبي ﷺ لأمامة في الصلاة فقد قيل: إنه منسوخ، وقيل: إنه مخصوص بالنبي ﷺ (٣). ثانيًا: القراءة من المصحف في الفرض: قريب من الاختلاف الناشئ بين العلماء في الحالة الأولى [في النوافل] = اختلافهم هنا. فقد اختلفوا أيضًا في حكم قراءة الإمام من المصحف في الفريضة

стр. 370

على ثلاثة أقوال وهي: القول الأول: يجوز للإمام أن يقرأ من المصحف. وبهذا قال الشافعية (١)، والحنابلة (٢). واستدلوا على ذلك: بما استدل به المجوزون للفعل في صلاة النفل. قالوا: إن ما جاز في النفل جاز في الفرض، إلا ما استثناه الدليل، ولا دليل هنا على الاستثناء المذكور، فيبقى الأمر على عمومه. القول الثاني: يكره للإمام أن يقرأ من المصحف. وبهذا قال محمد بن الحسن وأبو يوسف من الحنفية (٣)، وعليه المالكية (٤)، وهو رواية عند الحنابلة (٥). وأدلتهم هي نفسها المستدل بها عند القائلين بالكراهة في النافلة. ومن قال منهم بالجواز في النفل كرهه هنا: للانشغال في الصلاة، ولأن النافلة يتجوز فيها ويتساهل فيها بما لا يحدث في الفرض. القول الثالث: لا يجوز للإمام القراءة من المصحف، وإن فعل: بطلت الصلاة.

стр. 371

وبهذا قال أبو حنيفة (١)، وابن حزم (٢)، ورواية عند الحنابلة (٣). وأدلتهم على ذلك: هي نفسها المستدل بها في حالة البطلان في النافلة. وقال شيخنا أبو عبد الله - حفظه الله ورعاه -: الذي يبدو لي: هو جواز القراءة من المصحف في صلاة النفل على وجه الخصوص مع أن الأولى: بلا شك، تقديم الأقرأ لكتاب الله كي يقرأ من حفظه. والحامل لي على القول بالجواز: تقديم أم المؤمنين عائشة ﵂ مولاها ذكوان للصلاة بها، وأيضًا: الأقيسة على حمل النبي ﷺ أمامة بنت ابنته في الصلاة، فهذا وذاك يدفعان القول بالبطلان. ولكن يبقى - بلا شك - فضل من قرأ من حفظه، لقول النبي ﷺ : «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله»، ولقول النبي ﷺ : «أتقرؤهن عن ظهر قلب». ولقوله ﵊: «يقال لصاحب القرآن - يوم القيامة اقرأ وارتق ورتل، فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها». اهـ (٤).

стр. 372

فصل: في حمل المأموم المصحف للفتح على الإمام عن ثابت البناني قال: كان أنس يصلي يمسك المصحف خلفه، فإذا تعايا في آية «فتح عليه» (١). قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين (٢): الذي نرى أن المأموم لا يحمل المصحف إلا للضرورة إلى ذلك، مثل أن يقول الإمام لأحد من الناس: أنا لا أضبط القراءة، فأريد أن تكون خلفي تتابعني في المصحف، فإذا أخطأت ترد علي. أما فيما عدا ذلك فإنه أمر لا ينبغي، لما فيه من انشغال الذهن والعمل الذي لا داعي له، وفوات السنة بوضع اليد اليمني على اليسرى فوق الصدر، فالأولى أن لا يفعله الإنسان إلا للحاجة التي أشرت إليها. اهـ (٣). وقال شيخنا - حفظه الله -: وأما ما يفعله بعض المصلين من كونهم هم الآخرون يتابعون الإمام وينظرون في المصاحف: فهذا صنيع لم أطلع عليه لسلفنا الصالحين

стр. 373

﵏، وإن جوزنا فالتجويز للإمام، إذ الأصل في الصلاة الخشوع فيها، وعدم منازعة الإمام، وإن في الصلاة لشغلًا، كما قال النبي ﷺ (١).

стр. 374

٣١ - عد الآي والتسبيح في الصلاة بداية: قبل ذكر أقوال الفقهاء في مسألتنا هنا = أبين ما الفائدة من ذكر هذه المسألة، ومن المحتاج إليها. يقول الشيخ ابن عثيمين ﵀: وهذا - أي: عد الآي - قد يكون له حاجة، وقد لا يكون له حاجة، فمن الحاجة: إذا كان الإنسان لا يعرف الفاتحة، وأراد أن يقرأ بعدد آياتها من القرآن فهو حينئذ يحتاج إلى العدد، وإلا: فالغالب أنه لا يحتاج إلى عد الآى. ثم قال عن عد التسبيح: وهذا قد يحتاج إليه الإنسان، خصوصًا الإمام، لأن الإمام حدد الفقهاء التسبيح له بعشر تسبيحات، قالوا: أكثر التسبيح للإمام عشر، وأدنى الكمال ثلاث. اهـ (١). ولأن المسألة ليس لها كبير انتشار: فلن نطيل النفس فيها، وإنما نقول على عجالة وباختصار. للعلماء في مسألة عد الآي والتسبيح في الصلاة = قولان، وهما: القول الأول: لا بأس بعد الآي والتسبيح في الصلاة. وبهذا قال: أبو يوسف ومحمد بن الحسن من الحنفية (٢)،

стр. 375

والمالكية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣). واستدلوا على ذلك بما جاء عن التابعين من الأثر، وكذلك بالنظر. أما استدلالهم بالأثر: فهو ما جاء عن كل من: ١ - سعيد بن جبير: عن يحيى بن عتيق عن سعيد: أنه كان يعد الآي في الصلاة (٤). ٢ - طاوس ونافع: عن أيوب قال: رأيت طاوسًا ونافعًا يعدان الآي في الصلاة (٥). ٣ - عبد الله بن أبي مليكة: عن إسماعيل بن عبد الملك قال: رأيت ابن أبي مليكة يعد الآي في الصلاة، فقلت له، فقال: إنه أحفظ (٦). ٤ - محمد بن سيرين: عن خالد الحذاء: عن ابن سيرين: أنه كان يعد الآي بشماله في الصلاة (٧).

стр. 376

٥ - الحسن البصري: عن الحسن قال: لا بأس أن يعد في الصلاة إذا خاف النسيان (١). ٦ - إبراهيم النخعي: عن إبراهيم أنه لم يكن يرى بعد الآي في الصلاة بأسًا (٢). قالوا: - أي أصحاب القول الأول - فهؤلاء التابعون جميعًا لا يعرف لهم مخالف في عصرهم، مع أن الظاهر أن ذلك ينتشر ولا يخفى، فيكون إجماعًا (٣). وأما استدلالهم بالنظر؛ فقالوا: إن العد يحتاج المصلي إليه لمراعاة السنة في قدر القراءة، وعدد التسبيح (٤). القول الثاني: يكره عد الآي والتسبيح في الصلاة: وبهذا قال أبو حنيفة (٥)، ونُقل عن الشافعي (٦)، وهو وجه عند الحنابلة (٧).

стр. 377

واستدلوا على ذلك بالنظر؛ فقالوا: إن هذا العد ليس من أعمال الصلاة، فالقليل منه إن لم يفسد الصلاة فلا أقل من أن يوجب الكراهة، ولا حاجة إلى العد باليد في الصلاة، فإنه يمكنه أن يعد خارج الصلاة مقدار ما يقرأ، أو يعد بقلبه (١). تنبيه: قال ابن الهمام الحنفي: محل الخلاف: فيما عد بالأصابع أو بخيط يمسكه، أما إذا أحصى بقلبه، أو غمز بأنامله = فلا كراهة. اهـ (٢).

стр. 378

٣٢ - الاستخلاف الاستخلاف لغة: مصدر استخلف فلان فلانًا إذا جعله خليفة، ويقال: خلف فلان فلانًا على أهله وماله = صار خليفته، وخلفته: جئت بعده، فخليفة يكون بمعنى فاعل وبمعنى مفعول (١). واصطلاحًا: هو استنابة الإمام غيره من المأمومين لتكميل الصلاة بهم لعذر قام به (٢). فمسألتنا: حول رجل دخل في الصلاة إمامًا لقوم، ثم سبقه الحدث، أو طرأ له شيء منعه من إكمال الصلاة، فيقدم رجلًا من المأمومين مكانه لاستكمال الصلاة، أي: استخلف رجلًا مكانه. وهذه المسألة: - أعني: الاستخلاف - اختلف أهل العلم في جوازها من عدمه على قولين: وهما: القول الأول: وهو أن الاستخلاف جائز. وبهذا قال الحنفية (٣)،

стр. 379

والمالكية (١)، والشافعية على الأظهر (٢) وإحدى الروايتين عند الحنابلة واختارها جمهورهم (٣). واستدل هؤلاء بالأثر والنظر: أما استدلالهم بالأثر؛ فهو: الدليل الأول: عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَهَبَ إِلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ لِيُصْلِحَ بَيْنَهُمْ، فَحَانَت الصَّلَاةُ، فَجَاءَ الْمُؤَذِّنُ إِلَى

стр. 380

أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ: أَتُصَلِّي بِالنَّاسِ، فَأُقِيمُ؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: فَصَلَّى أَبُو بَكْرٍ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالنَّاسُ فِي الصَّلَاةِ، فَتَخَلَّصَ حَتَّى وَقَفَ فِي الصَّفِّ، فَصَفَّقَ النَّاسُ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ لَا يَلْتَفِتُ فِي الصَّلَاةِ، فَلَمَّا أَكْثَرَ النَّاسُ التَّصْفِيقَ الْتَفَتَ فَرَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ امْكُثْ مَكَانَكَ، فَرَفَعَ أَبُو بَكْرٍ يَدَيْهِ فَحَمِدَ اللَّهَ عَلَى مَا أَمَرَهُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ اسْتَأْخَرَ أَبُو بَكْرٍ حَتَّى اسْتَوَى فِي الصَّفِّ، وَتَقَدَّمَ النَّبِيُّ ﷺ فَصَلَّى، ثُمَّ انْصَرَفَ فَقَالَ: «يَا أَبَا بَكْرٍ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَثْبُتَ إِذْ أَمَرْتُكَ؟»، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَا كَانَ لِابْنِ أَبِي قُحَافَةَ أَنْ يُصَلِّيَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا لِي رَأَيْتُكُمْ أَكْثَرْتُمْ التَّصْفِيقَ، مَنْ نَابَهُ شَيْءٌ فِي صَلَاتِهِ فَلْيُسَبِّحْ، فَإِنَّهُ إِذَا سَبَّحَ الْتُفِتَ إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا التَّصْفِيحُ لِلنِّسَاءِ» (١). الدليل الثاني: عن عائشة ﵂: أن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أرسل إِلَى أَبِي بَكْرٍ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ في مرض موته، قَالَتْ فَصَلَّى بِهِمْ أَبُو بَكْرٍ تِلْكَ الْأَيَّامَ، ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَجَدَ مِنْ نَفْسِهِ خِفَّةً، فَخَرَجَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا الْعَبَّاسُ لِصَلَاةِ الظُّهْرِ، وَأَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي بِالنَّاسِ، فَلَمَّا رَآهُ أَبُو بَكْرٍ ذَهَبَ لِيَتَأَخَّرَ، فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ لَا يَتَأَخَّرَ، وَقَالَ لَهُمَا: «أَجْلِسَانِي إِلَى جَنْبِهِ»، فَأَجْلَسَاهُ إِلَى جَنْبِ أَبِي بَكْرٍ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي وَهُوَ قَائِمٌ بِصَلَاةِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ … » الحديث (٢). وجه الاستدلال: أن أبا بكر - في الحديثين - بعد أن كان إمامًا للناس، وحضر النبي ﷺ انتقل مأمومًا واستخلف النبي ﷺ ليؤم الناس ويتم الصلاة، ولم ينكر النبي ﷺ عليه ذلك، فلو كان الفعل غير جائز لنبه عليه النبي ﷺ إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة (٣).

стр. 381

وكذلك استدلوا بما جاء عن بعض الصحابة أنفسهم، مثل: الدليل الثالث: أثر عمر بن الخطاب ﵁: عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ قَالَ: إِنِّي لَقَائِمٌ مَا بَيْنِي وَبَيْنَ عمر بن الخطاب إِلَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ غَدَاةَ أُصِيبَ، وَكَانَ إِذَا مَرَّ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ قَالَ: اسْتَوُوا، حَتَّى إِذَا لَمْ يَرَ فِيهِنَّ خَلَلًا تَقَدَّمَ فَكَبَّرَ، وَرُبَّمَا قَرَأَ سُورَةَ يُوسُفَ، أَوْ النَّحْلَ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى، حَتَّى يَجْتَمِعَ النَّاسُ، فَمَا هُوَ إِلَّا أَنْ كَبَّرَ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: قَتَلَنِي، أَوْ أَكَلَنِي الْكَلْبُ حِينَ طَعَنَهُ … ، وَتَنَاوَلَ عُمَرُ يَدَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فَقَدَّمَهُ، فَمَنْ يَلِي عُمَرَ فَقَدْ رَأَى الَّذِي أَرَى، وَأَمَّا نَوَاحِي الْمَسْجِدِ، فَإِنَّهُمْ لَا يَدْرُونَ غَيْرَ أَنَّهُمْ قَدْ فَقَدُوا صَوْتَ عُمَرَ، وَهُمْ يَقُولُونَ: سُبْحَانَ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ، فَصَلَّى بِهِمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ صَلَاةً خَفِيفَةً». الحديث (١) وجه الاستدلال: قالوا: فهذا عمر أخذ بيد عبد الرحمن فقدمه، استخلافًا منه له ليتم الصلاة، وكان ذلك بمحضر من الصحابة وغيرهم، ولم ينكره منكر، فكان إجماعًا منهم (٢). وقد جاء عن عمر نفسه آثار أخرى في الاستخلاف، منها: أنه كان يصلي يومًا للناس، فلما جلس في الركعتين الأوليين أطال الجلوس، فلما استقبل قائمًا نكص خلفه، وأخذ بيد رجل من القوم فقدمه مكانه، فلما خرج إلى العصر صلى للناس، فلما انصرف أخذ بجناح المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد أيها الناس، فإني توضأت للصلاة، فمررت بامرأة من أهلي، فكان مني ومنها ما شاء الله أن يكون، فلما كنت في صلاتي وجدت بللًا، فخيرت نفسي بين أمرين:

стр. 382

إما أن أستحيي منكم وأجترئ على الله، وإما أن أستحيي من الله وأجترئ عليكم، فكان أن أستحيي من الله وأجترئ عليكم = أحب إليَّ، فخرجت فتوضأت وجددت صلاتي، فمن صنع كما صنعته: فليصنع كما صنعت (١). ومنها أيضًا: أنه كان يصلي بأصحابه فرعف، فأخذ بيد رجل فقدمه، ثم ذهب فتوضأ، ثم جاء فصلى ما بقي عليه من صلاته، ولم يتكلم (٢).

стр. 383

الدليل الرابع: أثر علي بن أبي طالب ﵁. عن أبي رزين قال: صليت خلف علي بن أبي طالب فرعف، فالتفت فأخذ بيد رجل فقدمه فصلى، وخرج عليّ (١). وأما استدلالهم بالنظر؛ فقالوا: إن المأمومين بهم حاجة إلى تمام صلاتهم بالإمام، وقد التزم الإمام بذلك، فإذا عجز عن الوفاء بما التزم بنفسه: يستعين بمن يقدر عليه نظرًا لهم، كي لا تبطل الصلاة عليهم بالمنازعة (٢). قالوا: يستخلف الإمام قياسًا على ولاية القضاء وغيرها، بجامع تحصيل المصلحة ورفع المنازعة (٣). وقال ابن حزم - في معرض استدلاله على استحسان الاستخلاف -: ولأن فرضًا على الناس أن يصلوا في جماعة، فلا بد لهم من إمام، إما باستخلاف إمامهم، وإما باستخلاف أحدهم، وإما بتقدم أحدهم (٤). ومع اتفاق الفقهاء - السالف ذكرهم - على جواز الاستخلاف: فقد حدث بينهم شيء من التباين في أسباب هذا الاستخلاف: فيرى الحنفية أن سبب الاستخلاف: أن يسبق الإمام الحدث الذي لا اختيار له فيه، أو أن يعجز عن قراءة

стр. 384

القدر المفروض على رأي أبي حنيفة وأبي يوسف. ولا يجوز عندهم الاستخلاف مع الحدث العمد والكلام والقهقهة، وسائر نواقض الصلاة. وذكروا أن للاستخلاف شروطًا، وهي نفسها شروط البناء عندهم (١)، إلا أنهم أضافوا عليها: ١ - أن يكون الاستخلاف قبل خروج الإمام من المسجد، فلو خرج من المسجد قبل أن يقدم هو أو يقدم القوم إنسانًا أو يتقدم أحد بنفسه = فصلاة القوم فاسدة. ٢ - أن يكون المقدم - المستخلف - صالحًا للخلافة، فلو قدم محدثًا (٢)، أو صبيًّا (٣)، أو امرأة (٤) = فسدت صلاتهم (٥). وأما المالكية: فسبب الاستخلاف عندهم هو: كل إمام خشى بتماديه في صلاته تلف مال [له أو لغيره]، أو نفس، أو منع الإمامة لعجز - عن ركن لا سنة - أو منع الصلاة برعاف، أو سبق حدث - خرج منه غلبة في صلاته، أو تذكر الحدث بعد دخوله فيها = له أن يستخلف (٦). ومما ذكر: يتبين أن المالكية أكثر سعة في سبب الاستخلاف من الحنفية، إلا أن أكثر المذاهب سعة في هذا الأمر هم: الشافعية: فإنهم أجازوا الاستخلاف بسبب حدث تعمده الإمام، أو

стр. 385

نسيه، أو سبقه، أو برعاف، أو بأي سبب آخر، بل: ويجوز الاستخلاف عندهم بلا سبب (١). وأما الحنابلة: فيقولون: إن سبب الاستخلاف عندهم: حدوث مرض للإمام، أو خوف، أو عجز عن القراءة الواجبة ونحوه، كالتكبير، أو التسميع، أو التشهد، أو السلام، أو سبقه الحدث، وذلك على الرواية المذكورة هنا. أما إذا تذكر الحدث في الصلاة، أو سبقة الحدث فيها - على الرواية الثانية: فعند ذلك لا يصح منه الاستخلاف لبطلان الصلاة (٢). هيئة خروج الإمام من الصلاة واستخلافه: قال الفقهاء: وينبغي للإمام إذا أحدث أن يخرج من الصلاة محدوب الظهر واضعًا يده على أنفه، ليوهم أنه رعف، وتنقطع عنه الظنون (٣). واستدلوا على ذلك بالأثر - زيادة على ما ذكروه من النظر -، وهو: * عن عائشة ﵂ قالت: قال النبي ﷺ : «إذا أحدث أحدكم في صلاته: فليأخذ بأنفه، ثم لينصرف» (٤).

стр. 386

وأما عن كيفية الاستخلاف: فللإمام أن يأخذ بثوب الرجل المستخلف إلى المحراب، أو يشير

стр. 387

إليه (١). وإن استخلف بالكلام فلا شيء عليه، لأنه بالخروج خرج عن كونه إمامًا (٢). ويستخلف من الصف الذي يليه لقربه من التقدم إلى مقام الإمام، ولذلك قال ﵇: «ليليني منكم أولو الأحلام والنهى» (٣) (٤). وأما المستخلف: فإنه يتم الصلاة من الموضع الذي وصل إليه الإمام؛ لأنه قائم مقامه (٥). القول الثاني: لا يصح الاستخلاف بحال. وبهذا قال الشافعي في القديم، وهو القول الثاني للشافعية (٦)، والرواية الأخرى عند الحنابلة (٧). واستدلوا على هذا بالأثر والنظر. أما استدلالهم بالأثر؛ فهو: الدليل الأول: ما جاء عن النبي ﷺ أنه خرج إلى الصلاة وكبر، ثم أشار إليهم فمكثوا، ثم انطلق فاغتسل وكان رأسه يقطر ماءً فصلى بهم، فلما انصرف قال: إني خرجت إليكم جنبًا، وإني نسيت حتى قمت في

стр. 388

الصلاة (١). وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ لما تذكر أنه جنب، خرج من صلاته، ولم يستخلف أحدًا من الصحابة ليتم بهم الصلاة، ولو كان جائزًا لفعله رسول الله ﷺ (٢). وأجاب أصحاب القول الأول عليهم بقولهم: إن الحديث بهذا السياق ضعيف، مخالف لما في الصحيحين. وإن صح الحديث: فهو دليل على أن تقدم الجنابة: - من الإمام - لا يمنع الاقتداء به - ناسيًا -، وإذا صح الاقتداء في الحالتين: صح الاستخلاف فيهما، قياسًا لإحداهما على الأخرى (٣). الدليل الثاني: عن خالد بن عبد الله بن رباح السلمي: أنه صلى مع معاوية يوم طعن بإيلياء ركعة، وطعن معاوية حين قضاها، فأراد أن يرفع رأسه من سجوده، فقال معاوية للناس: أتموا صلاتكم، فقام كل امرئ فأتم صلاته، ولم يقدم أحدًا، ولم يقدمه الناس (٤). وجه الاستدلال: أن معاوية لما طعن ما قدم أحدًا ليتم للناس الصلاة،

стр. 389

ولم يقدموا هم أحدًا، ولم يتقدم أحد منهم، فلو كان الاستخلاف جائزًا، لفعله معاوية، أو من كان معه. ويجاب على هذا بأن: إسناد هذا إلى معاوية: ضعيف. ثم إن صح هذا عن معاوية: فهو مخالف بفعل عمر حين استخلف ابن عوف، وقد كان فعل عمر على مرأى ومسمع من الصحابة، فيقدم على فعل معاوية، ومن قبل عمر قد استخلف أبو بكر النبي ﷺ ، وهذا العمدة في الباب. وأما استدلالهم بالنظر؛ فقالوا: ١ - إن الإمام إذا بطلت صلاته - بحدث سبقه أو نسيه أو تعمده -: بطلت صلاة المأمومين تبعًا له، فكيف يصح الاستخلاف وقد بطلت الصلاة؟! (١) وأجاب أصحاب القول الأول عليهم بقولهم: كلامكم هذا فيه نظر، والصواب: أن بطلان صلاة الإمام لا يلزم منه بطلان صلاة المأموم، فكما لا يجزئ عن المأموم فعل إمامه: فكذلك لا يفسد عليه فساد إمامه، وكما أن صلاة الإمام لا تُصح صلاة المأموم إن بطلت: فكذلك لا تبطل صلاة الإمام صلاة المأموم - إن صحت - (٢). ٢ - قالوا: لا يجوز الاستخلاف لأنها صلاة واحدة، فيمتنع فيها ذلك، كما لو اقتدى بإمامين معًا (٣).

стр. 390

وأجيب عليهم: بأن هذا نظر يعارضه الأثر، والأثر الثابت عن رسول الله ﷺ يقدم بلا شك - على النظر، إذ النظر والرأي يصيب ويخطئ. وأخيرًا قال شيخنا - حفظه الله -: قد ثبت أن أبا بكر ﵁ تأخر وقدم النبي ﷺ ، وثبت أن عمر ﵁ تأخر لما طعن وقدم عبد الرحمن بن عوف. فعليه: لا مانع من الاستخلاف إذا عرض للإمام عارض يمنعه من إتمام صلاته، والله أعلم.
следующие страницы →