← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 30185

جامع أحكام صلاة الإمام

أحمد الجابري

Полный текст (484 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

وأما عن كيفية الاستخلاف: فللإمام أن يأخذ بثوب الرجل المستخلف إلى المحراب، أو يشير

стр. 387

إليه (١). وإن استخلف بالكلام فلا شيء عليه، لأنه بالخروج خرج عن كونه إمامًا (٢). ويستخلف من الصف الذي يليه لقربه من التقدم إلى مقام الإمام، ولذلك قال ﵇: «ليليني منكم أولو الأحلام والنهى» (٣) (٤). وأما المستخلف: فإنه يتم الصلاة من الموضع الذي وصل إليه الإمام؛ لأنه قائم مقامه (٥). القول الثاني: لا يصح الاستخلاف بحال. وبهذا قال الشافعي في القديم، وهو القول الثاني للشافعية (٦)، والرواية الأخرى عند الحنابلة (٧). واستدلوا على هذا بالأثر والنظر. أما استدلالهم بالأثر؛ فهو: الدليل الأول: ما جاء عن النبي ﷺ أنه خرج إلى الصلاة وكبر، ثم أشار إليهم فمكثوا، ثم انطلق فاغتسل وكان رأسه يقطر ماءً فصلى بهم، فلما انصرف قال: إني خرجت إليكم جنبًا، وإني نسيت حتى قمت في

стр. 388

الصلاة (١). وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ لما تذكر أنه جنب، خرج من صلاته، ولم يستخلف أحدًا من الصحابة ليتم بهم الصلاة، ولو كان جائزًا لفعله رسول الله ﷺ (٢). وأجاب أصحاب القول الأول عليهم بقولهم: إن الحديث بهذا السياق ضعيف، مخالف لما في الصحيحين. وإن صح الحديث: فهو دليل على أن تقدم الجنابة: - من الإمام - لا يمنع الاقتداء به - ناسيًا -، وإذا صح الاقتداء في الحالتين: صح الاستخلاف فيهما، قياسًا لإحداهما على الأخرى (٣). الدليل الثاني: عن خالد بن عبد الله بن رباح السلمي: أنه صلى مع معاوية يوم طعن بإيلياء ركعة، وطعن معاوية حين قضاها، فأراد أن يرفع رأسه من سجوده، فقال معاوية للناس: أتموا صلاتكم، فقام كل امرئ فأتم صلاته، ولم يقدم أحدًا، ولم يقدمه الناس (٤). وجه الاستدلال: أن معاوية لما طعن ما قدم أحدًا ليتم للناس الصلاة،

стр. 389

ولم يقدموا هم أحدًا، ولم يتقدم أحد منهم، فلو كان الاستخلاف جائزًا، لفعله معاوية، أو من كان معه. ويجاب على هذا بأن: إسناد هذا إلى معاوية: ضعيف. ثم إن صح هذا عن معاوية: فهو مخالف بفعل عمر حين استخلف ابن عوف، وقد كان فعل عمر على مرأى ومسمع من الصحابة، فيقدم على فعل معاوية، ومن قبل عمر قد استخلف أبو بكر النبي ﷺ ، وهذا العمدة في الباب. وأما استدلالهم بالنظر؛ فقالوا: ١ - إن الإمام إذا بطلت صلاته - بحدث سبقه أو نسيه أو تعمده -: بطلت صلاة المأمومين تبعًا له، فكيف يصح الاستخلاف وقد بطلت الصلاة؟! (١) وأجاب أصحاب القول الأول عليهم بقولهم: كلامكم هذا فيه نظر، والصواب: أن بطلان صلاة الإمام لا يلزم منه بطلان صلاة المأموم، فكما لا يجزئ عن المأموم فعل إمامه: فكذلك لا يفسد عليه فساد إمامه، وكما أن صلاة الإمام لا تُصح صلاة المأموم إن بطلت: فكذلك لا تبطل صلاة الإمام صلاة المأموم - إن صحت - (٢). ٢ - قالوا: لا يجوز الاستخلاف لأنها صلاة واحدة، فيمتنع فيها ذلك، كما لو اقتدى بإمامين معًا (٣).

стр. 390

وأجيب عليهم: بأن هذا نظر يعارضه الأثر، والأثر الثابت عن رسول الله ﷺ يقدم بلا شك - على النظر، إذ النظر والرأي يصيب ويخطئ. وأخيرًا قال شيخنا - حفظه الله -: قد ثبت أن أبا بكر ﵁ تأخر وقدم النبي ﷺ ، وثبت أن عمر ﵁ تأخر لما طعن وقدم عبد الرحمن بن عوف. فعليه: لا مانع من الاستخلاف إذا عرض للإمام عارض يمنعه من إتمام صلاته، والله أعلم.

стр. 391

٣٣ - الإمام يطيل الركوع انتظارًا للقادم مسألتنا في هذا الباب تتمثل صورتها في إمام كان في الركوع، وأحس بأن أحدًا قادم، أو دخل المسجد، فهل ينتظره أم لا؟!. أقول: إن أهل العلم اختلفوا في هذه المسألة على أربعة أقوال، وهي: القول الأول: يستحب للإمام أن ينتظر القادم. وهذا القول هو الأصح عند الشافعية (١)، وعليه الحنابلة (٢). إلا أنهم قيدوا ذلك الانتظار بشروط (٣)، وهي: ١) أن يكون المسبوق داخل المسجد حين الانتظار. ٢) ألا يفحش طول الانتظار فيشق ذلك على المأموم. ٣) أن يقصد بانتظاره هذا التقرب إلى الله تعالى، لا التودد إلى الداخل وتمييزه. واستدلوا على قولهم بالقرآن والأثر والنظر: أما استدلالهم بالقرآن؛ فهو: قوله تعالى: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى﴾. قالوا: وإدراك الصلاة - لا شك - من أعمال البر، فكان انتظار القادم

стр. 392

وإعانته على إدراك الركعة داخل في عموم التعاون على البر المذكور في الآية. وأما استدلالهم بالأثر فهو: الدليل الأول: حديث صلاة الخوف: عَنْ صَالِحِ بْنِ خَوَّاتٍ، عَمَّنْ شَهِدَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ ذَاتِ الرِّقَاعِ، صَلَّى صَلَاةَ الْخَوْفِ، أَنَّ طَائِفَةً صَفَّتْ مَعَهُ وَطَائِفَةٌ وِجَاهَ الْعَدُوِّ، فَصَلَّى بِالَّتِي مَعَهُ رَكْعَةً، ثُمَّ ثَبَتَ قَائِمًا وَأَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ انْصَرَفُوا فَصَفُّوا، وِجَاهَ الْعَدُوِّ، وَجَاءَت الطَّائِفَةُ الْأُخْرَى، فَصَلَّى بِهِمْ الرَّكْعَةَ الَّتِي بَقِيَتْ مِنْ صَلَاتِهِ، ثُمَّ ثَبَتَ جَالِسًا، وَأَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ سَلَّمَ بِهِمْ (١). قالوا: فها هو النبي ﷺ قد سن للإمام أن ينتظر في صلاة الخوف لتدركه الطائفة الثانية، مراعاة منه لأحوال المأمومين، وعليه يقاس استحباب انتظار الإمام ليدركه الداخل (٢). الدليل الثاني: حديث أبي قتادة الأنصاري ﵁: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ: عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، كَانَ يُطَوِّلُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ، وَيُقَصِّرُ فِي الثَّانِيَةِ، وَيَفْعَلُ ذَلِكَ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ (٣). [وفي رواية: قال - أي: أبو قتادة: فظننا أنه يريد بذلك أن يدرك الناس الركعة الأولى] (٤).

стр. 393

قالوا: فالنبي ﷺ كان يطيل الركعة الأولى ليدركها المتأخرون، وعلى ذلك يقاس تطويل الإمام الركوع ليدركه ذلك المتأخر (١). وقد اعترض القرطبي على الاستدلال بهذا الدليل هنا، فقال: ولا حجة فيه، لأن الحكمة لا يعلل بها لخفائها أو لعدم انضباطها، ولأنه لم يكن يدخل في الصلاة يريد تقصير تلك الركعة ثم يطيلها لأجل الآتى، وإنما كان يدخل فيها ليأتي بالصلاة على سنتها من تطويل الأولى، فافترق الأصل والفرع فامتنع الإلحاق. اهـ (٢). الدليل الثالث: حديث جابر بن عبد الله ﵁: عن جَابِر بْن عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالْهَاجِرَةِ، وَالْعَصْرَ وَالشَّمْسُ نَقِيَّةٌ، وَالْمَغْرِبَ إِذَا وَجَبَتْ، وَالْعِشَاءَ أَحْيَانًا وَأَحْيَانًا، إِذَا رَآهُمْ اجْتَمَعُوا عَجَّلَ، وَإِذَا رَآهُمْ أَبْطَوْا أَخَّرَ … ». الحديث (٣). الدليل الرابع: حديث أنس بن مالك ﵁: قال: قال رسول الله ﷺ : «إِنِّي لَأَدْخُلُ فِي الصَّلَاةِ، وَأَنَا أُرِيدُ إِطَالَتَهَا، فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ فَأَتَجَوَّزُ فِي صَلَاتِي، مِمَّا أَعْلَمُ مِنْ شِدَّةِ وَجْدِ أُمِّهِ مِنْ بُكَائِهِ» (٤).

стр. 394

الدليل الخامس: حديث أبي هريرة ﵁: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِلنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ، فَإِنَّ مِنْهُم الضَّعِيفَ وَالسَّقِيمَ وَالْكَبِيرَ، [وذا الحاجة]، وَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِنَفْسِهِ فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاءَ» (١). ووجه الدلالة: في هذه الأحاديث المذكورة آنفًا: أن النبي ﷺ كان يراعي أحوال المأمومين، فيعجل أحيانًا، يؤخر أحيانًا، ويطيل أحيانًا، ويقصر أحيانًا. وإطالة الركوع من هذا الباب، باب: مراعاة أحوال المأمومين. وأما استدلالهم بالنظر؛ فقالوا: إن هذه الإطالة فيها نفع وتحصيل مصلحة بلا مضرة، فشرعت كتطويل الركعة، وتخفيف الصلاة (٢). القول الثاني: يكره للإمام أن ينتظر القادم. وبهذا قال المالكية (٣)، وهو قول للشافعية (٤)، ورواية عند الحنابلة (٥).

стр. 395

واستدل هؤلاء بالنظر، فقالوا: أ - إن من وراءه من المصلين أعظم عليه حقًّا ممن يأتي من المتأخرين (١). وقد يجاب على ذلك: بأن القائلين بالاستحباب اشترطوا ألا يكون هذا الانتظار شاقًّا على المأمومين، فإن شق عليهم فتركه أولى، فالكلام هنا على الانتظار اليسير. ب - إن في هذا الانتظار تشريكًا بين الله وبين الخلق في العبادة، وقد قال الله تعالى: ﴿ولا يشرك بعبادة ربه أحدا﴾ (٢). وأُجيب عليهم: بأن هذا الانتظار ليس كذلك، بل هو جمع بين القربتين لما فيه من الإعانة على إدراك القربة، ولو كان كما ظن: لكان تعليم العلم، والأمر بالمعروف، والأذان؛ رياء. * ثم ماذا تقولون في انتظار الإمام بقية الجماعة في صلاة الخوف؟! (٣). كما أن الأحاديث التي جاءت عن النبي ﷺ من مراعاته أحوال المأمومين، حيث كان يطيل أحيانًا، ويقصر أحيانًا (٤)، تبطل هذا القول (٥). جـ - إن الانتظار وإن كان إعانة على إدراك الركعة ففيه إعانة للمتأخر على التكاسل وترك المبادرة والتهيؤ للصلاة قبل حضور وقتها، فالأولى

стр. 396

تركه (١). القول الثالث: يكره (٢) للإمام أن ينتظر القادم إن عرفه، وإن لم يعرفه: فلا بأس. وبهذا قال الحنفية (٣)، وهو قول عند الشافعية (٤). واستدل هؤلاء بالنظر، فقالوا: إن انتظار الإمام وإطالته الركوع لشخص يعرفه سيكون للتودد إليه، والتقرب إليه، واستمالة قلبه، لا للتقرب إلى الله والإعانة على الخير (٥). قال أبو حنيفة: أخشى عليه أمرًا عظيمًا - يعني الشرك - (٦). قالوا: وأما قولنا: إن لم يعرفه فلا بأس: لأن ترك الانتظار أفضل؛ لأن فعل العبادة لأمر فيه شبهة عدم إخلاصها لله تعالى = لا شك أن تركه أفضل (٧).

стр. 397

القول الرابع: يجوز للإمام أن ينتظر القادم (١). وهو قول عند الشافعية (٢)، ورواية عند الحنابلة (٣)، واختاره سحنون والقاضي عياض من المالكية (٤). واستدل هؤلاء بعموم الأحاديث التي استدل بها أصحاب القول الأول، فقالوا: إنها دالة على جواز هذا الفعل (٥). يقول الحافظ ابن حجر: وقد ذكر البخاري في جزء القراءة كلامًا معناه: أنه لم يرد عن أحد من السلف في انتظار الداخل في الركوع شيء، والله أعلم (٦). وختامًا: قال شيخنا - حفظه الله -: الذي يظهر - والله أعلم - أن رأي من قال بجواز الانتظار حتى يدرك الشخص الركوع = رأي قوي. ويشهد له دليل، وهو حديث النبي ﷺ : «إِنِّي لَأَدْخُلُ فِي الصَّلَاةِ، وَأَنَا أُرِيدُ إِطَالَتَهَا، فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ، فَأَتَجَوَّزُ فِي صَلَاتِي مِمَّا أَعْلَمُ مِنْ شِدَّةِ وَجْدِ أُمِّهِ مِنْ بُكَائِهِ» (٧). وبهذا القول: قال كثير من العلماء، والله أعلم.

стр. 398

٣٤ - الإمام يقوم من ركعتين ناسيًا التشهد الأول ملخص مسألتنا في هذا الباب: إمام قام من ركعتين - في صلاة ثلاثية أو رباعية - ناسيًا التشهد الأول، ثم تذكر إما بنفسه، وإما بتسبيح المأمومين له، فهل له أن يقعد ليأتي بالتشهد أم لا؟!. وإن قلنا: ليس له أن يقعد، فهل تفسد صلاته إذا قعد أم لا؟ هذا التلخيص، وإليك التفصيل: إن الإمام إذا نسي التشهد الأول ثم تذكر بنفسه أو بغيره = فله أحوال، وهي: أولًا: أن يتذكر قبل أن يفارق الأرض وقبل أن يقوم. في هذه الحالة: لا خلاف بين العلماء أنه يستقر على حالته - أي: من القعود - ولا يقوم، ولا شيء عليه (١). ثانيًا: أن يتذكر بعد أن فارق الأرض وقام لكنه لم يستتم قائمًا. وهذه الحالة: اختلف العلماء فيها على قولين، وهما: أ - أنه يعود إلى التشهد ما لم يستتم قائمًا. وهذا الأصح عند الحنفية (٢)،

стр. 399

وبه قال الشافعية (١)، وهو قول للمالكية (٢)، وعليه الحنابلة (٣). واستدلوا على ذلك بالأثر والنظر: أما استدلالهم بالأثر؛ فهو: الدليل الأول: حديث المغيرة بن شعبة ﵁. عن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِذَا قَامَ الْإِمَامُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ: فَإِنْ ذَكَرَ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوِيَ قَائِمًا فَلْيَجْلِسْ، فَإِنْ اسْتَوَى قَائِمًا، فَلَا يَجْلِسْ، وَيَسْجُدْ سَجْدَتَي السَّهْوِ» (٤).

стр. 400

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 401

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 402

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 403

الدليل الثاني: أثر النعمان بن بشير ﵁. عن عامر الشعبي قال: صليت خلف النعمان بن بشير، فنهض في الركعتين، فسبح القوم فجلس، فلما فرغ: سجد سجدتي السهو وسجدنا معه (١). قال البيهقي: وهذا عندنا على أنه لم ينتصب قائمًا.

стр. 404

الدليل الثالث: أثر أنس بن مالك ﵁. عن يحيى بن سعيد قال: كنا مع أنس فصلى العصر، فتحرك للقيام فسبحوا، فسجد سجدتي السهو (١). وأما استدلالهم بالنظر؛ فقالوا: إن الإمام قد أخل بواجب ذكره قبل الشروع في ركن مقصود، فلزمه الإتيان به كما لو لم تفارق أليتاه الأرض (٢). ب - إذا كان الإمام إلى القعود أقرب يعود، وإن كان إلى القيام أقرب لا يعود. وبه قال بعض الحنفية (٣)، وحُكي عن مالك (٤). وأما عن دليلهم على ذلك؛ فقالوا: إن الإمام لما كان قريبًا من القعود صار كالقاعد، لذا فإنه يكون في حكمه فلا يقوم، وإذا كان أقرب إلى القيام، صار كمن استتم قائمًا،

стр. 405

وعليه فلا يقعد (١). وقد أجاب عليهم أصحاب القول الأول: بأن الدليل لا يساعد على هذا القول - يعني: الدليل الأثري - فالدليل يشير إلى أنه ما لم يستتم قائمًا يعود، دون هذا التفصيل المذكور (٢). ثالثًا: أن يتذكر الإمام بعد أن يستتم قائمًا: وهذه الحالة كسابقتها في اختلاف العلماء فيها، فقد اختلفوا على قولين: أ - يحرم عليه أن يعود للقعود: وبهذا القول قال كل من الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥) بل عزا النووي هذا القول إلى الجمهور (٦). واستدل هؤلاء بالأثر والنظر. أما استدلالهم بالأثر؛ فهو: الدليل الأول: حديث عبد الله بن مالك بن بُحينة ﵁. عن عبد الله بن بُحينة ﵁ قال: صلى بنا رسول الله ﷺ الظهر، فقام

стр. 406

وعليه جلوس، فلما كان في آخر صلاته سجد سجدتين وهو جالس (١). وجه الدلالة: أن النبي ﷺ واصل صلاته بعد أن استتم قائمًا ولم يرجع للتشهد الأول، فلو كان الرجوع جائزًا ما تركه النبي ﷺ ، فدل ذلك على أنه لا يحل لمن قام أن يعود مرة أخرى (٢). الدليل الثاني: حديث المغيرة بن شعبة ﵁: عن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِذَا قَامَ الْإِمَامُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ، فَإِنْ ذَكَرَ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوِيَ قَائِمًا فَلْيَجْلِسْ، فَإِنْ اسْتَوَى قَائِمًا، فَلَا يَجْلِسْ، وَيَسْجُدْ سَجْدَتَي السَّهْوِ» (٣). وجه الدلالة: أن النبي ﷺ نهى أن يعود الرجل للقعود إذا استتم قائمًا، وهذا النهي ظاهره التحريم، إذ لم تأت قرينة تصرفه عن ذلك. الدليل الثالث: حديث معاوية بن أبي سفيان ﵁: عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ مَوْلَى عُثْمَانَ، عَنْ أَبِيهِ يُوسُفَ، أَنَّ مُعَاوِيَةَ صَلَّى إَمَامَهُمْ فَقَامَ فِي الصَّلَاةِ وَعَلَيْهِ جُلُوسٌ، فَسَبَّحَ النَّاسُ فَتَمَّ عَلَى قِيَامِهِ، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، وَهُوَ جَالِسٌ بَعْدَ أَنْ أَتَمَّ الصَّلَاةَ، ثُمَّ قَعَدَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ: [وفي رواية: هكذا رأيت النبي ﷺ يصنع]. إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ نَسِيَ شَيْئًا مِنْ صَلَاتِهِ، فَلْيَسْجُدْ مِثْلَ هَاتَيْنِ السَّجْدَتَيْنِ» (٤).

стр. 407

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 408

الدليل الرابع: حديث سعد بن أبي وقاص ﵁: عن قيس بن أبي حازم قال: صلى بنا سعد بن أبي وقاص، فنهض في الركعتين، فسبح به الناس، فمضى في صلاته. [زاد أبو معاوية في روايته: ثم قال حين انصرف: صنعت كما رأيت رسول الله ﷺ صنع] (١).

стр. 409

الدليل الخامس: أثر عقبة بن عامر ﵁: عن عبد الرحمن بن شِماسة المَهري قال: صلى بنا عقبة بن عامر، فقام وعليه جلوس، فقال الناس وراءه: سبحان الله، فلم يجلس، فلما فرغ من صلاته سجد سجدتين وهو جالس، فقال: إني سمعتكم تقولون: سبحان الله كيما أجلس: وليس تلك سنة، إنما السنة التي صنعته (١). وجه الدلالة: أن هؤلاء الصحابة جميعًا [المغيرة، ومعاوية، وسعد، وعقبة ﵃]، اتفقوا على فعل واحد، وهو عدم الرجوع إلى القعود بعد

стр. 410

القيام، ولا يعرف لهم مخالف من الصحابة في ذلك، وهذا أشبه بإجماع منهم على ذلك. وأما استدلالهم بالنظر؛ فقالوا: إن الإمام لما استتم قائمًا اشتغل بالفرض، وليس من الحكمة ترك الفرض لواجب أو مسنون، بخلاف ما قبل أن يستتم قائمًا (١). ب - يجوز له أن يعود إلى القعود ما لم يشرع في القراءة، فإن شرع في القراءة فلا يجوز له الرجوع. وبهذا قال الحنابلة (٢)، وهو وجه للشافعية (٣). قالوا: لأنه لم يتلبس بركن مقصود؛ لأن القيام ليس بمقصود في نفسه، ولهذا جاز تركه عند العجز، بخلاف غيره من الأركان (٤). وأجاب أصحاب القول الأول عليهم: بأن هذا التفريق لا دليل عليه، فحال النبي ﷺ لما استتم قائمًا ولم يرجع للقعود، ليس فيه ذكر لشروعه في الفاتحة من عدمه، بل إن المتأمل لحال الصحابة حيث يرفعون رؤوسهم ويسبحون للنبي ﷺ يرى أن هذا سيكون بمجرد انتصابه قائمًا، وفي الغالب قبل أن يقرأ، وهذا يدل

стр. 411

على أن العبرة باستتمامه قائمًا، لا بالشروع في القراءة (١). * إذا عاد الإمام للقعود بعد أن استتم قائمًا: اختلف أهل العلم في هذه المسألة - هل تبطل صلاة الإمام أم لا إذا عاد - على ثلاثة أقوال: القول الأول: لا تبطل الصلاة إذا عاد للقعود بعد استتمامه قائمًا. اختاره ابن الهمام الحنفي (٢)، وتابعه عليه علاء الدين الحصكفي من الحنفية (٣)، وهو المشهور عن المالكية (٤). بل عزاه ابن عبد البر إلى جمهور العلماء، فقال: ينبغي لكل من قام من اثنتين ألا يرجع، فإن رجع إلى الجلوس بعد قيامه: لم تفسد صلاته عند جمهور العلماء، وإن اختلفوا في سجود سهوه وحال رجوعه. اهـ (٥). واستدل هؤلاء بالنظر؛ فقالوا: إن الأصل ما فعله من الإتيان بالتشهد، وغاية الأمر في الرجوع إلى القعود أن يكون زيادة قيام ما في الصلاة، وهو وإن كان لا يحل: لكنه بالصحة لا يخل، لما عرف أن زيادة ما دون الركعة لا تفسد (٦).

стр. 412

وأما ترك النبي ﷺ الرجوع إلى القعود: فرخصة وتنبيه على أن الجلسة لم تكن فرضًا، والله أعلم (١). القول الثاني: إن عاد للقعود متعمدًا عالمًا بتحريم الرجوع: بطلت صلاته، وإن عاد ناسيًا أو جاهلًا لم تبطل. وبهذا قال الشافعية (٢)، والحنابلة (٣). وأما عن أدلتهم فقالوا: إن الناسي أو الجاهل مرفوع عنه الحرج، وذلك لما جاء في الحديث: « … فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾، (قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ)، ﴿ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا﴾، (قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ)، ﴿واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا﴾ قَالَ: (قَدْ فَعَلْتُ)» (٤). وأما العالم بالتحريم المتعمد للفعل: فتفسد صلاته، لزيادته فعلًا من جنسها عمدًا أشبه ما لو زاد ركوعًا (٥). كما أنه خالف النهي الذي جاء في حديث المغيرة (٦)، وهو نهي

стр. 413

تحريم، ومخالفته تقتضي فساد الصلاة (١). القول الثالث: إذا عاد للقعود بعد استتمامه قائمًا: تبطل الصلاة. وهو الأصح عند الحنفية (٢)، واختاره سحنون من المالكية (٣). وأما عن أدلتهم فقالوا: إنه قد خالف نهي النبي ﷺ في حديث المغيرة، وخالف فعله ﵊ أيضًا، بل وفعل عامة الصحابة ﵃. وارتكاب النهي يقتضي الفساد، والجاهل هو المقصر في حق نفسه بترك التعلم. كما أن هذا الذي عاد للقعود: قد رفض الفرض - وهو القيام - لما ليس بفرض - وهو التشهد الأول (٤). ثم أخيرًا: قال شيخنا - حفظه الله -: إذا نسي الإمام التشهد الأول واستتم قائمًا: لا يشرع له الرجوع ولكن: إن رجع فالصلاة لا تبطل، وبهذا قال الأكثرون، والله أعلم.

стр. 414

٣٥ - انصراف الإمام من مكانه بعد الصلاة بعد فراغ الإمام من الصلاة المكتوبة: قد يظل جالسًا في مصلاه، وقد ينصرف وهذا أمر اختلف العلماء فيه، أعني: هل الأفضل أن يظل في مصلاه، أم ينصرف منه؟ وقبل عرض ما قيل في هذا: أشير ابتداءً إلى أمر قد اتفق فقهاء المذاهب عليه وهو. يكره للإمام أن يمكث على هيئته بعد الصلاة مستقبل القبلة: وبهذا قال: الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والحنابلة (٣). وأما الشافعية: فعندهم أن الانتقال بعد الصلاة عن المكان - للإمام - مستحب (٤).

стр. 415

واستدل الفقهاء على ذلك بالأثر والنظر. أما استدلالهم بالأثر؛ فهو: الدليل الأول: عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا سَلَّمَ لَمْ يَقْعُدْ إِلَّا مِقْدَارَ مَا يَقُولُ: «اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ، وَمِنْكَ السَّلَامُ تَبَارَكْتَ ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ» (١). وجه الدلالة: قولها ﵂ «لم يقعد إلا مقدار ما يقول … »، فيه: أن هذا كان هديه ﵊ بعد الصلاة، وهو أن لا يجلس مستقبلًا القبلة، إلا يسيرًا، ولم ينقل عنه جلوسه مستقبلًا، فلو كان ذلك مستحبًّا أو جائزًا لعلمه أمته، ويتأيد هذا بما يلي: الدليل الثاني: عن سمرة بن جندب ﵁ قال: كان النبي ﷺ إذا صلى صلاة أقبل علينا بوجهه، … ». الحديث (٢). الدليل الثالث: عن يزيد بن الأسود ﵁ قال: صليت مع رسول الله ﷺ الفجر، فلما سلم انحرف (٣). الدليل الرابع. عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الصُّبْحِ بِالْحُدَيْبِيَةِ عَلَى إِثْرِ سَمَاءٍ كَانَتْ مِنْ اللَّيْلَةِ،

стр. 416

فَلَمَّا انْصَرَفَ، أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، … ». الحديث (١). الدليل الخامس: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: أَخَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الصَّلَاةَ ذَاتَ لَيْلَةٍ إِلَى شَطْرِ اللَّيْلِ، ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا، فَلَمَّا صَلَّى أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ، … » الحديث (٢). وقد كان هذا فعل أصحاب النبي ﷺ أيضًا، ومنهم: أبو بكر الصديق ﵁: عن مسروق: أن أبا بكر كان إذا سلم عن يمينه وعن شماله قال: السلام عليكم ورحمة الله، ثم انفتل ساعتئذ، كأنما كان جالسًا على الرَّضْف (٣) (٤).

стр. 417

علي بن أبي طالب ﵁: عن أبي رزين قال: صليت خلف علي، فسلم عن يمينه وعن يساره، ثم وثب كما هو (١). عبد الله بن مسعود ﵁: عن أبي الأحوص قال: كان عبد الله إذا قضى الصلاة انفتل سريعًا، فإما أن يقوم، وإما أن ينحرف (٢). عبد الله بن عمر ﵁: عن ابن سيرين قال: قلت لابن عمر: إذا سلم الإمام انصرف؟ قال: كان الإمام إذا سلم انكفت (٣)، وانكفتنا معه (٤).

стр. 418

فهذه الأحاديث والآثار - وغيرها مما جاء عن التابعين - دال على أن المسنون للإمام بعد انقضاء الصلاة المكتوبة أن يتحول عن مكانه، ويكون جلوسه على حالته الأولى مكروهًا بل قد روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: «جلوس الإمام بعد التسليم بدعة» (١). والخلاصة - كما يقول ابن رجب الحنبلي -: لم يرخص في إطالة استقبال الإمام القبلة بعد سلامه للذكر والدعاء = إلا بعض المتأخرين ممن لا يعرف السنن والآثار. اهـ (٢). وأما استدلالهم بالنظر؛ فقالوا: ١) إن مكث الإمام في مكانه يوهم الداخل أنه في الصلاة فيقتدي به، فيفسد اقتداؤه، فكان المكث تعريضًا لفساد اقتداء غيره به، فلا يمكث (٣). ٢) كما أن هذا المكث قد يوقعه هو أو من خلفه في الشك: هل سلم أم لا؟! (٤). ٣) كما أن تنحيه من مكانه فيه استكثار لشهوده، على ما روي أن مكان

стр. 419

المصلي يشهد له يوم القيامة (١). ٤) وقال الزين بن المنير: استدبار الإمام المأمومين إنما هو لحق الإمامة، فإذا انقضت الصلاة زال السبب، فاستقبالهم حينئذ يرفع الخيلاء والترفع على المأمومين، والله أعلم. اهـ (٢). تنبيه: استثنى الحنفيةُ من استقبال الإمام القومَ بعد الصلاة حالةً واحدة، وهي: إذا كان بحذاء الإمام أحد يصلي، قالوا: عندها لا يستقبل القوم بوجهه؛ لأن استقبال الصورة الصورة في الصلاة مكروه؛ لما روي أن عمر ﵁ رأى رجلًا يصلي إلى وجه غيره، فعلاهما بالدرة وقال للمصلي: أتستقبل الصورة؟ وللآخر أتستقبل المصلي بوجهك؟ (٣) (٤). بعد أن نقلنا عن الفقهاء كراهتهم للإمام أن يظل على هيئته بعد الصلاة، يبقى أن نعرف قولهم في انصرافه، أي هل يكفي أن ينحرف عن القبلة، أم الأولى أن يقوم من مكانه إلى مكان آخر؟ فبداية أقول: إذا كان مع الإمام رجال ونساء:

стр. 420

ففي هذه الحالة يستحب للإمام أن يثبت (١) هو والرجال بقدر ما يرى أن النساء قد انصرفن، ويقمن هن عقب تسليمه. وبهذا يقول: الشافعية (٢)، والحنابلة (٣). واستدلوا على ذلك بالأثر والنظر: أما استدلالهم بالأثر؛ فهو: عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا سَلَّمَ يَمْكُثُ فِي مَكَانِهِ يَسِيرًا. قال الزهري - وهو أحد رواة هذا الحديث -: فنرى - والله أعلم - لكي ينفذ من ينصرف من النساء [وفي لفظ: قبل أن يدركهن الرجال] (٤). وأما استدلالهم بالنظر؛ فقالوا: إن الإخلال بذلك من أحدهما: يفضي إلى اختلاط الرجال بالنساء، وهذا الاختلاط مظنة الفساد (٥). وإذا كان مع الإمام رجال فقط: قال الحافظ ابن حجر: ومقتضى التعليل المذكور [أي: في حديث أم سلمة السابق]، أن المأمومين إذا كانوا رجالًا فقط أن لا يستحب هذا المكث. اهـ (٦).

стр. 421

وهذا القول - أي: لا يستحب للإمام أن يمكث في مصلاه بعد الصلاة - قال به: الشافعية (١)، والحنابلة (٢)، وهو قول الإمام مالك (٣). واستدلوا على ذلك بالأثر والنظر: أما استدلالهم بالأثر؛ فهو: عن البراء ﵁ قال: رمقت الصلاة مع محمد ﷺ ، فوجدت قيامه فركعته فاعتداله بعد ركوعه، فسجدته، فجلسته بين السجدتين، فسجدته، فجلسته ما بين التسليم والانصراف قريبًا من السواء (٤). وجه الاستدلال: قوله: «فجلسته ما بين التسليم والانصراف». فيه دليل على أن جلوسه ﵊ بعد صلاته كان يسيرًا، ولم يكن يطيل القعود. وأما استدلالهم بالنظر؛ فقالوا: إن جلوس الإمام بعد صلاته في مصلاه يكون لعلة ذكرها الزهري في

стр. 422

حديث أم سلمة، وهي: انصراف النساء قبل خروج الرجال، فإذا انتفت هذه العلة: فليس هناك داعٍ لجلوس الإمام في مصلاه (١). وقد جاء في السنة ما يدل على أن الجلوس في المصلى بعد الصلاة ليس بواجب وهو: عَنْ عُقْبَةَ بن الحارث قَالَ: صَلَّيْتُ وَرَاءَ النَّبِيِّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ الْعَصْرَ فَسَلَّمَ، ثُمَّ قَامَ مُسْرِعًا فَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ إِلَى بَعْضِ حُجَرِ نِسَائِهِ، فَفَزِعَ النَّاسُ مِنْ سُرْعَتِهِ، فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ فَرَأَى أَنَّهُمْ عَجِبُوا مِنْ سُرْعَتِهِ فَقَالَ: «ذَكَرْتُ شَيْئًا مِنْ تِبْرٍ عِنْدَنَا، فَكَرِهْتُ أَنْ يَحْبِسَنِي، فَأَمَرْتُ بِقِسْمَتِهِ» (٢). قال الحافظ: وفي الحديث أن المكث بعد الصلاة ليس بواجب. اهـ (٣). وقال أصحاب هذا القول: ويستثنى من هذا [أي: استحباب القيام]، ما إذا قعد مكانه يذكر الله بعد صلاة الصبح إلى أن تطلع الشمس؛ لأن ذلك كان من هديه ﵊. فعن جابر بن سمرة ﵁ قال: كان النبي ﷺ لَا يَقُومُ مِنْ مُصَلَّاهُ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ الصُّبْحَ أَوْ الْغَدَاةَ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، فَإِذَا طَلَعَتْ الشَّمْسُ قَامَ (٤). وقالوا أيضًا: ولو قعد الإمام في مصلاه ولم يقم منه - في أي صلاة - فلا شيء

стр. 423

عليه، شريطة أن يتنحى أو ينحرف عن مكانه (١). وقال آخرون: بل المستحب له أن يقعد في مصلاه بعد الصلاة. وبهذا قال المالكية (٢). واستدلوا على ذلك بالأثر والنظر. أما استدلالهم بالأثر؛ فهو: ١) عن سمرة ﵁ قال: كان النبي ﷺ إذا صلى صلاة أقبل علينا بوجهه (٣). وجه الاستدلال: قوله: «أقبل علينا بوجهه»، فيه جواز جلوس الإمام في مصلاه الذي صلى فيه إذا أدار وجهه إلى الجماعة، بل هذا هو السنة، والصحابة لم يذكروا عن النبي ﷺ القيام، ولو قام لأخبروا به، لأنهم بأقل من هذا من فعله يخبرون به (٤). ٢) حديث جابر بن سمرة: في جلوسه ﵊ بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس (٥). وجه الاستدلال: قالوا: فهذا نص جلىٌّ يؤكد ما ذكرنا من استحباب جلوس الإمام

стр. 424

في مصلاه بعد الصلاة (٣). وأما استدلالهم بالنظر؛ فقالوا: إن هذا الإمام الذي يقوم من مصلاه سريعًا بعد الصلاة جاعلًا ذلك من الدين يفوته خيران: أحدهما: استغفار الملائكة له ما دام في مصلاه الذي صلى فيه ما لم يحدث، يقولون: اللهم اغفر له اللهم ارحمه (٤). الثاني: مخالفته لسنة رسول الله ﷺ التي هي نص الحديث، وفيه «كان إذا صلى صلاة أقبل علينا بوجهه». ولو كان القيام من هديه ﵊: لذكر (٥). وقال قوم آخرون: إذا كانت الصلاة بعدها سنة: يكره للإمام المكث قاعدًا وإن لم يكن بعدها سنة: فإن شاء الإمام قام وإن شاء قعد. وبهذا قال الحنفية (٦). واستدلوا على ذلك بالنظر؛ فقالوا: إن الصلاة التي ليس بعدها سنة - كالفجر والعصر، لن يتحرك الإمام للصلاة بعدها بل سيغير هيئته ويظل جالسًا، وأما التي يُصلَّى بعدها

стр. 425

السنة: فقد يشتبه الأمر على الداخل فيظن الإمام لا يزال يصلي، وهذه الشبهة لا توجد في الحالة الأولى (١).
следующие страницы →