والمعنى: يسألونك عنها كأنك حفي بعلمها.
وقيل المعنى: يسألونك عنها كأنك حفي بهم؛ لقرابتك منهم.
فـ ﴿عَنْهَا﴾ -على هذين القولين- يتعلق بـ ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾.
وقيل المعنى: يسألونك كأنك حفي بالسؤال عنها.
﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾ براءة من علم الغيب، واستدلال على عدم علمه.
﴿وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ عطف على: ﴿لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾؛ أي: لو علمت الغيب لاستكثرت من الخير، واحترست من السوء (١)، ولكن لا أعلمه؛ فيصيبني ما قدر لي من الخير والشر.
وقيل: إن قوله: ﴿وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ استئناف إخبار؛ والسوء -على هذا-: هو الجنون.
واتصاله بما قبله أحسن.
﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ يجوز أن يتعلق بـ ﴿نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾ معا؛ أي: أبشر المؤمنين وأنذرهم.
وخص بهم البشارة والنذارة؛ لأنهم الذين ينتفعون بهما.
ويجوز أن يتعلق بالبشارة وحدها، ويكون المتعلق بـ ﴿نَذِيرٌ﴾ محذوف؛ أي: نذير للكافرين.
والأول أحسن.
وقيل: قامت وقعدت.
﴿فَلَمَّا أَثْقَلَتْ﴾ أي: ثَقُلَ حملُها وصارت به ثقيلةً.
﴿لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا﴾ أي: ولدًا صالحًا سالمًا في بدنه.
﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ أي: لما آتاهما ولدًا صالحًا كما طلبا: جعل أولادهما له شركاء.
فالكلام على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، وكذلك: ﴿فِيمَا آتَاهُمَا﴾؛ أي: فيما آتى أولادهما وذريَّتهما.
وقيل: إن حواء لما حملت جاءها إبليس فقال لها: إن أطعتني وسمَّيت ما في بطنك عبد الحارث فسأخلِّصه لك - وكان اسم إبليس الحارث -، وإن عصيتني في ذلك قتلته. فأخبرتْ بذلك آدم، فقال لها: إنه عدوُّنا الذي أخرجنا من الجنة، فلما ولدت مات الولد، ثم حملت مرة أخرى فقال لها إبليس مثل ذلك، فعصته فمات الولد، ثم حملت مرة ثالثة فسمَّياه عبد الحارث؛ طمعًا في حياته.
فقوله: ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ أي: في التسمية لا غير، لا في عبادة غير الله.
والقول الأول أصحُّ؛ لثلاثة أوجه:
أحدها: أنه يقتضي براءةَ آدم وزوجه من قليل الشرك وكثيره، وذلك هو حال الأنبياء ﵈.
стр. 1019
والثاني: أنه يدل على أن الذين أشركوا هم أولاد آدم وذريته: قوله (١) تعالى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ بضمير الجمع.
والثالث: أن ما ذكروا من قصة آدم وتسمية الولد عبد الحارث يفتقر إلى نقل بسند صحيح، وهو غير موجود في تلك القصة.
وقيل: ﴿مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾: هو قصي بن كلاب وزوجته، و ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ﴾ أي: سميا أولادهما عبد العزى وعبد الدار وعبد مناف.
وهذا القول بعيد؛ لوجهين:
أحدهما: أن الخطاب - على هذا - خاص بذرية قصي من قريش، والظاهر أن الخطاب عام لبني آدم.
والآخر: قوله: ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾، فإن هذا يصح في حواء؛ لأنها خلقت من ضلع آدم، ولا يصح في زوجة قصي.
﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١)﴾ هذه الآية رد على المشركين من بني آدم.
والمراد بقوله: ﴿مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا﴾: الأصنام وغيرها مما عبد من دون الله.
والمعنى: أنها مخلوقة غير خالقة، والله تعالى خالق غير مخلوق؛ فهو الإله وحده.
﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٢)﴾ المعنى: أن الأصنام لا ينصرون من عبدهم، ولا ينصرون أنفسهم؛ فهم في غاية العجز والذلة،
стр. 1020
فكيف يكونون آلهة؟!.
﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ﴾ المعنى: أن الأصنام لا تجيب إذا دعيت إلى أن تهتدي، أو إلى أن تهدي (١)؛ لأنها جمادات.
﴿سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنتُمْ صَامِتُونَ﴾ تأكيد وبيان لما قبلها.
فإن قيل: لم قال: ﴿أَمْ أَنتُمْ صَامِتُونَ﴾؛ فوضع الجملة الاسمية موضع الجملة الفعلية؟ وهلّا قال: أو صمتم؟.
فالجواب: أنَّ صمْتهم عن دعاء الأصنام كانت حالةً مستمرة، فعبَّر عنها بجملة اسمية؛ لتقتضي الاستمرار على ذلك.
﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ ردٌّ على المشركين؛ فإن آلهتهم عبادٌ، فكيف يُعبد العبدُ مع ربِّه؟!.
﴿فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا﴾ أمرٌ على جهة التعجيز.
﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا﴾ وما بعده؛ معناه: أن الأصنام جمادات عادمة للحسِّ والجوارح والحياة، وما كان كذلك لا يكون إلهًا؛ فإنَّ من وصف الإله: الإدراك والحياة والقدرة.
وإنما جاء هذا البرهان بلفظ الاستفهام؛ لأن المشركين مقرُّون أن أصنامهم لا تمشي ولا تبطش ولا تُبصر ولا تسمع؛ فلزمتهم الحجة.
والهمزة في قوله: ﴿أَلَهُمْ﴾ للاستفهام مع التوبيخ.
стр. 1021
و ﴿أَمْ﴾ في المواضع الثلاثة: تضمنَّت معنى الهمزة ومعنى «بل»، وليست عاطفةً.
﴿قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ﴾ المعنى: استنجدوا (١) أصنامكم لمضرَّتي والكيدِ عليّ، ولا تؤخِّروني؛ فإنكم وأصنامكم لا تقدرون على مضرَّتي.
ومقصود الآية: الردُّ عليهم ببيان عجْزِ أصنامهم، وعدم قدرتها على المضرَّة.
وفيها - أيضًا - إشارةٌ إلى أن التوكل: على الله، والاعتصام به وحده، وأن غيره لا يقدر على شيء، ثم أفصح بذلك في قوله:
﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ﴾ الآية؛ أي: هو ناصري وحافظي منكم، فلا تضرونني، ولو حرَصتم أنتم وآلهتكم على مضرَّتي.
ثم وصف الله بأنه: ﴿الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ﴾، وبأنه: ﴿يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾، وفي هذين الوصفين استدلالٌ على صدق النبي ﷺ ؛ بإنزال الكتاب عليه، وبأن الله تولَّى حِفْظه، ومن تولى اللهُ حفظَه فهو من الصالحين، والصالح لا بد أن يكون صادقًا في قوله؛ لا سيما فيما يقوله على الله.
﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ﴾ الآية؛ ردٌّ على المشركين، وقد تقدَّم معناه.
стр. 1022
﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا﴾ يحتمل:
أن يريد الأصنام؛ فيكون تحقيرًا لها، وردًّا على من عبدها؛ فإنها جمادٌ مواتٌ لا تسمع شيئًا، فيكون المعنى كالذي تقدَّم.
أو يريد الكفار، ووصفهم بأنهم لا يسمعون يعني: سمعًا ينتفعون به؛ لإفراط نفورهم، أو لأن الله طبع على قلوبهم.
﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ إن كان هذا من وصف الأصنام: فقوله: ﴿يَنْظُرُونَ﴾ مجازٌ، وقوله: ﴿لَا يُبْصِرُونَ﴾ حقيقة؛ لأن لهم صورة الأعين وهم لا يرون بها شيئًا.
وإن كان من وصف الكفار: فـ ﴿يَنْظُرُونَ﴾ حقيقة، و ﴿لَا يُبْصِرُونَ﴾ مجازٌ على وجه المبالغة؛ كما وصفهم بأنهم لا يسمعون.
* * *
стр. 1023
[﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٠٠) إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (٢٠١) وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ (٢٠٢) وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٠٣) وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤) وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ (٢٠٥) إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ (٢٠٦)﴾].
﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ فيه قولان:
أحدهما: أن المعنى: خذ من الناس في أخلاقهم وأقوالهم ومعاشرتهم ما تيسَّر لا ما يشقُّ عليهم؛ لئلا ينفروا.
فالعفو -على هذا- بمعنى: السَّهل والسَّمح عنهم (١)، وهو ضد الجَهْد (٢) والتكلُّف (٣)، كقول الشاعر:
خُذي العَفْوَ مني تستديمي مودَّتي (٤)
والآخر: أن المعنى: خذ في الصَّدقات ما سَهُلَ على الناس في أموالهم،
стр. 1024
أو ما فضَل لهم، وذلك قبل فرض الزكاة.
فالعفو -على هذا- بمعنى: السَّهل، أو بمعنى الكثرة.
﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ أي: بالمعروف؛ وهو أفعال الخير.
وقيل: العرف: الجاري بين الناس من العوائد.
واحتجَّ المالكية بذلك على الحكم بالعوائد.
﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ أي: لا تكافئ السفهاء بمثل قولهم أو فعلهم، واحلُم عنهم.
ولما نزلت هذه الآية سأل رسول الله ﷺ جبريل عنها، فقال: لا أدري حتى أسأل، ثم رجع فقال: «يا محمد إن ربك يأمرك أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك» (١).
وعن جعفر الصادق: أمر الله نبيه ﷺ فيها بمكارم الأخلاق (٢).
وهي -على هذا- ثابتة الحكم؛ وهو الصحيح.
وقيل: كانت مداراةً للكفار، ثم نُسخت بالقتال.
﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ﴾ نزغُ الشيطان: وسوسته بالتشكيك في الحق، والأمرِ بالمعاصي، أو تحريكُ الغضب.
فأمر الله بالاستعاذة منه عند ذلك، كما ورد في الحديث: أن رجلًا اشتد غضبه، فقال رسول الله ﷺ : «إني لأعلم كلمةً لو قالها لذهب عنه ما به:
стр. 1025
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم» (١).
﴿طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ﴾ معناه: لَمَّة منه، كما جاء: «إن للشيطان لمة، وللملك لمة» (٢).
ومن قرأ ﴿طَائِفٌ﴾ - بالألف -: فهو اسم فاعل.
ومن قرأ ﴿طَيْفٌ﴾ - بياء ساكنة -: فهو مصدر، أو تخفيف من طيِّف المشدّد؛ كمَيِّت ومَيْت.
﴿تَذَكَّرُوا﴾ حُذِف مفعوله ليعمَّ كلَّ ما يُتذكَّرُ من خوف عقاب الله، أو رجاء ثوابه، أو مراقبته، أو الحياء منه، أو عداوة الشيطان والاستعاذة منه، أو النظر والاعتبار وغير ذلك.
﴿فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ هو من بصيرة القلب.
﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ﴾ الضمير في ﴿وَإِخْوَانُهُمْ﴾ لـ ﴿الشَّيْطَانِ﴾، وأريد بقوله: ﴿طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ﴾ الجنس؛ فلذلك أعيد عليه ضمير الجماعة، و ﴿وَإِخْوَانُهُمْ﴾ هم الكفار.
ومعنى ﴿يَمُدُّونَهُمْ﴾: يكونون مددًا لهم؛ أي: يعضدونهم.
وضمير المفعول في ﴿يَمُدُّونَهُمْ﴾ للكفار، وضمير الفاعل لـ ﴿الشَّيْطَانِ﴾.
ويحتمل أن يريد بالإخوان: الشياطين، ويكون الضمير في ﴿وَإِخْوَانُهُمْ﴾ للكفار.
стр. 1026
والمعنى على الوجهين: أن الكفار يمدهم الشيطان.
وقرئ ﴿يُمِدُّونَهُمْ﴾: بضم الياء، وفتحها؛ والمعنى واحد.
و ﴿فِي الْغَيِّ﴾: يتعلق بـ ﴿يَمُدُّونَهُمْ﴾.
وقيل: يتعلق بـ ﴿إِخْوَانُهُمْ﴾؛ كما تقول: إخوة في الله، أو في الشيطان.
﴿ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ﴾ أي: لا يُقْصِر الشياطين عن إمداد إخوانهم من الكفار.
أو: لا يُقْصِر الكفار عن غيِّهم.
وفي الآية من أدوات البيان: لزوم ما لا يلزم؛ لالتزام الصاد قبل الراء في ﴿مُبْصِرُونَ﴾ و ﴿لَا يُقْصِرُونَ﴾.
﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِم بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا﴾ الضمير في ﴿لَمْ تَأْتِهِم﴾ للكفار.
و ﴿لَوْلَا﴾ هنا عرْضٌ.
وفي معنى ﴿اجْتَبَيْتَهَا﴾ قولان:
أحدهما: اخترعتها من قِبَلِ نفسك.
فالآية -على هذا-: من القرآن، وكان النبي ﷺ يتأخر عنه الوحي أحيانًا، فيقول الكفار: هلا جئت بقرآن من قولك!.
والآخر: أن معناها: طلبتها من الله، وتخيَّرتها عليه.
فالآية - على هذا -: معجزةٌ؛ أي: يقولون: اطلب المعجزة من الله.
﴿قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي﴾ معناه:
لا أخترعُ القرآن؛ على القول الأول.
стр. 1027
ولا أطلبُ آيةً من الله؛ على القول الثاني.
﴿هَذَا بَصَائِرُ﴾ أي: علاماتُ هدى، والإشارة إلى القرآن.
﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾ فيها ثلاثة أقوال:
أحدها: أن الإنصات المأمور به: هو لقراءة الإمام في الصلاة.
والثاني: أنه الإنصات للخطبة.
والثالث: أنه الإنصات لقراءة القرآن على الإطلاق، وهو الرَّاجح؛ لوجهين:
أحدهما: أن اللفظ عام، ولا دليل على تخصيصه.
والثاني: أن الآية مكية، والخطبة إنما شرعت بالمدينة.
﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ قال بعضهم: الرَّحمة أقرب شيء إلى مستمع القرآن؛ لهذه الآية.
﴿وَاذْكُر رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ﴾ يحتمل أن يريد:
الذِّكر بالقلب دون اللسان.
أو الذِّكر باللسان سرًا.
فعلى الأول: يكون قوله: ﴿وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ عطفًا مغايرًا؛ أي: حالةً أخرى.
وعلى الثاني: يكون بيانًا وتفسيرًا للأول.
﴿بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ أي: في الصباح والعشي.
стр. 1028
و «الآصال»: جمع أُصُل؛ والأُصُل جمع أَصِيل.
قيل: المراد: صلاة الصبح والعصر.
وقيل: صلاة المسلمين.
وقيل: فرض الخمس.
والأظهر الإطلاق.
﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ هم الملائكة ﵈.
وفي ذِكْرِهم تحريضٌ للمؤمنين وتعريضٌ بالكفار.
﴿وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ قدَّم المجرور لمعنى الحصر؛ أي: لا يسجدون إلَّا له وحده.
* * *
стр. 1029
(سورة الأنفال)
نزلت هذه السورة في غزوة بدر وغنائمها.
[﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤) كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (٥) يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٦) وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (٧) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨)﴾].
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ﴾ الخطاب للنبي ﷺ ، والسائلون: هم الصحابة.
و ﴿الأَنْفَالِ﴾: هي الغنائم.
وذلك أن الصحابة كانوا يوم بدر ثلاث فرق:
فرقة مع النبي في العريش تحرسه وتؤنسه.
فرقة اتبعوا المشركين فقتلوهم وأسروهم.
فرقة أحاطوا بأسلاب العدو وعسكرهم لما انهزموا.
стр. 1030
فلما انجلت الحرب واجتمع الناس رأت كلُّ فرقة أنها أحق بالغنيمة من غيرها، واختلفوا فيما بينهم، فنزلت الآية.
ومعناها: يسألونك عن حكم الغنيمة ومَن يستحقُّها.
وقيل: الأنفال هنا: ما ينفله الإمام لبعض الجيش من الغنيمة زيادةً على حظِّه.
وقد اختلف الفقهاء هل يكون ذلك التنفل (١) من الخمس - وهو قول مالك -؟ أو من الأربعة الأخماس؟ أو من رأس الغنيمة قبل إخراج الخمس؟.
﴿قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ أي: الحكم فيها لله وللرسول، لا لكم.
﴿وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ أي: اتَّفقوا وائتلفوا، ولا تنازعوا.
و ﴿ذَاتَ﴾ هنا بمعنى: الأحوال؛ قاله الزمخشري (٢).
وقال ابن عطية: يراد بها في هذا الموضع: نفسُ الشيء وحقيقته (٣).
وقال الزُّبيدي (٤): إن إطلاق الذات على نفس الشيء وحقيقته ليس من كلام العرب (٥).
стр. 1031
﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ يريد: في الحكم في الغنائم.
قال عبادة بن الصامت: نزلت فينا معشر أصحاب بدر حين اختلفنا وساءت أخلاقنا، فنزع الله الأنفال من أيدينا، وجعلها لرسوله ﷺ فقسمها على السَّواء، فكان في ذلك تقوى الله وطاعة رسوله وإصلاح ذات البين (١).
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ﴾ الآية؛ أي: الكاملون الإيمان، فـ ﴿إِنَّمَا﴾ هنا للتأكيد والمبالغة، لا للحصر (٢).
﴿وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ أي: خافت، وقرأ أبي بن كعب: «فَزِعَتْ».
﴿زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ أي: قَوِي تصديقهم ويقينهم، خلافًا لمن قال: إن الإيمان لا يزيد، وإن زيادته إنما هي بالعمل.
﴿لَهُمْ دَرَجَاتٌ﴾ يعني: في الجنة.
﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ﴾ فيه ثلاث تأويلات (٣):
أحدها: أن تكون الكاف في موضع رفع؛ على أنه خبر مبتدإ محذوف تقديره: هذه الحالُ كحال إخراجِك؛ يعني: أن حالهم في كراهة تنفيل الغنائم كحالهم في كراهة (٤) خروجك للحرب.
والثاني: أن يكون موضعُ الكاف نصبًا؛ على أنه صفة لمصدر الفعل
стр. 1032
المقدَّر في قوله: ﴿الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ أي: استقرَّت الأنفال لله والرسول استقرارًا مثل استقرار خروجك.
والثالث: أن تتعلق الكاف بقوله: ﴿يُجَادِلُونَكَ﴾.
﴿مِنْ بَيْتِكَ﴾ يعني: مَسْكَنَهُ بالمدينة إذ أخرجه الله منه لغزوة (١) بدر.
﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾ أي: كرهوا قتال العدو، وذلك أن عِيرَ قريش أقبلت من الشام فيها أموال عظيمة، ومعها أربعون راكبًا، فأخبر بذلك جبريلُ النبيَّ ﷺ ، فخرج بالمسلمين، فسمع بذلك أهل مكة، فاجتمعوا وخرجوا في عدد كثير؛ ليمنعوا عِيرهم، فنزل جبريل ﵇ فقال: يا محمد إن الله قد وعدكم إحدى الطائفتين: إما العير وإما قريش، فاستشار النبي ﷺ أصحابه فقالوا: العير أحبُّ إلينا من لقاء العدو، فقال: إن العير قد مضت على ساحل البحر، وهذا أبو جهل قد أقبل، فقال له سعد بن عبادة: امض لما شئت فإنك متبوعك، وقال سعد بن معاذ: والذي بعثك بالحق لو خضت هذا البحر لخضناه معك؛ فسِرْ بنا على بركة الله (٢).
﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ﴾ كان جدالهم في لقاء قريش؛ لإيثارهم لقاء العير؛ إذ كانت أكثر أموالًا وأقل رجالًا.
وتبيُّنُ الحق: هو إعلام رسول الله ﷺ بأنهم يُنصرون.
﴿كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ﴾ تشبيهٌ لحالهم في إفراط جزعهم من لقاء قريش.
стр. 1033
﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ﴾ يعني: قريشا أو عيرهم.
والعامل في «إذ» محذوف تقديره: اذكروا.
﴿أَنَّهَا لَكُمْ﴾ بدل من ﴿إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ﴾.
﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ الشوكة: عبارة عن السلاح سميت بذلك لحدتها.
والمعنى: تحبون أن تلقوا الطائفة التي لا سلاح لها؛ وهي العير.
﴿أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ﴾ يعني: يظهر الإسلام؛ بقتل الكفار وهلاكهم يوم بدر.
﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ﴾ متعلق بمحذوف تقديره: ليحق الحق ويبطل الباطل فعل ذلك، وليس تكرارا للأول؛ لأن الأول مفعول ﴿يُرِيدُ﴾، وهذا تعليل لفعل الله تعالى.
ويحتمل أن يريد بـ ﴿الْحَقَّ﴾ الأول: الوعد بالنصرة، وبـ ﴿الْحَقَّ﴾ الثاني: الإسلام؛ فيكون المعنى: أنه نصرهم؛ ليظهر الإسلام، ويؤيد هذا قوله: ﴿وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ﴾ أي: يبطل الكفر.
* * *
﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ﴾ الضمير عائد:
على الوعد.
أو على الإمداد بالملائكة.
﴿إِذْ يُغْشِيكُمُ النُّعَاسَ﴾ ﴿إِذْ﴾ بدلٌ من ﴿إِذْ يَعِدُكُمُ﴾.
أو منصوبٌ: بـ ﴿النَّصْرُ﴾، أو بما في ﴿عِنْدِ اللَّهِ﴾ من معنى النصر، أو بإضمار فعل تقديره: اذكر.
ومن قرأ ﴿يُغْشِيكُمُ﴾ -بضم الياء والتخفيف-: فهو من أَغْشَى.
ومن قرأ بالضم والتشديد: فهو من غَشَّى المشدَّد.
وكلاهما يتعدَّى إلى مفعولين؛ فَنَصْبُ ﴿النُّعَاسَ﴾ على أنه المفعول الثاني.
والمعنى: يغطّيكم به؛ فهو استعارةٌ من الغشاء.
ومن قرأ بفتح الياء والشين: فهو من غَشِي المتعدي إلى واحد؛ أي: يَنزِل عليكم النعاسُ.
﴿أَمَنَةً مِنْهُ﴾ أي: أمنًا.
والضمير المجرور يعود على الله تعالى، وانتصاب ﴿أَمَنَةً﴾ على أنه مفعول من أجله.
قال ابن مسعود: النعاس عند حضور القتال علامة أمنٍ من العدو (١).
стр. 1036
﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ تعديدٌ لنعمةٍ أخرى؛ وذلك أنهم عَدِموا الماء في غزوة بدر قبل وصولهم إلى بدر -وقيل: بعد وصولهم-، فأنزل الله لهم المطر حتى سالت الأودية.
﴿لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ كان منهم من أصابته جنابة فتطهر بماء المطر، وتوضأ به سائرهم، وكانوا قبله ليس عندهم ماءٌ للطُّهور (١) ولا للوُضوء.
﴿وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ﴾ كان الشيطان قد ألقى في نفوس بعضهم وسوسةً بسبب عدمهم الماء، فقالوا: نحن أولياء الله وفينا رسوله فكيف نبقى بلا ماء؟، فأنزل الله المطر، وأزال عنهم وسوسة الشيطان.
﴿وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ﴾ أي: يثبّتها بزوال ما وسوس لها الشيطان، وبتنشيطها وإزالة الكسل عنها.
﴿وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ﴾ الضمير في ﴿بِهِ﴾ عائدٌ على الماء؛ وذلك أنهم كانوا في رَمْلَةٍ دَهْسَةٍ (٢) لا يثبت بها قدم، فلما نزل المطر تلبَّدت وتَدَمَّثَ الطريق، وسهل للمشي والوقوف.
وروي: أن ذلك المطر بعينه صعَّب الطريق على المشركين؛ فتبيَّن أن ذلك من لطف الله.
﴿إِذْ يُوحِي﴾ يحتمل أن يكون ذلك:
بدلًا من «إذ» المتقدمة، كما أنها بدل من التي قبلها.
стр. 1037
أو يكون العامل فيه ﴿يُثَبِّتُ﴾.
﴿فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (يحتمل أن يكون هذا) (١) التثبيت:
بقتال الملائكة مع المؤمنين.
أو بأقوال مُؤنِّسةٍ مقوِّية للقلب قالوها إذ تصوَّروا في صور بني آدم.
أو بإلقاء في نفوس المؤمنين.
﴿سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ يحتمل أن يكون:
من خطاب الله للملائكة في شأن غزوة بدر؛ تكميلًا لتثبيت المؤمنين.
أو استئناف إخبار عما يفعله الله في المستقبل.
﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾ يحتمل - أيضًا - أن يكون: خطابًا للملائكة، أو للمؤمنين.
ومعنى ﴿فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾: أعالي الأعناق؛ حيث المفصل بين الرأس والعُنق؛ لأنه مَذْبَحٌ، والضرب فيها يطيّر الرأس.
وقيل: المراد الرؤوس؛ لأنها فوق الأعناق.
وقيل: المراد الأعناق، و ﴿فَوْقَ﴾ زائدةٌ.
﴿كُلَّ بَنَانٍ﴾ قيل: هي المفاصل.
وقيل: الأصابع؛ وهو أشهر في اللغة.
стр. 1038
وفائدة ذلك: أن المُقاتِل إذا ضُرِبت أصابعه تعطَّل من القتال فأمكن أسره وقتله.
﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الإشارةُ إلى ما أصاب الكفار يوم بدر، والباء للتعليل.
و ﴿شَاقُّوا﴾: من الشَّقاق؛ وهو العداوة والمقاطعة.
﴿ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ﴾ الخطاب -هنا- للكفار.
و ﴿ذَلِكُمْ﴾ مرفوع تقديره: ذلكم العقاب أو العذاب.
ويحتمل أن يكون منصوبًا بقوله: ﴿فَذُوقُوهُ﴾، كقولك: زيدًا فاضربه.
﴿وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ﴾ عطفٌ على ﴿ذَلِكُمْ﴾ على تقدير رفعه، أو نصبه.
أو: مفعول معه، والواو بمعنى «مع».
* * *
стр. 1039
[﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦) فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٧) ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ (١٨) إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ (١٩)﴾].
﴿زَحْفًا﴾ حالٌ من ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، أو من الفاعل في ﴿لَقِيتُمُ﴾.
ومعناه: متقابلي الصفوف والأشخاص.
وأصل الزحف: الاندفاع.
﴿فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾ نهيٌ عن الفرار، مقيدٌ بأن لا يكون (١) الكفارُ أكثرَ من مِثْلي المسلمين حسبما يُذكر في موضعه.
﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ﴾ أي: يوم اللقاء، في أي عصر كان.
﴿إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ﴾ هو الكرُّ بعد الفر؛ ليُرِيَ عدوه أنه منهزم، ثم يعطف عليه، وذلك من الخداع في الحرب.
﴿أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾ أي: منحازًا إلى جماعة من المسلمين.
فإن كانت الجماعة حاضرةً في الحرب: فالتحيزُ إليها جائز باتفاق.
واختُلف في التحيز إلى المدينة والإمام والجماعة إذا لم يكن شيءٌ من
стр. 1040
ذلك حاضرًا، ويروى عن عمر بن الخطاب أنه قال: «أنا فئةٌ لكل مسلم» (١)، وهذا إباحة لذلك.
والفرار من الذنوب الكبائر.
وانتصب قوله: ﴿مُتَحَرِّفًا﴾:
على الاستثناء من قوله: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ﴾.
وقال الزمخشري: انتصب على الحال، و «إلّا» لغْوٌ (٢).
ووزن «متحيّز»: مُتَفَيْعِل، ولو كان على متفعّل لقال: «متحوّز»، لأنه من حاز يحوز.
﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ﴾ أي: لم يكن قتلهم في قدرتكم؛ لأنهم أكثر منكم وأقوى، ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾ بتأييدكم عليهم وبالملائكة.
﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ﴾ كان رسول الله ﷺ قد أخذ يوم بدر قبضةً من تراب أو حصى ورمى بها وجوه الكفار فانهزموا.
فمعنى الآية: أن ذلك من الله في الحقيقة.
стр. 1041
﴿بَلَاءً حَسَنًا﴾ يعني: الأجر والنصر والغنيمة.
﴿مُوهِنُ﴾ من الوَهْن؛ وهو الضَّعف.
وقرئ بالتشديد والتخفيف؛ والمعنى واحدٌ.
﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا﴾ الآية؛ خطاب لكفار قريش، وذلك أنهم كانوا قد دعوا الله أن ينصر أحبَّ الطائفتين إليه - وروي أن الذي دعا بذلك أبو جهل -، فنصر الله المؤمنين، وفتح لهم.
ومعنى ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا﴾: تطلبوا الفتح.
ويحتمل الفتح الذي طلبوه أن يكون:
بمعنى النصر.
أو بمعنى الحُكْم.
وقيل: إن الخطاب للمؤمنين.
﴿فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ إن كان الخطاب للكفار: فالفتح هنا بمعنى الحكم؛ أي: قد جاءكم الحكم الذي حكم الله عليكم بالهزيمة والقتل والأسر.
وإن كان الخطاب للمؤمنين: فالفتح هنا يحتمل أن يكون:
بمعنى الحكم؛ لأن الله حكم لهم.
أو بمعنى النصر.
стр. 1042
﴿وَإِنْ تَنتَهُوا﴾ أي: ترجعوا عن الكفر، وهذا يدلُّ على أن الخطاب للكفار.
﴿وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ﴾ أي: إن تعودوا للاستفتاح أو للقتال نعد لقتالكم والنصر عليكم.
* * *
﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ أي: للطاعة، وقيل: للجهاد؛ لأنه يُحيي (١)؛ بالنصر.
﴿يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ قيل: يُميته.
وقيل: يصرّف قلبه كيف يشاء؛ فينقلب من الإيمان إلى الكفر، ومن الكفر إلى الإيمان، وشبه ذلك.
﴿فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً﴾ أي: لا تصيب الظالمين وحدهم، بل تصيب معهم من لم يغير المنكر ولم ينهَ عن الظلم؛ وإن كان لم يظلم.
وحكى الطبري أنها نزلت في علي بن أبي طالب، وعمار بن ياسر، وطلحة والزبير، وأن الفتنة: ما جرى لهم يوم الجمل (٢).
ودخلت النون في ﴿تُصِيبَنَّ﴾؛ لأنه بمعنى النهي.
﴿إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ﴾ الآية؛ أي: حين كانوا بمكة، و ﴿فَآوَاكُمْ﴾ بالمدينة، و ﴿وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ﴾ في بدر وغيرها.
﴿لَا تَخُونُوا اللَّهَ﴾ نزلت في قصة أبي لُبابة، حين أشار إلى بني قريظة أن ليس عند رسول الله ﷺ إلّا الذَّبح.
وقيل: المعنى: لا تخونوا بغلول الغنائم.
ولفظها عامٌّ.
﴿وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾ عطفٌ على ﴿لَا تَخُونُوا﴾، أو منصوب.
﴿قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا﴾ قيل: نزلت في النضر بن الحارث؛ كان قد تعلم من أخبار فارس والروم، فإذا سمع القرآن وفيه أخبار الأنبياء قال: لو شئت لقلت مثل هذا.
وقيل: هي في سائر قريش.
﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي: أخبارهم المسطورة.
﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ﴾ الآية؛ قائلها (١): النضر بن الحارث، أو سائر قريش؛ لمّا كذَّبوا النبي ﷺ دعوا على أنفسهم إن كان أمره هو الحق.
والصحيح أن الذي دعا بذلك أبو جهل. رواه البخاري ومسلم في كتابيهما (٢).
وانتصب ﴿الْحَقَّ﴾؛ لأنه خبر كان.
وقال الزمخشري: معنى كلامهم جحودٌ؛ أي: إن كان هذا هو الحق فعاقبنا على إنكاره، ولكنه ليس بحق فلا نستوجب عقابًا، وليس مرادهم الدعاء على أنفسهم، إنما مرادهم نفيُ العقوبة عن أنفسهم (٣).
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ إكرامٌ للنبي ﷺ .
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ أي: لو آمنوا واستغفروا فإن الاستغفار أمانٌ من العذاب.
стр. 1047
قال بعض السلف: كان لنا أمانان من العذاب؛ وهما: وجود النبي ﷺ ، والاستغفار، فلما مات النبي ﷺ ذهب الأمان الواحد، وبقي الآخر (١).
وقيل: الضمير في ﴿مُعَذِّبَهُمْ﴾ للكفار، وفي ﴿وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ للمؤمنين الذين كانوا بين أظهرهم.
﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ المعنى: أيُّ شيءٍ يمنع من عذابهم وهم يصدون المؤمنين من المسجد الحرام!.
والجملة في موضع الحال، وذلك هو (٢) الموجب لعذابهم.
﴿وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ﴾ الضمير: للمسجد الحرام، أو لله تعالى.
﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ المكاء: التَّصفير بالفم، والتصدية: التَّصفيق باليد، وكانوا يفعلونهما إذ صلى المسلمون؛ ليخلطوا عليهم صلاتهم.
﴿يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ﴾ الآية؛ نزلت في إنفاق قريش في غزوة أحد.
وقيل: إنها نزلت في أبي سفيان بن حرب؛ فإنه استأجر ألفين من الأحابيش (٣) فقاتل بهم النبي ﷺ يوم أحد.
стр. 1048
﴿تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً﴾ أي: يتأسفون على إنفاقها من غير فائدة، أو يتأسفون في الآخرة.
﴿ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾ إخبارٌ بالغيب.
﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ معنى ﴿يَمِيزَ﴾: يفرّق بين الخبيث والطيب.
والخبيث هنا: الكفار، والطيب: المؤمنون.
وقيل: الخبيث: ما أنفقه الكفار، والطيب: ما أنفقه المؤمنون.
واللام في ﴿لِيَمِيزَ﴾ - على هذا - تتعلق بـ ﴿يُغْلَبُونَ﴾.
وعلى الأول: بـ ﴿يُحْشَرُونَ﴾.
﴿فَيَرْكُمَهُ﴾ أي: يضمّه ويجعل بعضه فوق بعض.
* * *
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ لفظه عامٌّ يراد به الخصوص؛ لأن الأموال التي تؤخذ من الكفار:
منها ما يخمَّسُ؛ وهو ما أُخِذَ على وجه الغلبةِ بعد القتال.
ومنها ما لا يخمس، بل يكون جميعه لمن أخذه؛ وهو ما أخذه من كان ببلاد الحرب من غير إيجافٍ، وما طرحه العدو خوف الغرق.
ومنها ما يكون جميعه للإمام يأخذ منه حاجته، ويصرف سائره في مصالح المسلمين؛ وهو الفيءُ الذي لم يُوجَفَ عليه بخيل ولا ركاب.
﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ الآية؛ اختلف في قَسْمِ الخُمسِ على هذه الأصناف:
فقال قوم: يصرف على ستة أسهم: سهم الله (١) في عمارة الكعبة، وسهم النبي (٢) ﷺ في مصالح المسلمين - وقيل: للوالي (٣) بعده -، وسهمٌ لذوي القربى الذين لا تحلُّ لهم الصدقة، وسهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لابن السبيل.
وقال الشافعي: على خمسة أسهم، ولا يجعل لله سهمًا مختصًّا، وإنما بدأ - عنده - بالله؛ لأن الكلَّ مُلكه.
وقال أبو حنيفة: على ثلاثة أسهم: لليتامى، والمساكين، وابن السبيل.
وقال مالك: الخمس إلى اجتهاد الإمام، يأخذ منه كفايته، ويصرف الباقي في المصالح.
стр. 1051
﴿إِنْ كُنتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ﴾ راجعٌ إلى ما تقدم، والمعنى: إن كنتم مؤمنين فاعلموا ما ذَكَر الله لكم من قسمة الخمس، واعملوا بحسَب ذلك ولا تخالفوه.
﴿وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ يعني: النبي ﷺ . والذي أنزل عليه: القرآن أو النصر.
﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ﴾ أي: التَّفرقة بين الحق والباطل، وهو يوم بدر.
﴿الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ يعني: المسلمين والكفار.
﴿إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا﴾ العامل في ﴿إِذْ﴾: ﴿الْتَقَى﴾.
والعُدْوة: شَفِير الوادي، وقرئ بالضم والكسر؛ وهما لغتان.
و ﴿الدُّنْيَا﴾: القريبة من المدينة، و ﴿الْقُصْوَى﴾: البعيدة.
﴿وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ﴾ يعني: العير التي كان فيها أبو سفيان، وكان قد نكب عن الطريق؛ خوفًا من النبي ﷺ ، وكان جمعُ قريشٍ المشركين قد حال بين المسلمين وبين العير.
﴿وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ﴾ أي: لو تواعدتم مع قريش ثم علمتم كثرتهم وقلَّتكم لاختلفتم ولم تجتمعوا معهم.
أو: لو تواعدتم لم يتفق اجتماعكم مثل ما اتفق بتيسير الله ولطفه.
﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ أي: يموت من مات ببدر عن إعذار وإقامة حجة عليه، ويعيش من عاش بعد البيان له.
وقيل: ﴿لِيَهْلِكَ﴾: يكفر، ﴿وَيَحْيَى﴾: يؤمن.
стр. 1052
وقرئ ﴿مَنْ حَيِيَ﴾ بالإظهار والإدغام؛ وهما لغتان.
﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ الآية؛ كان رسول الله ﷺ قد رأى الكفار في نومه قليلًا، فأخبر بذلك أصحابه فقويت أنفسهم.
﴿لَفَشِلْتُمْ﴾ أي: جبنتم عن اللقاء.
﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ﴾ الآية؛ معناها: أنَّ الله أظهر كل طائفة قليلةً في عين الأخرى؛ ليقع التجاسر على القتال.
* * *
стр. 1053
[﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٤٥) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (٤٦) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٤٧) وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٤٨)﴾].
﴿رِيحُكُمْ﴾ أي: قوَّتكم ونشاطكم؛ وذلك استعارةٌ.
﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ يعني: قريشًا الكفار حين خرجوا لبدرٍ.
﴿بَطَرًا﴾ أي: اعتداءً (١) وتكبُّرًا.
﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ الآية؛ لما خرجت قريش إلى بدر تصوَّر لهم إبليس في صورة سراقة بن مالك، فقال لهم: إني جار لكم من قومي -وكانوا قد خافوا من قومه-، ووعدهم النصر (٢).
﴿نَكَصَ﴾ أي: رجع إلى وراءَ.
﴿إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ﴾ رأى (٣) الملائكةَ تقاتل.
стр. 1054
[﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٩) وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (٥٠) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٥١) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٥٢) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٥٣) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ (٥٤) إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٥٥) الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ (٥٦) فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٥٧) وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ (٥٨)﴾].
﴿يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ﴾ الذين كانوا بالمدينة.
وقيل: الذين كانوا مع الكفار، وهم نفرٌ من قريش؛ منهم: قيس بن الوليد بن المغيرة، وأبو قيس بن الفاكه بن المغيرة، والحارث بن ربيعة بن الأسود، وعلي بن أمية بن خلف، والعاصي بن منبّه بن الحجاج؛ وكانوا قد أسلموا ولم يهاجروا وخرجوا يوم بدر مع الكفار فقالوا هذه المقالة.
﴿غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ﴾ أي: اغترَّ المسلمون بدينهم، فأدخلوا أنفسهم فما لا طاقة لهم به.
﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ﴾ ذلك فيمن قُتل يوم بدر.
﴿وَأَدْبَارَهُمْ﴾ أي: أَسْتَاهَهُم، وقيل: ظهورهم.
стр. 1055
﴿وَذُوقُوا﴾ هذا من قول الملائكة لهم؛ تقديره: ويقولون لهم: ذوقوا.
والقول المحذوف ومعموله معطوف على ﴿يَضْرِبُونَ﴾.
ويحتمل أن يكون ما بعده:
من قول الملائكة.
أو يكون مستأنفًا.
﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ﴾ تقديره عند سيبويه: الأمر ذلك، والباء سببية.
والمعنى: أن الله لا يغيرُ نعمةً على عبيده حتى يغيروا هم بالكفر والمعاصي.
﴿كَدَأْبِ﴾ ذُكِر في «آل عمران» (١).
﴿الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ﴾ يريد: بني قريظة.
﴿فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ﴾ أي: افعل بهم من النقمة ما يَزجُر غيرهم.
﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً﴾ أي: نقضًا للعهد.
﴿فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ﴾ أي: ردَّ العهد الذي بينك وبينهم.
والمفعول محذوف؛ تقديره: فانبذ إليهم عهدهم.
﴿عَلَى سَوَاءٍ﴾ أي: على مَعْدلة.
وقيل: معناه: أن تستوي معهم في العلم بنقض العهد.