← Тафсир

Тафсир · id 30186

تفسير ابن جزي التسهيل لعلوم التنزيل - ط طيبة الخضراء

ابن جزي الكلبي

Полный текст (3 030 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

﴿إِنْ كُنتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ﴾ راجعٌ إلى ما تقدم، والمعنى: إن كنتم مؤمنين فاعلموا ما ذَكَر الله لكم من قسمة الخمس، واعملوا بحسَب ذلك ولا تخالفوه. ﴿وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ يعني: النبي ﷺ . والذي أنزل عليه: القرآن أو النصر. ﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ﴾ أي: التَّفرقة بين الحق والباطل، وهو يوم بدر. ﴿الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ يعني: المسلمين والكفار. ﴿إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا﴾ العامل في ﴿إِذْ﴾: ﴿الْتَقَى﴾. والعُدْوة: شَفِير الوادي، وقرئ بالضم والكسر؛ وهما لغتان. و ﴿الدُّنْيَا﴾: القريبة من المدينة، و ﴿الْقُصْوَى﴾: البعيدة. ﴿وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ﴾ يعني: العير التي كان فيها أبو سفيان، وكان قد نكب عن الطريق؛ خوفًا من النبي ﷺ ، وكان جمعُ قريشٍ المشركين قد حال بين المسلمين وبين العير. ﴿وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ﴾ أي: لو تواعدتم مع قريش ثم علمتم كثرتهم وقلَّتكم لاختلفتم ولم تجتمعوا معهم. أو: لو تواعدتم لم يتفق اجتماعكم مثل ما اتفق بتيسير الله ولطفه. ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ أي: يموت من مات ببدر عن إعذار وإقامة حجة عليه، ويعيش من عاش بعد البيان له. وقيل: ﴿لِيَهْلِكَ﴾: يكفر، ﴿وَيَحْيَى﴾: يؤمن.

стр. 1052

وقرئ ﴿مَنْ حَيِيَ﴾ بالإظهار والإدغام؛ وهما لغتان. ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ الآية؛ كان رسول الله ﷺ قد رأى الكفار في نومه قليلًا، فأخبر بذلك أصحابه فقويت أنفسهم. ﴿لَفَشِلْتُمْ﴾ أي: جبنتم عن اللقاء. ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ﴾ الآية؛ معناها: أنَّ الله أظهر كل طائفة قليلةً في عين الأخرى؛ ليقع التجاسر على القتال. * * *

стр. 1053

[﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٤٥) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (٤٦) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٤٧) وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٤٨)﴾]. ﴿رِيحُكُمْ﴾ أي: قوَّتكم ونشاطكم؛ وذلك استعارةٌ. ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ يعني: قريشًا الكفار حين خرجوا لبدرٍ. ﴿بَطَرًا﴾ أي: اعتداءً (١) وتكبُّرًا. ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ الآية؛ لما خرجت قريش إلى بدر تصوَّر لهم إبليس في صورة سراقة بن مالك، فقال لهم: إني جار لكم من قومي -وكانوا قد خافوا من قومه-، ووعدهم النصر (٢). ﴿نَكَصَ﴾ أي: رجع إلى وراءَ. ﴿إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ﴾ رأى (٣) الملائكةَ تقاتل.

стр. 1054

[﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٩) وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (٥٠) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٥١) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٥٢) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٥٣) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ (٥٤) إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٥٥) الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ (٥٦) فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٥٧) وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ (٥٨)﴾]. ﴿يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ﴾ الذين كانوا بالمدينة. وقيل: الذين كانوا مع الكفار، وهم نفرٌ من قريش؛ منهم: قيس بن الوليد بن المغيرة، وأبو قيس بن الفاكه بن المغيرة، والحارث بن ربيعة بن الأسود، وعلي بن أمية بن خلف، والعاصي بن منبّه بن الحجاج؛ وكانوا قد أسلموا ولم يهاجروا وخرجوا يوم بدر مع الكفار فقالوا هذه المقالة. ﴿غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ﴾ أي: اغترَّ المسلمون بدينهم، فأدخلوا أنفسهم فما لا طاقة لهم به. ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ﴾ ذلك فيمن قُتل يوم بدر. ﴿وَأَدْبَارَهُمْ﴾ أي: أَسْتَاهَهُم، وقيل: ظهورهم.

стр. 1055

﴿وَذُوقُوا﴾ هذا من قول الملائكة لهم؛ تقديره: ويقولون لهم: ذوقوا. والقول المحذوف ومعموله معطوف على ﴿يَضْرِبُونَ﴾. ويحتمل أن يكون ما بعده: من قول الملائكة. أو يكون مستأنفًا. ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ﴾ تقديره عند سيبويه: الأمر ذلك، والباء سببية. والمعنى: أن الله لا يغيرُ نعمةً على عبيده حتى يغيروا هم بالكفر والمعاصي. ﴿كَدَأْبِ﴾ ذُكِر في «آل عمران» (١). ﴿الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ﴾ يريد: بني قريظة. ﴿فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ﴾ أي: افعل بهم من النقمة ما يَزجُر غيرهم. ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً﴾ أي: نقضًا للعهد. ﴿فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ﴾ أي: ردَّ العهد الذي بينك وبينهم. والمفعول محذوف؛ تقديره: فانبذ إليهم عهدهم. ﴿عَلَى سَوَاءٍ﴾ أي: على مَعْدلة. وقيل: معناه: أن تستوي معهم في العلم بنقض العهد.

стр. 1056

[﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ (٥٩) وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (٦٠) وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦١) وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٣) يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٦٤)﴾]. ﴿وَلَا تَحْسِبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا﴾ أي: لا تظنَّ أنهم فاتوا ونجوا بأنفسهم. ﴿إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ﴾ أي: لا يفوتون في الدنيا، ولا في الآخرة. ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ﴾ الضمير: للذين يُنبذ إليهم العهد. أو للذين لا يُعجزون. وحكمه عامٌّ في جميع الكفار. ﴿مِنْ قُوَّةٍ﴾ قال رسول الله ﷺ : «أَلَا إن القوة الرمي» (١). ﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ الزَّمخشري: الرِّباط: اسم للخيل التي تربط في سبيل الله (٢).

стр. 1057

ابن عطية: رباط الخيل: جمع رَبْط، أو مصدر (١). ﴿عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ يعني: الكفار. ﴿وَآخَرِينَ﴾ يعني: المنافقين، وقيل: بني قريظة، وقيل: الجن؛ لأنها تنفر من صهيل الخيل، وقيل: فارس. والأول أرجح؛ لقوله: ﴿مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ [التوبة: ١٠١]. قال السهيلي: لا ينبغي أن يقال فيهم شيء؛ لأن الله تعالى قال: ﴿لَا تَعْلَمُونَهُمُ﴾، فكيف يعلمهم أحد! (٢). وهذا لا يلزم؛ لأن معنى قوله: ﴿لَا تَعْلَمُونَهُمُ﴾: لا تعرفونهم؛ أي: لا تعرفون آحادهم وأعيانهم، وقد يُعرف صنفهم من الناس، ألا ترى أنه قال مثل ذلك في المنافقين. ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ السَّلم هنا: المهادنة. والآية منسوخة بآية (٣) القتال في «براءة»؛ لأن مهادنة كفار العرب لا تجوز. ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ قيل: المراد: بين قلوب الأوس والخزرج؛ إذ كانت بينهما عداوة فذهبت بالإسلام.

стр. 1058

واللفظ عام. ﴿وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ عطفٌ على اسم الله. وقال الزمخشري: مفعول معه، والواو بمعنى «مع»؛ أي: حسبك وحسب من اتبعك اللهُ (١). * * *

стр. 1059

[﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (٦٥) الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٦٦) مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧) لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٦٨) فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦٩)﴾]. ﴿إِنْ يَكُنْ مِنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ﴾ الآية؛ إخبارٌ يتضمَّن: وعدًا، بشرط الصبر. ووجوبَ ثبوت الواحد للعشرة، ثم نُسخ بوجوب ثبوت (١) الواحد للاثنين. ﴿بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾ أي: يقاتلون على غير دين ولا بصيرة؛ فلا يثبتون. ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾ لما أخذ الأسرى يوم بدر أشار أبو بكر بحياتهم، وأشار عمر بقتلهم، فنزلت الآية؛ عتابًا على استبقائهم. ﴿حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: يبالغ في القتل. ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا﴾ عتابٌ لمن رغب في فداء الأسارى. ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ الكتاب: ما قضاه الله في الأزل من العفو عنهم.

стр. 1060

وقيل: ما قضاه من تحليل الغنائم لهم. ﴿فِيمَا أَخَذْتُمْ﴾ يراد به: الأُسارى، أو فداؤهم. ولما نزلت الآية قال رسول الله ﷺ : «لو نزل عذاب ما نجا منه غيرك يا عمر» (١). ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ﴾ إباحةٌ للغنائم، ولفداء الأُسارى. * * *

стр. 1061

[﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٠) وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٧١) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٧٢) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ (٧٣) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٧٤) وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧٥)﴾]. ﴿إِنْ يَعْلَمِ اللهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا﴾ أي: إن علم في قلوبكم إيمانًا جبر عليكم ما أُخذ منكم من الفدية. قال العباس: فيَّ نزلت؛ وكان افتدى يوم بدر، ثم أعطاه رسول الله ﷺ من المال ما لم يقدر أن يحمله، فقال: قد أعطاني الله خيرًا مما أُخذ مني، وأنا أرجو أن يغفر لي (١). ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ﴾ الآية؛ تهديدٌ لهم. ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلى آخر السورة؛ مقصدها: بيان منازل المهاجرين، والأنصار، والذين آمنوا ولم يهاجروا بعد الحديبية.

стр. 1062

فبدأ أولًا بالمهاجرين، ثم ذكر الأنصار - وهم الذين آووا ونصروا -، وأثبت الولاية بينهم، وهي ولاية التعاون والتناصر. وقيل: هي ولاية الميراث، ثم نُسخت بقوله: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾. ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ﴾ لما نفى الولاية بين المؤمنين الذين هاجروا وبين المؤمنين الذين لم يهاجروا: أمر بنصرهم إن استنصروا بالمؤمنين، إلّا إذا استنتصروا على قوم بينهم وبين المؤمنين عهد، فلا ينصرونهم عليهم. ﴿إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ﴾ ﴿إِلَّا﴾ هنا مركّبة من «إن» الشرطية و «لا» النافية. والضمير في ﴿تَفْعَلُوهُ﴾: لولاية المؤمنين ومعاونتهم. أو لحفظ الميثاق الذي في قوله: ﴿إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾. أو للنصر الذي في قوله: ﴿فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾. والمعنى: إن لم تفعلوا ذلك تكن فتنة. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا﴾ الآية؛ ثناءٌ على المهاجرين والأنصار، ووعد لهم. والرزق الكريم: في الجنة. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ﴾ يعني: الذين هاجروا بعد الحديبية وبيعة الرضوان.

стр. 1063

﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ قيل: هي ناسخة للتوارث بين المهاجرين والأنصار. وقال مالك: ليست في الميراث. وقال أبو حنيفة: هي في الميراث؛ وأوجب بها ميراث الخال والعمة وغيرهما من ذوي الأرحام. ﴿فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ أي: في القرآن، وقيل: في اللوح المحفوظ. * * *

стр. 1064

(سورة براءة) وتسمَّى: سورة التوبة، وتسمى - أيضًا - الفاضحة؛ لأنها كشفت أسرار المنافقين. واتفقت المصاحف والقرَّاء على إسقاط البسملة من أولها. واختُلف في سبب ذلك: فقال عثمان بن عفان ﵁: أشبهت معانيها معاني «الأنفال»، وكانت تدعى (١) القرينتين في زمان رسول الله ﷺ ؛ فلذلك قرنتُ بينهما ووضعتُها (٢) في السبع الطُّوال (٣). وكان الصحابة قد اختلفوا: هل هما سورتان أو سورة واحدة؟ فتُرِكَتِ البسملةُ بينهما لذلك. وقال علي بن أبي طالب ﵁: البسملة أمان، و «براءة» نزلت بالسيف، فلذلك لم تبدأ بالأمان (٤).

стр. 1065

[﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ (٢) وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣) إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٤) فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥) وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ (٦)﴾]. ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ المراد بالبراءة: التبرُّؤ من المشركين. وارتفاع ﴿بَرَاءَةٌ﴾ على أنه: خبر ابتداء، أو مبتدأ. ﴿إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ تقدير الكلام: براءة واصلة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين، فـ "من" و"إلى" متعلقان بمحذوف لا بـ ﴿بَرَاءَةٌ﴾. وإنما أسند العهد إلى المسلمين في قوله: ﴿عَاهَدْتُمْ﴾؛ لأن فِعْل الرسول ﷺ لازم للمسلمين، فكأنهم هم الذين عاهدوا المشركين. وكان النبي ﷺ قد عاهد المشركين إلى آجال محدودة: فمنهم من وفَّى، فأمر الله أن يُتَمَّ عهده إلى مدته.

стр. 1066

ومنهم من نقض، أو قارب النقض، فجُعل له أجَلٌّ أربعة أشهر، وبعدها لا يكون له عهد. ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: سيروا آمنين أربعة أشهر، وهي الأجل الذي جعل لهم. واختلف في وقتها: فقيل: هي شوال وذو قعدة وذو حجة والمحرّم؛ لأن السورة نزلت حينئذ، وذلك عام تسعة. وقيل: هي من عيد الأضحى إلى تمام العشر الأوّل من ربيع الآخر؛ لأنهم إنما علموا بذلك حينئذ، وذلك أن رسول الله ﷺ بعث تلك السنة أبا بكر الصديق فحجَّ بالناس، ثم بعث بعده علي بن أبي طالب فقرأ على الناس سورة براءة: يوم عرفة، وقيل: يوم النحر. ﴿غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ﴾ أي: لا تفوتونه. ﴿وَأَذَانٌ﴾ أي: إعلام بتبرُّؤ الله تعالى ورسوله من المشركين. ﴿إِلَى النَّاسِ﴾ جَعَل البراءة مختصةً بالمعاهدين من المشركين (١)، وجعل الإعلام بالبراءة عامًّا لجميع الناس؛ من عاهد، ومن لم يُعاهد، وللمشركين وغيرهم. ﴿الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾ هو يوم عرفة، أو يوم النحر.

стр. 1067

وقيل: أيام الموسم كلها؛ وعبر عنها بيوم؛ كقولك: يوم صفين والجمل وكانت أياما كثيرة. ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ﴾ تقديره: أذان بأن الله بريء، وحذفت الباء تخفيفا. وقرئ: ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ بالكسر؛ لأن الأذان في معنى القول. ﴿وَرَسُولُهُ﴾ ارتفع: بالعطف على الضمير في ﴿بَرِيءٌ﴾. أو بالعطف على موضع اسم ﴿أَنَّ﴾. أو بالابتداء، وخبره محذوف. وقرئ بالنصب؛ عطفا على اسم ﴿أَنَّ﴾. وأما الخفض: فلا يجوز فيه العطف على ﴿الْمُشْرِكِينَ﴾؛ لأنه معنى فاسد. ويجوز على الجوار، أو على القسم، وهو - مع ذلك - بعيد، والقراءة به شاذة. ﴿فَإِنْ تُبْتُمْ﴾ يعني: التوبة من الكفر. ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ﴾ يريد: الذين لم ينقضوا. ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ يعني: الأشهر الأربعة التي جعلت لهم: فمن قال: إنها شوال وذو قعدة وذو حجة والمحرم: فهي الحرم المعروفة زاد فيها شوال، ونقص رجب، وسميت حرما؛ تغليبا للأكثر.

стр. 1068

ومن قال: إنها إلى ربيع الثاني: فسميت حرما؛ لحرمتها ومنع القتال فيها حينئذ. ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ ناسخة لكل موادعة في القرآن. وقيل: إنها نسخت أيضا: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: ٤]. وقيل: بل نسختها هي؛ فيجوز المن والفداء. ﴿وَخُذُوهُمْ﴾ معناه: الأسر، والأخيذ: هو الأسير. ﴿كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ كل طريق، ونصبه على الظرفية. ﴿فَإِنْ تَابُوا﴾ يريد: من الكفر، ثم قرن بالإيمان الصلاة والزكاة؛ فذلك دليل على قتال تارك الصلاة والزكاة، كما فعل أبو بكر الصديق ﵁. والآية في معنى قوله ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة» (١). ﴿فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ تأمين لهم. ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ﴾ هو من الجوار؛ أي: استأمنك فأمنه حتى يسمع القرآن؛ ليرى هل يسلم أم لا. ﴿ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ أي: إن لم يسلم فرده إلى موضعه. وهذا الحكم ثابت عند قوم، وقال قوم: نسخ بالقتال. * * *

стр. 1069

[﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧) كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ (٨) اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩) لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ (١٠) فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (١١) وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ (١٢) أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣) قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٥) أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٦)﴾]. ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ﴾ لفظه (١) استفهام، ومعناه: استنكار واستبعاد. ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ قيل: المراد قريش، وقيل: قبائل بني بكر. ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا﴾ «ما» ظرفية.

стр. 1070

﴿كَيْفَ﴾ تأكيدٌ للأولى، وحذف الفعل بعدها؛ للعلم به، تقديره: كيف يكون لهم عهد؟. ﴿لَا يَرْقُبُوا﴾ أي: لا يُرَاعوا. ﴿إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾ الإلُّ: القرابة؛ وقيل: الحِلْف. والذمة: العهد. ﴿وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ﴾ استثنى (١) من قضَى له منهم بالإيمان. ﴿أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ أي: رؤساء أهله؛ قيل: إنهم أبو جهل، وأمية بن خلف، وعتبة بن ربيعة، وأبو سفيان بن حرب، وسهيل بن عمرو. حكى ذلك الطبري (٢)، وهو ضعيف؛ لأن أكثر هؤلاء كان قد مات قبل نزول هذه السورة. والأحسن أنها على العموم. ﴿لَا أَيْمَانَ لَهُمْ﴾ أي: لا أيمان لهم يوفُون بها. وقرئ: ﴿لَا إِيْمَانَ﴾ بكسر الهمزة. ﴿لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ﴾ يتعلَّق بـ ﴿فَقَاتِلُوا﴾. ﴿وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ﴾ قيل: يعني: إخراجه من المدينة حين قاتلوه بالخندق وأحد. وقيل: يعني إخراجه من مكة إذ تشاوروا فيه بدار الندوة، ثم خرج هو بنفسه.

стр. 1071

﴿وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ يعني: إذايتهم للنبي ﷺ والمسلمين بمكة. ﴿يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ يريد (١): بالقتل والأسر، وفي ذلك وعد للمسلمين بالظفر. ﴿قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ قيل: إنهم خزاعة. والإطلاق أحسن. ﴿وَيَتُوبُ اللَّهُ﴾ استئنافُ إخبارٍ بأن الله يتوب على بعض هؤلاء الكفار فيُسلم. ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ﴾ الآية؛ معناها: أن الله لا يتركهم دون تمحيص يظهر فيه الطيب من الخبيث. و ﴿أَمْ﴾ هنا بمعنى: بل والهمزة. و ﴿يَعْلَمِ اللَّهُ﴾ أي: يعلم ذلك موجودًا؛ لتقوم به الحجة. ﴿وَلِيجَةً﴾ أي: بطانةً. * * *

стр. 1072

[﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ (١٧) إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (١٨) أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٩) الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (٢٠) يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ (٢١) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٢) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٣) قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٢٤)﴾]. ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ أي: ليس لهم ذلك بالحقِّ والواجبِ، وإن كانوا قد عمروها تغلُّبًا (١) وظلمًا. ومن قرأ ﴿مَسَاجِدَ﴾ بالجمع: أراد جميع المساجد. ومن قرأ بالتوحيد: أراد المسجد الحرام. ﴿شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾ أي: أن أحوالهم وأقوالهم تقتضي الإقرار بالكفر.

стр. 1073

وقيل: الإشارةُ إلى قولهم في التلبية: «لا شريك لك، إلَّا شريكًا هو لك». ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ﴾ الآية؛ سببها: أن قومًا من قريش افتخروا بسقاية الحاج، وبعمارة المسجد الحرام؛ فبيَّن الله أن الجهاد أفضل من ذلك. ونزلت الآية في علي بن أبي طالب، والعباس بن عبد المطلب، وطلحة ابن شيبة، افتخروا؛ فقال طلحة: أنا صاحب البيت وعندي مفتاحه، وقال العباس: أنا صاحب السقاية، وقال علي: لقد أسلمت قبل الناس، وجاهدت مع رسول الله ﷺ . ﴿لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ﴾ الآية؛ قيل: نزلت فيمن تثبَّط عن الهجرة، ولفظها عامٌّ، وكذلك حكمها. ﴿فَتَرَبَّصُوا﴾ وعيدٌ لمن آثر أهله أو ماله أو مسكنه على الهجرة والجهاد. ﴿بِأَمْرِهِ﴾ قيل: يعني: فتح مكة، وقيل: هو إشارةٌ إلى عذاب أو عقوبة. * * *

стр. 1074

[﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (٢٦) ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٧) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٨) قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾]. ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ﴾ عطفٌ على ﴿مَوَاطِنَ﴾. أو منصوبٌ بفعل مضمر، وهذا أحسن؛ لوجهين: أحدهما: أن قوله: ﴿إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾ مختصٌ بحنين، ولا يصح في غيره من المواطن؛ فيضعف عطف (يوم حنين) على المواطن؛ للاختلاف الذي بينهما في ذلك. والآخر: أن ﴿مَوَاطِنَ﴾ ظرف مكان، و ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ﴾ ظرف زمان؛ فيضعف عطف (١) أحدهما على الآخر، إلا أن يريد بالمواطن الأوقات. وحُنَين: اسم علم لموضع عُرِف برجل اسمه حنين، وانصرف لأنه مذكر. ﴿إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾ كانوا يومئذ اثني عشر ألفًا، فقال بعضهم: لن

стр. 1075

نُغلَبَ اليوم من قلَّة، فأراد الله إظهار عجزهم، ففرَّ الناس عن رسول الله ﷺ حتى بقي على بغلته في نفر قليل، ثم استنصر بالله، وأخذ قبضة من تراب فرمى بها وجوه الكفار وقال: «شاهت الوجوه» (١)، ونادى بأصحابه (٢) فرجعوا إليه، وهزم الله الكفار. وقصة حنين مذكورة في السِّيَر. ﴿بِمَا رَحُبَتْ﴾ أي: ضاقت على كثرة اتساعها، و «ما» هنا: مصدرية. ﴿وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ يعني: الملائكة. ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ﴾ إشارةٌ إلى إسلام هوازن الذين قاتلوا المسلمين بحنين. ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ قيل: إن نجاستهم بكفرهم، وقيل: بالجنابة. ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ نصٌّ على منع المشركين - وهم عبدة الأوثان- من المسجد الحرام، فأجمع العلماء على ذلك. وقاس مالك على المشركين: سائرَ الكفار من أهل الكتاب وغيرهم، وقاس على المسجد الحرام: سائر المساجد، فمنع جميع الكفار من جميع المساجد. وجعلها الشافعي عامة في الكفار، خاصةً بالمسجد الحرام، (فَمَنع جميع الكفار من دخول المسجد الحرام خاصة) (٣)، وأباح لهم دخول غيره.

стр. 1076

وقصَّرها أبو حنيفة على موضع النصِّ؛ فمنع المشركين خاصة من دخول المسجد الحرام خاصة، وأباح لهم دخول سائر المساجد، وأباح دخول أهل الكتاب في المسجد الحرام وغيره. ﴿بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ يريد: عام تسعة من الهجرة؛ حين حج أبو بكر بالناس، وقرأ عليهم عليٌّ سورة «براءة». ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ أي: فقرًا. كان المشركون يجلبون الأطعمة إلى مكة، فخاف الناس قلة القوت بها إذ مُنِعَ المشركون منها، فوعدهم الله بأن يغنيهم من فضله، فأسلمت العرب كلها، وتمادى جلب الأطعمة إلى مكة ثم فتح الله للمسلمين (١) سائر الأمصار. ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ أمرٌ بقتال أهل الكتاب. ونفى عنهم الإيمان بالله؛ لقول اليهود: عزير ابن الله، وقول النصارى: المسيح ابن الله، ونفى عنهم الإيمان باليوم الآخر؛ لأن اعتقادهم فيه فاسد، فإنهم لا يقولون بالمعاد الجِسْماني (٢). ﴿وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ لأنهم يستحلون الميتة والدم ولحم الخنزير وغير ذلك. ﴿وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ﴾ أي: لا يدخلون في الإسلام.

стр. 1077

﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ بيان للذين أُمر بقتالهم، وحين نزلت هذه الآية خرج رسول الله ﷺ إلى غزوة تبوك؛ لقتال النصارى. ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ اتفق العلماء على قَبول الجزية من اليهود والنصارى ويُلْحَق بهم المجوس؛ لقوله ﷺ : «سُنُّوا بهم سنة أهل الكتاب» (١). واختلفوا في قَبولها من عَبَدة الأوثان والصابئين. ولا تؤخذ من النساء والصبيان والمجانين. وقَدْرها عند مالك: أربعة دنانير على أهل الذهب، وأربعون درهمًا على أهل الورِق، ويؤخذ ذلك من كل رأس. ﴿عَنْ يَدٍ﴾ فيه تأويلان: أحدهما: دفع الذميّ لها بيده، لا يبعثها مع أحد ولا يَمْطُل بها؛ كقولك: يدًا بيد. الثاني: عن استسلام وانقياد؛ كقولك: ألقى فلان بيده. ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ أي: أذلَّاء. * * *

стр. 1078

[﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٣٠) اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١) يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٣٢) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٤) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (٣٥) إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (٣٦) إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٣٧)﴾]. ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ قال ابن عباس: إن هذه المقالة قالها أربعة من اليهود؛ وهم: سلّام بن مِشْكَم، ونعمان بن أوفى، وشأس بن قيس، ومالك بن الصَّيف. وقيل: لم يقلها إلا فِنْحَاص، ونَسب ذلك إلى جميعهم؛ لأنهم متبعون لمن قالها.

стр. 1079

والظاهر أن جماعتهم قالوها؛ إذ لم ينكروها حين نُسبت إليهم. وكان سبب قولهم ذلك: أنهم فقدوا التوراة، فحفظها عُزير وحده، فعلمها لهم، فقالوا: ما علّم الله عزير التوراة إلا أنه ابنه. و ﴿عُزَيْرٌ﴾ مبتدأ، و ﴿ابْنُ اللَّهِ﴾ خبره. ومُنع ﴿عُزَيْرٌ﴾ التنوين؛ لأنه أعجمي لا ينصرف. وقيل: بل هو منصرف، وحذْف التنوين لالتقاء الساكنين، وهذا ضعيف. وأما من نوّنه فجعله عربيًّا. ﴿وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ قال أبو المعالي: «أطبقت النصارى على أن المسيح إله وابن إله» (١)، وذلك كفرٌ شنيع. ﴿بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ يتضمن معنيين: أحدهما: إلزامهم هذه المقالة، والتأكيد في ذلك. والثاني: أنهم لا حجة لهم عليه، وإنما هو مجرَّد (٢) دعوى؛ كقولك لمن تكذّبه: هذا قولك بلسانك. ﴿يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ﴾ معنى ﴿يُضَاهِئُونَ﴾: يشابهون. فإن كان الضمير لليهود والنصارى؛ فالإشارة بقوله: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ﴾:

стр. 1080

للمشركين من العرب؛ إذ قالوا: الملائكة بنات الله، وهم أول كافر. أو للصابئين. أو لأمم متقدمة. وإن كان الضمير للمعاصرين للنبي ﷺ من اليهود والنصارى؛ فـ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ﴾ هم أسلافهم المتقدمون. ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ﴾ دعاء عليهم، وقيل: معناه: لعنهم الله. ﴿أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ تعجب كيف يُصرَفون عن الحق والصواب!. ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا﴾ أي: أطاعوهم كما يطاع الرب، وإن كانوا لم يعبدوهم. ﴿وَالْمَسِيحَ﴾ معطوف على الأحبار والرهبان. ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا﴾ أي: أمرهم بذلك عيسى ومحمد ﷺ . ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ﴾ أي: يريدون أن يطفئوا نبوة محمد ﷺ وما جاء به من عبادة الله وتوحيده. ﴿بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ إشارة إلى أقوالهم، كقولهم: ساحر وشاعر (١)، وفيه أيضًا إشارة إلى ضعف حيلتهم فيما أرادوا. ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ الضمير: للرسول ﷺ ، أو للدين.

стр. 1081

وإظهاره: جعْلُهُ أعلى الأديان وأقواها حتَّى (١) عمَّ المشارق والمغارب. وقيل: ذلك عند نزول عيسى بن مريم حين (٢) لا يبقى دين إلَّا دين الإسلام. ﴿لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ هي (٣): الرُّشا على الأحكام وغير ذلك. ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ ورد في الحديث أن: «كل ما أُدِّيَت زكاته فليس بكنز، وما لم تؤدَّ زكاته فهو كنز» (٤). وقال أبو ذرٍّ وجماعة من الزهاد: كلُّ ما فضَل عن حاجة الإنسان فهو كنز. ﴿وَلَا يُنْفِقُونَهَا﴾ الضمير للأموال والكنوز التي يتضمَّنها المعنى. وقيل: هو للفضة، واكتفى بذلك عن الذهب؛ إذ الحكم فيهما واحد. ﴿يَوْمَ يُحْمَى﴾ العامل في الظرف: ﴿أَلِيمٌ﴾، أو محذوفٌ. ﴿عَلَيْهَا﴾ الضمير يعود على ما يعود عليه ضمير ﴿يُنْفِقُونَهَا﴾. ﴿اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾ هي الأشهر المعروفة؛ أولها: المحرم، وآخرها: ذو الحجة. وكان الذي جعل المحرم أول شهر من العام عمر بن الخطاب ﵁. ﴿فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ أي: في اللوح المحفوظ، وقيل: في القرآن. والأول أرجح؛ لقوله: ﴿يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾.

стр. 1082

﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ هي: رجب وذو قَعدة وذو حجة والمحرم. ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ يعني: أن تحريم الأشهر الحرم هو الدين المستقيم دين إبراهيم وإسماعيل (١)، وكانت العرب قد تمسكت به حتى غيره بعضهم. ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ﴾ الضمير في قوله: ﴿فِيهِنَّ﴾ للأشهر الحرم تعظيمًا لأمرها، وتغليظًا للذنوب فيها، وإن كان الظلم ممنوعًا في غيرها. وقيل: الضمير للاثني عشر شهرًا، وهي الزمان كله. والأول أظهر. ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ أي: قاتلوهم في الأشهر الحرم؛ فهذا نسخ لتحريم القتال فيها. و ﴿كَافَّةً﴾ حال من الفاعل، أو المفعول. ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ﴾ هو تأخير حرمة الشهر إلى الشهر الآخر، وذلك أن العرب كانوا أصحاب حروب وإغارات، وكانت محرَّمة عليهم في الأشهر الحرم، فيشقُّ عليهم تركها، فيجعلونها في شهر حرام ويحرّمون شهرًا آخر بدلًا منه، وربما أحلوا المحرَّم وحرموا صفرًا حتى يُكملوا في العام أربعة أشهر محرمة. ﴿يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا﴾ أي: تارة يحلّون وتارة يحرّمون، ولم يُرِد العام حقيقة.

стр. 1083

﴿لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾ أي: ليوافقوا عدد الأشهر الحرم؛ وهو أربعة. ﴿فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾ يعني: إحلالهم القتال في الأشهر الحرم. * * *

стр. 1084

[﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (٣٨) إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩) إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٠) انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤١) لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٤٢)﴾]. ﴿مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا﴾ عتاب (١) لمن تخلَّف عن غزوة تبوك. ﴿اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ﴾ عبارةٌ عن تخلفهم، وأصل ﴿اثَّاقَلْتُمْ﴾: تثاقلتم. ﴿إِلَّا تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ﴾ شرط وجزاء. وهذا العذاب: في الدنيا أو في الآخرة. ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ شرط وجواب، والضمير لرسول الله ﷺ . فإن قيل: كيف ارتباط هذا الشرط مع جوابه (٢)؟

стр. 1085

فالجواب: أن المعنى: إن لم تنصروه أنتم فسينصره الله الذي نصره حين كان ثاني اثنين، فدل بقوله: ﴿فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ على نصره في المستقبل. ﴿إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني: خروجه من مكة مهاجرا إلى المدينة، وأسند إخراجه إلى الكفار؛ لأنهم فعلوا معه من الأذى ما اقتضى خروجه. ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾ هو وأبو بكر الصديق. ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ﴾ يعني: أبا بكر. ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ يعني: بالنصر واللطف. ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ الضمير: للرسول ﷺ . وقيل: لأبي بكر؛ لأن النبي ﷺ لم تزل معه السكينة، ويضعف ذلك: بأن الضمائر بعدها للرسول ﷺ . ﴿وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا﴾ يعني: الملائكة يوم بدر وغيره. ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى﴾ يريد: بإذلالها ودحضها. ﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾ قيل: هي: لا إله إلا الله، وقيل: الدين كله. ﴿انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ أمر بالنفير إلى الغزو. والخفة: استعارة لمن يمكنه السفر بسهولة، والثقل: من يمكنه بصعوبة. وقال بعض العلماء: الخفيف: الغني، والثقيل: الفقير. وقيل: الخفيف: الشاب، والثقيل: الشيخ. وقيل: الخفيف: النشيط، والثقيل: الكسلان.

стр. 1086

وهذه الأقوال أمثلة في الثقل والخفة. وقيل: إن هذه الآية منسوخة بقوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى﴾ [التوبة: ٩١] الآية. ﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا﴾ الآية؛ نزلت هي وكثيرٌ مما بعدها في هذه السورة في المنافقين الذين تخلَّفوا عن غزوة تبوك؛ وذلك أنها كانت إلى أرض بعيدة، وكانت في شدَّة الحر وطيب الثمار والظلال، فثقلت عليهم، فأخبر الله في هذه الآية أن السفر لو كان لَعَرَضٍ من الدنيا، أو إلى مسافة قريبة لفعلوه. ﴿بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ﴾ أي: الطريق والمسافة. ﴿وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ﴾ إخبارٌ بغيب؛ وهو أنهم يعتذرون بأعذار كاذبة ويحلفون. ﴿يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ﴾ أي: يُوقعونها في الهلاك: بحَلفهم الكاذب، أو بتخلُّفهم عن الغزو. * * *

стр. 1087

[﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ (٤٣) لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (٤٤) إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ (٤٥) وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ (٤٦) لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٤٧) لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ (٤٨) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (٤٩) إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ (٥٠) قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (٥١) قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ (٥٢)﴾]. ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ الآية؛ كان بعض المنافقين قد استأذن النبي ﷺ في التخلُّف عن غزوة تبوك فأذن لهم، فعاتبه الله تعالى على إذنه لهم. وقدَّم العفو على العتاب؛ إكرامًا له ﷺ . وقيل: إن قوله ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ﴾ ليس لذنب ولا عتاب، ولكنه استفتاح كلام؛ كما تقول: أصلحك الله.

стр. 1088

﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ كانوا قد قالوا: نستأذنه في القعود، فإن أذن لنا قعدنا، (وإن لم يأذن لنا قعدنا) (١). وإنما كان يظهر الصدق من الكذب لو لم يأذن لهم؛ فحينئذ كان يقعد العاصي والمنافق، ويسافر المطيع. ﴿لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ الآية؛ أي: لا يستأذنك في التخلف عن الغزو لغير عذر مَنْ يؤمن بالله واليوم الآخر. ﴿وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ أي: شكَّت. ونزلت الآية في عبد الله بن أبي بن سلول والجد بن قيس. ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ﴾ الآية؛ أي: لو كانت لهم نية في الغزو لاستعدوا له قبل أوانه. ﴿انْبِعَاثَهُمْ﴾ أي: خروجهم. ﴿فَثَبَّطَهُمْ﴾ أي: كسر عزمهم، وجعل في قلوبهم الكسل. ﴿وَقِيلَ اقْعُدُوا﴾ يحتمل أن يكون القائل لهم ﴿اقْعُدُوا﴾: هو الله تعالى؛ وذلك عبارة عن قضائه عليهم بالقعود. ويحتمل أن يكون ذلك من قول بعضهم لبعض. ﴿مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ أي: مع النساء والصبيان وأهل الأعذار، وفي ذلك ذمّ لهم لاختلاطهم في القعود مع هؤلاء.

стр. 1089

﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾ أي: شرا وفسادا. ﴿وَلَأَوْضَعُوا﴾ أي: أسرعوا السير، والإيضاع: سرعة السير، والمعنى: أنهم يسرعون بالفساد والنميمة. ﴿خِلَالَكُمْ﴾ أي: بينكم. ﴿يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾ أي: يحاولون أن يفتنوكم. ﴿سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ قيل: يسمعون كلامهم. وقيل: يسمعون أخباركم وينقلونها إليهم. ﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: طلبوا الفساد، (وروي أنها نزلت في عبد الله بن أبي وأصحابه من المنافقين) (١). ﴿وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ﴾ أي: دبروها من كل وجه، فأبطل الله سعيهم. ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَن لِي وَلَا تَفْتِنِي﴾ لما دعا النبي ﷺ إلى غزوة تبوك قال الجد بن قيس -وكان من المنافقين-: ائذن لي في القعود ولا تفتني برؤية بنات الأصفر (٢)؛ فإني لا أصبر عن النساء. ﴿أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ أي: وقعوا في الفتنة التي فروا منها. ﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾ الحسنة هنا: النصر والغنيمة وشبه ذلك. ﴿يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا﴾ أي: قد حذرنا وتأهبنا من قبل.

стр. 1090

﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ أي: ما قدَّر وقضى، وهذا ردٌّ على المنافقين. ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ أي: هل تنتظرون بنا إلَّا أحد أمرين: إما الظَّفَر والنصر، وإما الموت في سبيل الله، وكل واحدة من الخَصْلتين حسنى. ﴿بِعَذَابٍ مِنْ عِندِهِ﴾ المصائبُ وما ينزل من السماء، أو عذابُ الآخرة. ﴿أَوْ بِأَيْدِينَا﴾ يعني: القتل. ﴿فَتَرَبَّصُوا﴾ تهديدٌ. * * *
следующие страницы →