﴿ابْنَ أُمَّ﴾ كان هارون شقيق موسى، وإنما دعاه بأُمِّهِ؛ لأنه أدعى إلى العَطْفِ والحُنُوِّ.
وقرئ: ﴿ابْنَ أُمِّ﴾:
بالكسر؛ على الإضافة إلى ياء المتكلم، وحذفت الياء.
وبالفتح؛ تشبيها بخمسة عشر؛ جعل الاسمان اسمًا واحدًا فبُني.
﴿وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ أي: لا تظنَّ أني منهم.
أو: لا تجدُ عليَّ في نفسك ما تجدُ عليهم؛ يعني: أصحاب العجل.
ودخلت اللام؛ لتقدُّم المفعول؛ كقوله: ﴿لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف: ٤٣].
وقال المبرِّد: تتعلَّق بمصدر تقديره: رهبتهم لربهم.
﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ﴾ أي: من قومه سبعين رجلًا، حملهم معه إلى الطور فسَمعوا (١) كلام الله لموسى، فقالوا: أرنا الله جهرة، فأخذتهم الرجفة؛ عقابًا لهم على قولهم.
وقيل: إنما أخذتهم الرجفة لعبادتهم العجل، أو لسكوتهم عن (٢) عبادته. والأول أرجح؛ لقوله: ﴿فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٣].
ويحتمل أن تكون رجفة:
موتٍ.
أو إغماءٍ.
والأول أظهر؛ لقوله: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِن بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ [البقرة: ٥٦].
﴿لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِن قَبْلُ وَإِيَّايَ﴾ يحتمل أن تكون ﴿لَوْ﴾ هنا للتمني؛ أي: تمنَّى أن يكون هو وهم قد ماتوا قبل ذلك؛ لأنه خاف من تشغيب بني إسرائيل عليه إن رجع إليهم دون هؤلاء السبعين.
ويحتمل أن يكون قال ذلك على وجه التضرُّع والاستسلام لأمر الله؛ كأنه
стр. 984
قال: لو شئت أن تهلكنا قبل ذلك لفعلت؛ فإنَّا عبيدك وتحت قهرك، وأنت تفعل ما تشاء.
ويحتمل أن يكون قالها على وجه التضرُّع والرغبة؛ كأنه قال: لو شئت أن تهلكنا قبل اليوم لفعلت، لكنَّك عافيتنا وأبقيتنا فافعل معنا الآن كما عوَّدتنا (١)، وأحِي هؤلاء القوم الذين أخذتهم الرجفة.
﴿أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾ أي: أتهلكني وتهلك بني إسرائيل بما فعل السفهاء الذين طلبوا الرؤية، والذين عبدوا العجل.
فمعنى هذا: إدلاءٌ بحجته، وتبرُّؤٌ من فعل السفهاء، ورغبةٌ إلى الله أن لا يعمَّ الجميع بالعقوبة.
﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ﴾ أي: الأمور كلها بيدك تضلُّ من تشاء وتهدي من تشاء.
ومعنى هذا: اعتذارٌ عن فعل السفهاء بأنه (٢) كان بقضاء الله ومشيئته.
﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ أي: تُبْنَا.
وهذا الكلام الذي قاله موسى ﵇ إنما هو كلُّه استعطافٌ ورغبة إلى الله وتضرُّع إليه، ولا يقتضي شيئًا مما توهم الجُهَّال فيه من الجفاء في قوله: ﴿أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾؛ لأنَّا قد بيَّنَّا أنه إنما قال ذلك استعطافًا لله، وبراءةً من فعل السفهاء.
стр. 985
﴿قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ﴾ قيل: الإشارة بذلك إلى الذين أخذتهم الرجفة.
والصحيح: أنه عموم يندرجون فيه مع غيرهم.
وقرئ «من أساء» -بالسين وفتح الهمزة-؛ من الإساءة، وأنكرها بعض المقرئين وقال: إنها تصحيف.
﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ يحتمل أن يريد رحمته في الدنيا؛ فيكون خصوصًا في الرحمة، وعمومًا في كل شيء؛ لأنَّ المؤمن والكافر والمطيع والعاصي تنالهم رحمة الله ونعمته في الدنيا.
ويحتمل أن يريد رحمة الآخرة؛ فيكون خصوصًا في كل شيء؛ لأنَّ الرحمة في الآخرة مختصة بالمؤمنين.
ويحتمل أن يريد جنس الرحمة على الإطلاق؛ فيكون عمومًا في الرحمة، وفي كل شيء.
﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ إن كانت الرحمة المذكورة رحمة الآخرة: فهي -بلا شك- مختصة بهؤلاء الذين كتبها الله لهم، وهم أُمَّة محمد ﷺ .
وإن كانت رحمة الدنيا: فهي -أيضًا- مختصة بهم؛ لأن الله نصرهم على جميع الأمم، وأعلى دينهم على جميع الأديان، ومكَّن لهم في الأرض ما لم يمكّن لغيرهم.
وإن كانت على الإطلاق: فقوله: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا﴾ تخصيص للإطلاق.
﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ أي: يؤمنون بجميع الكتب والأنبياء،
стр. 986
وليس ذلك لغير هذه الأمة.
﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ﴾ هذا الوصف خَصَّص أمة محمد ﷺ .
قال بعضهم: لما قال الله: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ طمع فيها كلُّ أحد حتى إبليس، فلما قال: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ يئس إبليس، وبقيت اليهود والنصارى، فلما قال: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ﴾ الآية: يئس اليهود والنصارى (١).
﴿النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾ أي: الذي لا يقرأ ولا يكتب، وذلك من أعظم دلائل نبوة محمد (٢) ﷺ ؛ لأنه أتى بالعلوم الجمَّة من غير قراءة ولا كتابة، ولذلك قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٨].
قال بعضهم: الأُمِّيُّ منسوبٌ إلى الأمِّ، وقيل: إلى الأمَّة (٣).
﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ﴾ ضمير الفاعل في ﴿يَجِدُونَهُ﴾ لبني إسرائيل، وكذلك الضمير في ﴿عِندَهُمْ﴾. ومعنى ﴿يَجِدُونَهُ﴾: يجدون نعته وصفته.
* ولنذكر هنا ما ورد في التوراة والإنجيل وأخبار المتقدمين من ذكر نبينا ﷺ :
فمن ذلك: ما ورد في البخاري وغيره أنَّ في التوراة من صفة النبي ﷺ :
стр. 987
«يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا، وحرزًا للأميين، أنت عبدي ورسولي، أسميتك المتوكل، ليس بفظّ ولا غليظ ولا صخّاب (١) في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح (٢)، ولن أقبضه حتى أقيم به الملة العوجاء؛ بأن يقولوا: لا إله إلا الله، فيفتح به عيونًا عميًا، وآذانًا صمًّا، وقلوبًا غلفًا» (٣).
ومن ذلك: ما في التوراة مما أجمع عليه أهل الكتاب، وهو باق بأيديهم إلى الآن: «إنَّ الملك نزل على إبراهيم فقال له: في هذا العام يولد لك غلام اسمه إسحاق، فقال إبراهيم: يا ربّ ليت إسماعيل يعيش يخدمك، فقال الله لإبراهيم: ذلك لك، قد استجيب لك في إسماعيل، وأنا أباركه وأنميه وأكبره وأعظمه بماذْ مَاذْ».
وتفسير هذه الحروف: محمد.
ومن ذلك: في التوراة: «إنَّ الربَّ تعالى جاء في طور سيناء، وطلع من ساعير، وظهر من جبال فاران».
ويعني بطور سيناء: موضع مناجاة موسى ﵇، وساعير: موضع عيسى ﵇، وفاران: هي مكة موضع مولد نبينا محمد ﷺ ومبعثه.
ومعنى ما ذُكر من مجيء الله وطلوعه وظهوره: هو ظهور دينه على يد محمد.
стр. 988
الأنبياء الثلاثة المنسوبين لتلك المواضع.
وتفسير ذلك: ما في كتاب أشعيا خطابًا لمكة: «قومي فأزهري مصباحك، فقد دنا وقتك، وكرامةُ الله طالعةٌ عليك، فقد تجلَّل الأرضَ الظلامُ، وغطَّى على الأمم المصاب، والربُّ يشرق عليك إشراقًا، ويُظهِر كرامته عليك، تسير الأمم إلى نورك، والملوك إلى ضوء طلوعك، ارفعي بصرك إلى ما حولك، وتأملي فإنهم مستجمعون عندك، وتحجُّ إليك عساكر الأمم».
وفي بعض كتبهم: «لقد تقطَّعت السماء من بهاء محمد المحمود، وامتلأت الأرض من حمده، لأنه ظهر بخلاص أمته».
ومن ذلك: في التوراة: «أن هاجر أم إسماعيل لما غضبت عليها سارة تراءى لها مَلَك فقال لها: يا هاجر أين تريدين؟ ومن أين أقبلت؟ فقالت: أهربُ من سيدتي سارة، فقال لها: ارجعي إلى سارة وستحبلين وتلدين ولدًا اسمه إسماعيل وهو يكون عين الناس، وتكون يده فوق الجميع، ويد الجميع مبسوطةً إليه بالخضوع».
ووجه دلالة هذا الكلام على نبوة محمد ﷺ : أن هذا الذي وعدها به المَلَكُ من أن يد ولدها فوق الجميع وأن يد الجميع مبسوطة إليه بالخضوع إنما ظهرت بمبعث النبي محمد ﷺ وظهور دينه وعلوِّ كلمته، ولم يكن ذلك لإسماعيل ولا لغيره قبل محمد ﷺ .
ومن ذلك: في التوراة - أيضًا -: «أن الرب يقيم لهم نبيًا من إخوتهم،
стр. 989
وأيُّ رجلٍ لم يسمع الكلام الذي يؤديه ذلك النبي عن الله فينتقم (١) الله منه». ودلالة هذا الكلام ظاهرةٌ بأن أولاد إسماعيل هم إخوة أولاد إسحاق، وقد انتقم الله من اليهود الذين لم يسمعوا كلام محمد ﷺ كبني قريظة وبني قينقاع وغيرهم.
ومن ذلك: في التوراة: «إن الله أوحى إلى إبراهيم ﵇: قد أجبتُ دعاءك في إسماعيل، وباركت عليك، وسيلد اثني عشر عظيمًا، وأجعله لأمة عظيمة».
ومن ذلك: في الإنجيل: «أن المسيح قال للحواريين: أنا ذاهب عنكم، وسيأتيكم البارَقْليط الذي لا يتكلَّم من قِبَلِ نفسه، إنما يقول كما يُقال له».
وبهذا وصف الله سبحانه نبينا محمد ﷺ في قوله: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم: ٣ - ٤].
وتفسير البارقليط: أنه مشتق من الحمد، واسم نبينا ﷺ محمدٌ وأحمدُ.
وقيل: معنى البارقليط: الشافع المشفع.
ومن ذلك: في التوراة: «أن مولده بمكة، ومسكنه بطيبة، وأمته الحمادون».
وبيان ذلك: أن أمته يقرأون: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ في صلاتهم مرارًا كثيرة في كل يوم وليلة.
وعن شهر بن حوشب مثل ذلك في إسلام كعب الأحبار، وهو من اليمن
стр. 990
من حِمْيَرَ: أن كعبًا أخبره بأمره وكيف كان ذلك، وقال كان أبوه من مؤمني أهل التوراة برسول الله ﷺ ، وكان من عظمائهم وخيارهم، قال كعب: وكان من أعلم الناس بما أنزل الله على موسى من التوراة، وبكُتُبِ الأنبياء، ولم يكن يدَّخر عني شيئًا مما كان يعلم، فلما حضرته الوفاة دعاني، فقال: يا بني قد علمت أني لم أكن أدَّخر عنك شيئًا مما كنت أعلمُ، إلَّا أني حبست عنك ورقتين فيهما ذكر نبي يبعث، وقد أظلَّ زمانه، فكرهت أن أخبرك بذلك، فلا آمن عليك بعد وفاتي أن يخرج بعض هؤلاء الكذَّابين فتتبعه، وقد قطعتهما من كتابك وجعلتهما في هذه الكُوَّة التي ترى وطَيَّنت عليهما، فلا تتعرَّض لهما ولا تنظرهما زمانك هذا، وأقِرَّهما في موضعهما حتى يخرج ذلك النبي، فإذا خرج فاتَّبعه وانظر فيهما؛ فإن الله يزيدك بذلك خيرًا. فلما مات والدي لم يكن شيءٌ أحبَّ إلي من أن ينقضي المأتم حتى أنظر ما في الورقتين، فلما انقضى المأتم فتحت الكوة ثم استخرجت الورقتين فإذا فيهما: «محمد رسول الله ﷺ خاتم النبيين، لا نبي بعده، مولده بمكة، ومُهَاجَره بطيبة، ليس بفظٍّ ولا غليظ، ولا صخَّاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يجزي بالسيئة الحسنة، ويعفو ويغفر ويصفح، أمته الحمَّادون الذي يَحمَدون الله على كل شرف، وعلى كل حال، وتُذلَّلُ (١) ألسنتهم بالتكبير، وينصر الله نبيهم على كل من ناوأه، يغسلون فروجهم بالماء، ويأتزرون على أوساطهم، وأناجيلُهم في صدورهم، ويأكلون قُربانهم في بطونهم ويؤجرون عليها، وتراحمهم بينهم تراحم بني الأم.
стр. 991
والأب، وهم أول من يدخل الجنة يوم القيامة من الأمم، وهم السابقون المقربون، والشافعون المشفع لهم».
فلما قرأتُ هذا قلت في نفسي: والله ما علَّمني شيئًا خيرًا لي من هذا، فمكثت ما شاء الله حتى بُعث النبي ﷺ وبيني وبينه بلاد بعيدة منقطعة لا أقدر على إتيانه، وبلغني أنه خرج في مكة فهو يظهر مرة ويستخفي مرة، فقلت: هو هذا، وتخوفت ما كان والدي حذّرني وخوفني من ذكر الكذابين، وجعلت أحبُّ أن أتبين وأتثبت، فلم أزل بذلك حتى بلغني أنه أتى المدينة، فقلت في نفسي: إني لأرجو أن يكون إياه، وجعلت ألتمس السبيل إليه، فلم يُقدَّر لي حتى بلغني أنه توفي رسول الله ﷺ ، فقلت في نفسي: لعلَّه لم يكن الذي كنت أظن.
ثم بلغني أن خليفةً قام مقامه، ثم لم ألبث إلَّا قليلًا حتى جاءتنا جنوده فقلت في نفسي: لا أدخل في هذا الدين حتى أعلم أهم الذين كنت أرجو وأنتظرُ، وأنظر كيف سيرتهم وأعمالهم، وإلى ما تكون عاقبتهم.
فلم أزل أدفع ذلك وأؤخّره لأتبين وأتثبت حتى قدِم علينا عمر بن الخطاب، فلما رأيت صلاة المسلمين وصيامهم وبِرَّهم ووفاءهم بالعهد، وما صنع الله لهم على الأعداء علمت أنهم هم الذي كنت أنتظر، فحدثت نفسي بالدخول في الإسلام، فوالله إني ذات ليلة فوق سطح لي إذا برجل من المسلمين يتلو كتاب الله حتى أتى على هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (٤٧)﴾ [النساء: ٤٧]،
стр. 992
فلما سمعت هذه الآية خشيت والله ألا أصبح حتى يحوَّل وجهي في قفاي، فما كان شيء أحبَّ إليَّ من الصباح، فغدوتُ على عمر فأسلمت حين أصبحت.
وقال كعبٌ لعمر عند انصرافه إلى الشام: يا أمير المؤمنين إنه مكتوب في كتاب الله: إن هذه البلاد، التي كان فيها بنو إسرائيل، وكانوا أهلها؛ مفتوحةٌ على يد رجل من الصالحين، رحيم بالمؤمنين، شديد على الكافرين، سرُّه مثل علانيته، وعلانيته مثل سرِّه، وقوله لا يخالف فعله، والقريب والبعيد عنده في الحق سواء، وأتباعه رهبان بالليل أُسْدٌ بالنهار، متراحمون متواصلون متباذلون.
فقال له عمر: ثكلتك أمك، أحقٌّ ما تقول؟ قال: إي والذي أنزل التوراة على موسى والذي يسمع ما نقول إنه لحق.
فقال عمر: الحمد لله الذي أعزَّنا وشرفنا وأكرمنا ورحمنا بمحمد ﷺ ، وبرحمته التي ﴿وَسِعَت كُلَّ شَيءٍ﴾ (١).
ومن ذلك: كتاب فروة بن عمرو الجذامي إلى رسول الله ﷺ ، وكان من ملوك العرب بالشام، فكتب إليه: «بِسمِ اللَّهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ، لمحمد رسول الله من فروة بن عمرو: إني مقرٌّ بالإسلام مصدِّقٌ، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله، وأنه الذي بشَّر به عيسى ابن مريم ﵇»، فأخذه هرقل لما بلغه إسلامه وسجنه فقال: والله لا أفارق دين محمد أبدًا
стр. 993
فإنك تعرف أنه النبي الذي بشَّر به عيسى بن مريم، ولكنك حرصت على ملكك وأحببت بقاءه، فقال قيصر: صدَق والإنجيل (١).
ويشهد لهذا ما خرَّجه البخاري ومسلم من كتاب رسول الله ﷺ إلى هرقل، وسؤال هرقل عن أحواله وأخلاقه ﷺ ، فلما أخبر بها علم أنه رسول الله، وقال: إنه يملك موضع قدميَّ، ولو خلَصت إليه لغسلت قدميه (٢).
ومن حديث زيد بن أسلم عن أبيه - وهو عندنا بالإسناد - أن عمر بن الخطاب ﵁ خرج زمان الجاهلية مع ناس من قريش في التجارة إلى الشام، قال: فإني لفي سوق من أسواقها إذا أنا ببطريق قد قبض على عنقي، فذهبت أنازعه فقيل لي: لا تفعل فإنه لا نَصَف لك منه، فأدخلني كنيسةً فإذا تراب عظيم ملقى، فجاءني بزنبيل ومِجرفة فقال لي: انقل ما هاهنا، فجعلت أنظر كيف أصنع، فلما كان من الهاجرة وافاني وعليه ثوبٌ أرى سائر جسده منه، فقال: أثنك على ما أرى ما نقلت شيئًا!، ثم جمع يديه فضرب بهما دماغي، فقلت: واثكل أمك يا عمر، أبلغتَ ما أرى؟، ثم وثبت إلى المجرفة فضربت بها هامته فنشرتُ دماغه ثم واريته في التراب وخرجت على وجهي لا أدري أين أسير، فسرت بقية يومي وليلتي من الغد إلى الهاجرة فانتهيت إلى ديرٍ فاستظللت بفنائه، فخرج إليَّ رجل منه فقال لي: يا عبد الله ما يُقعدك هنا؟ فقلت: أضللتُ أصحابي، فقال لي: ما أنت على طريقٍ وإنك لتنظر بعيني
стр. 994
خائف!، فادخُلْ فأصِبْ من الطعام واسترحْ، فدخلت فأتاني بطعام وشراب وأطعمني، ثم صعَّد فيَّ النظر وصوَّبه، فقال: قد علم والله أهل الكتاب أو الكتب أنه ما على الأرض أعلم بالكتاب أو بالكتب مني، وإني لأرى صفتكَ الصفة التي تخرجنا من هذا الدير وتغلبنا عليه، فقلتُ: يا هذا لقد ذهبتَ بي في غير مذهب!، فقال لي: ما اسمك؟ فقلت: عمر بن الخطاب، فقال: أنت والله صاحبُنا، فاكتب لي على ديري هذا وما فيه، فقلت: يا هذا إنك قد صنعت إليَّ صنيعةً فلا تكدِّرْها، فقال: إنما هو كتاب في رَقٍّ، فإن كنت صاحبنا فذلك، وإلا لم يضرَّك شيءٌ، فكتب (١) له على ديره وما فيه، فأتاني بثياب ودراهم فدفعها إليَّ ثم أَوْكَفَ أتانًا فقال لي: أتراها؟ فقلت: نعم، قال: سِرْ عليها، فإنك لا تمرُّ بقوم إلَّا سَقَوْها وعلفوها وأضافوك، فإذا بلغت مأْمَنَك فاضرب وجهها مدبرةً فإنهم يفعلون بها كذلك حتى ترجع إليَّ، قال: فركبتها فكان كما قال، حتى لحقتُ بأصحابي وهم متوجّهون إلى الحجاز، فضربتُها مدبرةً وانطلقتُ معهم.
فلما وافى عمرُ الشامَ في زمان خلافته جاءه ذلك الراهب بالكتاب وهو صاحب دير العرس، فلما رآه عرفه، فقال: قد جاء ما لا مذهب لعمر عنه، ثم أقبل على أصحابه فحدَّثهم بحديثه، فلما فرغ منه أقبل على الراهب فقال: هل عندكم من نفع للمسلمين؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، قال: إن أضفتم المسلمين ومرَّضتموهم وأرشدتموهم فعلنا ذلك، قال: نعم يا أمير المؤمنين فوفَّى له عمر ﵁ ورحمه (٢).
стр. 995
وعن سيف (١) يرفعه إلى سالم بن عبد الله قال: لما دخل عمر الشام تلقاه رجل من يهود دمشق فقال: السلام عليك يا فاروق أنت صاحب إيلياء؛ والله لا ترجع حتى يفتح الله إيلياء (٢).
ومن ذلك أن عمرو بن العاص قدم المدينة بعد وفاة رسول الله ﷺ ، وكان رسول الله ﷺ قد أرسله إلى عُمان واليًا عليها، فجاءه يومًا يهودي من يهود عمان فقال له: أنشدُكَ بالله، مَنْ أرسلك إلينا؟ فقال له: رسول الله ﷺ ، فقال اليهودي: والله إنك لتعلم أنه رسول الله؟، قال عمرو: نعم، فقال اليهودي: لئن كان حقًّا ما تقول لقد مات اليوم.
فلما سمع عمرو ذلك جمع أصحابه وكتب ذلك اليوم الذي قال له اليهوديُّ أن النبي ﷺ مات فيه، ثم خرج فأُخبر بموت النبي ﷺ وهو في الطريق، ووجده قد مات في ذلك اليوم صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم وبارك وشرَّف وكرَّم (٣).
ومن ذلك: أن وفد غسَّان قدموا على رسول الله ﷺ فلقيهم أبو بكر الصديق فقال لهم: من أنتم؟ قالوا: رهطٌ من غسان قدمنا على محمد لنسمع
стр. 996
كلامه، فقال لهم: انزلوا حيث تنزل الوفود، ثم ائتوا رسول الله ﷺ ، فكلموه، فقالوا: وهل نقدر على كلامه كما أردنا؟ فتبسم أبو بكر وقال: إنه ليطوف بالأسواق، ويمشي وحده، ولا شرطة معه، ويرعب (١) من يراه منه، فقالوا لأبي بكر: من أنت أيها الرجل؟ فقال: أنا أبو بكر بن أبي قحافة، فقالوا: أنت تقوم بهذا الأمر بعده، فقال أبو بكر: الأمر إلى الله، فقال لهم: كيف تخدعون عن الإسلام وقد أخبركم أهل الكتاب بصفته، وأنه آخر الأنبياء؟ ثم لقوا رسول الله ﷺ فأسلموا (٢).
﴿يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ يحتمل أن يكون هذا:
من وصف النبي ﷺ في التوراة؛ فتكون الجملة في موضع الحال من ضمير المفعول في ﴿يَجِدُونَهُ﴾.
أو تفسير لما كُتِب من ذِكْره.
أو يكون استئناف وصف من الله تعالى غير مذكور في التوراة والإنجيل.
﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ مذهب مالك: أن الطيبات هي الحلال، وأن الخبائث هي الحرام.
ومذهب الشافعي: أن الطيبات هي المستلذات، إلَّا ما حرمه الشرع منها؛ كالخمر والخنزير، وأن الخبائث هي المستقذرات؛ كالخنافس والعقارب وغيرها.
стр. 997
﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ﴾ هي مثل ما (١) كُلِّفوا في شرعهم من المشقَّات؛ كقتل الأنفس في التوبة (٢)؛ وقطع موضع النجاسة من الثوب.
وكذلك ﴿الأَغْلَالَ﴾ عبارةٌ عما مُنعت منه شريعتهم؛ كتحريم الشُّحوم، وتحريم العمل يوم السبت، وشبه ذلك.
﴿وَعَزَّرُوهُ﴾ أي: منعوه بالنَّصر؛ حتى لا يقوى عليه عدوٌّ.
﴿وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ﴾ هو القرآن، أو الشرع كله.
ومعنى ﴿مَعَهُ﴾: مع بعثه ورسالته.
* * *
стр. 998
[﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨) وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٥٩) وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١٦٠) وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (١٦١) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ (١٦٢)﴾].
﴿إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ تفسيره: قوله ﷺ : «وكان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس كافة» (١).
فإعراب ﴿جَمِيعًا﴾: حال من الضمير في ﴿إِلَيْكُمْ﴾.
﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ نعت لله.
أو منصوب على المدح بإضمار فعل.
أو مرفوع على أنه خبر ابتداء مضمر.
﴿يُؤْمِنُ بِاللهِ وَكَلِمَاتِهِ﴾ هي الكتب التي أنزلها الله عليه وعلى غيره من الأنبياء.
стр. 999
﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ﴾ هم الذين ثبتوا حين تزلزل غيرهم في عصر موسى.
(أو الذين آمنوا بمحمد ﷺ في عصره) (١).
﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ﴾ أي: فرَّقناهم (٢).
﴿أَسْبَاطًا﴾ السِّبْط في بني إسرائيل: كالقبيلة في العرب.
وانتصابه:
على البدل من ﴿اثْنَتَيْ عَشْرَةَ﴾، لا على التمييز؛ فإن تمييز ﴿اثْنَتَيْ عَشْرَةَ﴾ لا يكون إلَّا بمفرد.
وقال الزمخشري: على التمييز؛ لأن كل قبيلة أسباط لا سبط (٣).
﴿فَانبَجَسَتْ﴾ أي: انفجرت؛ إلَّا أن الانبجاس أخفُّ من الانفجار.
وقال الغزنوي: الانبجاس: أول الانفجار (٤).
﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ﴾ وما بعده إلى قوله: ﴿بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾: مذكورٌ في «البقرة» (٥).
تنبيه: وقع اختلافٌ في اللفظ بين هذا الموضع من هذه السورة وبين (٦)
стр. 1000
سورة «البقرة»؛ كقوله: ﴿فَانفَجَرَتْ﴾ و ﴿فَانبَجَسَتْ﴾، وقوله: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا﴾، ﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا﴾، وقوله: ﴿وَكُلُوا﴾ و ﴿فَكُلُوا﴾ بالفاء:
فقال الزمخشري: لا بأس باختلاف العبارتين إذا لم يكن هنالك تناقض (١).
وعلَّلها شيخُنا الأستاذ أبو جعفر بن الزبير في كتاب: «مِلاك التأويل» (٢) وصاحبُ الدُّرة (٣) بتعليلَات؛ منها قوية وضعيفة فيها طول فتركناها؛ لطولها.
* * *
وموضع ﴿إِذْ﴾:
بدل من ﴿الْقَرْيَةِ﴾؛ والمراد: أهلها، وهو بدل اشتمال.
أو منصوبٌ بـ ﴿كَانَتْ﴾، أو بـ ﴿حَاضِرَةَ﴾.
﴿إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا﴾ كانت الحيتان تخرج من البحر يوم السبت حتى تصل إلى بيوتهم؛ ابتلاءً لهم؛ إذ كان صيدُها محرَّمًا عليهم في السبت، وتغيبُ عنهم في سائر الأيام.
و ﴿سَبْتِهِمْ﴾ مصدرٌ من قولك: سبت اليهودي يَسْبِتُ: إذا عظَّم يوم السبت.
ومعنى ﴿شُرَّعًا﴾: ظاهرةً قريبةً منهم؛ يقال: شَرَع منا فلان: إذ دنا.
و ﴿إِذْ﴾ في قوله: ﴿إِذْ تَأْتِيهِمْ﴾:
مَنصُوبٌ بـ ﴿يَعْدُونَ﴾.
أو بدلٌ من ﴿إِذْ يَعْدُونَ﴾.
﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا﴾ الآية؛ افترقت بنو إسرائيل ثلاث فرق:
فرقة عصت بالصيد يوم السبت.
وفرقة نهت عن ذلك واعتزلت.
وفرقة سكتت واعتزلت، فلم تَنْهَ ولم تَعْصِ.
وإنَّ هذه الفِرقة لما رأت مجاهرة الناهية وطغيان العاصية قالوا للفرقة الناهية: لم تعظون قومًا يريد الله أن يهلكهم أو يعذبهم، فقالت الناهية:
стр. 1003
ننهاهم معذرةً إلى الله ولعلهم يتقون.
فهلكت الفرقة العاصية، ونجت الناهية، واختلف في الثالثة: هل هلكت؛ لسكوتها؟ أو نجت؛ لاعتزالها وتركها العصيان؟.
﴿بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾ أي: شديد.
وقرئ بالهمز، وتركه، وقرئ على وزن «فَعِيل»، وعلى وزن «فَيْعَل»؛ وكلُّها من معنى البؤس.
﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ﴾ أي: لما تكبَّروا عن ما نهوا عنه.
﴿قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ ذُكِر في «البقرة» (١).
والمعنى: أنهم عُذِّبوا أولًا بعذاب شديد، فعَتَوْا بذلك، فمُسِخوا قردة.
وقيل: ﴿فَلَمَّا عَتَوْا﴾ تكرارٌ لقوله: ﴿فَلَمَّا نَسُوا﴾، والعذاب البِييسُ: هو المسخ.
﴿تَأَذَّنَ رَبُّكَ﴾ عزَم؛ وهو من الإيذان بمعنى الإعلام.
﴿لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ﴾ الآية؛ أي: يسلِّط عليهم، ومن ذلك: أخذُ الجزية، وهوانهم في جميع البلاد.
﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: فرَّقناهم في البلاد، ففي كل بلدة فرقةٌ منهم، فليس لهم إقليم يملكونه.
стр. 1004
﴿مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ﴾ هم من أسلم؛ كعبد الله بن سلام، أو (١) من كان صالحا من المتقدمين منهم.
﴿بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ﴾ أي: بالنعم والنقم.
﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ أي: حدث بعدهم قوم سوء.
والخلف بسكون اللام: ذم، وبفتحها: مدح.
والمراد: من حدث من اليهود بعد المذكورين.
وقيل: المراد: النصارى.
﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى﴾ أي: عرض الدنيا.
﴿وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا﴾ ذلك اغترار منهم وكذب.
﴿وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾ الواو للحال؛ أي: يرجون المغفرة وهم يعودون إلى مثل فعلهم.
﴿مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ إشارة إلى كذبهم في قولهم: ﴿سَيُغْفَرُ لَنَا﴾.
وإعراب ﴿أَنْ لَا يَقُولُوا﴾:
عطف بيان على ﴿مِيثَاقُ الْكِتَابِ﴾.
أو تفسير له.
أو تكون «أن» حرف عبارةٍ وتفسير.
стр. 1005
﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ﴾ قرئ بالتشديد والتخفيف؛ وهما بمعنى واحدٍ.
وإعراب ﴿الَّذِينَ﴾:
عطفٌ على ﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾.
أو مبتدأٌ وخبره: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾؛ وقام ذِكْرُ المصلحين مقامَ الضمير؛ لأن المصلحين هم الذين يمسكون بالكتاب.
﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ﴾ أي: اقتلعْنَا الجبل ورفعناه فوق بني إسرائيل وقلنا لهم: خذوا التوراة حين أبوا من أَخْذِها.
وقد تقدَّم في «البقرة» تفسيرُ الظُّلَّةِ (١)، و ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ﴾ (٢).
* * *
стр. 1006
[﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (١٧٣) وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (١٧٤) وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (١٧٥) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (١٧٦) سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ (١٧٧) مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٧٨) وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩) وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠) وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٨١)﴾].
﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ الآية؛ في معناها قولان:
أحدهما: أن الله لما خلق آدم أخرج ذُرّيته من صلبه وهم مثل الذّرِّ، وأخذ عليهم العهد بأنه ربُّهم، فأقرُّوا بذلك والتزموه.
روي هذا المعنى عن النبي ﷺ من طرق كثيرة، وقال به جماعة من الصحابة وغيرهم.
والثاني: أن ذلك من باب التمثيل، وأن أخذ الذرية عبارة عن إيجادهم
стр. 1007
في الدنيا، وأما إشهادهم فمعناه: أن الله نصَب لبني آدم الأدلة على ربوبيته، وشهدت بها عقولهم، فكأنه أشهدهم على أنفسهم، وقال لهم: ألست بربكم وكأنهم قالوا (١) بلسان الحال: بلى أنت ربنا.
والأول هو الصحيح؛ لتواتر الأخبار به، إلَّا أن ألفاظ الآية لا تطابقه بظاهرها، فلذلك عَدَل عنه مَنْ قال بالقول الآخر، وإنما تُطابقه بتأويل؛ وذلك أن أخذ الذرية إنما كان من صلب آدم، ولفظ الآية يقتضي أن أخذ الذرية من بني آدم!.
والجمع بينهما: أنه ذَكَر بني آدم في الآية والمراد آدم؛ كقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ [الأعراف: ١١] الآية، على تأويل: لقد خلقنا أباكم آدم ثم صورناه.
وقال الزمخشري: إن المراد ببني آدم: أسلاف اليهود، والمراد بذريتهم: من كان في عصر النبي ﷺ منهم (٢).
والصحيح المشهور: أن المراد جميع بني آدم حسبما ذكرنا.
﴿قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ قولهم ﴿بَلَى﴾: إقرارٌ منهم بأن الله ربهم؛ فإن تقديره: أنت ربنا؛ فإن «بلى» بعد التقرير تقتضي الإثبات، بخلاف «نعم»؛ فإنها إذا وردت بعد الاستفهام تقتضي الإيجاب، وإذا وردت بعد التقرير تقتضي النفي، ولذلك قال ابن عباس في هذه الآية: لو قالوا: «نعم» لكفروا.
стр. 1008
وأما قولهم: ﴿شَهِدْنَا﴾ فمعناه: شهدنا بربوبيتك؛ فهو تحقيق لربوبية الله، وأداءٌ لشهادتهم بذلك عند الله.
وقيل: إن ﴿شَهِدْنَا﴾ من قول الله والملائكة؛ أي: شهدنا على بني آدم باعترافهم.
﴿أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ في موضع مفعول من أجله؛ أي: فَعَلْنَا ذلك كراهة أن تقولوا، فهو من قول الله، لا من قولهم.
وقرئ:
بالتاء؛ على الخطاب لبني آدم.
وبالياء؛ على الإخبار عنهم.
﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا﴾ قال ابن مسعود: هو رجل من بني إسرائيل، بعثه موسى ﵇ إلى ملك مَدْين داعيًا إلى الله، فرشاه الملك، وأعطاه المُلْك على أن يترك دين موسى ويتابع المَلِك على دينه ففعل، وأضلَّ الناس بذلك.
وقال ابن عباس: هو رجل من الكنعانيين اسمه بَلْعَام، كان عنده اسم الله الأعظم، فلما أراد موسى قتال الكنعانيين - وهم الجبارون - سألوا من بلعام أن يدعو باسم الله الأعظم على موسى وعسكره فأبى، فألَحُّوا عليه حتى دعا عليه (أن لا يدخل المدينة، ودعا موسى عليه) (١).
стр. 1009
فالآيات التي أُعطِيَها:
على هذا القول: هي اسم الله الأعظم.
وعلى قول ابن مسعود: هي ما علَّمه موسى من الشريعة.
وقيل: كان عنده من صحف إبراهيم.
وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: هو أمية بن أبي الصلت، وكان قد أوتي علمًا وحكمةً، وأراد أن يسلم قبل غزوة بدر، ثم رجع عن ذلك فمات كافرًا، وفيه قال النبي ﷺ : «كاد أميةُ بن أبي الصلت أن يسلم» (١).
فالآيات على هذا: ما كان عنده من العلم.
والانسلاخ: عبارةٌ عن البُعْد والانفصال منها، كالانسلاخ من الثياب والجلد.
﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا﴾ أي: لرفعنا منزلته بالآيات التي كانت عنده.
﴿وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾ عبارةٌ عن فعله لِما سقطتْ به منزلته عند الله.
﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ﴾ أي: صِفَتُه كصفة الكلب؛ وذلك غايةٌ في الخسَّة والرداءة (٢).
﴿إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث﴾ اللَّهَثُ: هو تنفُّسٌ بسرعة، وتحريك أعضاء الفم وخروج اللسان، وأكثر ما يعتري ذلك الحيوانات
стр. 1010
مع الحرِّ والتعب، وهي حالةٌ دائمة للكلب.
ومعنى ﴿إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ﴾: إن تفعل معه ما يشقُّ عليه من طردٍ أو غيره، ﴿أَوْ تَتْرُكْهُ﴾ دون أن تحمل عليه: فهو يلهث على كل حال.
ووجه تشبيه ذلك الرجل به:
أنه إن وعظته فهو ضالٌّ، وإن لم تعظه فهو ضالٌّ، فضلالته على كل حال؛ كما أن لهث الكلب على كل حال.
وقيل: إن ذلك الرجل خَرج لسانه على صدره، فصار مثل الكلب في صورته ولهثه حقيقةً.
﴿ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ أي: صفة المكذبين كصفة الكلب في لهثه، أو كصفة الرجل المشبَّه به؛ لأنهم إن أُنذروا لم يهتدوا، وإن تُرِكوا لم يهتدوا.
أو شبَّههم بالرجل في أنهم رأوا الآيات والمعجزات فلم تنفعهم، كما أن الرجل لم ينفعه ما كان عنده من الآيات.
﴿سَاءَ مَثَلًا﴾ أي: مثلُ القوم.
﴿وَأَنفُسَهُمْ﴾ قدَّم هذا المفعول؛ للاختصاص والحصر.
﴿كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ﴾ هم الذين عَلِم اللهُ أنهم يدخلون النار بكفرهم، فأخبر أنه خلقهم لذلك، كما جاء في قوله: «هؤلاء إلى الجَنَّةِ ولا أُبالي، وهؤلاء إلى النَّارِ ولا أُبالي» (١).
стр. 1011
﴿لَا يُبْصِرُونَ بِهَا﴾ ليس المعنى نفي الفهم والسمع والبصر جملةً؛ وإنما المعنى: نفيُها عما ينفع في الدين.
﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ قال رسول الله ﷺ : «إن لله تسعة وتسعين اسمًا، من أحصاها دخل الجنة» (١).
وسبب نزول الآية: أن أبا جهل سمع بعض الصحابة يقرأ، فيذكر الله مرةً، والرحمن أخرى، فقال: يزعم محمد أنَّ الإله واحد وها هو يعبد آلهة كثيرة؛ فنزلت الآية مبينةً أن تلك الأسماء الكثيرة هي لمسمًى واحدٍ.
و ﴿الْحُسْنَى﴾ مصدر وُصِف به، أو تأنيث «أحسن».
وحُسْنُ أسماء الله: هي أنها صفات مدحٍ وتعظيم وتمجيد (٢).
﴿فَادْعُوهُ بِهَا﴾ أي: سمُّوه بأسمائه، وهذا إباحةٌ لإطلاق الأسماء على الله (٣) تعالى:
فأمَّا ما ورد منها في القرآن أو في الحديث: فيجوز إطلاقه على الله إجماعًا.
وأمَّا ما لم يرد، وفيه مدحٌ لا تتعلَّق به شبهة:
فأجاز أبو بكر ابن الطيب إطلاقه على الله.
ومنع ذلك أبو الحسن الأشعري وغيره، ورأوا أن أسماء الله موقوفةٌ على
стр. 1012
ما ورد في القرآن والحديث.
وقد ورد في «كتاب الترمذي» عِدَّتها؛ أعني: تعيين التسعة والتسعين (١)، واختلف المحدثون هل تلك الأسماء المعدودة فيه مرفوعة إلى النبي ﷺ أو موقوفة على أبي هريرة؟.
وإنما الذي ورد في الصحيح كونُها تسعةً وتسعين من غير تعيين.
﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ قيل: معنى «ذروا»: اتركوهم لا تحاجُّوهم ولا تتعرضوا لهم؛ فالآية -على هذا- منسوخة بالقتال.
وقيل: معنى «ذروا»: الوعيد والتهديد؛ كقوله: ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ﴾ [المزمل: ١١]، وهو الأظهر؛ لما بعده.
وإلحادهم في أسماء الله:
هو ما قال أبو جهل، فنزلت الآية بسببه.
وقيل: تسميته بما لا يليق به.
وقيل: تسمية الأصنام باسمه، كاشتقاقهم اللَّات من الله، والعُزَّى من العزيز.
﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ﴾ الآية؛ روي أن النبي ﷺ قال: «هذه الآية لكم، وقد تقدَّم مثلُها لقوم موسى» (٢).
ويحتمل أن يكون قوله: ﴿مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾:
معمولا لقوله: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا﴾ فيوصل به، والمعنى: أو لم يتفكروا فيعلموا أنه ما بصاحبهم من جنة.
ويحتمل أن يكون الكلام قد تم في قوله: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا﴾، ثم ابتدأ إخبارا مستأنفا بقوله: ﴿مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾.
والأول أحسن.
﴿أَوَلَمْ يَنظُرُوا﴾ يعني: نظر استدلال.
﴿وَمَا خَلَقَ اللَّهُ﴾ عطف على الملكوت.
ويعني بقوله: ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾: جميع المخلوقات؛ إذ جميعها دليل على وحدانية خالقها.
﴿وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ﴾ «أن» الأولى: مخففة من الثقيلة، وهي عطف على الملكوت.
و «أن» الثانية: مصدرية؛ في موضع رفع بـ ﴿عَسَى﴾.
و ﴿أَجَلُهُمْ﴾ يعني: موتهم.
والمعنى: لعلهم يموتون عن قريب، فينبغي لهم أن يسارعوا إلى النظر فيما يخلصهم عند الله قبل حلول الأجل.
﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ﴾ الضمير للقرآن.
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ﴾ السائلون: اليهود، أو قريش.
وسميت القيامة ساعة؛ لسرعة حسابها؛ كقوله: ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ
стр. 1015
إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ﴾ [النحل: ٧٧].
﴿أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ معنى ﴿أَيَّانَ﴾: متى.
و ﴿مُرْسَاهَا﴾: وقوعها وحدوثها، وهي من الإرساء؛ بمعنى الثبوت.
﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي﴾ أي: استأثر الله بعلم وقت وقوعها، ولم يطلع عليه أحد.
﴿لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ معنى ﴿يُجَلِّيهَا﴾: يُظهِرها؛ فهو من الجلاء ضد الخفاء.
واللام في ﴿لِوَقْتِهَا﴾ ظرفية؛ أي: عند وقتها.
والمعنى: لا يُظهِر الساعة عند مجيء وقتها إِلَّا الله.
﴿ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ في معناه ثلاثة أقوال:
الأول: ثقلت على أهل السموات والأرض؛ لهيبتها عندهم، وخوفهم منها.
والثاني: ثقلت على (١) السموات والأرض أنفسها؛ لتفطر السماء فيها، وتبديل الأرض.
والثالث: معنى ﴿ثَقُلَتْ﴾: ثقل علمها؛ أي: خفي.
﴿يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾ الحفي بالشيء: هو المُهتبِلُ به المعتني به.
стр. 1016
والمعنى: يسألونك عنها كأنك حفي بعلمها.
وقيل المعنى: يسألونك عنها كأنك حفي بهم؛ لقرابتك منهم.
فـ ﴿عَنْهَا﴾ -على هذين القولين- يتعلق بـ ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾.
وقيل المعنى: يسألونك كأنك حفي بالسؤال عنها.
﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾ براءة من علم الغيب، واستدلال على عدم علمه.
﴿وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ عطف على: ﴿لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾؛ أي: لو علمت الغيب لاستكثرت من الخير، واحترست من السوء (١)، ولكن لا أعلمه؛ فيصيبني ما قدر لي من الخير والشر.
وقيل: إن قوله: ﴿وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ استئناف إخبار؛ والسوء -على هذا-: هو الجنون.
واتصاله بما قبله أحسن.
﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ يجوز أن يتعلق بـ ﴿نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾ معا؛ أي: أبشر المؤمنين وأنذرهم.
وخص بهم البشارة والنذارة؛ لأنهم الذين ينتفعون بهما.
ويجوز أن يتعلق بالبشارة وحدها، ويكون المتعلق بـ ﴿نَذِيرٌ﴾ محذوف؛ أي: نذير للكافرين.
والأول أحسن.
وقيل: قامت وقعدت.
﴿فَلَمَّا أَثْقَلَتْ﴾ أي: ثَقُلَ حملُها وصارت به ثقيلةً.
﴿لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا﴾ أي: ولدًا صالحًا سالمًا في بدنه.
﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ أي: لما آتاهما ولدًا صالحًا كما طلبا: جعل أولادهما له شركاء.
فالكلام على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، وكذلك: ﴿فِيمَا آتَاهُمَا﴾؛ أي: فيما آتى أولادهما وذريَّتهما.
وقيل: إن حواء لما حملت جاءها إبليس فقال لها: إن أطعتني وسمَّيت ما في بطنك عبد الحارث فسأخلِّصه لك - وكان اسم إبليس الحارث -، وإن عصيتني في ذلك قتلته. فأخبرتْ بذلك آدم، فقال لها: إنه عدوُّنا الذي أخرجنا من الجنة، فلما ولدت مات الولد، ثم حملت مرة أخرى فقال لها إبليس مثل ذلك، فعصته فمات الولد، ثم حملت مرة ثالثة فسمَّياه عبد الحارث؛ طمعًا في حياته.
فقوله: ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ أي: في التسمية لا غير، لا في عبادة غير الله.
والقول الأول أصحُّ؛ لثلاثة أوجه:
أحدها: أنه يقتضي براءةَ آدم وزوجه من قليل الشرك وكثيره، وذلك هو حال الأنبياء ﵈.
стр. 1019
والثاني: أنه يدل على أن الذين أشركوا هم أولاد آدم وذريته: قوله (١) تعالى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ بضمير الجمع.
والثالث: أن ما ذكروا من قصة آدم وتسمية الولد عبد الحارث يفتقر إلى نقل بسند صحيح، وهو غير موجود في تلك القصة.
وقيل: ﴿مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾: هو قصي بن كلاب وزوجته، و ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ﴾ أي: سميا أولادهما عبد العزى وعبد الدار وعبد مناف.
وهذا القول بعيد؛ لوجهين:
أحدهما: أن الخطاب - على هذا - خاص بذرية قصي من قريش، والظاهر أن الخطاب عام لبني آدم.
والآخر: قوله: ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾، فإن هذا يصح في حواء؛ لأنها خلقت من ضلع آدم، ولا يصح في زوجة قصي.
﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١)﴾ هذه الآية رد على المشركين من بني آدم.
والمراد بقوله: ﴿مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا﴾: الأصنام وغيرها مما عبد من دون الله.
والمعنى: أنها مخلوقة غير خالقة، والله تعالى خالق غير مخلوق؛ فهو الإله وحده.
﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٢)﴾ المعنى: أن الأصنام لا ينصرون من عبدهم، ولا ينصرون أنفسهم؛ فهم في غاية العجز والذلة،
стр. 1020
فكيف يكونون آلهة؟!.
﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ﴾ المعنى: أن الأصنام لا تجيب إذا دعيت إلى أن تهتدي، أو إلى أن تهدي (١)؛ لأنها جمادات.
﴿سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنتُمْ صَامِتُونَ﴾ تأكيد وبيان لما قبلها.
فإن قيل: لم قال: ﴿أَمْ أَنتُمْ صَامِتُونَ﴾؛ فوضع الجملة الاسمية موضع الجملة الفعلية؟ وهلّا قال: أو صمتم؟.
فالجواب: أنَّ صمْتهم عن دعاء الأصنام كانت حالةً مستمرة، فعبَّر عنها بجملة اسمية؛ لتقتضي الاستمرار على ذلك.
﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ ردٌّ على المشركين؛ فإن آلهتهم عبادٌ، فكيف يُعبد العبدُ مع ربِّه؟!.
﴿فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا﴾ أمرٌ على جهة التعجيز.
﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا﴾ وما بعده؛ معناه: أن الأصنام جمادات عادمة للحسِّ والجوارح والحياة، وما كان كذلك لا يكون إلهًا؛ فإنَّ من وصف الإله: الإدراك والحياة والقدرة.
وإنما جاء هذا البرهان بلفظ الاستفهام؛ لأن المشركين مقرُّون أن أصنامهم لا تمشي ولا تبطش ولا تُبصر ولا تسمع؛ فلزمتهم الحجة.
والهمزة في قوله: ﴿أَلَهُمْ﴾ للاستفهام مع التوبيخ.