ومن قرأ بالاستفهام فيهما: فذلك للتأكيد.
﴿وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾ يحتمل:
أن يريد الأغلال في الآخرة، فيكون حقيقة.
أو يريد أنهم ممنوعون من الإيمان، كقوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا﴾ [يس: ٨]، فيكون مجازًا يجري مجرى الطبع والختم على القلوب.
﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾ أي: بالنقمة قبل العافية، والمعنى: أنهم طلبوا العذاب على وجه الاستخفاف.
﴿وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ﴾ جمع مُثْلَةٍ على وزن «سَمُرَةٍ»، وهي العقوبة العظيمة التي تجعل الإنسان مَثَلًا، والمعنى: كيف يطلبون العذاب وقد أصابت العقوباتُ الأممَ الذين كانوا قبلهم؟ أفلا يخافون مثل ذلك؟.
﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾ يريد: ستره وإمهاله في الدنيا للكفار والعصاة.
وقيل: يريد مغفرته لمن تاب.
والأول أظهر هنا.
﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية؛ اقترحوا نزول آية على النبي ﷺ ، من نزول مَلَك معه أو شبه ذلك، ولم يعتبروا بالقرآن ولا بغيره من الآيات العظام التي جاء بها، وذلك منهم معاندةٌ.
﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرٌ﴾ أي: إنما عليك إنذارُهم، وليس عليك أن تأتيهم بآية، إنما ذلك إلى الله.
стр. 1262
﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: أن يراد بالهادي اللهُ تعالى، فالمعنى: إنما عليك الإنذار والله هو الهادي لمن يشاء إذا شاء.
والوجه الثاني: أن يريد بالهادي النبي ﷺ ، فالمعنى: إنما أنت نبي منذر، ولكل قوم هادٍ من الأنبياء ينذرهم، فليس أمرك بِبِدْعٍ ولا مستنكر.
الثالث: رُوي أنها لما نزلت قال رسول الله ﷺ : «أنا المنذر، وأنت يا عليُّ الهادي» (١).
﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ﴾ معنى ﴿تَغِيضُ﴾: تنقص، ومعنى ﴿تَزْدَادُ﴾: من الزيادة.
وقيل: إن الإشارة لدم الحيض (١)؛ فإنه يقلُّ ويكثر.
وقيل: للولد، فالغيض: السَّقَط، أو الولادة لأقل من تسعة أشهر، والزيادة: إبقاؤه أكثر من تسعة أشهر.
ويحتمل أن تكون «ما» في قوله: ﴿مَا تَحْمِلُ﴾، ﴿وَمَا تَغِيضُ﴾، ﴿وَمَا تَزْدَادُ﴾:
موصولةً.
أو مصدريةً.
﴿سَوَاءٌ مِنكُم مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ﴾ المعنى: إن الله يسمع كل شيء، فالجهر والإسرار عنده سواء.
وفي هذا وما بعده تقسيم، وهو من أدوات البيان؛ فإنه ذكر أربعة أقسام، وفيه أيضًا مطابقة.
﴿وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ المعنى: سواء عند الله المستخفي بالليل وهو في غاية الاختفاء، مع السَّارب بالنهار، وهو في غاية الظهور.
ومعنى السارب: المتصرِّف في سَرْبِه -بالفتح-؛ أي: في طريقه ووجهه.
والسارب والمستخفي اثنان، قصد التسوية بينهما في اطلاع الله عليهما، مع تباين حالهما.
стр. 1265
وقيل: إن المستخفي بالليل والسارب بالنهار صفتان لموصوف واحد، يستخفي بالليل، ويظهر بالنهار، ويعضد هذا كونهُ قال: ﴿وَسَارِبٌ﴾، فعطفه عطفَ الصفات، ولم يقل: «ومن هو سارب» بتكرار «مَنْ» كما قال: ﴿مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ﴾.
إلا أنَّ جَعْلهما اثنين أرجح؛ ليقابل ﴿مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ﴾، فيكمل التقسيم إلى أربعة على هذا، ويكون قوله: ﴿وَسَارِبٌ﴾ عطفًا على الجملة وهي قوله: ﴿وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ﴾، لا على ﴿مُسْتَخْفٍ﴾ وحده.
﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ﴾ المعقبات هنا: جماعة الملائكة، وسميت معقبات؛ لأن بعضهم يعقب بعضًا، والضمير في ﴿لَهُ﴾ يعود على «من» المتقدّمة، كأنه قال: لمن أسر ولمن جهر ولمن استخفى ولمن ظهر معقباتٌ.
وقيل: يعود على الله، وهو قول ضعيف؛ لأن الضمائر التي بعده تعود على العبد باتفاق.
﴿يَحْفَظُونَهُ﴾ صفة للمعقبات، وهذا الحفظ يحتمل أن يراد به:
حفظ أعماله.
أو حفظه وحراسته من الآفات.
﴿مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ صفة للمعقبات؛ أي: معقباتٌ مِنْ أجل أمر الله؛ إذْ أمَرَهم بحفظه، وقرئ: «بأمر الله»، وهذه القراءة تعضد ذلك، ولا يتعلَّق ﴿مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ على هذا بـ ﴿يَحْفَظُونَهُ﴾.
وقيل: يتعلَّق به؛ على أنهم يحفظونه مِنْ عقوبة الله إذا أذنب؛ بدعائهم له واستغفارهم.
стр. 1266
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ المعنى: إن الله لا يغير ما بقوم من العافية والنعم حتى يغيروا هم ما بأنفسهم بالمعاصي، فيقتضي ذلك: أن الله لا يسلب النعم، ولا يُنزل النقم إلَّا بالذنوب.
﴿يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ الخوف يكون من البرق من الصواعق والأمور الهائلة، والطمع في المطر الذي يكون معه.
﴿السَّحَابَ الثِّقَالَ﴾ وصفها بالنُّقْلِ؛ لأنها تحمل الماء.
﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ﴾ الرعد: اسم ملك، وصوته المسموع تسبيح.
وقد جاء في الأثر: أن صوته زجرٌ للسحاب (١)، فعلى هذا يكون تسبيحه غير ذلك.
﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ﴾ قيل: إنها إشارة إلى الصاعقة التي نزلت على أَرْبَدَ الكافر وقتلته، حين همَّ بقتل النبي ﷺ هو وأخوه عامر بن الطفيل.
واللفظ أعم من ذلك.
﴿وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ﴾ يعني: الكفار، والواو: للاستئناف، أو للحال.
﴿شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ أي: شديد القوة، والمحال: مشتق من الحِيلة، فالميم زائدة، ووزنه مِفْعَل.
وقيل: معناه: شديد المكر؛ من قولك: مَحَلَ بالرجل: إذا مكر به، فالميم على هذا أصلية، ووزنه فِعال، وتأويل المكر على هذا القول كتأويله
стр. 1267
في المواضع التي ورد (١) في القرآن (٢).
﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾ قيل: هي لا إله إلا الله، والمعنى: أن دعوة العباد بالحق لله، ودعوتهم بالباطل لغيره.
﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ﴾ يعني بـ ﴿وَالَّذِينَ﴾: ما عُبِد من دون الله من الأصنام وغيرهم، والضمير في ﴿يَدْعُونَ﴾ للكفار.
والمعنى: أن المعبودين لا يستجيبون لمن عبدهم.
﴿إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ﴾ شبَّه إجابة الأصنام لمن عبدهم بإجابة الماء لمن بسط إليه كفَّيه، وأشار إليه بالإقبال إلى فيه، ولا يبلغ فمَه على هذا أبدًا؛ لأن الماء جمادٌ لا يعقل المراد، فكذلك الأصنام.
والضمير في قوله: ﴿وَمَا هُوَ﴾ للماء، وفي ﴿بِبَالِغِهِ﴾ للفم.
﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ «مَنْ» لا تقع إلَّا على من يعقل، فهي هنا يراد بها: الملائكة والإنس والجن.
فإن جعلنا السجود بمعنى الانقياد لأمر الله وقضائه؛ فهو عامٌّ في الجميع، من شاء منهم، ومن أبى، ويكون ﴿طَوْعًا﴾ لمن أسلم، و ﴿وَكَرْهًا﴾ لمن كره وسخط.
стр. 1268
وإن جعلنا السجود هو المعروف بالجسد، فيكون سجود الملائكة والمؤمنين من الإنس والجن طوعًا، وأما الكره؛ فهو سجود المنافق، أو (١) سجود ظل الكافر.
﴿وَظِلَالُهُم﴾ معطوف على ﴿مَنْ﴾، والمعنى: أن الظلال تسجد غدوةً وعشية، وسجودها: انقيادها للتصرُّف بمشيئة الله .
وقيل: سجودها: فيئها بالعشي.
﴿قُلِ اللَّهُ﴾ جواب عن السؤال المتقدِّم، وهو ﴿مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، وإنما جاء الجواب والسؤال من جهة واحدة؛ لأنه أمرٌ واضحٌ لا يمكن جحده ولا المخالفة فيه، ولذلك أقام به الحجة على المشركين بقوله:
﴿أَفَاتَّخَذْتُم مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾.
﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ الأعمى تمثيل للكافر، والبصير تمثيل للمؤمن، و ﴿الظُّلُمَاتُ﴾ الكفر، و ﴿وَالنُّورُ﴾ الإيمان، وذلك كله على وجه التشبيه والتمثيل.
﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ﴾ ﴿أَمْ﴾ هنا بمعنى "بل" والهمزة، و ﴿خَلَقُوا﴾ صفة لـ ﴿شُرَكَاءَ﴾، والمعنى: أن الله وَقَفَهُم هل خلق شركاؤهم خلقًا كخلق الله فحملهم ذلك واشتباهه بما خلق الله على أن جعلوا إلهًا غير الله؟، ثم أبطل ذلك بقوله: ﴿قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ فحصل الردُّ عليهم.
стр. 1269
﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ الآية؛ هذا مثلٌ ضربه الله للحق وأهله، والباطل وحزبه، فمثَّل الحق وأهله:
بالماء الذي ينزل من السماء فتسيل به الأودية، وتنتفع به الأرض.
وبالذهب والفضة والحديد والصُّفْرِ وغيرها من المعادن التي ينتفع بها الناس.
وشبَّه الباطل في سرعة اضمحلاله وزواله:
بالزبد الذي يرمي به السيل.
وبزبد تلك المعادن التي يطفو فوقها إذا أُذيبت، وليس في الزبد منفعةٌ، وليس له دوام.
﴿بِقَدَرِهَا﴾ يحتمل أن يريد:
ما قُدِّر لها من الماء.
ويحتمل أن يريد بقَدْر ما تحتمله، على قَدْر صغرها وكبرها.
﴿زَبَدًا رَابِيًا﴾ الزَّبَدُ: ما يحمله السيل من غُثَاءٍ ونحوه، والرَّابي: المنتفخ الذي ربا، ومنه الربوة.
﴿وَمِمَّا تُوقِدُونَ﴾ المجرور في موضع خبر مقدم، والمبتدأ ﴿زَبَدٌ مِثْلُهُ﴾؛ أي: ينشأ من الأشياء التي يوقَد عليها زبدٌ مثل زبد السيل.
﴿ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ﴾ الذي يُوقَد عليه ابتغاء الحَلْيِ: هو الذهب والفضة، والذي يوقد عليه ابتغاء متاع: هو الحديد والرصاص والنحاس والصُّفر وشبه ذلك.
стр. 1270
ومعنى المتاع: ما يَستمتع الناس به في مرافقهم وحوائجهم.
﴿يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ﴾ أي: يضرب أمثال الحق والباطل.
﴿جُفَاءً﴾ يَجفُوه السيل؛ أي: يرمي به.
﴿وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ يريد: الخالص من الماء، ومن تلك الأحجار.
﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى﴾ الذين استجابوا: هم المؤمنون، وهذا استئناف كلام، والحسنى: الجنة، وإعرابها: مبتدأ، وخبرها: ﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا﴾.
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا﴾ مبتدأ، وخبره: ﴿لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ﴾ الآية، فيوقف على ﴿الْأَمْثَالَ﴾، وعلى ﴿الْحُسْنَى﴾.
وقيل: ﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا﴾ يتعلق بـ ﴿يَضْرِبُ﴾، و ﴿الْحُسْنَى﴾ مصدر من معنى ﴿اسْتَجَابُوا﴾؛ أي: استجابوا الاستجابة الحسنى، ﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا﴾ معطوف على ﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا﴾، والمعنى: يضرب الله الأمثال للطائفتين، وعلى هذا إنما يوقف على: ﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ﴾.
﴿سُوءُ الْحِسَابِ﴾ أي: المناقشة والاستقصاء.
стр. 1271
[﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٩) الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ (٢٠) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ (٢١) وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (٢٢) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (٢٤) وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٢٥) اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ (٢٦)﴾]
﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ﴾ تقريرٌ، والمعنى: أسواء من آمن ومن لم يؤمن؟.
والأعمى هنا: من لم يؤمن بالنبي ﷺ .
وقيل: إنها نزلت في حمزة بن عبد المطلب ﵁، وأبي جهل لعنه الله.
﴿يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ القرابات وغيرها.
﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ قيل: يدفعون الشرك بقول: لا إله إلا الله.
وقيل: يدفعون من أساء إليهم بالتي هي أحسن.
والأظهر: يفعلون الحسنات؛ فيدرؤون بها السيئات، كقوله: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤].
وقيل: إن هذه الآية نزلت في الأنصار، ثم هي عامة في كل مؤمن اتصف بهذه الصفات.
стр. 1272
﴿عُقْبَى الدَّارِ﴾ يعني: الجنة، ويحتمل أن يريد بالدار: الآخرة، وأضاف العقبى إليها؛ لأنها فيها.
ويحتمل أن يريد بالدار: الدنيا، وأضاف العقبى إليها؛ لأنها عاقبتها.
﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ بدل من ﴿عُقْبَى الدَّارِ﴾.
أو خبر ابتداء مضمر؛ تفسيرًا لـ ﴿عُقْبَى الدَّارِ﴾.
﴿وَمَنْ صَلَحَ﴾ أي: من كان صالحًا.
﴿سَلَامٌ عَلَيْكُم﴾ أي: يقولون لهم: سلام عليكم.
﴿بِمَا صَبَرْتُمْ﴾ يتعلق بمحذوف تقديره: هذا بما صبرتم.
ويجوز أن يتعلق بـ ﴿سَلَامٌ﴾؛ أي: نسلم (١) عليكم بما صبرتم.
﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ﴾ إلى آخر الآية؛ أوصافٌ مضادةٌ لما تقدّم.
وقيل: إنها في الخوارج، والأظهر: أنها في الكفار.
﴿سُوءُ الدَّارِ﴾ يحتمل أن يراد بها: الدنيا، أو الآخرة (٢).
﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ أي: يوسع على من يشاء، ويضيق على من يشاء، وهذا تفسيره حيث وقع.
﴿وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ إخبارٌ في ضمنه ذمٌّ وتسفيهٌ لمن فرح بالدنيا، ولذلك حقرها بقوله: ﴿إِلَّا مَتَاعٌ﴾؛ أي: قليلٌ بالنظر إلى الآخرة.
стр. 1273
[﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ (٢٧) الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨) الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (٢٩) كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ (٣٠) وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (٣١)﴾].
﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ﴾ خرج به مخرج التعجب منهم لما طلبوا آية، أي: قد جاءكم محمد ﷺ بالقرآن وبآيات كثيرة فعميتم عنها، وطلبتم غيرها، تماديتم على الكفر؛ لأن الله يضل من يشاء مع ظهور الآيات، وقد يهدي من يشاء دون ذلك.
﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ بدل من ﴿مَنْ أَنَابَ﴾، أو خبر ابتداء مضمر.
و ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ بدل ثانٍ، أو مبتدأ.
﴿طُوبَى﴾ مصدر من: طاب، كبُشرى، ومعناها: أصبت خيرًا وطيبًا.
وقيل: هي شجرة في الجنة.
وإعرابها: مبتدأ.
﴿كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ﴾ الكاف تتعلق بالمعنى الذي في قوله: ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ﴾.
стр. 1274
﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ قيل: إنها نزلت في أبي جهل.
وقيل: نزلت في قريش حين عاهدهم رسول الله ﷺ عام الحديبية، فكتب الكاتب: بسم الله الرحمن الرحيم، فقال قائلهم: نحن لا نعرف الرحمن، وهذا ضعيف؛ لأن الآية نزلت قبل ذلك، ولأن تلك القصة إنما أنكروا فيها التسمية فقط.
ومعنى الآية: أنهم يكفرون بالله مع تلاوة القرآن عليهم.
﴿مَتَابِ﴾ مَفْعَل من التوبة، وهو اسم مصدر.
﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ﴾ الآية؛ جواب «لو» محذوف تقديره: لو أن قرآنا على هذه الصفة مِنْ تسيير الجبال به، وتقطيع الأرض، وتكليم الموتى؛ لم يؤمنوا به، فالمعنى كقوله: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ﴾ [يونس: ٩٦ - ٩٧].
وقيل: تقديره: لو أن قرآنا على هذه الصفة لكان هذا القرآن الذي هو غاية في التذكير، ونهاية في الإنذار، كقوله: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا﴾ [الحشر: ٢١].
وقيل: هو متعلق بما قبله، والمعنى: وهم يكفرون بالرحمن ولو أن قرآنا سيرت به الجبال.
﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ﴾ معناه: أفلم يعلم، وهي لغة هوازن، وقرئ: «أو لم يتبين».
﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني: كفار قريش والعرب.
стр. 1275
﴿قَارِعَةٌ﴾ يعني: مصيبةٌ في أنفسهم وأولادهم وأموالهم، أو غزوات المسلمين إليهم.
﴿أَوْ تَحُلُّ﴾ الفاعل ضمير القارعة، والمعنى: إما أن تصيبهم، وإما أن تقرب منهم.
وقيل: التاء للخطاب، والفاعل ضمير المخاطب؛ وهو النبي ﷺ .
والأول أظهر.
﴿حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ﴾ هو فتح مكة.
وقيل: قيام الساعة.
стр. 1276
[﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ (٣٢) أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٣) لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (٣٤) مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ (٣٥) وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ (٣٦) وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ (٣٧)﴾].
﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ﴾ الآية؛ مقصدها: تأنيس وتسلية للنبي ﷺ ، وهكذا حيث وقع.
﴿فَأَمْلَيْتُ﴾ أي: أمهلتهم.
﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ هو الله تعالى؛ أي: حفيظ رقيب على عمل كل أحد.
والخبر محذوف تقديره: «أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت أحقُّ أن يعبد أم غيره؟»، ويدلُّ على ذلك قوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ﴾.
﴿قُلْ سَمُّوهُمْ﴾ أي: اذكروا أسماءهم.
﴿أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ﴾ المعنى: أن الله لا يعلم لنفسه شركاء، وإذا لم يعلمهم هو فليسوا بشيء، فكيف تفترون الكذب في عبادتهم،
стр. 1277
وتعبدون الباطل؟، وذلك كقولك: قل لي من زيد؟، أم هو أقلُّ من أن يعرف؛ فهو كالعدم.
﴿أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ﴾ المعنى: أتسمونهم شركاء بظاهر اللفظ من غير أن يكون لذلك حقيقة؟، كقوله: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم﴾ [النجم: ٢٣].
﴿لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ يعني: بالقتل والأسر والخوف وغير ذلك.
﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ﴾ هنا وفي «القتال»: أي: صفتُها، وليس بضرب مثلٍ لها. والخبر:
عند سيبويه: محذوف مقدم تقديره: فيما يتلى عليكم: صفةُ الجنة.
وقال الفرَّاء: الخبر مؤخَّر، وهو: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾.
﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ﴾ يعني: ما يؤكل فيها من الثمرات وغيرها، والأكل - بضم الهمزة -: المأكول، ويجوز فيه ضم الكاف وإسكانها، والأكل - بفتح الهمزة -: المصدر.
﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ يعني: من أسلم من اليهود والنصارى، كعبد الله بن سلّام والنجاشي وأصحابه.
وقيل: يعني: المؤمنين، و ﴿الْكِتَابَ﴾ على هذا: القرآن.
﴿وَمِنَ الْأَحْزَابِ﴾ قيل: هم بنو أمية، وبنو المغيرة من قريش.
والأظهر: أنها في سائر كفار العرب.
стр. 1278
وقيل: هم اليهود والنصارى؛ لأنهم لا ينكرون القِصاص والأشياء التي في كتبهم، وإنما ينكرون البعض مما لا يعرفونه أو مما حرَّفوه.
﴿قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ﴾ وجه اتصاله بما قبله: أنه جوابٌ للمنكرين، وردٌّ عليهم، كأنه قال: إنما أمرت بعبادة الله وتوحيده، فكيف تنكرون هذا؟.
﴿مَآبِ﴾ مَفْعَل من الأَوْب؛ وهو الرجوع، أي: مرجعي في الآخرة، أو مرجعي بالتوبة.
стр. 1279
[﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ (٣٨) يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩) وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ (٤٠) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٤١) وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ (٤٢) وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ (٤٣)﴾].
﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ ردٌّ على من أنكر أن يكون الرسول من البشر، أو يحتاج إلى ما يحتاج إليه البشر من النساء والذرية، فالمعنى: لستَ بِبِدْعٍ في ذلك، بل أنت كمن تقدَّم من الرسل.
﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ردٌّ على الذين اقترحوا الآيات.
﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾ قال الفراء: لكل كتاب أجلٌ بالعكس.
وهذا لا يلزم، بل المعنى صحيح من غير عكس، أي: لكل أجل كتاب كتبه الله في اللوح المحفوظ.
﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ قيل: يعني ينسخ ما يشاء من القرآن والأحكام، ويُثبت منها ما يشاء.
وقيل: هي في آجال بني آدم، وذلك أن الله تعالى في ليلة القدر -وقيل: في ليلة النصف من شعبان- يكتب آجال من يموت في ذلك العام، فيُمحَى (١)
стр. 1280
من ديوان الأحياء، ويُثبت من لا يموت في ذلك العام.
وقيل: إن المحو والإثبات على العموم في جميع الأشياء.
وهذا تردُّه القاعدة المتقررة: أن القضاء لا يتبدَّل، وأن علم الله لا يتغير، فقال بعضهم: المحو والإثبات في كل شيء إلا في السعادة والشقاوة الأخراوية، والآجال.
﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ أصلُ كلِّ كتاب، وهو اللوح المحفوظ الذي كتب الله فيه مقادير الأشياء كلها.
﴿وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ﴾ «إن» شرط دخلت عليها «ما» المؤكدة، وجوابها: ﴿فَإِنَّمَا﴾.
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ الإتيان هنا: بالقدرة والأمر، والأرض: أرض الكفار، ونقصها: هو بما يفتح (١) الله للمسلمين منها، والمعنى: أو لم يروا ذلك فيخافوا أن نمكِّنك منهم.
وقيل: الأرض: جنس، ونقصها: بموت الناس، وهلاك الثمرات، وخراب البلاد، وشبه ذلك.
﴿لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ المعقِّب: الذي يكرُّ على الشيء فيبطله.
﴿فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا﴾ تسمية للعقوبة باسم الذنب (٢).
стр. 1281
﴿وَسَيَعْلَمُ الْكَافِرُ﴾ تهديدٌ، والمراد بالكافر: الجنس؛ بدليل قراءة ﴿الْكُفَّارُ﴾ بالجمع.
و ﴿عُقْبَى الدَّارِ﴾: الدنيا، أو (١) الآخرة.
﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ أمره الله أن يستشهد الله على صحة نبوته.
وشهادة الله له هي: علمه بذلك، أو (٢) إظهاره الآيات الدالَّة على ذلك.
﴿وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ معطوفٌ على اسم الله؛ على وجه الاستشهاد به.
فقيل: المراد عبد الله بن سلَام ومَن أسلم من اليهود والنصارى الذين يعلَمون صفته ﷺ من التوراة والإنجيل.
وقيل: المراد: المؤمنون الذين يعلمون علم القرآن ودلالته على النبوَّة.
وقيل: المراد: الله تعالى؛ فهو الذي عنده علم الكتاب، ويَضْعُف هذا، لأنه عطفُ صفةٍ على موصوف، ويقويه قراءة: «ومن عِندِه» بـ «من» الجارة وخفض «عنده».
﴿اللَّهِ﴾ قرئ بالرفع: وهو مبتدأ، أو خبر مبتدإٍ مضمرٍ.
وبالخفض: بدل.
﴿يَسْتَحِبُّونَ﴾ أي: يؤثرون.
﴿وَيَبْغُونَهَا﴾ قد ذُكر (١).
﴿بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ أي: بلغتهم وكلامهم.
﴿أَنْ أَخْرِجْ﴾ «أن» مفسّرة، أو مصدرية على تقدير: بأن.
﴿وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ أي: عقوبته للأمم المتقدمة.
وقيل: إنعامه على بني إسرائيل.
واللفظ يعمُّ النعم والنقم.
وعبَّر عنها بالأيام؛ لأنها كانت في أيام، وفي ذلك تعظيمٌ لها، كقولهم: يوم كذا ويوم كذا.
﴿وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ﴾ ذُكر هنا بالواو؛ ليدلَّ على أن سوء العذاب:
غيرُ الذبح.
أو أعمُّ من ذلك، ثم جرَّد الذبح، كقوله: ﴿وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: ٩٨].
وذُكر في «البقرة» بغير واو؛ تفسيرًا للعذاب.
كفر النعم.
أو الكفر بالإيمان.
والأول أرجح؛ لمقابلته بالشكر.
﴿لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾ عبارةٌ عن كثرتهم، كقوله: ﴿وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٨].
﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾ فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: أن الضمائر لقوم الرسل، والمعنى: أنهم ردُّوا أيديهم في أفواه أنفسهم:
غيظًا من الرسل، كقوله: ﴿عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [آل عمران: ١١٩].
أو استهزاءً وضَحِكًا، كمن غلبه الضَّحِك فوضع يده على فمه.
والثاني: أن الضمائر لهم، والمعنى: أنهم ردُّوا أيديهم في أفواه أنفسهم؛ إشارةً على الأنبياء بالسكوت.
والثالث: أنهم ردُّوا أيديهم في أفواه الأنبياء تسكيتًا لهم، ودفعًا لقولهم.
﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ﴾ المعنى: أفي وجود الله شك، أو في إلهيته؟.
وقيل: في وحدانيته.
والهمزة للتقرير والتوبيخ؛ لأنه لا يحتمل الشكَّ؛ لظهور الأدلة، ولذلك وَصَفَه (١) بعدُ بقوله: ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.
стр. 1286
﴿مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ قيل: إن «من» زائدة.
ومنع سيبويه زيادتها في الواجب، وهي عنده للتبعيض، ومعناه: أنه يغفر للكافر إذا أسلم ما تقدَّم من ذنوبه قبل الإسلام، ويبقى ما يذنب بعده في المشيئة، فوقعت المغفرة للبعض.
ولم يأتِ في القرآن غفران بعض الذنوب إلَّا للكفار، كهذا الموضع، والذي في «الأحقاف» وسورة «نوح».
وجاء للمؤمنين بغير «من»، كالذي في «الصفّ».
﴿وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ قال الزمخشري وأهل مذهبه من المعتزلة: معناه: يؤخّركم إن آمنتم إلى آجالكم، وإن لم تؤمنوا عاجلكم بالهلاك قبل ذلك الوقت (١).
وهذا بناء على قولهم بالأجلين، وأهل السنة يأبون هذا؛ فإن الأجل عندهم واحدٌ محتوم (٢).
стр. 1287
﴿قَالُوا إِنْ أَنتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ يَحتمل أن يكون قولهم:
استبعادًا لتفضيل بعض البشر على بعض بالنبوة.
أو يكون إحالةً لنبوة البشر.
والأول أظهر؛ لطلبهم البرهان في قولهم: ﴿فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾، ولقول الرسل: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ أي: بالتفضيل بالنبوة.
﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ﴾ المعنى: أي: شيءٌ يمنعنا من التوكُّلِ على الله.
﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ إن قيل: لم كرَّر الأمر بالتوكل؟.
فالجواب عندي: أن قوله: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ راجعٌ إلى ما تقدَّم من طلب الكفار لسلطان مبين؛ أي: حجة ظاهرة، فتوكَّل الرسل في ورودها على الله، وأما قوله: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾؛ فهو راجعٌ إلى قولهم: ﴿وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا﴾ أي: نتوكل على الله في دفع أذاكم.
وقال الزمخشري: إن هذا الثاني بمعنى الثبوت على التوكل (١).
стр. 1288
[﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (١٣) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ (١٤) وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (١٥) مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ (١٦) يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ (١٧) مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (١٨) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٩) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (٢٠) وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ (٢١)﴾].
﴿أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾ ﴿أَوْ﴾ هنا:
بمعنى «إِلَّا أَنْ».
أو على أصلها؛ لوقوع أحد الشيئين.
والعَوْدُ هنا: بمعنى الصَّيرورة، وهو كثير في كلام العرب، ولا يقتضي أن الرسل كانوا في مِلَّة الكفار قبل ذلك.
﴿خَافَ مَقَامِي﴾ فيه ثلاثة أوجه هنا، وفي ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ﴾ في «الرحمن»:
فالأول: أن معناه: مقام الحساب في القيامة.
والثاني: أن معناه: قيام الله على عباده بأعمالهم.
стр. 1289
والثالث: أن معناه: خافني، وخاف ربه (١)، على إقحام المقام، أو على التعبير به عن الذات.
﴿وَاسْتَفْتَحُوا﴾ الضمير للرسل؛ أي: استنصروا بالله، وأصله: طلب الفتح، وهو الحُكْم.
﴿جَبَّارٍ﴾ أي: قاهرٍ، أو متكبرٍ.
﴿عَنِيدٍ﴾ مخالفٍ لا ينقاد.
﴿مِنْ وَرَائِهِ﴾ في الموضعين: الوراء هنا: بمعنى ما يستقبل من الزمان.
وقيل: معناه هنا: أمامه، وهو بعيد.
﴿وَيُسْقَى﴾ معطوفٌ على محذوف تقديره: من ورائه جهنم يلقى فيها ويسقى، وإنما ذكر هذا السَّقْي تجريدًا بعد ذكر جهنم؛ لأنه من أشدِّ عذابها.
﴿يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ﴾ أي: يتكلَّف جَرْعَه، وتصعب عليه إسَاغته.
ونفي «كاد» يقتضي وقوع الإساغة بعد جُهْدٍ.
ومعنى ﴿يُسِيغُهُ﴾: يبتلعه.
﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾ أي: يجد ألمًا مثل ألم الموت وكرباته من جميع الجهات.
﴿وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ﴾ أي: لا يُرَاحُ بالموت.
стр. 1290
﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مذهب سيبويه والفراء فيه كقولهما في: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ﴾ التي في «الرعد» و «القتال».
والخبر عند سيبويه: محذوف تقديره: فيما يتلى عليكم.
والخبر عند الفراء: الجملة التي بعد.
والمثَل هنا بمعنى التَّشبيه.
﴿أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ﴾ شبهها بالرماد في ذهابها وتلاشيها.
﴿فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ أي: شديد الريح، والعُصوف في الحقيقة من صفة الريح.
﴿لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ﴾ أي: لا يرون له منفعة.
﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ﴾ أي: ظهروا، ومعنى الظُّهور هنا:
خروجهم من القبور.
وقيل: معناه صاروا بالبراز، وهي الأرض المتسعة.
﴿تَبَعًا﴾ جمع تابع، أو مصدر وصف به مبالغة، أو على حذف مضاف.
﴿مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ «من» الأولى: للبيان، والثانية: للتبعيض.
ويجوز أن يكونا للتبعيض معًا. قاله الزمخشري (١).
والأظهر: أن الأولى: للبيان، والثانية: زائدة، والمعنى: هل أنتم
стр. 1291
دافعون أو متحمّلون عنا شيئًا من عذاب الله.
﴿مَحِيصٍ﴾ أي: مهربٍ، حيث وقع، ويحتمل أن يكون: مصدرًا، أو اسم مكان.
стр. 1292
[﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٢) وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ (٢٣) أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٥) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ (٢٦) يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (٢٧)﴾].
﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ﴾ يعني: إبليس الأقدم، روي أنه يقوم خطيبا بهذا الكلام: يوم القيامة.
أو في النار يقوله لأهلها.
﴿لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ إن كان كلام إبليس في القيامة: فمعنى ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ﴾: تعيَّن قومٌ للنار وقومٌ للجنة.
وإن كان في النار: فمعنى ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ﴾: حصل أهل النار في النار وأهل الجنة في الجنة.
﴿إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ﴾ استثناء منقطع.
﴿مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾ أي: ما أنا بمغيثكم وما أنتم بمغيثين لي.
стр. 1293
﴿بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ﴾ «ما» مصدرية؛ أي: بإشراككم لي مع الله في الطاعة.
﴿مِنْ قَبْلُ﴾ يتعلق بـ ﴿أَشْرَكْتُمُونِ﴾.
ويحتمل أن يتعلق بـ ﴿كَفَرْتُ﴾.
والأول أظهر وأرجح.
﴿إِنَّ الظَّالِمِينَ﴾ استئناف، من كلام الله تعالى.
ويحتمل أن يكون حكاية عن إبليس.
﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ يتعلق بـ ﴿وَأُدْخِلَ﴾، أو بـ ﴿خَالِدِينَ﴾، والأول أحسن.
﴿كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾ ابن عباس وغيره: هي: «لا إله إلا الله».
(وقيل: كلُّ كلمة حسنة) (١).
﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ هي النخلة في قول الجمهور.
واختار ابن عطية: أنها شجرة غير معينة، إلَّا أنها كلُّ ما اتصف بتلك الصفات (٢).
﴿وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ أي: في الهواء، وذلك عبارةٌ عن طولها.
﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ﴾ الحين في اللغة: وقت غير محدود، وقد تقترن به قرينة تحدُّه؛ فقيل في: ﴿كُلَّ حِينٍ﴾: كل سنة لأن النخلة تُطعم في كل سنة، وقيل غير ذلك.
стр. 1294
﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ هي كلمة الكفر، وقيل: كل كلمة قبيحة.
﴿كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ هي الحنظلة عند الجمهور، واختار ابن عطية: غير معينة (١).
﴿اجْتُثَّتْ﴾ أي: اقتلعت، وحقيقة الاجتثاث: أخذ الجُثَّة، وهذا في مقابلة قوله: ﴿أَصْلُهَا ثَابِتٌ﴾.
﴿بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ هو «لا إله إلا الله»، والإقرار بالنبوة.
﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ أي: إذا فُتِنوا لم يَزِلُّوا.
﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾ هو عند السؤال في القبر عند الجمهور.
[﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (٣٥) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٦) رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (٣٧) رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (٣٨) الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٩) رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ (٤٠) رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (٤١)﴾].
﴿الْبَلَدَ آمِنًا﴾ ذُكر في «البقرة» (١).
﴿وَاجْنُبْنِي﴾ أي: امنعني، والماضي منه: جَنَب، يقال: جَنَب وجنَّب -بالتشديد- وأجنب بمعنى واحد.
﴿وَبَنِيَّ﴾ يعني: بنيه من صلبه، وفيهم أجيبت دعوته، وأما أعقاب بنيه فعبدوا الأصنام.
﴿وَمَنْ عَصَانِي﴾ يريد: من عصاه بغير الكفر، أو عصاه بالكفر ثم تاب منه، فهو الذي يصح أن يدعى له بالمغفرة، ولكنه ذكر اللفظ بالعموم؛ لِمَا كان فيه ﵇ من الرحمة لِلْخَلْقِ وحسن الخُلُقِ.
﴿أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ يعني: ابنه إسماعيل ﵇، لما وَلَدته أمه هاجر غارت بها (٢) سارة زوجة إبراهيم، فحمله مع أمه من الشام إلى مكة.
стр. 1297
﴿بِوَادٍ﴾ يعني: مكة، والوادي: ما بين جبلين وإن لم يكن فيه ماء.
﴿عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ يعني الكعبة:
فإما أن يكون البيت أقدم من إبراهيم على ما جاء في بعض الروايات.
وإما أن يكون إبراهيم قد علم أنه سيبنى هناك بيت (١).
﴿لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ اللام يحتمل أن تكون:
لام الأمر بمعنى الدعاء.
أو لام «كي»، وتتعلق بـ ﴿أَسْكَنتُ﴾.
وجَمْعُ الضمير يدل على أنه كان قد عَلِمَ أن ابنه يُعْقِبُ هنالك نَسْلًا.
﴿تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ أي: تسير بِجِدٍّ وإسراع، ولهذه الدعوة حبب الله حج البيت إلى الناس، على أنه قال ﴿مِنَ النَّاسِ﴾ بالتبعيض.
قال بعضهم: لو قال: «أفئدة الناس» لحجته فارس والروم.
﴿وَارْزُقْهُم مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ أي: ارزقهم في ذلك الوادي مع أنه غير ذي زرع، وأجاب الله دعوته فجعل مكة تُجْبَى (٢) إليها ثمرات كل شيء.
﴿وَمَا يَخْفَى﴾ الآية؛ يحتمل أن تكون: من كلام الله تعالى، أو حكاية عن إبراهيم.
﴿وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ روي: أنه ولد له إسماعيل وهو
стр. 1298
ابن مئةٍ وسبعةَ عشرَ عامًا، وروي أقل من هذا، وإسماعيل أسنُّ من إسحاق.
﴿رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ﴾ إن أراد بالدعاء: الطلب والرغبة فمعنى القبول: الاستجابة.
وإن أراد بالدعاء: العبادة، فالقبول على حقيقته.
﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾ قيل: إنما دعا بالمغفرة لأبويه الكافرين بشرط إسلامهما.
والصحيح: أنه دعا لهما قبل أن يتبيَّن له أنه عدوٌّ لله، حسَبما ورد في «براءة».
стр. 1299
[﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (٤٢) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ (٤٣) وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ (٤٤) وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ (٤٥) وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (٤٦) فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٤٧) يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (٤٨) وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٤٩) سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ (٥٠) لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٥١) هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾].
﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا﴾ هذا وعيدٌ للظالمين، وهم الكفار هنا على الأظهر.
فإن قيل: لمن هذا الخطاب هنا وفي قوله: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ﴾؟
فالجواب: أنه يحتمل أن يكون خطابًا للنبي ﷺ ، أو لغيره.
فإن كان لغيره فلا إشكال.
وإن كان له فهو مشكلٌ؛ لأن النبي ﷺ لا يحسَبُ أن الله غافلٌ، وتأويل ذلك بوجهين:
أحدهما: أن المراد: الثبوت على علمه بأن الله غير غافل وغير مخلف وعده.
стр. 1300
والآخر: أن المراد: إعلامه بعقوبة الظالمين، فمقصد الكلام الوعيد لهم.
﴿تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ أي: تُحِدُّ النظر من الخوف.
﴿مُهْطِعِينَ﴾ قيل: الإهطاع: الإسراع.
وقيل: شدَّة النظر من غير أن يطرف.
﴿مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾ قيل: الإقناع هو رفع الرأس.
وقيل: خفضه من الذلة.
﴿لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾ أي: لا يطرفون بعيونهم؛ من الحذر والجزع.
﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾ أي: منخرقة، لا تعي شيئًا؛ من شدَّة الجزع، فشبهها بالهواء في تفرغه من الأشياء.
ويحتمل أن يريد مضطربةً في صدورهم.
﴿يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ﴾ يعني: يوم القيامة، وانتصاب ﴿يَوْمَ﴾ على أنه مفعول ثان لـ ﴿أَنْذِرِ﴾، ولا يجوز أن يكون ظرفًا.
﴿أَوَلَمْ تَكُونُوا﴾ تقديره: يقال لهم: ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوا﴾ الآية.
﴿مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ﴾ هو المقسم عليه، ومعنى ﴿مِنْ زَوَالٍ﴾: أي: من الأرض بعد الموت؛ أي: حلفتم أنكم لا تبعثون.
﴿وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ﴾ أي: جزاءُ مكرهم.
﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ «إن» هنا نافية، واللام لام