← Тафсир

Тафсир · id 30186

تفسير ابن جزي التسهيل لعلوم التنزيل - ط طيبة الخضراء

ابن جزي الكلبي

Полный текст (3 030 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

[﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (٣٥) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٦) رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (٣٧) رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (٣٨) الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٩) رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ (٤٠) رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (٤١)﴾]. ﴿الْبَلَدَ آمِنًا﴾ ذُكر في «البقرة» (١). ﴿وَاجْنُبْنِي﴾ أي: امنعني، والماضي منه: جَنَب، يقال: جَنَب وجنَّب -بالتشديد- وأجنب بمعنى واحد. ﴿وَبَنِيَّ﴾ يعني: بنيه من صلبه، وفيهم أجيبت دعوته، وأما أعقاب بنيه فعبدوا الأصنام. ﴿وَمَنْ عَصَانِي﴾ يريد: من عصاه بغير الكفر، أو عصاه بالكفر ثم تاب منه، فهو الذي يصح أن يدعى له بالمغفرة، ولكنه ذكر اللفظ بالعموم؛ لِمَا كان فيه ﵇ من الرحمة لِلْخَلْقِ وحسن الخُلُقِ. ﴿أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ يعني: ابنه إسماعيل ﵇، لما وَلَدته أمه هاجر غارت بها (٢) سارة زوجة إبراهيم، فحمله مع أمه من الشام إلى مكة.

стр. 1297

﴿بِوَادٍ﴾ يعني: مكة، والوادي: ما بين جبلين وإن لم يكن فيه ماء. ﴿عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ يعني الكعبة: فإما أن يكون البيت أقدم من إبراهيم على ما جاء في بعض الروايات. وإما أن يكون إبراهيم قد علم أنه سيبنى هناك بيت (١). ﴿لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ اللام يحتمل أن تكون: لام الأمر بمعنى الدعاء. أو لام «كي»، وتتعلق بـ ﴿أَسْكَنتُ﴾. وجَمْعُ الضمير يدل على أنه كان قد عَلِمَ أن ابنه يُعْقِبُ هنالك نَسْلًا. ﴿تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ أي: تسير بِجِدٍّ وإسراع، ولهذه الدعوة حبب الله حج البيت إلى الناس، على أنه قال ﴿مِنَ النَّاسِ﴾ بالتبعيض. قال بعضهم: لو قال: «أفئدة الناس» لحجته فارس والروم. ﴿وَارْزُقْهُم مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ أي: ارزقهم في ذلك الوادي مع أنه غير ذي زرع، وأجاب الله دعوته فجعل مكة تُجْبَى (٢) إليها ثمرات كل شيء. ﴿وَمَا يَخْفَى﴾ الآية؛ يحتمل أن تكون: من كلام الله تعالى، أو حكاية عن إبراهيم. ﴿وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ روي: أنه ولد له إسماعيل وهو

стр. 1298

ابن مئةٍ وسبعةَ عشرَ عامًا، وروي أقل من هذا، وإسماعيل أسنُّ من إسحاق. ﴿رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ﴾ إن أراد بالدعاء: الطلب والرغبة فمعنى القبول: الاستجابة. وإن أراد بالدعاء: العبادة، فالقبول على حقيقته. ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾ قيل: إنما دعا بالمغفرة لأبويه الكافرين بشرط إسلامهما. والصحيح: أنه دعا لهما قبل أن يتبيَّن له أنه عدوٌّ لله، حسَبما ورد في «براءة».

стр. 1299

[﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (٤٢) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ (٤٣) وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ (٤٤) وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ (٤٥) وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (٤٦) فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٤٧) يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (٤٨) وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٤٩) سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ (٥٠) لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٥١) هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾]. ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا﴾ هذا وعيدٌ للظالمين، وهم الكفار هنا على الأظهر. فإن قيل: لمن هذا الخطاب هنا وفي قوله: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ﴾؟ فالجواب: أنه يحتمل أن يكون خطابًا للنبي ﷺ ، أو لغيره. فإن كان لغيره فلا إشكال. وإن كان له فهو مشكلٌ؛ لأن النبي ﷺ لا يحسَبُ أن الله غافلٌ، وتأويل ذلك بوجهين: أحدهما: أن المراد: الثبوت على علمه بأن الله غير غافل وغير مخلف وعده.

стр. 1300

والآخر: أن المراد: إعلامه بعقوبة الظالمين، فمقصد الكلام الوعيد لهم. ﴿تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ أي: تُحِدُّ النظر من الخوف. ﴿مُهْطِعِينَ﴾ قيل: الإهطاع: الإسراع. وقيل: شدَّة النظر من غير أن يطرف. ﴿مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾ قيل: الإقناع هو رفع الرأس. وقيل: خفضه من الذلة. ﴿لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾ أي: لا يطرفون بعيونهم؛ من الحذر والجزع. ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾ أي: منخرقة، لا تعي شيئًا؛ من شدَّة الجزع، فشبهها بالهواء في تفرغه من الأشياء. ويحتمل أن يريد مضطربةً في صدورهم. ﴿يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ﴾ يعني: يوم القيامة، وانتصاب ﴿يَوْمَ﴾ على أنه مفعول ثان لـ ﴿أَنْذِرِ﴾، ولا يجوز أن يكون ظرفًا. ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوا﴾ تقديره: يقال لهم: ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوا﴾ الآية. ﴿مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ﴾ هو المقسم عليه، ومعنى ﴿مِنْ زَوَالٍ﴾: أي: من الأرض بعد الموت؛ أي: حلفتم أنكم لا تبعثون. ﴿وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ﴾ أي: جزاءُ مكرهم. ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ «إن» هنا نافية، واللام لام

стр. 1301

الجحود، والجبال يراد بها: الشرائع والنبوات، شبهت بالجبال في ثبوتها، والمعنى: تحقير مكرهم؛ لأنه لا تزول منه تلك الجبال الثابتة الراسخة. وقرأ الكسائي: ﴿لِتَزُولُ﴾ بفتح اللام ورفع ﴿تَزُولُ﴾، و «إن» - على هذه القراءة - مخففة من الثقيلة، واللام للتأكيد، والمعنى: تعظيم مكرهم؛ أي: إِنَّ مكرهم من شدته بحيث تزول منه الجبال، ولكن الله عصم ووقَّى منه. ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ يعني: الوعد بالنصر على الكفار. فإن قيل: هلا قال: «مخلف رسلِه وعدَه»، ولم قدَّم المفعول الثاني على الأول؟. فالجواب: أنه قدَّم الوعد ليُعلَم أنه لا يُخلف الوعد أصلًا على الإطلاق، ثم قال: ﴿رُسُلَهُ﴾؛ ليُعلَم أنه إذا لم يخلف وعد أحدٍ من الناس، فكيف يخلف وعد رسله وخيرة خلقه؟، فقدَّم الوعد أولًا؛ لقصد الإطلاق، ثم ذكر الرسل؛ لقصد التخصيص. ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ﴾ العامل في الظرف: ﴿ذُو انْتِقَامٍ﴾، أو محذوف. وتبديل الأرض: بأن تكون يوم القيامة بيضاء عفراء كقُرصة النَّقي، هكذا ورد في الحديث الصحيح (١). ﴿وَالسَّمَاوَاتُ﴾ تبديلها: بانشقاقها، وانتشار كواكبها، وخسوف شمسها وقمرها. وقيل: تبدَّل أرضًا من فضة، وسماءً من ذهب، وهذا ضعيف.

стр. 1302

﴿وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ﴾ يعني: الكفار. ﴿مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ﴾ أي: مربوطين في الأغلال. ﴿سَرَابِيلُهُمْ﴾ أي: قمصهم، والسَّربال: القميص. ﴿مِنْ قَطِرَانٍ﴾ هو الذي تُهْنَأُ به الإبل، وللنار فيه اشتعالٌ شديد، فلذلك جعل الله قمص أهل النار منه. ﴿لِيَجْزِيَ﴾ متعلِّقٌ بمحذوف؛ أي: فعل الله ذلك ليجزيَ. ﴿هَذَا بَلَاغٌ﴾ إشارةٌ: إلى القرآن، أو إلى ما تضمنته هذه السورة. ﴿وَلِيُنذَرُوا﴾ معطوفٌ على محذوف تقديره: ليُنصحوا به ولينذروا.

стр. 1303

(سورة الحجر) [﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ (١) رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ (٢) ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٣) وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ (٤) مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ (٥) وَقَالُوا يَاأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (٦) لَوْمَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧) مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ (٨) إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ (١٠) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (١١) كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (١٢) لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (١٤) لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ (١٥)﴾]. ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾ يحتمل أن يريد بالكتاب: الكتب المتقدمة، وعطف القرآن عليها. والظاهر: أنه القرآن، وعُطف عطف الصفات. ﴿رُبَمَا﴾ قرئ بالتخفيف والتشديد، وهما لغتان، و «ما» حرفٌ، كافَّةٌ لـ «رُبَّ». ومعنى «رب»: التقليل، وقد تكون للتكثير.

стр. 1304

وقيل: إن هذه منه. وقيل: إنما عبّر عن التكثير بأداة التقليل على وجه التهكّم؛ كقوله: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ﴾ [البقرة: ١٤٤]، و ﴿قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ﴾ [النور: ٦٤]. وقيل: إن معنى التقليل في هذه: أنهم لو كانوا يودّون الإسلام مرةً واحدة لوجب أن يسارعوا إليه، فكيف وهم يودونه مرارًا كثيرة؟. ولا تدخل «رُبَّ» إلا على الماضي، وإنما دخلت هنا على المستقبل؛ لأنه في التحقيق كالماضي. ﴿يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ قيل: إن ذلك عند الموت. وقيل: في القيامة. وقيل: إذا خرج عصاة المسلمين من النار، وهذا هو الأرجح؛ لحديث روي في ذلك (١). ﴿ذَرْهُمْ﴾ وما بعده: تهديد. ﴿كِتَابٌ مَعْلُومٌ﴾ أي: وقت محدود. ﴿وَقَالُوا يَاأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (٦)﴾ الضمير في ﴿وَقَالُوا﴾ لكفار قريش، وقولهم: ﴿نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾ (٢) على وجه الاستخفاف؛ أي: بزعمك ودعواك.

стр. 1305

﴿لَوْمَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ﴾ ﴿لَوْمَا﴾ عرضٌ وتحضيضٌ، والمعنى: أنهم طلبوا من النبي ﷺ أن يأتيهم بالملائكة معه. ﴿مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ ردٌّ عليهم فيما اقترحوا، والمعنى: أن الملائكة لا تتنزل إلَّا بالحق؛ من الوحي والمصالح، التي يريدها الله، لا باقتراح مقترح واختيار كافر معترض. وقيل: الحق هنا: العذاب. ﴿وَمَا كَانُوا إِذًا مُنظَرِينَ﴾ ﴿إِذًا﴾ حرف جواب وجزاء، والمعنى: لو أنزل الملائكة لم يؤخَّر عذاب هؤلاء الكفار الذين اقترحوا نزولهم؛ لأن من عادة الله أن من اقترح آيةً فرآها ولم يؤمن أنه يعجِّل له العذاب، وقد عَلِم الله أن هؤلاء القوم يؤمن كثيرٌ منهم، ويؤمن أعقابهم فلم يفعل بهم ذلك. ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ الذِّكر هنا: هو القرآن، وفي قوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ ردٌّ لإنكارهم واستخفافهم في قولهم: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾ ولذلك أكَّده بـ ﴿نَحْنُ﴾، واحتجَّ عليه بحفظه. ومعنى حفظه: حراسته عن التبديل والتغيير، كما جرى في غيره من الكتب، فتولى الله حفظ القرآن، فلم يقدر أحدٌ على الزيادة فيه، ولا النقصان منه، ولا تبديله، بخلاف غيره من الكتب؛ فإنَّ حفْظَها موكولٌ إلى أهلها؛ لقوله: ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٤٤]. ﴿فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ﴾ الشِّيع: جمع شِيعة، وهي الطائفة التي تتشيع لمذهب أو رجل. ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾ معنى ﴿نَسْلُكُهُ﴾: نُدخله.

стр. 1306

والضمير في ﴿نَسْلُكُهُ﴾ يحتمل: أن يكون للاستهزاء الذي دلَّ عليه قوله: ﴿بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾. أو يكون للقرآن؛ أي: نسلكه في قلوبهم مستهزئًا به، ويكون قوله: ﴿كَذَلِكَ﴾ تشبيها للاستهزاء المتقدِّم، و ﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ تفسيرٌ لوجه إدخاله في قلوبهم، والضمير في ﴿بِهِ﴾ للقرآن. ﴿وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي: تقدَّمت طريقتهم على هذه الحالة من الكفر والاستهزاء، حتى هلكوا بسبب ذلك، ففي الكلام تهديدٌ لقريش. ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (١٤) لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾ الضمائر لكفار قريش المعاندين المحتوم عليهم بالكفر. وقيل: الضمير في ﴿ظَلُّوا﴾ و ﴿يَعْرُجُونَ﴾ للملائكة، وفي ﴿قَالُوا﴾ للكفار. ومعنى ﴿يَعْرُجُونَ﴾: يَصعدون. والمعنى: أن هؤلاء الكفار لو رأوا أعظم آية لقالوا: إنها تخييل أو سحر. وقرئ ﴿سُكِّرَتْ﴾ بالتشديد والتخفيف، ويحتمل أن يكون مشتقًا: من السُّكْر، فيكون معناه: حُيِّرت أبصارنا فرأينا الأمر على غير حقيقته. أو من السَّكْر، وهو السَّدُّ، فيكون معناه: منعت أبصارنا من النظر.

стр. 1307

[﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ (١٦) وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (١٧) إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ (١٨) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ (١٩) وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ (٢٠) وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١) وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ (٢٢) وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ (٢٣) وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ (٢٤) وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٢٥)﴾]. ﴿بُرُوجًا﴾ يعني: المنازل الاثني عشر. ﴿إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾ استثناءٌ من حفظ السَّموات، فهو في موضع نصب. ﴿مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ أي: مقدَّرٌ بقصدٍ وإرادة؛ فالوزن على هذا مستعار. وقيل: المراد: ما يوزن حقيقةً كالذهب والأطعمةِ، والأولُ أعمُّ وأحسنُ. ﴿وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ﴾ يعني: البهائمَ والحيواناتِ، و ﴿مَنْ﴾ معطوفٌ على ﴿مَعَايِشَ﴾. وقيل: على الضمير في ﴿لَكُمْ﴾، وهذا ضعيفٌ في النحو؛ لأنه عطفٌ على الضمير المخفوض من غير إعادة الخافض، وهو قويٌّ في المعنى؛ أي: جعلنا في الأرض معايش لكم وللحيواتِ. ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ﴾ قيل: يعني المطر، واللفظ أعم من ذلك. والخزائن: المواضع الخازنة، وظاهر هذا أن الأشياء موجودةٌ قد خُلقت.

стр. 1308

وقيل: ذلك تمثيل، والمعنى: وإن من شيء إلا نحن قادرون على إيجاده وتكوينه. ﴿بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ أي: بمقدار محدود. ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ يقال: لَقِحَت الناقة والشجرة: إذا حملت فهي لاقحة، وأَلْقَحَت الريحُ الشجرَ فهي مُلْقِحةٌ، و ﴿لَوَاقِحَ﴾: جمع لاقحة؛ لأنها تحمل الماء. أو جمع ملقحة؛ على حذف الميم الزائدة. ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ﴾ الآية؛ يعني: الأولين والآخرين من الناس، وذكر ذلك على وجه الاستدلال على الحشر الذي ذُكِر بعد ذلك في قوله: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ﴾؛ لأنه إذا أحاط بهم علمًا لم تصعب عليه إعادتهم وحشرهم. وقيل: يعني: مَنْ استقدم ولادةً وموتًا، ومن تأخَّر. وقيل: من تقدَّم إلى الإسلام ومن تأخَّر عنه.

стр. 1309

[﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٦) وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ (٢٧) وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٨) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٢٩) فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠) إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣١) قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣٢) قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٣٣) قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٣٤) وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (٣٥) قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٣٦) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٣٧) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٣٨) قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٤٠) قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (٤١) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (٤٢) وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٣) لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ (٤٤)﴾]. ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ﴾ الإنسان هنا هو: آدم ﵇، والصلصال: الطين اليابس الذي يصلصل؛ أي: يصوّت، وهو غير مطبوخ، فإذا طُبخ فهو فخارٌ. ﴿مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ الحمأ: الطين الأسود، والمسنون: المتغيّر المنتن. وقيل: إنه من أَسَنَ الماءُ: إذا تغيّر، والتصريف يردُّ هذا القول. وموضع ﴿مِنْ حَمَإٍ﴾ صفةٌ لـ ﴿صَلْصَالٍ﴾؛ أي: من صلصال كائنٍ من حمأ. ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ﴾ يراد به: جنس الشياطين. وقيل: إبليس الأول، وهذا أرجح؛ لقوله: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾، وتناسلت الجن من إبليس، وهو للجن كآدم للناس.

стр. 1310

﴿السَّمُومِ﴾ شدَّة الحر. ﴿خَالِقٌ بَشَرًا﴾ يعني: آدم ﵇. ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ يعني: الروح التي في الجسد، وأضاف الله تعالى الروح إلى نفسه إضافة مُلْك إلى مالك؛ أي: من الروح الذي هو لي، وخَلْقٌ من خلقي. وتقدَّم الكلام على سجود الملائكة في «البقرة» (١). ﴿فَاخْرُجْ مِنْهَا﴾ أي: من الجنة، أو من السماء. ﴿قَالَ رَبِّ﴾ يقتضي إقراره بالربوبية، وأن كفره كان بوجهٍ غير الجحود، وهو اعتراضه على الله في أمره بالسجود لآدم. ﴿إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٣٨)﴾ اليوم الذي طلب إبليس أن يُنظرَ إليه: هو يوم القيامة. ويوم الوقت المعلوم الذي أُنظِرَ إليه: هو يوم النفخ في الصور النفخة الأولى؛ حين يموت من في السموات ومن في الأرض. وكان سؤال إبليس الإنظار إلى يوم القيامة جهلًا منه ومغالطة؛ إذ سأل ما لا سبيل إليه؛ لأنه لو أعطي ما سأل لم يمت أبدًا؛ لأنه لا يموت أحد بعد البعث، فلما سأل ما لا سبيل إليه أعرض الله عنه، وأعطاه الإنظار إلى النفخة الأولى. ﴿بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ الباء للسببية؛ أي: لأغوينهم بسبب إغوائك لي.

стр. 1311

وقيل: للقسَم؛ كأنه قال: بقُدْرتك على إغوائي لأغوينهم. والضمير لذرية آدم. ﴿قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (٤١)﴾ القائل لهذا هو الله تعالى، والإشارة بـ ﴿هَذَا﴾: إلى نجاة المخلصين من إبليس، وأنه لا يقدر عليهم. أو إلى تقسيم الناس إلى غويّ ومُخْلَص. ﴿إِنَّ عِبَادِي﴾ يحتمل أن يريد بالعباد: جميعَ الناس؛ فيكون قوله: ﴿إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ﴾ استثناءً متصلًا. أو يريد بالعباد المخلصين؛ فيكون الاستثناء منقطعًا. ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ﴾ الضمير للغاوين. ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ﴾ روي: أنها سبعة أطباق، في كل طبقة باب، فأعلاها: للمذنبين من المسلمين، والثاني: لليهود، والثالث: للنصارى، والرابع: للصابئين، والخامس: للمجوس، والسادس: للمشركين، والسابع: للمنافقين.

стр. 1312

[﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٤٥) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ (٤٦) وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (٤٧) لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ (٤٨) نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (٥٠) وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ (٥١) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ (٥٢) قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (٥٣) قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ (٥٤) قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ (٥٥) قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ (٥٦) قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٥٧) قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٥٨) إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٩) إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ (٦٠)﴾]. ﴿ادْخُلُوهَا﴾ تقديره: يقال لهم: ادخلوها، والسَّلام هنا يحتمل أن يكون: التحية، أو السلامة. ﴿إِخْوَانًا﴾ يعني: أخوة المودَّة والإيمان. ﴿مُتَقَابِلِينَ﴾ أي: يقابل بعضهم بعضًا على الأسِرَّة. ﴿نَصَبٌ﴾ أي: تعبٌ. ﴿نَبِّئْ عِبَادِي﴾ الآية؛ أَعْلِمهم، والآية آية ترجية وتخويف. ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ (٥١)﴾ ﴿ضَيْفِ﴾ هنا: واقعٌ على جماعة، وهم الملائكة الذين جاؤوا إلى إبراهيم بالبشرى. ﴿وَجِلُونَ﴾ أي: خائفون، والوجَل: الخوف. ﴿لَا تَوْجَلْ﴾ أي: لا تخف.

стр. 1313

﴿إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾ هو إسحاق. ﴿قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ﴾ المعنى: أبشرتموني بالولد مع أنني قد كَبِرَ سِنِّي!. وكان حينئذ ابن مئة سنة، وقيل: أكثر. ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ قال ذلك: على وجه التعجُّبِ مِنْ ولادته في كِبَرِهِ. أو على وجه الاستبعاد لذلك. وقرئ ﴿تُبَشِّرُونِ﴾: بتشديد النون وكسرها؛ على إدغام نون الجمع في نون الوقاية. وبالكسر والتخفيف؛ على حذف إحدى النونين. وبالفتح؛ وهي نون الجمع. ﴿قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ أي: باليقين الثابت، فلا تستبعده ولا تشُكَّ فيه. ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ دليلٌ على تحريم القنوط. وقرئ ﴿يَقْنَطُ﴾: بفتح النون وكسرها، وهما لغتان. ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ﴾ أي: ما شأنكم؟، وبأي شيء جئتم؟. ﴿إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ يعنون: قوم لوط. ﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ﴾ يَحتمل: أن يكون استثناءً من ﴿قَوْمٍ﴾؛ فيكون منقطعًا؛ لوصف القوم بالإجرام،

стр. 1314

ولم يكن آلُ لوط مجرمين. ويحتمل أن يكون استثناء من الضمير في ﴿مُجْرِمِينَ﴾؛ فيكون متصلًا؛ كأنه قال: إلى قوم قد أجرموا كلهم إلّا آل لوط فلم يجرموا. ﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ﴾ استثناء من ﴿آلَ لُوطٍ﴾، فهو استثناء من استثناء. وقال الزمخشري: إنما هو استثناء من الضمير المجرور في قوله: ﴿لَمُنَجُّوهُمْ﴾ (١). وذلك هو الذي يقتضيه المعنى. ﴿قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ﴾ الغابر: يقال بمعنى الباقي، وبمعنى الذاهب. وإنما أسند الملائكة فعلَ التَّقدير إلى أنفسهم، وهو لله وحده؛ لما لهم من القرب والاختصاص بالله، لا سيما في هذه القضية، كما تقول خاصة الملكِ للملك: دبَّرنا كذا. ويحتمل أن يكون حكاية عن الله.

стр. 1315

[﴿فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ (٦١) قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٦٢) قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ (٦٣) وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٦٤) فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ (٦٥) وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ (٦٦) وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ (٦٧) قَالَ إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ (٦٨) وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ (٦٩) قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ (٧٠) قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٧١) لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٢) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ (٧٣) فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (٧٤) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (٧٥) وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (٧٦) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧) وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ (٧٨) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ (٧٩)﴾]. ﴿قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ أي: لا يعرفهم (١). ﴿قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ أي: جئناك بالعذاب لقومك. ومعنى ﴿يَمْتَرُونَ﴾: يشكُّون فيه. ﴿وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ﴾ أي: كن خلفهم وفي ساقتهم؛ حتى لا يبقى منهم أحد، وليكونوا قدَّامه؛ (فلا يشتغل قلبه بهم لو كانوا وراءه؛ لخوفه عليهم) (٢). ﴿وَلَا يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ﴾ تقدَّم في «هود» (٣). ﴿وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ قيل: هو مصر، وقيل: «حيث» هنا للزمان؛ إذ لم يُذكر مكانٌ.

стр. 1316

﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ﴾ هو من القضاء والقدر، وإنما تعدى بـ «إلى»؛ لأنه ضُمِّنَ معنى: «أوحينا». وقيل: معناه: أعلمناه بذلك الأمر. ﴿أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ﴾ هذا هو تفسير لـ ﴿ذَلِكَ الْأَمْرَ﴾. ودابر القوم: أصلهم، والإشارة إلى قوم لوط. ﴿مُصْبِحِينَ﴾ في الموضعين: أي: إذا أصبحوا ودخلوا في الصباح. ﴿وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ (٦٧)﴾ المدينة هي سَدُوم، واستبشار أهلها بالأضياف؛ طمعًا أن ينالوا منهم الفاحشة. ﴿قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ (٧٠)﴾ كانوا قد نهوه أن يُضيف أحدًا. ﴿قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي﴾ دعاهم إلى تزويج بناته؛ ليقي بذلك أضيافه. ﴿لَعَمْرُكَ﴾ قسَمٌ، والعَمْر: الحياة؛ ففي ذلك كرامةٌ للنبي ﷺ ، لأن الله أقسم بحياته. وقيل: هو من قول الملائكة للوط. وارْتِفَاعُه: بالابتداء، وخبره محذوف تقديره: لعمرك قسمي، واللام للتوطئة. ﴿إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ الضمير لقوم لوط، و ﴿سَكْرَتِهِمْ﴾: ضلالهم وجهلهم، و ﴿يَعْمَهُونَ﴾ أي: يتحيَّرون. ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ أي: صيحة جبريل، وهي أخْذُه لهم.

стр. 1317

﴿مُشْرِقِينَ﴾ أي: داخلين في الشُّروق، وهو وقت بزوغ الشمس. وقد تقدَّم تفسير ما بعد هذا من قصتهم في «هود» (١). ﴿لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ أي: للمتفرِّسين، ومنه: فِراسة المؤمن. وقيل: للمعتبرين. وحقيقة التوسُّم: النظر إلى السِّمَة. ﴿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ أي: بطريق ثابت يراه الناس، والضمير: للمدينة (٢) المهلكة. ﴿وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ﴾ أصحاب الأيكة: قوم شعيب، والأيكة: الغَيْضة من الشجر، لما كفروا أضرمها الله عليهم نارًا. ﴿وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ﴾ الضمير في ﴿وَإِنَّهُمَا﴾: قيل: إنه لمدينة قوم لوط وقوم شعيب، فالإمام على هذا: الطريق؛ أي: إنهما بطريق واضح يراه الناس. وقيل: الضمير للوط وشعيب؛ أي: إنهما على طريق من الشَّرع واضح. والأول أظهر.

стр. 1318

[﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ (٨٠) وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (٨١) وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ (٨٢) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ (٨٣) فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨٤) وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (٨٥) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨٦) وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧) لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (٨٨) وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ (٨٩) كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ (٩٠) الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ (٩١) فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣) فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (٩٤) إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥) الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٩٦) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)﴾]. ﴿أَصْحَابُ الْحِجْرِ﴾ هم ثمود قوم صالح، والحجر: واديهم، وهو بين المدينة والشام. ﴿الْمُرْسَلِينَ﴾ ذكره بالجمع وإنما كذبوا واحدًا، وفي ذلك تأويلان: أحدهما: أن من كذَّب واحدًا من الأنبياء لزمه تكذيب الجميع؛ لأنهم جاؤوا بأمر متفق من التوحيد. والثاني: أنه أراد الجنس، كقولك: فلان يركب الخيل، وإن لم يركب إلَّا فرسًا واحدًا. ﴿وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا﴾ يعني: الناقة، وما كان فيها من العجائب. ﴿وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا﴾ النحت: النَّقْر بالمعاول وشبهها في الحجر

стр. 1319

والعود وشبه ذلك، وكانوا ينقرون بيوتهم في الجبال. ﴿آمِنِينَ﴾ يعني: آمنين من تهدُّم بيوتهم لوثاقتها، وقيل: آمنين من عذاب الله. ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ يعني: أنها لم تُخْلَقْ عبثًا. ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ قيل: إن الصفح الجميل هو الذي ليس معه عقاب ولا عتاب. وفي الآية مهادنةٌ للكفار منسوخة بالسيف. ﴿وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ قيل: يعني: أم القرآن؛ لأنها سبع آيات. وقيل: يعني السُّور السبع الطُّوال؛ وهي: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، والأنفال مع براءة. والأول أرجح؛ لوروده في الحديث (١). و ﴿الْمَثَانِي﴾: مشتق من التثنية، وهو التكرير؛ لأن الفاتحة تكرَّر قراءتها في الصلاة، ولأن غيرها من السور تُكرَّر فيها القصص وغيرها. وقيل: هي مشتقة من الثَّناء؛ لأن فيها ثناءً على الله. و ﴿مِنَ﴾ تحتمل أن تكون: للتبعيض، أو لبيان الجنس. وعطف القرآن على السبع المثاني؛ لأنه يعني ما سواها من القرآن، فهو عموم بعد الخصوص.

стр. 1320

﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ أي: لا تنظرْ إلى ما متَّعناهم به في الدنيا، ومعنى الآية: تزهيدٌ في الدنيا؛ كأنه يقول: قد آتيناك السبع المثاني والقرآن العظيم، فلا تنظر إلى الدنيا؛ فإن الذي أعطيناك أعظمُ منها. ﴿أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾ يعني: أصنافًا من الكفار. ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ أي: لا تتأسف لكفرهم. ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ﴾ أي: تواضع ولنْ للمؤمنين، والجَناح هنا: استعارة. ﴿كَمَا أَنزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ (٩٠)﴾ الكاف من ﴿كَمَا﴾ متعلقة بقوله: ﴿أَنَا النَّذِيرُ﴾؛ أي: أُنذرُ قريشًا عذابًا مثل العذاب الذي أنزل على المقتسمين. وقيل: تتعلَّق بقوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ﴾ أي: أنزلنا عليك كتابًا كما أنزلنا على المقتسمين. واختُلِف في المقتسمين: فقيل: هم أهل الكتاب الذين آمنوا ببعض كتابهم وكفروا ببعضه، فاقتسموا إلى قسمين. وقيل: هم قريش، اقتسموا أبواب مكة في الموسم، فوقف كل واحد منهم على باب، يقول أحدهم: هو شاعر، ويقول الآخر: ساحر، وغير ذلك. ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ (٩١)﴾ أي: أجزاء، وقالوا فيه أقوالًا مختلفة، وواحد ﴿عِضِينَ﴾ عِضَةٌ.

стр. 1321

وقيل: هو من العَضْهِ، وهو السِّحر، والعاضِه: الساحر، والمعنى على هذا: قالوا إنه سحر. والكلمة محذوفة اللام، ولامها على القول الأول: واو، وعلى الثاني: هاء. ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢)﴾ إن قيل: كيف يُجمَع بين هذا وبين قوله: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنسٌ وَلَا جَانٌّ (٣٩)﴾ [الرحمن: ٣٩]؟ فالجواب: أن السؤال المثبت هو على وجه الحساب والتوبيخ، وأن السؤال المنفي هو على وجه الاستفهام المحض؛ لأن الله يعلم الأعمال فلا يحتاج إلى السؤال عنها. ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ أي: صرِّح به وأنفِذه. ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥)﴾ يعني قومًا من أهل مكة؛ أهلكهم الله بأنواع الهلاك من غير سعي النبي ﷺ ، وكانوا خمسة: الوليد بن المغيرة، والعاصي بن وائل، والأسود بن عبد المطلب، والأسود بن عبد يغوث، والحارث بن غَيْطَلة، وقصة هلاكهم مذكورة في السِّير. وقيل: هم الذين قُتلوا ببدرٍ؛ كأبي جهل، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأمية بن خلف، وعقبة بن أبي معيط وغيرهم. والأول أرجح؛ لأن الله كفاه إياهم بمكة قبل الهجرة. ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧)﴾ تسليةٌ للنبي ﷺ وتأنيسٌ. ﴿حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ أي: الموت.

стр. 1322

(سورة النحل) [﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١) يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ (٢) خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٤) وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٥) وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (٦) وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٧) وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨) وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (٩)﴾] ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ قيل: يعني القيامة. وقيل: النصر على الكفار. وقيل: عذاب الكفار في الدنيا. ووضع الماضي موضع المستقبل؛ لتحقُّق وقوع الأمر، ولقربه. وروي أنها لما نزلت وثب رسول الله ﷺ قائمًا فلما قال: ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ سَكَنَ (١).

стр. 1323

﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ﴾ أي: بالنبوة، وقيل: بالوحي. ﴿خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ أي: من نطفة المنيِّ، والمراد: جنس الإنسان. ﴿فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أن معناه متكلِّم يخاصم عن نفسه. والثاني: يخاصم في ربه ودينه، وهذا في الكفار. والأول أعمُّ. ﴿لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ﴾ أي: ما يُتدفَّأُ به، يعني: ما يُتَّخذ من جلود الأنعام وأصوافها من الثياب. ويحتمل أن يكون قوله: ﴿لَكُمْ﴾ متعلِّق بما قبله، أو بما بعده، ويختلف الوقف باختلاف ذلك. ﴿وَمَنَافِعُ﴾ يعني: شربُ ألبانها، والحرث بها، وغير ذلك. ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ يحتمل أن يريد بالمنافع: ما عدا الأكل؛ فيكون الأكل أمرًا زائدًا عليها. أو يريد بالمنافع: الأكل وغيره، ثم جرَّد ذكر الأكل؛ لأنه أعظم المنافع. ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ الجمال: حسن المنظر،

стр. 1324

و ﴿حِينَ تُرِيحُونَ﴾: يعني: حين تردُّونها بالعشي إلى المنازل، ﴿وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾: حين تردُّونها بالغداة إلى الرعي، وإنما قدَّم ﴿تُرِيحُونَ﴾ على ﴿تَسْرَحُونَ﴾؛ لأن جمال الأنعام بالعشي أكثر؛ لأنها ترجع وبطونها ملأى وضروعها حافلة. ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ﴾ يعني: الأمتعة وغيرها، وقيل: أجساد بني آدم. ﴿إِلَى بَلَدٍ﴾ أي: إلى أيِّ بلدٍ توجهتم، وقيل: يعني مكة. ﴿بِشِقِّ الْأَنفُسِ﴾ أي: بمشقة. ﴿لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ استدلَّ بعض الناس به على تحريم أكل الخيل والبغال والحمير؛ لكونه علَّل خِلْقَتَها بالركوب والزينة دون الأكل. ونَصْبُ ﴿زِينَةً﴾ على أنه مفعول من أجله، وهو معطوف على موضع ﴿لِتَرْكَبُوهَا﴾. ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ عبارةٌ على العموم؛ أي: أن مخلوقات الله لا يحيط البشر بعلمها. وكلُّ مَنْ ذَكر في هذه الآية شيئًا مخصوصًا فهو على وجه المثال. ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ أي: على الله تقويم طريق الهدى، بنصب الأدلة وبعث الرسل. والمراد بالسبيل هنا: الجنس، ومعنى القصد: القاصد الموصل، وإضافته إلى السبيل من إضافة الصفة إلى الموصوف.

стр. 1325

﴿وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾ الضمير في ﴿مِنْهَا﴾ يعود على السبيل؛ إذ المراد به: الجنس، ومعنى الجائر: الخارج عن الصواب؛ أي: ومن الطريق جائر، كطريق اليهود والنصارى وغيرهم.

стр. 1326

[﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١١) وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٢) وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (١٣) وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٤) وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥) وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦) أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٧) وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨) وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (١٩) وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٢١)﴾]. ﴿مَاءً لَكُم﴾ يحتمل أن يتعلَّق ﴿لَكُم﴾ بـ ﴿أَنْزَلَ﴾. أو يكون في موضع خبر لـ ﴿شَرَابٌ﴾. أو صفة لـ ﴿مَاءً﴾. ﴿وَمِنْهُ شَجَرٌ﴾ يعني: ما يُنبت بالمطر (١) من الشجر. ﴿فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ أي: ترعون أنعامكم. ﴿وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ يعني: الحيوان والأشجار والثمار وغير ذلك.

стр. 1327

﴿مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ﴾ أي: أصنافه وأشكاله. ﴿لَحْمًا طَرِيًّا﴾ يعني: الحوت. ﴿حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ يعني: الجواهر والمرجان. ﴿مَوَاخِرَ فِيهِ﴾ جمع ماخرة، يقال: مخرت السفينة، والمخر: شقُّ الماء. وقيل: صوت جري الفلك بالرياح. ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ يعني: في التجارة، وهو معطوف على ﴿لِتَأْكُلُوا﴾. ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ الرواسي: الجبال، واللفظ مشتق من رسا إذا ثبت، و ﴿أَنْ تَمِيدَ﴾ في موضع مفعول من أجله، والمعنى: أنه ألقى الجبال في الأرض لئلا تميد الأرض. وروي أنه لما خلق الله الأرض جعلت تمور، فقالت الملائكة: لا يستقرُّ على ظهر هذه أحدٌ، فأصبحت وقد أرسيت بالجبال. ﴿وَأَنْهَارًا﴾ قال ابن عطية: ﴿وَأَنْهَارًا﴾ منصوب بفعل مضمر تقديره: وجعل أو خلق أنهارا، قال: وإجماعهم على إضمار هذا الفعل دليلٌ على أن ﴿وَأَلْقَى﴾ أخصُّ من «جعل» و «خلق»، ولو كانت ﴿وَأَلْقَى﴾ بمعنى «خلق» لم يحتج إلى هذا الإضمار (١). ﴿وَسُبُلًا﴾ يعني: الطرق.

стр. 1328

﴿وَعَلَامَاتٍ﴾ يعني: ما يستدلُّ به على الطرق من الجبال والمناهل وغير ذلك، وهو معطوف على ﴿وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا﴾. وقال ابن عطية: هو نصبٌ على المصدر؛ أي: لعلكم تعتبرون وعلامات أي: عبرةً وإعلامًا (١). ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ يعني: الاهتداء بالليل في الطرق، والنجم هنا: جنس. وقيل: المراد الثريا والفرقدان. فإن قيل: قوله: ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ مُخرجٌ عن سَنن الخطاب، وقدَّم فيه النجم، كأنه يقول: وبالنجم خصوصًا هؤلاء خصوصًا يهتدون، فمن المراد بـ ﴿هُمْ﴾؟ فالجواب: أنه أراد قريشًا؛ لأنهم كان لهم في الاهتداء بالنجم في سيرهم علْمٌ لم يكن لغيرهم، وكان الاعتبار ألزمَ لهم فخُصُّوا. قال ذلك الزمخشري (٢). ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ﴾ تقريرٌ يقتضي الردَّ على مَنْ عبد غير الله، وإنما عبَّر عنهم بـ «مَنْ»: لأن فيهم مَنْ يعقل ومن لا يعقل. أو مشاكلةً لقوله: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ﴾.

стр. 1329

﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ ذَكَرَ من أول السورة إلى هنا أنواعًا من مخلوقاته تعالى على وجه الاستدلال بها على وحدانيته، ولذلك أعقبها بقوله: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ﴾. وفيها أيضًا تعدادٌ لنعمه على خلقه؛ ولذلك أعقبها بقوله: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾، ثم أعقب ذلك بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي: يغفر لكم التقصير في شكر نعمه. ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ نفى عن الأصنام صفات الربوبية، وأثبت لهم أضدادها، وهي أنهم مخلوقون غير خالقين، وغير أحياء، وغير عالمين بوقت البعث، فلما قام البرهان على بطلان ربوبيتهم أثبت الربوبية لله وحده فقال: ﴿إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾. ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾ أي: لم تكن لهم حياة قط ولا تكون، وذلك أغرق في موتها ممن تقدَّمتْ له حياة ثم مات، ثم يعقُب موتَه حياةٌ. ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ الضمير في ﴿يَشْعُرُونَ﴾ للأصنام، وفي ﴿يُبْعَثُونَ﴾ للكفار الذين عبدوهم. وقيل: إن الضميرين للكفار.

стр. 1330

[﴿إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٢٢) لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ (٢٣) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٤) لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (٢٥)﴾]. ﴿قُلُوبُهُمْ مُنكِرَةٌ﴾ أي: تنكر وحدانية الله تعالى وجل. ﴿لَا جَرَمَ﴾ أي: لا بدَّ، ولا شكَّ. وقيل: إن ﴿لَا﴾ نفيٌ لما تقدَّم، و ﴿جَرَمَ﴾ معناه: وَجب، أو حَقَّ، و «أَنَّ» فاعلةٌ بـ ﴿جَرَمَ﴾. ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي: ما سطره الأولون، وكان النضر بن الحارث قد اتَّخذ كتب (١) تواريخ، وكان يقول: إنما يحدِّث محمد بأساطير الأولين، وحديثي أجمل من حديثه. و ﴿مَاذَا﴾ يجوز أن يكون: اسمًا واحدًا مركبًا من «ما» و «ذا»، ويكون منصوبًا بـ ﴿أَنْزَلَ﴾. أو أن تكون «ما» استفهامية في موضع رفع بالابتداء، و «ذا» بمعنى الذي، وفي ﴿أَنْزَلَ﴾ ضمير محذوف. ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ﴾ اللام لام العاقبة والصيرورة؛ أي: قالوا أساطير الأولين، فأوجب ذلك أن حملوا أوزارهم وأوزار غيرهم.

стр. 1331

ويحتمل أن تكون للأمر. ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ حال: من المفعول في ﴿يُضِلُّونَهُمْ﴾، أو من الفاعل.

стр. 1332

[﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٢٦) ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ (٢٧) الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨) فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٢٩) وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ (٣٠) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ (٣١) الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٢) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٣٣) فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٣٤)﴾]. ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُم مِنَ الْقَوَاعِدِ﴾ الآية؛ قيل: المراد بالذين من قبلهم: نمروذ؛ فإنه بنى صرحًا ليصعد فيه إلى السماء بزعمه، فلما علا فيه فَرْسَخين هدمه الله وخرَّ سقفه عليه. وقيل: المراد بالذين من قبلهم: كلُّ من كفر من الأمم المتقدمة، ونزلت به عقوبة الله، فالبنيان والسقف والقواعد على هذا تمثيل. ﴿وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ﴾ توبيخٌ للمشركين، وأضاف الشركاء إلى نفسه؛ أي: على زعمكم ودعواكم، وفيه تهكُّمٌ بهم. ﴿الَّذِينَ كُنتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ﴾ أي: تعادون من أجلهم.

стр. 1333

فمن قرأ بكسر النون: فالمفعول ضمير المتكلم وهو الله . ومن قرأ بفتحتها: فالمفعول محذوف تقديره: تعادون المؤمنين من أجلهم. ﴿قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ هم الأنبياء والعلماء من كل أمة. وقيل: يعني الملائكة. واللفظ أعم من ذلك. ﴿ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ﴾ حالٌ من الضمير المفعول في ﴿تَتَوَفَّاهُمُ﴾. ﴿فَأَلْقَوُا السَّلَمَ﴾ أي: استسلموا للموت. ﴿مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ﴾ أي: قالوا ذلك، ويحتمل قولهم لذلك: أن يكونوا قصدوا الكذب؛ اعتصامًا به، كقولهم: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]. أو يكونوا أخبروا على حسب اعتقادهم في أنفسهم، فلم يقصدوا الكذب ولكنه كذبٌ في نفس الأمر. ﴿بَلَى﴾ من قول الملائكة للكفار؛ أي: قد كنتم تعملون السوء. ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا﴾ لما وصف مقالة الكفار الذين قالوا أساطير الأولين؛ قابل ذلك بمقالة المؤمنين. فإن قيل: لم نصب جواب المؤمنين، وهو قولهم: ﴿خَيْرًا﴾، ورفع جواب الكافرين وهو ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾؟

стр. 1334

فالجواب: أن قولهم ﴿خَيْرًا﴾ منصوب بفعل مضمر تقديره: أنزل خَيْرًا، ففي ذلك اعتراف بأن الله أنزله، وأما ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ فهو خبر ابتداء مضمر تقديره: هو أساطير الأولين، فلم يعترفوا بأن الله أنزله؛ فلا وجه لنصبه، ولو كان منصوبًا لكان الكلام متناقضًا؛ لأن قولهم: أساطير الأولين يقتضي التكذيب بأن الله أنزله، والنصب بفعل مضمر يقتضي التصديق بأن الله أنزله؛ لأن تقديره: أنزل. فإن قيل: يلزم مثل هذا في الرفع؛ لأن تقديره: هو أساطير الأولين؛ فإنه غير مطابق للسؤال الذي هو: ﴿مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ﴾؟ فالجواب: أنهم عدلوا بالجواب عن السؤال، فقالوا: هو أساطير الأولين، ولم ينزله الله. ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾ ارتفع ﴿حَسَنَةٌ﴾ بالابتداء، و ﴿لِلَّذِينَ﴾ خبره. والجملة بدلٌ من ﴿خَيْرًا﴾، وتفسيرٌ للخير الذي قالوه. وقيل: هي استئنافُ كلام الله تعالى، لا من كلام الذين قالوا خَيْرًا. ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ يَحتمل أن يكون هو اسم الممدوح بـ ﴿نِعْمَ﴾، فيكون: مبتدأ وخبره فيما قبله. أو خبر ابتداء مضمر. ويحتمل أن يكون مبتدأ، وخبره: ﴿يَدْخُلُونَهَا﴾، أو مضمر تقديره: لهم جنات عدن.

стр. 1335

﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ أي: ينتظرون، والضمير للكفار. ﴿إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ يعني: لقبض أرواحهم. ﴿أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ يعني: قيام الساعة، أو العذاب في الدنيا. ﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا﴾ أي: أصابهم جزاء سيئات ما عملوا. ﴿وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أي: أحاط بهم العذاب الذين كانوا به يستهزؤون، وهذا تفسيره حيث وقع.
следующие страницы →