فمن قرأ بكسر النون: فالمفعول ضمير المتكلم وهو الله .
ومن قرأ بفتحتها: فالمفعول محذوف تقديره: تعادون المؤمنين من أجلهم.
﴿قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ هم الأنبياء والعلماء من كل أمة. وقيل: يعني الملائكة.
واللفظ أعم من ذلك.
﴿ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ﴾ حالٌ من الضمير المفعول في ﴿تَتَوَفَّاهُمُ﴾.
﴿فَأَلْقَوُا السَّلَمَ﴾ أي: استسلموا للموت.
﴿مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ﴾ أي: قالوا ذلك، ويحتمل قولهم لذلك:
أن يكونوا قصدوا الكذب؛ اعتصامًا به، كقولهم: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣].
أو يكونوا أخبروا على حسب اعتقادهم في أنفسهم، فلم يقصدوا الكذب ولكنه كذبٌ في نفس الأمر.
﴿بَلَى﴾ من قول الملائكة للكفار؛ أي: قد كنتم تعملون السوء.
﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا﴾ لما وصف مقالة الكفار الذين قالوا أساطير الأولين؛ قابل ذلك بمقالة المؤمنين.
فإن قيل: لم نصب جواب المؤمنين، وهو قولهم: ﴿خَيْرًا﴾، ورفع جواب الكافرين وهو ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾؟
стр. 1334
فالجواب: أن قولهم ﴿خَيْرًا﴾ منصوب بفعل مضمر تقديره: أنزل خَيْرًا، ففي ذلك اعتراف بأن الله أنزله، وأما ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ فهو خبر ابتداء مضمر تقديره: هو أساطير الأولين، فلم يعترفوا بأن الله أنزله؛ فلا وجه لنصبه، ولو كان منصوبًا لكان الكلام متناقضًا؛ لأن قولهم: أساطير الأولين يقتضي التكذيب بأن الله أنزله، والنصب بفعل مضمر يقتضي التصديق بأن الله أنزله؛ لأن تقديره: أنزل.
فإن قيل: يلزم مثل هذا في الرفع؛ لأن تقديره: هو أساطير الأولين؛ فإنه غير مطابق للسؤال الذي هو: ﴿مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ﴾؟
فالجواب: أنهم عدلوا بالجواب عن السؤال، فقالوا: هو أساطير الأولين، ولم ينزله الله.
﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾ ارتفع ﴿حَسَنَةٌ﴾ بالابتداء، و ﴿لِلَّذِينَ﴾ خبره.
والجملة بدلٌ من ﴿خَيْرًا﴾، وتفسيرٌ للخير الذي قالوه.
وقيل: هي استئنافُ كلام الله تعالى، لا من كلام الذين قالوا خَيْرًا.
﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ يَحتمل أن يكون هو اسم الممدوح بـ ﴿نِعْمَ﴾، فيكون:
مبتدأ وخبره فيما قبله.
أو خبر ابتداء مضمر.
ويحتمل أن يكون مبتدأ، وخبره: ﴿يَدْخُلُونَهَا﴾، أو مضمر تقديره: لهم جنات عدن.
стр. 1335
﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ أي: ينتظرون، والضمير للكفار.
﴿إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ يعني: لقبض أرواحهم.
﴿أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ يعني: قيام الساعة، أو العذاب في الدنيا.
﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا﴾ أي: أصابهم جزاء سيئات ما عملوا.
﴿وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أي: أحاط بهم العذاب الذين كانوا به يستهزؤون، وهذا تفسيره حيث وقع.
стр. 1336
[﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٣٥) وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦) إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٣٧) وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٨) لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ (٣٩) إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٠)﴾].
﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ قالوا ذلك على وجه المجادلة والمخاصمة والاحتجاج على صحة فعلهم؛ أي: إِنَّ فِعْلَنَا هو بمشيئةِ الله فهو صواب، ولو شاء الله أن لا نفعله ما فعلناه.
والرَّدُّ عليهم: بأن الله نهى عن الشرك ولكنه قضاه على من يشاء من عباده.
ويحتمل أن يكونوا قالوا ذلك في الآخرة على وجه التمني؛ فإن «لو» تكون للتمني، والمعنى على هذا: أنهم لما رأوا العذاب تمنوا أن يكونوا لم يعبدوا غيره، ولم يحرموا ما أحلَّ الله من البحيرة وغيرها.
﴿فَإِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾ قرئ بضم الياء من ﴿يُهْدَى﴾ وفتح الدال على البناء للمفعول؛ أي: لا يَهدي غيرُ الله مَنْ يضله الله.
وقرئ ﴿يَهْدِي﴾ بفتح الياء وكسر الدال، والمعنى على هذا: لا يهدي الله من قضى بإضلاله.
стр. 1337
﴿وَمَا لَهُمْ مِن نَاصِرِينَ﴾ الضمير عائد على ﴿مَنْ يُضِلُّ﴾؛ لأنه في معنى الجمع.
﴿بَلَى﴾ ردٌّ على الذين أقسموا لا يبعث الله من يموت؛ أي: أنه يبعث.
﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ اللام تتعلق بما دل عليه ﴿بَلَى﴾؛ أي: يبعثهم ليبين لهم، وهذا برهان على البعث؛ فإن الناس مختلفون في أديانهم ومذاهبهم، فيبعثهم الله ليبين لهم الحق فيما اختلفوا فيه.
﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ﴾ الآية؛ برهانٌ أيضًا على البعث؛ لأنه داخل تحت قدرة الله تعالى.
стр. 1338
[﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٤١) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٤٢) وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣) بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤) أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٤٥) أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٤٦) أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٤٧) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ (٤٨) وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩) يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٥٠)﴾].
﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ﴾ يعني: الذين هاجروا من مكة إلى أرض الحبشة؛ لأن الهجرة إلى المدينة كانت بعد هذا.
وقيل: نزلت في أبي جندل بن سهيل وخبره مذكور في السِّيرِ في قصة الحديبية، وهذا بعيد؛ لأن السورة نزلت قبل ذلك.
﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ وعدٌ أن ينزلهم بقعةً حسنة، وهي المدينة التي استقرُّوا بها.
وقيل: إن ﴿حَسَنَةً﴾ صفة لمصدر؛ أي: نبوئتهم تبوئةً حسنة.
وقرئ «لَنُثْوِيَنَّهُمْ» بالثاء؛ من الثَّواء.
﴿الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ وصفٌ للذين هاجروا، ويحتمل إعرابه أن يكون: نعتًا.
أو على تقدير: هم الذين، أو أمدح الذين.
стр. 1339
﴿إِلَّا رِجَالًا﴾ ردٌّ على من استبعد أن يكون الرسول من البشر.
﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ يعني: أحبار اليهود والنصارى؛ أي: لأن جميعهم يشهدون أن الرسول (١) من البشر.
﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ﴾ يتعلق بـ:
بـ ﴿أَرْسَلْنَا﴾ الذي في أول الآية على التقديم والتأخير في الكلام.
أو بـ «أرسلنا» مضمرًا.
أو بـ ﴿يُوحَى﴾.
أو بـ ﴿تَعْلَمُونَ﴾.
﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ﴾ يعني: القرآن.
﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ يحتمل أن يريد:
لتبين القرآن بسَرْدِك نصَّه وتعليمه للناس.
أو لتبين معانيه؛ بتفسير مشكله، فيدخل في هذا ما بينته السنة من الشريعة.
﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ﴾ يعني: كفار قريش عند جمهور المفسرين.
و ﴿السَّيِّئَاتِ﴾ تحتمل وجهين:
أحدهما: أن يريد بها الأعمال السيئات؛ أي: المعاصي، فيكون ﴿مَكَرُوا﴾ يتضمن معنى: عملوا.
стр. 1340
والآخر: أن يريد: المكَرَات السَّيِّئاتِ؛ أي: مَكْرَهم بالنبي ﷺ ؛ فيكون المكر على بابه.
﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ﴾ يعني: في أسفارهم.
﴿فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ أي: بمُفْلِتِين، حيث وقع.
﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: أن معناه: على تنقُّصٍ؛ أي: ينتقصُ أموالهم وأنفسهم شيئًا بعد شيء حتى يهلكوا، من غير أن يُهلكهم جملةً واحدة؛ ولهذا أشار بقوله: ﴿فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾؛ لأن الأخذ هكذا أخفُّ من غيره، وقد كان عمر بن الخطاب أشكل عليه معنى التخوف في الآية، حتى قال له رجل من هذيل: التخوف التنقص في لغتنا (١).
والوجه الثاني: أنه من الخوف؛ أي: يهلك قومًا قبلهم، فيتخوَّفوا هم ذلك، فيأخذهم بعد أن توقَّعوا العذاب وخافوه، وذلك خلاف قوله: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ (٢).
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ﴾ معنى الآية: اعتبارٌ بانتقال الظل، ويعني بقوله: ﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ الأجرام التي لها ظِلالٌ؛ من الجبال والشجر والحيوان وغير ذلك؛ وذلك أن الشمس من وقت طلوعها إلى وقت الزوال يكون ظلُّها إلى جهةٍ، ومن الزوال إلى الليل إلى جهة
стр. 1341
أخرى، ثم يمتدُّ الظل ويعمُّ بالليل إلى طلوع الشمس.
وقوله: ﴿يَتَفَيَّأُ﴾ من الفيء؛ وهو الظل الذي يرجع بعكس ما كان غُدْوَةً، وقال رؤبة بن العجاج: يقال بعد الزوال: ظل وفيء، ولا يقال قبله إِلَّا: ظل، ففي لفظ: ﴿يَتَفَيَّأُ﴾ هنا تجوُّزٌ مَا؛ لوقوع الخصوص في موضع العموم؛ لأن المقصود الاعتبار من أول النهار إلى آخره، فوضع ﴿يَتَفَيَّأُ﴾ موضع ينتقل أو يميل (١).
والضمير في ﴿ظِلَالُهُ﴾ يعود على: ﴿مَا﴾، أو على ﴿شَيْء﴾.
﴿عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ﴾ يعني: عن الجانبين؛ أي: يرجع الظل من جانب إلى جانب، و ﴿الْيَمِينِ﴾ بمعنى الأيمان، واستعار هنا الأيمان والشمائل للأجرام؛ فإن اليمين والشمال إنما هما في الحقيقة للإنسان.
﴿سُجَّدًا لِلَّهِ﴾ حالٌ من الظِّلال.
وقال الزمخشري: حال من الضمير في ﴿ظِلَالُهُ﴾، إذ هو بمعنى الجمع؛ لأنه يعود على قوله: ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ (٢).
فعلى الأول: يكون السجود من صفة الظِّلال.
وعلى الثاني: يكون من صفة الأجرام.
стр. 1342
واختُلف في معنى هذا السجود:
فقيل: عبَّر به عن الخضوع والانقياد.
وقيل: هو سجود حقيقة.
﴿وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾ أي: صاغرون، وجمع بالواو؛ لأن الدُّخُور من أوصاف العقلاء.
﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ﴾ يَحتمل أن يكون ﴿مِنْ دَابَّةٍ﴾:
بيانًا لما في السموات وما في الأرض معًا؛ لأن كل حيوان يصحُّ أن يوصف بأنه يَدِبُّ.
ويحتمل أن يكون بيانًا لما في الأرض خاصة.
وإنما قال: ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾؛ ليعم العقلاء وغيرهم، ولو قال: «من في السموات» لم يدخل في ذلك غير العقلاء. قاله الزمخشري (١).
﴿وَالْمَلَائِكَةُ﴾ إن كان قوله: ﴿مِنْ دَابَّةٍ﴾ بيانًا لما في السموات والأرض: فقد دخل الملائكة في ذلك، وكرَّر ذكرهم؛ تخصيصًا لهم بالذكر وتشريفًا.
وإن كان ﴿مِنْ دَابَّةٍ﴾ لما في الأرض خاصةً: فلم تدخل الملائكة في ذلك، فعطفهم على ما قبلهم.
стр. 1343
﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ هذا إخبارٌ عن الملائكة، وهو بيان نفي الاستكبار.
ويحتمل أن يريد:
فوقية القدرة والعظمة.
أو يكون من المشكلات التي يمسك عن تأويلها.
وقيل: معناه يخافون أن يُرسل عليهم عذابًا من فوقهم (١).
стр. 1344
[﴿وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٥١) وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ (٥٢) وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣) ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٥٤) لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٥٥) وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ (٥٦) وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ (٥٧) وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨) يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٥٩) لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٠)﴾].
﴿لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ وَصْفُ ﴿إِلَهَيْنِ﴾ بـ ﴿اثْنَيْنِ﴾ تأكيدًا وبيانًا للمعنى.
وقيل: إن ﴿اثْنَيْنِ﴾ مفعول أول و ﴿إِلَهَيْنِ﴾ مفعول ثاني، فلا يكون في الكلام تأكيد.
﴿فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ خَرَجَ من الغيبة إلى التكلم؛ لأنَّ الغائبَ هو المتكلمُ، و ﴿فَإِيَّايَ﴾ مفعول بفعل مضمر، ولا يعمل فيه ﴿فَارْهَبُونِ﴾؛ لأنه قد أخذ معموله.
﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾ أي: واجبًا وثابتًا، وقيل: دائمًا. وانتصابه: على الحال من ﴿الدِّينُ﴾.
﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ يُحتمل أن تكون الواو: للاستئناف.
стр. 1345
أو للحال؛ فيكون الكلام متصلًا بما قبله؛ أي: كيف تتقون غير الله، وما بكم من نعمة فمنه وحده؟.
﴿فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ أي: ترفعون أصواتكم بالاستغاثة والتضرع.
﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾ اللام: لام الأمر على وجه التهديد؛ لقوله بعدها: ﴿فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾، فعلى هذا يبتدئ بها.
وقيل: هي لام العاقبة؛ فعلى هذا توصل بما قبلها؛ لأنها في الأصل لام كي، وذلك بعيد في المعنى.
والكفر هنا يحتمل أن يريد به:
كفر النعم؛ لقوله: ﴿بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾.
أو كفر الجحود والشرك؛ لقوله: ﴿بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾.
﴿فَتَمَتَّعُوا﴾ يريد التمتع في الدنيا، وذلك أمرٌ على وجه التهديد.
﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ الضمير في ﴿يَجْعَلُونَ﴾ لكفار العرب؛ فإنهم كانوا يجعلون للأصنام نصيبًا من ذبائحهم وغيرها.
والمراد بقوله: ﴿لِمَا لَا يَعْلَمُونَ﴾ الأصنام، والضمير في ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ للكفار؛ أي: لا يعلمون ربوبيتهم ببرهان ولا بحجة.
وقيل: الضمير في ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ للأصنام؛ أي: لأشياء غير عالمةٍ، وهذا بعيد.
﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ﴾ إشارةٌ إلى قول الكفار: إن الملائكة بنات الله، ثم
стр. 1346
نزَّه تعالى نفسه عن ذلك بقوله: ﴿سُبْحَانَهُ﴾.
﴿وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾ المعنى: أنهم يجعلون لأنفسهم ما يشتهون؛ يعني بذلك: الذكور من الأولاد.
وأما الإعراب: فيجوز أن يكون ﴿مَا يَشْتَهُونَ﴾:
مبتدأ، وخبره المجرور قبله.
وأن يكون مفعولًا بفعل مضمر تقديره: ويجعلون لأنفسهم ما يشتهون.
وأن يكون معطوفًا على ﴿الْبَنَاتِ﴾؛ على أن هذا يمنعه البصريون؛ لأنه من باب: «ضربتني»، وكان يلزم عندهم أن يقال: لأنفسهم.
﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ إخبارٌ عن حال العرب في كراهتهم البنات.
و ﴿ظَلَّ﴾ هنا يحتمل أن تكون: على بابها، أو بمعنى صار.
والسَّواد: عبارةٌ عن العبوس والغم، وقد يكون معه سوادٌ حقيقةً.
و ﴿كَظِيمٌ﴾ قد ذُكِر في «يوسف» (١).
﴿يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ﴾ أي: يستخفي من أجل سوء ما بشِّر به.
﴿أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ﴾ المعنى: يدبّر وينظر هل يمسك الأنثى التي بُشِّر بها على هوانٍ وذُلٍّ لها، أو يدفنها في التراب حيةً، وهي المؤودة، وهذا معنى: ﴿يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ﴾.
стр. 1347
﴿مَثَلُ السَّوْءِ﴾ أي: صفة السَّوء؛ من الحاجة إلى الأولاد وغير ذلك من صفات الافتقار والنقص.
﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ أي: الوصف الأعلى؛ من الغنى عن كل شيء، والنزاهة عن صفات المخلوقين.
стр. 1348
[﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (٦١) وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ (٦٢) تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣) وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٦٤) وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٦٥)﴾].
﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ﴾ يعني: لو يعاقبهم في الدنيا.
﴿بِظُلْمِهِمْ﴾ أي: بكفرهم ومعاصيهم.
﴿مَا تَرَكَ عَلَيْهَا﴾ الضمير للأرض.
﴿مِنْ دَابَّةٍ﴾ يعمُّ (١) بني آدم وغيرَهم، وهذا يقتضي أن تهلك الحيوانات بذنوب بني آدم، وقد ورد ذلك في الأثر.
وقيل: يعني بني آدم خاصة.
﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ﴾ يعني: البنات.
﴿أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى﴾ ﴿أَنَّ﴾ بدلٌ من ﴿الْكَذِبَ﴾.
و ﴿الْحُسْنَى﴾ هنا: قيل: هي الجنة، وقيل: ذكور الأولاد.
﴿وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾ بكسر الراء والتخفيف؛ أي: متجاوزون الحدَّ في المعاصي.
стр. 1349
وبفتح الراء والتخفيف: من الفَرْط أي معجَّلون إلى النار.
وبكسر الراء والتشديد: من التَّفريط.
﴿فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ﴾ يحتمل أن يريد بـ ﴿الْيَوْمَ﴾: وقت نزول الآية، أو يوم القيامة.
﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً﴾ معطوفان على موضع ﴿لِتُبَيِّنَ﴾، وانتصبا على أنهما مفعول من أجلهما؛ أي: لأجل البيان والهدى والرحمة.
стр. 1350
[﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ (٦٦) وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٦٧) وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (٦٨) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٦٩) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (٧٠)﴾].
﴿نُسْقِيكُم﴾ بفتح النون وضمها: لغتان، يقال: سقى وأسقى.
﴿مِمَّا فِي بُطُونِهِ﴾ الضمير للأنعام، وإنما ذُكِّرَ:
لأنه مفرد بمعنى الجمع، كقولهم: ثوبٌ أخلاقٌ (١).
أو لأنه اسم جنس.
وإذا أنَّث فهو جمع نَعَمٍ.
﴿مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ﴾ الفرث: هو ما في الكَرِش من القَذَر، والمعنى: أن الله يخلق اللبن متوسطًا بين الفرث والدم يكتنفانه، ومع ذلك فلا يغيِّران له لونًا ولا طعمًا ولا رائحةً.
و «مِنْ» في قوله: ﴿مِمَّا فِي بُطُونِهِ﴾ للتبعيض، وفي قوله: ﴿مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ﴾ لابتداء الغاية.
стр. 1351
﴿سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾ يعني: سهلًا للشرب، حتى قيل: لم يَغَصَّ أحدٌ قطُّ باللبن.
﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ﴾ المجرور يتعلق بفعل محذوف تقديره: نسقيكم من ثمرات النخيل والأعناب؛ أي: من عصيرها، ويدلُّ عليه ﴿نُسْقِيكُمْ﴾ الأول.
أو يكون ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ﴾ معطوفًا على ﴿مِمَّا فِي بُطُونِهِ﴾.
أو يتعلَّق ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ﴾ بـ ﴿تَتَّخِذُونَ﴾، وكرَّر ﴿مِنْهُ﴾ توكيدًا.
أو يكون ﴿تَتَّخِذُونَ﴾ صفة لمحذوف تقديره: شيءٌ تتخذون.
﴿سَكَرًا﴾ يعني: الخمر، ونزل ذلك قبل تحريمها، فهي منسوخة بالتحريم.
وقيل: إن هذا على وجه المنَّة بالمنفعة التي في الخمر، ولا تعرُّض فيها لتحليل ولا تحريم، فلا نسخ.
وقيل: السَّكَر: المائع من هاتين الشجرتين كَالخَلِّ والرُّبِّ.
والرزق الحسن: العنب والتمر والزبيب.
﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ الوحي هنا: بمعنى الإلهام؛ فإن الوحي على ثلاثة أنواع: وحي كلام، ووحي منام، ووحي إلهام.
﴿أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾ ﴿أَنْ﴾ مفسّرة للوحي الذي أُوحِي إلى النحل، وقد جعل الله بيوت النحل في هذه الثلاثة الأنواع؛ إما في
стр. 1352
الجبال وكِوَاهَا (١)، وإما في متجوَّف الأشجار، وإما فيما يعرش بنو آدم من الأجباح (٢) والحيطان ونحوها.
و «من» في المواضع الثلاثة للتبعيض؛ لأن النحل إنما تتخذ بيوتًا في بعض الجبال، وبعض الشجر، وبعض الأماكن.
وعَرَشَ: معناه: هيَّأ أو بنى، وأكثر ما يستعمل فيما يكون من الأغصان والخشب.
﴿ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ عطف ﴿كُلِي﴾ على ﴿اتَّخِذِي﴾، و «من» للتبعيض؛ وذلك إنها إنما تأكل النُّوَّارَ (٣) من الأشجار.
وقيل: المعنى: من كل الثمرات التي تشتهيها.
﴿فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ﴾ يعني: الطرق في الطيران (٤)، وأضافها إلى الرب؛ لأنها مُلكه وخَلْقه.
﴿ذُلُلًا﴾ أي: مطيعةً منقادة، ويحتمل أن يكون:
حالًا من السبل، قال مجاهد: لم يتوعَّرْ قطُّ على النحل طريق.
أو حالًا من النحل؛ أي: منقادةً لما أمرها الله به.
стр. 1353
﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ﴾ يعني: العسل.
﴿مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ﴾ أي: منه أبيض وأصفر وأحمر.
﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ الضمير للعسل؛ لأن أكثر الأدوية مستعملة من العسل، كالمعاجين والأشربة النافعة من الأمراض، وكان ابن عمر يتداوى به من كل شيء؛ فكأنه أخذه على العموم، وعلى ذلك الحديث عن النبي ﷺ أن رجلًا جاء إليه، فقال: إن أخي يشتكي بطنه، فقال: «اسقه عسلًا»، فذهب ثم رجع فقال: فقد سقيته فما نفع، قال: «فاذهب فاسقه عسلًا؛ فقد صدق الله وكذب بطن أخيك»، فسقاه فشفاه الله (١).
﴿إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾ أي: إلى أخسه وأحقره، وهو الهرم.
وقيل: حدُّه خمسة وسبعون عامًا، وقيل: ثمانون، والصحيح: أنه لا ينحصر إلى مدة معينة، وأنه يختلف بحسب الناس.
﴿لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ اللام لام الصيرورة؛ أي: يصير إذا هرم لا يعلم شيئًا بعد أن كان يعلم قبل الهرم، وليس المراد نفي العلم بالكلية، بل ذلك عبارة عن قلة العلم؛ لغلبة النسيان.
وقيل: المعنى لئلا يعلم زيادةً على علمه شيئًا.
стр. 1354
[﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٧١) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ (٧٢) وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٧٣) فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٧٤) ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٧٥) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٦)﴾].
﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ﴾ الآية؛ في معناها قولان:
أحدهما: أنها احتجاجٌ على الوحدانية؛ كأنه يقول: أنتم لا تسوُّون بين أنفسكم وبين مماليككم في الرزق، ولا تجعلونهم شركاء لكم، فكيف تجعلون عبيدي شركاء لي؟!.
والآخر: أنها عتابٌ وذمٌّ لمن لا يحسن إلى مملوكه؛ حتى يردَّ ما رزقه الله عليه، كما جاء في الحديث: «أطعموهم مما تأكلون واكسوهم مما تلبسون» (١).
والأول أرجح.
стр. 1355
﴿أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ الجحد هنا:
على المعنى الأول: إشارةٌ إلى الإشراك بالله، وعبادة غيره.
وعلى المعنى الثاني: إشارةٌ إلى بَخْسِ (١) المماليك فيما يجب لهم من الإنفاق.
﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ يعني: الزوجات.
و ﴿مِنْ أَنفُسِكُمْ﴾ يحتمل:
أن يريد: من نوعكم وعلى خِلْقتكم.
أو يريد: أن حواء خلقت من آدم، وأسند ذلك إلى بني آدم لأنهم من ذريتهما.
﴿وَحَفَدَةً﴾ جمع حافِدٍ، ابن عباس: هم أولاد البنين، وقيل: الأصهار، وقيل: الخدم، وقيل: البنات؛ لأن لفظ البنين المذكَّر لا يدل عليهن.
والحَفْدُ (٢) في اللغة: الخِدْمة.
﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الآية؛ توبيخٌ للكفار، وردٌّ عليهم في عبادتهم للأصنام، وهي لا تملك لهم رزقًا.
وانتصب ﴿رِزْقًا﴾؛ لأنه (٣) مفعول بـ ﴿يَمْلِكُ﴾، ويحتمل أن يكون: مصدرًا، أو اسمًا لما يُرزَق.
стр. 1356
فإِن كان مصدرًا: فإِعراب ﴿شَيْئًا﴾ مفعول به؛ لأن المصدر ينصب المفعول.
وإِن كان اسمًا: فإِعراب ﴿شَيْئًا﴾ بدل منه.
﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ الضمير عائد على ﴿مَا﴾؛ لأن المراد به الآلهة.
ونفَى الاستطاعة بعد نفي الملك؛ لأن نفيها أبلغ في الذم.
﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا﴾ الآية؛ مثلٌ لله تعالى وللأصنام، فالأصنام كالعبد المملوك الذي لا يقدر على شيء، والله تعالى له الملك، وبيده الرزق، ويتصرَّف فيه كيف يشاء، فكيف يسوَّى بينه وبين الأصنام؟!.
وإِنما قال: ﴿لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾؛ لأن بعض العبيد يقدرون على بعض الأمور كالمُكاتَب والمأذون له.
﴿وَمَنْ رَزَقْنَاهُ﴾ «مَنْ» هنا نكرة موصوفة، والمراد بها: من هو حرٌّ قادر؛ كأنه قال: حرًّا رزقناه؛ ليطابق ﴿عَبْدًا﴾.
ويحتمل أن تكون موصولة.
﴿هَلْ يَسْتَوُونَ﴾ أي: هل يستوي العبيد والأحرار الذي ضرب بهم المثل؟!.
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ شكرٌ لله على بيان هذا المثال ووضوح الحق. ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ يعني: الكفار.
﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ﴾ الآية؛ مثلٌ لله تعالى وللأصنام، كالذي قبله، والمقصود منهما: إِبطال مذاهب المشركين،
стр. 1357
وإثبات الوحدانية لله تعالى.
وقيل: إن الرجل الأبكم: أبو جهل، والذي يأمر بالعدل: عمار بن ياسر.
والأظهر: عدم التعيين.
﴿وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ﴾ الكَلُّ: الثقيل؛ يعني: أنه عيال على وليه أو سيده، وهو مثال للأصنام، والذي يأمر بالعدل: هو الله تعالى.
ومعناه: ما يسكن فيه كالبيوت، أو يسكن إليه.
﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا﴾ يعني: بيوت (١) الأَدَم من القباب وغيرها.
﴿تَسْتَخِفُّونَهَا﴾ أي: تجدونها خفيفةً.
﴿يَوْمَ ظَعَنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ﴾ يعني: في السفر والحضر، واليوم هنا بمعنى الوقت، ويقال: ظعن الرجل: إذا رحلَ.
وقرئ ﴿ظَعَنِكُمْ﴾ بفتح العين، وإسكانها؛ تخفيفًا.
﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا﴾ الأصواف: للغنم، والأوبار: للإبل والأشعار: للمعز والبقر.
﴿أَثَاثًا﴾ الأثاث: متاع البيت من البسط وغيرها.
وانتصابه: على أنه مفعول بفعل مضمر تقديره: جعل.
﴿وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ أي: إلى وقت غير معين.
ويحتمل أن يريد: إلى أن تبلى وتفنى، أو إلى أن تموتوا.
﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا﴾ نعمةٌ عدَّدها الله عليهم بالظل؛ لأن الظل في بلادهم مطلوب محبوب؛ لشدَّة حَرَّها، ويعني بما خلق: من الشجر وغيرها.
﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا﴾ الأكنان: جمع كِنّ، وهو ما يقي من المطر والريح وغير ذلك، ويعني بذلك الغيران والبيوت المنحوتة في الجبال.
стр. 1360
﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ السَّرابيل: هي الثياب من القمص وغيرها.
وذكر وقاية الحر ولم يذكر البرد؛ لأن وقاية الحر أهم عندهم؛ لحرارة بلادهم.
وقيل: لأن ذِكْرَ أحدهما يغني عن ذكر الآخر.
﴿وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾ يعني: دروع (١) الحديد.
﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ إشارةٌ إلى ما ذَكر من النعم من أول السورة إلى هنا.
والضمير في ﴿يَعْرِفُونَ﴾ للكفار، وإنكارهم لنعم الله: إشراكهم به وعبادة غيره.
وقيل: ﴿نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ هنا: نبوة محمد ﷺ .
стр. 1361
[﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٨٤) وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذَابَ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٥) وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ (٨٦) وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٨٧) الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ (٨٨) وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾].
﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾ أي: يشهد عليهم بإيمانهم أو كفرهم.
﴿ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: لا يؤذن لهم في الاعتذار.
﴿وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ أي: لا يسترضون، وهو من العتبى بمعنى الرضا.
﴿وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ يحتمل أن يكون:
بمعنى التأخير.
أو بمعنى النظر؛ أي لا ينظر الله إليهم.
﴿فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ الضمير في ﴿فَأَلْقَوْا﴾ للمعبودين، والمعنى: أنهم كذَّبوهم في قولهم إنهم كانوا يعبدونهم، كقولهم: ﴿مَا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ﴾ [يونس: ٢٨].
فإن قيل: كيف كذبوهم وهم قد كانوا يعبدونهم؟.
فالجواب: أنهم لما كانوا غير راضين بعبادتهم؛ فكأن عبادتهم لم تكن عبادة.
стр. 1362
ويحتمل أن يكون تكذيبهم لهم في تسميتهم شركاء لله، لا في العبادة.
﴿وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ﴾ أي: استسلموا له (١) وانقادوا.
﴿زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾ رُوي أن الزيادة في العذاب هي حيات وعقارب كالبغال تلسعهم.
في العدل والإحسان، ولكنه جرَّده بالذِّكر؛ اهتمامًا به.
﴿وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ﴾ قيل: يعني الزنا، واللفظ أعم من ذلك.
﴿وَالْمُنكَرِ﴾ هو أعم من الفحشاء؛ لأنه يعم جميع المعاصي.
﴿وَالْبَغْيِ﴾ يعني: الظلم.
﴿وَلَا تَنقُضُوا الْأَيْمَانَ﴾ هذا في الأيمان التي في الوفاء بها خيرٌ، وأما ما كان تركه أولى فليُكفر عن يمينه وليفعل الذي هو خير منه، كما جاء في الحديث (١).
أو تكون الأيمان هنا: ما يحلفه الإنسان في حق غيره، أو معاهدةً لغيره.
﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾ أي: رقيبًا ومتكفلًا بوفائكم بالعهد.
وقيل: إن هذه الآية نزلت في بيعة النبي ﷺ .
وقيل: فيما كان بين العرب من حِلْفٍ في الجاهلية.
﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا﴾ شبَّه الله من يحلف ولا يفي بيمينه بالمرأة التي تغزل غزلًا قويًّا ثم تنقضه.
ويروى أنه كان بمكة امرأة حمقاء تسمى رَيْطَةَ بنت سعد، كانت تفعل ذلك، وبها وقع التشبيه.
وقيل: إنما شبه بامرأة غير معينة.
стр. 1365
﴿أَنكَاثًا﴾ جمع نِكْثٍ، وهو ما يُنكَثُ؛ أي: ينقض، وانتصابه على الحال.
﴿تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ﴾ الدَّخَل: الدَّغَل، وهو قصدُ الخديعة.
﴿أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾ ﴿أَنْ﴾ في موضع المفعول من أجله؛ أي: بسبب أن تكون أمة.
ومعنى ﴿أَرْبَى﴾: أكثر عددًا، أو أقوى.
ونزلت الآية في العرب الذين كانت القبيلة منهم تحالف الأخرى، فإذا جاءها قبيلةٌ أقوى منها غدرت الأولى وحالفت الثانية.
وقيل: الإشارة بالأربى هنا (١): إلى كفَّار قريش؛ إذ كانوا حينئذٍ أكثر من المسلمين.
﴿إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ﴾ الضمير:
للأمر بالوفاء.
أو لكون أمة أربى من أمة؛ فإن بذلك يظهر من يحافظ على الوفاء أو لا.
﴿فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا﴾ استعارةٌ في الرجوع عن الخير إلى الشر، وإنما أفرد القَدَم ونكَّرها؛ لاستعظام الزَّلَل في قدم واحدة، فكيف في أقدام كثيرة؟!.
﴿وَتَذُوقُوا السُّوءَ﴾ يعني: في الدنيا.
﴿بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يدلُّ على أن الآية فيمن بايع النبي ﷺ .
стр. 1366
﴿وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ يعني: في الآخرة.
﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ الثمن القليل: عرَض الدنيا، وهذا نهيٌ لمن بايع النبي ﷺ أن يَنْكُث لأجل ضعف الإسلام حينئذٍ وقوة الكفار، ورجائه الانتفاع في الدنيا إن رجع عن البيعة.
﴿مَا عِندَكُمْ يَنْفَدُ﴾ أي: يفنى.
﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ يعني: في الدنيا؛ فقال ابن عباس: هي الرزق الحلال، وقيل: هي القناعة.
وقيل: هي حياة الآخرة.
﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ ظاهر اللفظ: أن يستعاذ بعد القراءة؛ لأن الفاء تقتضي الترتيب، وقد شدَّ قومٌ فأخذوا بذلك.
وجمهور الأمة: على أن الاستعاذة قبل القراءة، وتأويل الآية: إذا أردت قراءة القرآن فاستعذ، أو إذا أخذت في قراءة القرآن فاستعذ بالله.
﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: ليس له عليهم سبيل، ولا يقدر على إضلالهم.
﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ أي: يتخذونه وليًا.
﴿بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ الضمير لإبليس، والباء سببية.
стр. 1367
[﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١) قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (١٠٢) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣) إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤) إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٠٥) مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٦) ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (١٠٧) أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٠٨) لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٠٩) ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٠)﴾].
﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾ التبديل هنا: النسخ، كان الكفار إذا نُسِخت آية، يقولون: هذا افتراء، ولو كان من عند الله لم يبدل.
﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ﴾ جملة اعتراض بين الشرط وجوابه، وفيها ردٌّ على الكفار؛ أي: الله أعلم بما يَصلح للعباد في وقت، ثم ما يصلح لهم بعد ذلك.
﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ﴾ يعني: جبريل.
﴿بِالْحَقِّ﴾ أي: مع الحق في أوامره ونواهيه وأخباره.
стр. 1368
ويحتمل أن يكون قوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾: بمعنى حقًّا، أو بمعنى أنه واجب النزول.
﴿أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ كان بمكة غلام أعجمي اسمه يعيش، وقيل: كانا غلامين اسم أحدهما جَبْر والآخر يسار، فكان النبي ﷺ يجلس إليهما ويدعوهما إلى الإسلام، فقالت قريش: هذان يعلمان محمدًا.
﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ﴾ اللسان هنا: بمعنى اللغة والكلام.
و ﴿يُلْحِدُونَ﴾ من أَلحد: إذا مال، وقرئ بفتح الياء، من لَحَدَ، وهما بمعنى.
وهذا ردٌّ عليهم بأن الشخص الذي أشاروا إليه أنه يعلمه أعجميُّ اللسان؛ وهذا القرآن عربي في غاية الفصاحة فلا يمكن أن يأتي به أعجمي.
﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ﴾ هذا في حق من علم الله منه أنه لا يؤمن، كقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦)﴾ [يونس: ٩٦]، فَاللفظ عام يراد به الخصوص، كقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ﴾ [البقرة: ٦] الآية.
وقال ابن عطية: المعنى: إن الذين لا يهديهم الله لا يؤمنون بالله، ولكنه قدَّم في هذا الترتيب وأخَّر؛ تهكمًا بتقبيح أفعالهم (١).
﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ ردٌّ على قولهم: ﴿إِنَّمَا
стр. 1369
أَنْتَ مُفْتَرٍ﴾؛ يعني: إنما يليق الكذب بمن لا يؤمن؛ لأنه لا يخاف الله، وأما من يؤمن بالله فلا يكذب عليه.
﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ الإشارة إلى الذين لا يؤمنون بالله؛ أي: هم الذين عادتهم الكذب؛ لأنهم لا يبالون بالوقوع في المعاصي.
ويحتمل أن يكون الكذب المنسوب إليهم قولهم: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ﴾.
﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ﴾ الآية؛ «مَنْ» شرطية في موضع رفع بالابتداء، وكذلك «مَنْ» في قوله: ﴿مَنْ شَرَحَ﴾؛ لأنه تخصيص من الأول.
وقوله: ﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ﴾:
جواب على الأولى والثانية؛ لأنهما بمعنى واحد.
أو يكون جوابًا للثانية، وجواب الأولى محذوف يدلُّ عليه جواب الثانية.
وقيل: ﴿مَنْ كَفَرَ﴾ بدل:
من ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.
أو من المبتدإ في قوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾.
أو من الخبر.
﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ﴾ استثناء من قوله: ﴿مَنْ كَفَرَ﴾ وذلك أن قومًا ارتدوا عن الإسلام، فنزلت فيهم الآية، وكان فيهم مَنْ أُكره على الكفر فنطق بكلمة الكفر وهو يعتقد الإيمان؛ منهم: عمار بن ياسر، وصهيب، وبلال؛ فعذرهم الله، روي: أن عمار بن ياسر شكا إلى رسول الله ﷺ ما صنع به من العذاب وما سامح به من القول، فقال له رسول الله ﷺ : «كيف تجد قلبك؟»
стр. 1370
قال: أجده مطمئنًّا بالإيمان، قال: «فأجبهم بلسانك؛ فإنه لا يضرك» (١).
وهذا الحكم فيمن أُكره بالنطق على الكفر.
وأما الإكراه على فعلٍ هو كفر، كالسجود للصنم؛ فاختلف هل تجوز الإجابة إليه أم لا؟.
فأجازه الجمهور.
ومنعه قوم.
وكذلك قال مالك: لا يلزم المكره يمينٌ، ولا طلاق، ولا عتق، ولا شيء فيما بينه وبين الله، ويلزمه ما كان من حقوق الناس، ولا تجوز له الإجابة إليه كالإكراه على قتل أحد أو أخذ ماله.
﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ الإشارةُ إلى العذاب، والباء للتعليل، فعلَّل عذابهم بعلتين:
إحداهما: إيثارهم الحياة الدنيا.
والأخرى: أن الله لا يهديهم.
﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا﴾ قراءة الجمهور ﴿فُتِنُوا﴾ بضم الفاء؛ أي: عُذِّبوا، فالآية -على هذا- في عمارٍ وشبهه من المعذَّبين على الإسلام.
وقرأ ابن عامر بفتح الفاء؛ أي: عذَّبوا المسلمين؛ فالآية على هذا فيمن