﴿وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ يعني: في الآخرة.
﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ الثمن القليل: عرَض الدنيا، وهذا نهيٌ لمن بايع النبي ﷺ أن يَنْكُث لأجل ضعف الإسلام حينئذٍ وقوة الكفار، ورجائه الانتفاع في الدنيا إن رجع عن البيعة.
﴿مَا عِندَكُمْ يَنْفَدُ﴾ أي: يفنى.
﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ يعني: في الدنيا؛ فقال ابن عباس: هي الرزق الحلال، وقيل: هي القناعة.
وقيل: هي حياة الآخرة.
﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ ظاهر اللفظ: أن يستعاذ بعد القراءة؛ لأن الفاء تقتضي الترتيب، وقد شدَّ قومٌ فأخذوا بذلك.
وجمهور الأمة: على أن الاستعاذة قبل القراءة، وتأويل الآية: إذا أردت قراءة القرآن فاستعذ، أو إذا أخذت في قراءة القرآن فاستعذ بالله.
﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: ليس له عليهم سبيل، ولا يقدر على إضلالهم.
﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ أي: يتخذونه وليًا.
﴿بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ الضمير لإبليس، والباء سببية.
стр. 1367
[﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١) قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (١٠٢) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣) إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤) إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٠٥) مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٦) ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (١٠٧) أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٠٨) لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٠٩) ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٠)﴾].
﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾ التبديل هنا: النسخ، كان الكفار إذا نُسِخت آية، يقولون: هذا افتراء، ولو كان من عند الله لم يبدل.
﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ﴾ جملة اعتراض بين الشرط وجوابه، وفيها ردٌّ على الكفار؛ أي: الله أعلم بما يَصلح للعباد في وقت، ثم ما يصلح لهم بعد ذلك.
﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ﴾ يعني: جبريل.
﴿بِالْحَقِّ﴾ أي: مع الحق في أوامره ونواهيه وأخباره.
стр. 1368
ويحتمل أن يكون قوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾: بمعنى حقًّا، أو بمعنى أنه واجب النزول.
﴿أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ كان بمكة غلام أعجمي اسمه يعيش، وقيل: كانا غلامين اسم أحدهما جَبْر والآخر يسار، فكان النبي ﷺ يجلس إليهما ويدعوهما إلى الإسلام، فقالت قريش: هذان يعلمان محمدًا.
﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ﴾ اللسان هنا: بمعنى اللغة والكلام.
و ﴿يُلْحِدُونَ﴾ من أَلحد: إذا مال، وقرئ بفتح الياء، من لَحَدَ، وهما بمعنى.
وهذا ردٌّ عليهم بأن الشخص الذي أشاروا إليه أنه يعلمه أعجميُّ اللسان؛ وهذا القرآن عربي في غاية الفصاحة فلا يمكن أن يأتي به أعجمي.
﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ﴾ هذا في حق من علم الله منه أنه لا يؤمن، كقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦)﴾ [يونس: ٩٦]، فَاللفظ عام يراد به الخصوص، كقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ﴾ [البقرة: ٦] الآية.
وقال ابن عطية: المعنى: إن الذين لا يهديهم الله لا يؤمنون بالله، ولكنه قدَّم في هذا الترتيب وأخَّر؛ تهكمًا بتقبيح أفعالهم (١).
﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ ردٌّ على قولهم: ﴿إِنَّمَا
стр. 1369
أَنْتَ مُفْتَرٍ﴾؛ يعني: إنما يليق الكذب بمن لا يؤمن؛ لأنه لا يخاف الله، وأما من يؤمن بالله فلا يكذب عليه.
﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ الإشارة إلى الذين لا يؤمنون بالله؛ أي: هم الذين عادتهم الكذب؛ لأنهم لا يبالون بالوقوع في المعاصي.
ويحتمل أن يكون الكذب المنسوب إليهم قولهم: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ﴾.
﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ﴾ الآية؛ «مَنْ» شرطية في موضع رفع بالابتداء، وكذلك «مَنْ» في قوله: ﴿مَنْ شَرَحَ﴾؛ لأنه تخصيص من الأول.
وقوله: ﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ﴾:
جواب على الأولى والثانية؛ لأنهما بمعنى واحد.
أو يكون جوابًا للثانية، وجواب الأولى محذوف يدلُّ عليه جواب الثانية.
وقيل: ﴿مَنْ كَفَرَ﴾ بدل:
من ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.
أو من المبتدإ في قوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾.
أو من الخبر.
﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ﴾ استثناء من قوله: ﴿مَنْ كَفَرَ﴾ وذلك أن قومًا ارتدوا عن الإسلام، فنزلت فيهم الآية، وكان فيهم مَنْ أُكره على الكفر فنطق بكلمة الكفر وهو يعتقد الإيمان؛ منهم: عمار بن ياسر، وصهيب، وبلال؛ فعذرهم الله، روي: أن عمار بن ياسر شكا إلى رسول الله ﷺ ما صنع به من العذاب وما سامح به من القول، فقال له رسول الله ﷺ : «كيف تجد قلبك؟»
стр. 1370
قال: أجده مطمئنًّا بالإيمان، قال: «فأجبهم بلسانك؛ فإنه لا يضرك» (١).
وهذا الحكم فيمن أُكره بالنطق على الكفر.
وأما الإكراه على فعلٍ هو كفر، كالسجود للصنم؛ فاختلف هل تجوز الإجابة إليه أم لا؟.
فأجازه الجمهور.
ومنعه قوم.
وكذلك قال مالك: لا يلزم المكره يمينٌ، ولا طلاق، ولا عتق، ولا شيء فيما بينه وبين الله، ويلزمه ما كان من حقوق الناس، ولا تجوز له الإجابة إليه كالإكراه على قتل أحد أو أخذ ماله.
﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ الإشارةُ إلى العذاب، والباء للتعليل، فعلَّل عذابهم بعلتين:
إحداهما: إيثارهم الحياة الدنيا.
والأخرى: أن الله لا يهديهم.
﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا﴾ قراءة الجمهور ﴿فُتِنُوا﴾ بضم الفاء؛ أي: عُذِّبوا، فالآية -على هذا- في عمارٍ وشبهه من المعذَّبين على الإسلام.
وقرأ ابن عامر بفتح الفاء؛ أي: عذَّبوا المسلمين؛ فالآية على هذا فيمن
стр. 1371
عذَّب المسلمين، ثم هاجر وجاهد، كالحضرمي (١) وأشباهه.
﴿إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ كرَّر ﴿إِنَّ رَبَّكَ﴾ تأكيدًا، والضمير في ﴿بَعْدِهَا﴾ يعود على الأفعال المذكورة؛ وهي: الهجرة، والجهاد، والصبر.
فإن قيل: كيف الجمع بين هذا وبين قوله: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣٦)﴾ [المرسلات: ٣٥ - ٣٦]؟
فالجواب: أن الحال مختلف باختلاف المواطن والأشخاص.
﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً﴾ الآية؛ قيل: إن القرية المذكورة مكة، كانت بهذه الصفة التي ذكرها الله، ﴿فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ﴾ يعني: بنبوة محمد ﷺ ، فأصابهم الجدب والخوف من غزو النبي ﷺ إليهم.
وقيل: إنما قصد قريةً غير معينة أصابها ذلك، فضرب الله بها مثلًا لمكة (١)، وهذا أظهر؛ لأن المراد وعظ أهل مكة بما جرى لغيرهم.
والضمائر في قوله: ﴿فَكَفَرَتْ﴾ و ﴿فَأَذَاقَهَا﴾ يراد بها أهل القرية؛ بدليل قوله: ﴿بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾.
﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾ الإذاقة واللباس هنا مستعاران.
أما الإذاقة فقد كثر استعمالها في البلايا حتى صارت كالحقيقة.
وأما اللباس فاستعير للجوع والخوف؛ لاشتمالهما على اللابس، ومباشرتهما له كمباشرة الثوب.
﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ﴾ إن كان المراد بالقرية مكة: فالرسول هنا: محمد ﷺ ، والعذاب الذي أخذهم: القحط وغيره.
وإن كانت القرية غير معينة: فالرسول: من المتقدمين كهود وشعيب وغيرهما، والعذاب: ما أصابهم من الهلاك.
стр. 1374
﴿فَكُلُوا﴾ وما بعده مذكور في «البقرة» (١).
﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾ هذه الآية مخاطبةٌ للعرب الذين أحلّوا أشياء وحرموا أشياء كالبحيرة وغيرها مما ذكر في سورة «المائدة» و «الأنعام»، ثم يدخل فيها كل من قال: هذا حلال أو حرام بغير علم.
وانتصب ﴿الْكَذِبَ﴾ بـ ﴿لَا تَقُولُوا﴾، ويكون قوله: ﴿هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾ بدلًا من ﴿الْكَذِبَ﴾، و «ما» في قوله: ﴿لِمَا تَصِفُ﴾ موصولة.
ويجوز أن ينتصب ﴿الْكَذِبَ﴾ بقوله: ﴿تَصِفُ﴾، وتكون «ما» على هذا مصدرية، ويكون قوله: ﴿هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾ معمول (٢) ﴿لَا تَقُولُوا﴾.
﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾ يعني: عيشهم في الدنيا، وانتفاعهم بما فعلوه من التحليل والتحريم.
﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ﴾ يعني قوله في «الأنعام»: ﴿حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ [الأنعام: ١٤٦] إلى آخر الآية، فذكر ما حرم على المسلمين وما حرم على اليهود؛ ليُعلم أن تحريم ما عدا ذلك افتراءٌ على الله، كما فعلت العرب.
﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾ هذه الآية تأنيسٌ لجميع الناس وفتح باب التوبة (٣).
﴿وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ يعني: لسان الصّدق، وأن جميع الأمم متفقون عليه.
وقيل: يعني المال والأولاد.
﴿لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ أي: من أهل الجنة.
﴿وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [¬*] نَفَى عنه الشرك؛ لقصد الرّدّ على المشركين من العرب الذين كانوا ينتمون إليه.
﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ أمر موسى بني إسرائيل أن يجعلوا يوم الجمعة مختصًّا للعبادة، فرضي بعضهم بذلك، وقال أكثرهم: بل يكون يوم السبت، فألزمهم الله يوم السبت، فاختلافهم فيه: هو ما ذُكِر، والسبت على هذا: هو اليوم.
وقيل: اختلافهم فيه: هو أنَّ منهم من حرَّم الصيد فيه، ومنهم من أحلَّه، فعاقبهم الله بالمسخ قردةً، فالمعنى: إنما جُعل وبال السبت على الذين اختلفوا فيه، والسبت على هذا: مصدرٌ مِنْ سبَتَ: إذا عظَّم يوم السبت. قاله الزمخشري (١).
وتقتضي الآية: أن السبت لم يكن من ملة إبراهيم ﵇.
﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ المراد بالسبيل هنا: الإسلام.
стр. 1377
والحكمة: هي الكلام الذي يظهر صوابه.
والموعظة: هي الترغيب والترهيب.
والجدال: هو الرَّدُّ على المخالف.
وهذه الأشياء الثلاثة يسميها أهل العلوم العقلية بالبرهان والخَطابة والجدَل (١).
وهذا الآية تقتضي مهادنةً نُسخت بالسيف.
وقيل: إن الدعاء إلى الله بهذه الطريقة من التلطُّف والرفقِ غيرُ منسوخ، وإنما السيف لمن لا تنفعه هذه الملاطفة من الكفار.
وأما العصاة فهي في حقِّهم مُحْكَمَة إلى يوم القيامة باتفاق.
﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ المعنى: إن صُنع بكم صنيع سوء فافعلوا مثله ولا تزيدوا عليه، والعقوبة في الحقيقة إنما هي الثانية، وسميت الأولى عقوبةً لمشاكلة اللفظ.
ويحتمل أن يكون ﴿عَاقَبْتُمْ﴾، بمعنى: أصبتم عُقبى؛ كقوله في «الممتحنة»: ﴿فَعَاقَبْتُمْ﴾ [الممتحنة: ١١]، بمعنى: غَنِمتم، فيكون في الكلام تجنيسٌ.
وقال الجمهور: إن الآية نزلت في شأن حمزة بن عبد المطلب، لما بَقَر المشركون بطنه يوم أحد قال النبي ﷺ : «والله لئن أظفرني الله بهم لأمثلن
стр. 1378
بسبعين منهم»، فنزلت الآية، فكفَّر النبي ﷺ عن يمينه، وترك ما أراد من المُثْلَةِ (١).
ولا خلاف أن المثلة حرام، وقد وردت الأحاديث بذلك؛ ويقتضي ذلك أنها مدنية.
ويحتمل أن تكون الآية عامة، ويكون ذكرهم لحمزة على وجه المثال، وتكون على هذا مكيةً كسائر السورة.
واختلف العلماء فيمن ظلمه رجل في مال ثم ائتمن الظالمُ المظلوم على مال، هل يجوز له خيانته في القدر الذي ظلمه؟.
فأجاز ذلك قوم؛ لظاهر الآية.
ومنعه مالك؛ لقوله ﷺ : «أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك» (٢).
﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ هذا ندبٌ إلى الصبر وترك عقوبة مَنْ أساء إليك؛ فإن العقوبة مباحة، وتركها أفضل، والضمير راجع إلى الصبر.
ويحتمل أن يراد بالصابرين هنا:
العموم.
أو يراد به المخاطبون؛ كأنه قال: خير لكم.
﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ هذا عزمٌ على النبي ﷺ في خاصَّته
стр. 1379
على الصبر، ويروى أنه قال لأصحابه: «أما أنا فأصبرُ كما أُمِرت، فماذا تصنعون؟» قالوا: نصبر كما نُدِبْنا (١). ثم أخبره أنه لا يصبر إلَّا بمعونة الله.
وقد قيل: إن ما في هذه الآية من الأمر بالصبر منسوخ بالسيف، وهذا إن كان الصبر يراد به ترك القتال، وأما إن كان الصبر يراد به ترك المثلة التي فُعِل مثلها بحمزة فذلك غير منسوخ.
﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ أي: لا تتأسَّف لكفرهم.
﴿وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ أي: لا يضقْ (٢) صدرك بمكرهم، والضَّيْق - بفتح الضاد - تخفيف من ضَيِّق، كميَّت وميْت.
وقرئ بالكسر، وهو مصدر.
ويجوز أن يكون الضَّيْق والضِّيق مصدرين.
﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ يريد أنه معهم بمعونته ونصره.
﴿وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ الإحسان هنا: يحتمل أن يراد به:
فعل الحسنات.
أو المعنى الذي أشار إليه رسول الله ﷺ بقوله: «أن تعبد الله كأنك تراه» (٣) وهذا هو الأظهر؛ لأنه رتبه فوق التقوى.
واختار ابن عطية أن يكون ﴿أَسْرَى﴾ هنا متعديًا؛ أي: أسرى الملائكةُ بعبده (١)، وهذا بعيد.
والعبد هنا: هو نبينا محمد ﷺ ، وإنما وصفه بالعبودية؛ تشريفًا له وتقريبًا.
﴿لَيْلًا﴾ إن قيل: ما فائدة قوله: ﴿لَيْلًا﴾ مع أن السُّرَى هو السير بالليل؟.
فالجواب: أنه أراد بقوله: ﴿لَيْلًا﴾ بلفظ التنكير تقليلَ مدَّة الإسراء، وأنه أسرى به في بعض الليل مسيرة أربعين ليلة، وذلك أبلغ في الأعجوبة.
﴿مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ يعني بالمسجد الحرام: مسجد مكة المحيط بالكعبة، وقد روي في الحديث أنه ﷺ قال: «بينما أنا نائم في الحجر إذ جاءني جبريل .. » (٢).
وقيل: كان النبي ﷺ ليلة الإسراء في بيته، فالمسجد الحرام على هذا: مكة؛ أي: بلد المسجد الحرام.
وأما المسجد الأقصى: فهو بيت المقدس الذي بإيلياء، وسُمِّيَ الأقصى؛ لأنه لم يكن وراءه حينئذ مسجد.
ويحتمل أن يريد بـ ﴿الْأَقْصَى﴾: الأبعد؛ فيكون المقصود إظهار العجب في الإسراء إلى هذا الموضع البعيد في ليلة.
стр. 1382
واختلف العلماء في كيفية الإسراء:
فقال الجمهور: كان بجسد النبي ﷺ وروحه.
وقال قوم: كان بروحه خاصة وكانت رؤيا نوم حقٌّ.
فحجة الجمهور: أنه لو كان منامًا لم تنكره قريش، ولم يكن في ذلك ما يكذِّب به الكفار، ألا ترى قول أم هانئ له: لا تخبرْ بذلك فيكذبك قومك؟.
وحجة من قال: إن الإسراء كان منامًا: قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ﴾ [الإسراء: ٦٠]، وإنما تقال الرؤيا في المنام، ويقال فيما يُرى بالعين: رؤية، وفي الحديث أنه ﷺ قال: «بينما أنا بين النائم واليقظان .. » (١) وذكر الإسراء، وقال في آخر الحديث: «فاستيقظت وأنا في المسجد الحرام .. ».
وجمع بعض الناس بين الأدلة فقال: إن الإسراء كان مرتين: إحداهما: بالجسد، والأخرى: بالروح، وأن الإسراء بالجسد كان من مكة إلى بيت المقدس، وهو الذي أنكرته قريش، وأن الإسراء بالروح كان إلى السموات السبع، ليلة فرضت الصلوات الخمس، ولقي الأنبياء في السموات.
﴿الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ صفة للمسجد الأقصى، والبركة حوله بوجهين: أحدهما: ما كان فيه وفي نواحيه من الأنبياء.
والآخر: كثرة ما فيه من الزروع والأشجار التي خصَّ الله بها الشام.
﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ أي: لنريَ محمدًا ﷺ تلك الليلة من العجائب، فإنه
стр. 1383
رأى السموات والجنة والنار وسدرة المنتهى والملائكة والأنبياء، وكلّمه الله تعالى حسبما ورد في أحاديث الإسراء، وهي في مصنفات الحديث فأغنى ذلك عن ذكرها هنا.
﴿وَجَعَلْنَاهُ هُدًى﴾ يَحتمل أن يعود الضمير: على ﴿الْكِتَابَ﴾، أو على ﴿مُوسَى﴾.
﴿أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا﴾ أي: ربًّا تَكِلُون إليه أمركم.
و «أَنْ» يَحتمل أن تكون: مصدريةً، أو مفسّرة.
﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾ منادى، وفي ندائهم بذلك تلطُّف وتذكير بنعمةٍ.
وقيل: هو مفعول ﴿تَتَّخِذُوا﴾.
ويتعيَّن معنى ذلك على قراءة مَنْ قرأ ﴿يَتَّخِذُوا﴾ بالياء.
ويعني بـ ﴿مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾: أولاده الثلاثة؛ وهم: سامٌ وحامٌ ويافثُ، ونساؤهم، ومنهم تناسل الناس بعد الطوفان.
﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ أي: كثير الشكر، كان يحمد الله على كل حال، وهذا تعليلٌ لما تقدّم؛ أي: كونوا شاكرين كما كان أبوكم نوح.
﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ﴾ قيل: إن ﴿قَضَيْنَا﴾ هنا بمعنى: أعلمنا وأخبرنا، كما قيل في: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ﴾ [الحجر: ٦٦]، والكتاب على هذا: التوراة.
وقيل: قضينا إليه: من القضاء والقدر، والكتاب على هذا: اللوح
стр. 1384
المحفوظ الذي كُتبت فيه مقادير الأشياء، و «إلى» بمعنى على.
﴿لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ هذه الجملة بيانٌ للمقضيِّ، وهي في موضع جواب ﴿قَضَيْنَا﴾ إذا كان من القضاء والقدر؛ لأنه جرى مجرى القسم.
وإن كان بمعنى أعلمنا: فهو جواب قسم محذوف، تقديره: والله لتفسدن، والجملة في موضع معمول ﴿قَضَيْنَا﴾.
والمرَّتان المشار إليهما: إحداهما: قتل زكريا، والأخرى: قتل يحيى ﵇.
﴿وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ من العلوِّ وهو الكبر (١) والتَّجبُّر.
﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا﴾ معناه: أنهم إذا أفسدوا في المرة الأولى بعث الله عليهم عبادًا له؛ لينتقم منهم على أيديهم.
واختلف في هؤلاء العبيد:
فقيل: جالوت وجنوده.
وقيل: بُخْتُ نَصَّرَ (٢) ملك بابل.
﴿فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ﴾ أي: تردَّدوا بينها بالفساد، روي أنهم قتلوا علماءهم وأحرقوا التوراة وخربوا المساجد وسَبَوْا منهم سبعين ألفًا.
﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ﴾ أي: الدَّولة والغلبة على الذين بُعثوا
стр. 1385
عليكم، ويعني: رجوعَ الملكِ إلى بني إسرائيل، واستنقاذَ أسراهم، وقتل بخت نصَّر.
وقيل: قتل داود لجالوت.
﴿أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾ أي: أكثر عددًا، وهو:
مصدر من قولك: نفَر الرجل: إذا خرج مسرعًا.
أو جمع نَفْرٍ.
﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ﴾ ﴿أَحْسَنْتُمْ﴾ الأول: بمعنى: فعل الحسنات، والثاني: بمعنى الإحسان، كقولك: أحسنتُ إلى فلان، ففيه تجنيسٌ، واللام فيه بمعنى «إلى»، وكذلك اللام في قوله: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾.
﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ﴾ يعني: إذا أفسدوا في المرة الآخرة، بعث الله عليهم أولئك العباد للانتقام منهم، فـ ﴿الْآخِرَةُ﴾ صفة للمرة.
ومعنى ﴿لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ﴾: يجعلونها تظهر فيها آثار الشر والسوء كقوله: ﴿سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الملك: ٢٧].
واللام: لام كي، وهي تتعلَّق بـ «بعثنا» المحذوف؛ لدلالة الأول عليه. وقيل: هي لام الأمر.
﴿وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ﴾ يعني: بيت المقدس.
﴿وَلِيُتَبِّرُوا﴾ من التَّبَار، وهو الإهلاك وشدَّة الفساد.
стр. 1386
﴿مَا عَلَوْا﴾ ﴿مَا﴾ مفعول ﴿يُتَبِّرُوا﴾؛ أي: يُهلِكوا ما غَلَبوا عليه من البلاد.
وقيل: إن ﴿مَا﴾ ظرفيةٌ؛ أي: يفسدوا مدَّة عُلُوِّهم.
﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ﴾ خطابٌ لبني إسرائيل، ومعناه: ترجيةٌ لهم بالرحمة إن تابوا بعد المرة الثانية.
﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾ خطابٌ - أيضًا - لبني إسرائيل؛ أي: إن عدتم إلى الفساد عدنا إلى عقابكم، وقد عادوا؛ فبعث الله عليهم محمدًا ﷺ وأمته يقتلونهم ويُذِلُّونهم إلى يوم القيامة.
﴿حَصِيرًا﴾ أي: سجنًا، وهو من الحَصْر.
وقيل: أراد به ما يفرش ويبسط، كالحصير المعروف.
﴿يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ أي: الطريقة والحالة التي هي أقوم.
وقيل: يعني لا إله إلا الله.
واللفظ أعم من ذلك.
﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾ الإنسان هنا وفي الذي قبله: اسم جنس.
وقيل: يعني هنا آدم، وهو بعيد.
﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: أن يراد أن الليل والنهار آيتان في أنفسهما، فتكون الإضافة في آية الليل وآية النهار كقولك: مسجد الجامع؛ أي: الآية التي هي الليل، والآية التي هي النهار، ومحو آية الليل على هذا: كونه مظلمًا.
والوجه الثاني: أن يراد بآية الليل القمر، وآية النهار الشمس، ومحو آية الليل على هذا: كون القمر لم يُجعَل له ضوء كضوء الشمس.
﴿وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ يحتمل أن يريد: النهار بنفسه، أو الشمس. ومعنى ﴿مُبْصِرَةً﴾ تُبصَر فيها الأشياء.
﴿لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أي: لتتوصلوا بضوء النهار إلى التصرف في معايشكم، ولتعلموا - باختلاف الليل والنهار، أو بمسير الشمس والقمر -: عدد السنين وحساب الأشهر والأيام.
﴿وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا﴾ انتصب ﴿وَكُلَّ﴾ بفعل مضمر، والتفصيل: البيان.
﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ انتصب ﴿وَكُلَّ﴾ بفعل مضمر، والطائر هنا: العَمَل، والمعنى: أن عمله لازم له.
وقيل: ﴿طَائِرَهُ﴾ ما قُدِّر عليه وله من خير وشر، والمعنى على هذا: أن كل ما يلقى الإنسان قد سبق به القضاء، وإنما عبَّر عن ذلك بالطائر؛ لأن العرب
стр. 1389
كانت عادتها التيمن والتشاءم بالطير.
وقوله: ﴿فِي عُنُقِهِ﴾ أي: هو كالقلادة أو الغُلِّ، لا ينفكُّ عنه.
﴿كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا﴾ يعني: صحيفة أعماله بالحسنات والسيئات.
﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ﴾ تقديره: يقال له: اقرأ.
﴿حَسِيبًا﴾ أي: محاسبًا، أو من الحساب؛ بمعنى العدد.
﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ معناه حيث وقع: لا يؤاخذ أحد بذنب أحد، والوزر في اللغة: الثِّقَل والحِمْل، ويراد به هنا: الذنوب.
ومعنى ﴿تَزِرُ﴾ تحمل، و ﴿وِزْرَ أُخْرَى﴾ أي: وزر نفس أخرى.
﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ قيل: إن هذا في حكم الدنيا؛ أي: أن الله لا يهلك أمةً إلَّا بعد الإعذار إليهم بإرسال رسول إليهم.
وقيل: هو عام في الدنيا والآخرة، وأن الله لا يعذب في الآخرة قومًا إلَّا وقد أرسل إليهم رسولًا فكفروا به وعصوه، ويدلُّ على ذلك قوله: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى﴾ [الملك: ٨ - ٩]، ومن هذا يؤخذ حكم أهل الفترات.
واستدلَّ أهل السنة بهذه الآية على أن التكليف لا يلزم العباد إلَّا من الشرع، لا من مجرد العقل.
﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا﴾ في تأويل ﴿أَمَرْنَا﴾ هنا ثلاثة أوجه:
أحدهما: أن يكون في الكلام حذف تقديره: أمرنا مترفيها بالخير
стр. 1390
والطاعة فعصوا وفسقوا.
والثاني: أن يكون ﴿أَمَرْنَا﴾ عبارةً عن القضاء عليهم بالفسق؛ أي: قضينا عليهم ففسقوا.
والثالث: أن يكون ﴿أَمَرْنَا﴾ بمعنى كثَّرنا، واختاره أبو علي الفارسي.
وأما على قراءة ﴿آمَرْنَا﴾ بمدّ الهمزة فهو بمعنى كثَّرنا.
وأما على قراءة ﴿أَمَّرْنَا﴾ بتشديد الميم فهو من الإمارة؛ أي: جعلناهم أمراء ففسقوا.
والمترفُ: الغنيُّ المتنعّمُ بالدنيا.
﴿فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ﴾ أي: القضاء الذي قضاه الله.
﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ﴾ القرن: مئة سنة، وقيل: أربعون.
﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ﴾ الآية في الكفار الذين يريدون الدنيا، ولا يؤمنون بالآخرة، على أن لفظها أعم من ذلك.
والمعنى: أنهم يعجّل الله لهم حظًّا من الدنيا بقيدين:
أحدهما: تقييد المقدار المعجَّل بمشيئة الله.
والآخر: تقييد الشخص المعجَّل له بإرادة الله، و ﴿لِمَنْ نُرِيدُ﴾ بدلٌ من ﴿لَهُ﴾، وهو بدل بعضٍ من كل.
﴿مَدْحُورًا﴾ أي: مبعدًا، أو مهانًا.
﴿وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا﴾ أي: عمل لها عملها.
стр. 1391
﴿كُلًّا نُمِدُّ﴾ انتصب ﴿كُلًّا﴾ بـ ﴿نُمِدُّ﴾، وهو من المَدَد، ومعناه: نزيدهم من عطائنا.
﴿هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ﴾ بدلٌ من ﴿كُلًّا﴾، والإشارة إلى الفريقين المتقدّمَيْن. ﴿مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ﴾ يعني: رزق الدنيا.
وقيل: من الطاعات لمن أراد الآخرة، ومن المعاصي لمن أراد الدنيا. والأول أظهر.
﴿مَحْظُورًا﴾ أي: ممنوعًا.
﴿فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ يعني: في رزق الدنيا.
﴿لَا تَجْعَلْ﴾ خطابٌ لواحد، والمراد به جميع الخلق؛ لأن المخاطب غير معين.
﴿مَذْمُومًا﴾ أي: يذمُّه الله وخيار عباده.
﴿مَخْذُولًا﴾ أي: غير منصور.
﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ﴾ هي «إن» الشرطية دخلت عليها «ما» المؤكّدة، وجوابها: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾.
والمعنى: الوصية ببر الوالدين إذا كبرا، أو كبر أحدهما، وإنما خصَّ حاله الكبَر؛ لأنهما حينئذٍ أحوجُ إلى البر والقيام بمؤنتهما؛ لضعفهما.
ومعنى ﴿عِنْدَكَ﴾ أي: في بيتك وتحت كنَفِك.
﴿أُفٍّ﴾ حيث وقعت: اسم فعل، معناها: قولٌ مكروه يقال عند الضجر ونحوه، وإنما المراد بها أقل كلمة مكروهة تصدر من الإنسان، فنهى الله تعالى أن يقال ذلك للوالدين، فأولى وأحرى أن لا يقال لهما ما فوق ذلك.
ويجوز في «أفّ» الكسر والفتح والضم، وهي حركات بناء، وأما تنوينها فهو للتنكير.
﴿وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ من الانتهار؛ وهو الإغلاظ في القول.
﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ استعارةٌ في معنى التواضع لهما والرفق بهما، فهو كقوله: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر: ٨٨]، وأضافه إلى الذُّلِّ مبالغةً في المعنى؛ كأنه قال: الجناح الذليل.
و «من» في قوله: ﴿مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ للتعليل؛ أي: من أجل إفراط الرحمة لهما والشفقة عليهما.
﴿لِلْأَوَّابِينَ﴾ قيل: معناه الصالحين، وقيل: المسبّحين، وهو مشتقٌّ من الأَوْبة بمعنى الرجوع؛ فحقيقته: الراجعين إلى الله.
стр. 1394
﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾ خطاب لجميع الناس لصلة قرابتهم والإحسان إليهم.
وقيل: هو خطاب خاص بالنبي ﷺ أن يؤتي قرابته حقَّهم من بيت المال.
والأول أرجح.
﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ﴾ الآية؛ معناها: إن أعرضت عن ذوي القربى والمساكين وابن السبيل إذا لم تجد ما تعطيهم؛ فقل لهم كلامًا حسنًا، وكان النبي ﷺ إذا سأله أحد فلم يكن عنده ما يعطيه أعرض عنه، حياءً منه، فأُمِر بحسن القول مع ذلك، وهو أن يقول: رزقكم الله وأعطاكم الله وشبه ذلك.
والميسور: مشتق من اليُسر.
﴿ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِن رَبِّكَ تَرْجُوهَا﴾ مفعول من أجله، يحتمل:
أن يتعلَّق بقوله: ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ﴾ والمعنى على هذا: أنه يعرض عنهم انتظارًا لرزق يأتيه، فيعطيه إياهم، فالرحمة على هذا: هو ما يرتجيه من الرزق.
أو يتعلق بقوله: ﴿فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا﴾؛ أي: ابتغ رحمة ربك بقولٍ ميسور، والرحمة على هذا: هي الأجر والثواب.
﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ استعارةٌ في معنى: غاية البخل؛ كأن البخيل حبست يده عن الإعطاء (١)، وشُدَّت إلى عنقه.
стр. 1395
﴿وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ استعارةٌ في معنى: غاية الجود، فنهى الله عن الطرفين، وأمر بالتوسط بينهما، كقوله: ﴿إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ [الفرقان: ٦٧].
﴿مَلُومًا﴾ أي: يلومك صديقك على كثرة عطائك وإضرارك بنفسك.
أو يلومك من يستحقُّ العطاء؛ لأنك لم تترك ما تعطيه.
أو يلومك سائر الناس على التبذير في العطاء.
﴿مَحْسُورًا﴾ أي: منقطعًا بك لا شيء عندك، وهو من قولهم: حسر السفرُ البعير: إذا أتعبه حتى لم تبقَ له قوةٌ (١).
﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ أي: يوسِّع على من يشاء، ويضيق على من يشاء؛ فلا تهتمَّ بما تراه من ذلك؛ فإن الله أعلم بمصالح عباده.
﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ﴾ ذُكِر في «الأنعام» (٢).
﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ الحقُّ الموجب لقتل النفس: هو ما ورد في الحديث من قوله ﷺ : «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، أو زنا بعد إحصان، أو قتل نفس أخرى» (٣).
وتتصل (٤) بهذه الأشياء أشياءُ أُخر؛ لأنها في معناها، كالحرابة،
стр. 1396
وترك الصلاة، ومنع الزكاة.
﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ المظلوم هنا: مَنْ قُتِلَ بغير حق.
والولي: هو ولي المقتول وسائر العَصَبة، وليس النساء من الأولياء عند مالك.
والسلطان الذي جعل الله له: هو القصاص، أو تخييره (١) بين العفو والقصاص.
﴿فَلَا يُسْرِف فِي الْقَتْلِ﴾ نهى عن أن يسرف وليُّ المقتول؛ بأن يقتل غير قاتل وليه، أو يقتل اثنين بواحد، أو غير ذلك من وجوه التعدي.
وقرئ ﴿فلا تُسْرِفْ﴾ بالتاء؛ خطابًا للقاتل، أو لوليِّ المقتول.
﴿إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا﴾ الضمير: للمقتول، أو لوليه، ونصره: هو القصاص.
﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ﴾ ذُكر في «الأنعام» (٢).
قال بعضهم (٣): ﴿لَا تَقْرَبُوا﴾ و ﴿لَا تَقْتُلُوا﴾ معطوفات على ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا﴾ (٤).
والظاهر: أنها مجزومات بالنهي؛ بدليل قوله بعدها: ﴿وَلَا تَقْفُ﴾ و ﴿وَلَا تَمْشِ﴾.
стр. 1397
ويصحُّ أن تكون معطوفات إذا جعلنا ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا﴾ مجزومًا على النهي، و «أن» مفسّرة.
﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ﴾ عامٌّ في العهود مع الله، ومع الناس.
﴿إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون من معنى (١) الطلب؛ أي: يُطْلَب الوفاء به.
والثاني: أن يكون المعنى: يُسأل عنه يوم القيامة، هل وفَّى به أم لا.
﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ﴾ قيل: القسطاس الميزان، وقيل: العدل.
وقرئ بكسر القاف، وهي لغةٌ.
﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ أي: أحسن عاقبةً ومآلًا، وهو من آل: إذا رجعَ.
﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ المعنى: لا تقل ما لا تعلم من ذمِّ الناس وشبه ذلك، واللفظ مشتق من قَفَوْتُه: إذا اتبعته.
﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ ﴿أُولَئِكَ﴾ إشارةٌ إلى السمع والبصر والفؤاد، وإنما عاملها معاملة العقلاء في الإشارة بـ ﴿أُولَئِكَ﴾؛ لأنها حواسٌ لها إدراك.
والضمير في ﴿عَنْهُ﴾ يعود على ﴿كُلُّ﴾، ويتعلَّق ﴿عَنْهُ﴾ بـ ﴿مَسْئُولًا﴾ والمعنى: أن الإنسان يُسأل عن سمعه وبصره وفؤاده.
وقيل: الضمير يعود على: ﴿مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾، والمعنى على هذا: أن السمع والبصر والفؤاد هي التي تُسأل عما ليس لها به علم، وهذا بعيد.
стр. 1398
﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ المَرَحُ: الخيلاء والكِبْرُ في المشية.
وقيل: هو إفراط السرور بالدنيا.
وإعرابه: مصدر في موضع الحال.
﴿إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ﴾ أي: لن تجعل فيها خَرْقًا بمشيك عليها، والخَرْقُ هو: القطع.
وقيل: معناه: لا تقدر أن تستوفي جميعها بالمشي.
والمراد بذلك: تعليل النهي عن الكبر والخيلاء؛ أي: إذا كنت أيها الإنسان لا تقدر على خرق الأرض، ولا على مطاولة الجبال؛ فكيف تتكبر وتختال في مشيك؟!، وإنما الواجب عليك التواضع.
﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ الإشارة إلى ما تقدم من المنهيات، والمكروه هنا: بمعنى الحرام، لا على اصطلاح الفقهاء في أن المكروه دون الحرام.
وإعراب ﴿مَكْرُوهًا﴾: نعت لـ ﴿سَيِّئُهُ﴾، أو بدل منها، أو خبر ثان لـ ﴿كَانَ﴾.
﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ﴾ خطابٌ على وجه التوبيخ للعرب الذين قالوا: إن الملائكة بنات الله، والمعنى: كيف يَجعل لكم الأعلى من النسل وهو الذكور، ويتخذُ لنفسه الأدنى وهو البنات؟!.
ومعنى ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ﴾: خصَّكم.
﴿قَوْلًا عَظِيمًا﴾ أي: عظيم النُّكر والشناعة.
стр. 1399
[﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا (٤١) قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا (٤٢) سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤٣) تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤) وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا (٤٥) وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا (٤٦) نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (٤٧) انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (٤٨) وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (٤٩) قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (٥٠) أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا (٥١) يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا (٥٢)﴾].
﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا تَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ هذا احتجاج على الوحدانية، وفي معناه قولان:
أحدهما: أن المعنى: لو كان مع الله آلهة لابتغوا سبيلًا إلى التقرب إليه بعبادته وطاعته، فيكون من جملة عباده.
والآخر: لابتغوا سبيلًا إلى إفساد مُلْكِهِ ومعاندته في قدرته، ومعلوم أن ذلك لم يكن؛ فلا إله إلا هو.
﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ﴾ الآية؛ اختلف في كيفية هذا التسبيح:
فقيل: هو تسبيح بلسان الحال؛ أي: بما تدلُّ عليه صنعتها من قدرة وحكمة.
стр. 1400
وقيل: إنه تسبيح حقيقة، وهذا أرجح؛ لقوله: ﴿وَلَكِن لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾.
﴿جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ في معناه قولان:
أحدهما: أن الله أخبر نبيه ﷺ أنه يستره من الكفار إذا أرادوا به شرًّا، ويحميه (١) منهم.
والآخر: أنه يحجب (٢) الكفار عن فهم القرآن، وهذا أرجح؛ لما بعده. والمستور هنا:
قيل: معناه مستور عن أعين الخلق؛ لأنه من لطف الله وكفايته، فهو من المغيبات.
وقيل: معناه ساترًا.
﴿أَكِنَّةً﴾ جمع كِنان؛ وهو الغطاء، و ﴿أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ مفعول من أجله تقديره: كراهةَ أن يفقهوه، وهذه كلها استعارات في إضلالهم.
﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ﴾ الآية؛ معناها: إذا ذكرت في القرآن وحدانية الله تعالى فرَّ المشركون عن ذلك؛ لما فيه من رفض آلهتهم وذمِّها.
و ﴿نُفُورًا﴾ مصدر في موضع الحال.
﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ﴾ كانوا يستمعون القرآن على وجه الاستهزاء، والضمير في ﴿بِهِ﴾ عائدٌ على «ما»؛ أي: نعلم ما يستمعون به من الاستهزاء.
стр. 1401
﴿وَإِذْ هُمْ نَجْوَى﴾ جماعةٌ يتناجون، أو هم ذو نجوى، والنجوى: كلام السِّرِّ.
﴿رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ قيل: معناه جُنَّ فسُحِر.
وقيل: معناه ساحر.
وقيل: هو من السَّحَر - بفتح السين -؛ وهو الرئة؛ أي: بشرًا ذا سحر مثلكم، وهذا بعيد.
﴿انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ﴾ أي: مثلوك بالساحر، والشاعر، والمجنون.
﴿فَضَلُّوا﴾ عن الحق.
﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ إلى الهدى؛ ونزلت الآية في الوليد بن المغيرة، وأصحابه من الكفار.
﴿وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا﴾ الآية؛ معناها: إنكارهم للبعث، واستبعادهم أن يخلقهم الله خلقًا جديدًا بعد فنائهم.
والرُّفات: الذي بَلِيَ حتى صار غبارًا وفتاتًا.
وقد ذُكر في «الرعد» اختلاف القراء في الاستفهامين (١).
﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا﴾ المعنى: لو كنتم حجارة أو حديدًا لقَدَرْنا على بعثكم وإحيائكم، مع أن الحجارة والحديد أصلب الأشياء وأبعدها عن
стр. 1402
الرطوبة التي في الحياة؛ فأولى وأحرى أن نبعث أجسادكم ونحيي عظامكم البالية، فذكَرَ الحجارة والحديد تنبيهًا بهما على ما هو أسهل في الحياة منهما.
ومعنى قوله: ﴿كُونُوا﴾ أي: كونوا في الوهم والتقدير، وليس المراد به التَّعجيز كما قال بعضهم في ذلك.
﴿أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾ قيل: يعني السموات والأرض والجبال.
وقيل: بل أحال على فكرتهم عمومًا في كل ما هو كبير عندهم؛ أي: لو كنتم حجارة أو حديدًا أو شيئًا أكبر عندكم من ذلك وأبعد عن الحياة؛ لقَدَرْنا على بعثكم.
﴿فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ﴾ أي: يحرِّكونها تحريك المستبعد للشيء، أو المستهزئ.
﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ﴾ أي: متى يكون البعث.
﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ الدعاء هنا: عبارةٌ عن البعث بالنفخ في الصور.
والاستجابة: عبارةٌ عن قيامهم من القبور طائعين منقادين.
و ﴿بِحَمْدِهِ﴾ في موضع الحال؛ أي: حامدين له.
وقيل: معنى ﴿بِحَمْدِهِ﴾: بأمره.
﴿وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾ يعني: لبثتم في الدنيا، أو في القبور.
وقيل: عيسى وأمه وعُزيرًا (١).
وقيل: نفرٌ من الجن كان العرب يعبدونهم.
والمعنى: أنهم لا يقدرون على كشف الضرِّ عنكم، فكيف تعبدونهم؟!.
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ المعنى: أن أولئك الآلهة الذين تدعون من دون الله يبتغون القربة إلى الله، ويرجونه، ويخافونه، فكيف تعبدونهم معه؟!.
وإعراب ﴿أُولَئِكَ﴾ مبتدأ، و ﴿الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ صفة له، و ﴿يَبْتَغُونَ﴾ خبره، والفاعل في ﴿يَدْعُونَ﴾ ضميرٌ للكفار (٢)، وفي ﴿يَبْتَغُونَ﴾ للآلهة (٣) المعبدودين.
وقيل: إن الضمير في ﴿يَدْعُونَ﴾ و ﴿يَبْتَغُونَ﴾ للأنبياء المذكورين قبلُ في قوله: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾.
و ﴿الْوَسِيلَةَ﴾ هي ما يُتوسَّل به ويُتقرب.
﴿أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ بدلٌ من الضمير في ﴿يَبْتَغُونَ﴾؛ أي: يبتغي الوسيلة من هو أقرب منهم، فكيف بغيره؟.
أو ضُمِّن معنى «يحرصون»؛ فكأنه قال: يحرصون أيهم يكون أقرب إلى الله بالاجتهاد في طاعته.
стр. 1405
ويحتمل أن يكون المعنى: أنهم يتوسلون بأيهم أقرب.
﴿مَحْذُورًا﴾ من الحذر؛ وهو الخوف.
﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ يحتمل هذا الكلام وجهين:
أحدهما: أن يكون بالموت والفناء الذي لا بدَّ منه.
والآخر: أن يكون بأمر من الله يأخُذُ (١) المدينة دفعةً فيهلكها، وهذا أظهر؛ لأن الأول معلوم لا يفتقر إلى الإخبار به.
والهلاك والتعذيب المذكوران في الآية هما في الحقيقة لأهل القرى؛ أي: مهلكو أهلها أو معذِّبوهم.
وروي: أن هلاك مكة بالحبشة، والمدينة بالجوع، والكوفة بالتُّرك، والأندلس بالخيل.
وسئل الأستاذ أبو جعفر بن الزبير عن غرناطة، فقال: أصابها العذاب يومَ قتل الموحدين بها في ثورة ابن هود، وأما هلاك قرطبة وإشبيلية وطليطلة وغيرها فأخذُ الروم لها.
﴿فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ يعني: اللوح المحفوظ.
﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾ الآيات هنا يراد بها: التي يقترحها الكفار، فإذا رأوها ولم يؤمنوا أهلكهم الله.