← Тафсир

Тафсир · id 30186

تفسير ابن جزي التسهيل لعلوم التنزيل - ط طيبة الخضراء

ابن جزي الكلبي

Полный текст (3 030 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

﴿وَإِذْ هُمْ نَجْوَى﴾ جماعةٌ يتناجون، أو هم ذو نجوى، والنجوى: كلام السِّرِّ. ﴿رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ قيل: معناه جُنَّ فسُحِر. وقيل: معناه ساحر. وقيل: هو من السَّحَر - بفتح السين -؛ وهو الرئة؛ أي: بشرًا ذا سحر مثلكم، وهذا بعيد. ﴿انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ﴾ أي: مثلوك بالساحر، والشاعر، والمجنون. ﴿فَضَلُّوا﴾ عن الحق. ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ إلى الهدى؛ ونزلت الآية في الوليد بن المغيرة، وأصحابه من الكفار. ﴿وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا﴾ الآية؛ معناها: إنكارهم للبعث، واستبعادهم أن يخلقهم الله خلقًا جديدًا بعد فنائهم. والرُّفات: الذي بَلِيَ حتى صار غبارًا وفتاتًا. وقد ذُكر في «الرعد» اختلاف القراء في الاستفهامين (١). ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا﴾ المعنى: لو كنتم حجارة أو حديدًا لقَدَرْنا على بعثكم وإحيائكم، مع أن الحجارة والحديد أصلب الأشياء وأبعدها عن

стр. 1402

الرطوبة التي في الحياة؛ فأولى وأحرى أن نبعث أجسادكم ونحيي عظامكم البالية، فذكَرَ الحجارة والحديد تنبيهًا بهما على ما هو أسهل في الحياة منهما. ومعنى قوله: ﴿كُونُوا﴾ أي: كونوا في الوهم والتقدير، وليس المراد به التَّعجيز كما قال بعضهم في ذلك. ﴿أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾ قيل: يعني السموات والأرض والجبال. وقيل: بل أحال على فكرتهم عمومًا في كل ما هو كبير عندهم؛ أي: لو كنتم حجارة أو حديدًا أو شيئًا أكبر عندكم من ذلك وأبعد عن الحياة؛ لقَدَرْنا على بعثكم. ﴿فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ﴾ أي: يحرِّكونها تحريك المستبعد للشيء، أو المستهزئ. ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ﴾ أي: متى يكون البعث. ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ الدعاء هنا: عبارةٌ عن البعث بالنفخ في الصور. والاستجابة: عبارةٌ عن قيامهم من القبور طائعين منقادين. و ﴿بِحَمْدِهِ﴾ في موضع الحال؛ أي: حامدين له. وقيل: معنى ﴿بِحَمْدِهِ﴾: بأمره. ﴿وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾ يعني: لبثتم في الدنيا، أو في القبور.

стр. 1403

[﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا (٥٣) رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (٥٤) وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (٥٥) قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (٥٦) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (٥٧) وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا (٥٨) وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا (٥٩) وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا (٦٠)﴾]. ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ العباد هنا: المؤمنون؛ أمرهم أن يقول بعضهم لبعض كلامًا لينا طيبًا. وقيل: أن يقولوه للمشركين، ثم نسخ بالسيف. وإعراب ﴿يَقُولُوا﴾ كقوله: ﴿يُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [إبراهيم: ٣١] في «إبراهيم»، وقد ذكر (١). ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِنْ دُونِهِ﴾ قيل: يعني الملائكة.

стр. 1404

وقيل: عيسى وأمه وعُزيرًا (١). وقيل: نفرٌ من الجن كان العرب يعبدونهم. والمعنى: أنهم لا يقدرون على كشف الضرِّ عنكم، فكيف تعبدونهم؟!. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ المعنى: أن أولئك الآلهة الذين تدعون من دون الله يبتغون القربة إلى الله، ويرجونه، ويخافونه، فكيف تعبدونهم معه؟!. وإعراب ﴿أُولَئِكَ﴾ مبتدأ، و ﴿الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ صفة له، و ﴿يَبْتَغُونَ﴾ خبره، والفاعل في ﴿يَدْعُونَ﴾ ضميرٌ للكفار (٢)، وفي ﴿يَبْتَغُونَ﴾ للآلهة (٣) المعبدودين. وقيل: إن الضمير في ﴿يَدْعُونَ﴾ و ﴿يَبْتَغُونَ﴾ للأنبياء المذكورين قبلُ في قوله: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾. و ﴿الْوَسِيلَةَ﴾ هي ما يُتوسَّل به ويُتقرب. ﴿أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ بدلٌ من الضمير في ﴿يَبْتَغُونَ﴾؛ أي: يبتغي الوسيلة من هو أقرب منهم، فكيف بغيره؟. أو ضُمِّن معنى «يحرصون»؛ فكأنه قال: يحرصون أيهم يكون أقرب إلى الله بالاجتهاد في طاعته.

стр. 1405

ويحتمل أن يكون المعنى: أنهم يتوسلون بأيهم أقرب. ﴿مَحْذُورًا﴾ من الحذر؛ وهو الخوف. ﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ يحتمل هذا الكلام وجهين: أحدهما: أن يكون بالموت والفناء الذي لا بدَّ منه. والآخر: أن يكون بأمر من الله يأخُذُ (١) المدينة دفعةً فيهلكها، وهذا أظهر؛ لأن الأول معلوم لا يفتقر إلى الإخبار به. والهلاك والتعذيب المذكوران في الآية هما في الحقيقة لأهل القرى؛ أي: مهلكو أهلها أو معذِّبوهم. وروي: أن هلاك مكة بالحبشة، والمدينة بالجوع، والكوفة بالتُّرك، والأندلس بالخيل. وسئل الأستاذ أبو جعفر بن الزبير عن غرناطة، فقال: أصابها العذاب يومَ قتل الموحدين بها في ثورة ابن هود، وأما هلاك قرطبة وإشبيلية وطليطلة وغيرها فأخذُ الروم لها. ﴿فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ يعني: اللوح المحفوظ. ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾ الآيات هنا يراد بها: التي يقترحها الكفار، فإذا رأوها ولم يؤمنوا أهلكهم الله.

стр. 1406

وسبب الآية: أن قريشًا اقترحوا على رسول الله ﷺ أن يجعل لهم الصَّفا ذهبًا، فأخبر الله أنه لم يفعل ذلك لئلا يكذِّبوا فيهلكوا، وعبَّر بالمنع عن ترك ذلك. و ﴿أَنْ نُرْسِلَ﴾ في موضع نصب، و ﴿أَنْ كَذَّبَ﴾ في موضع رفع. ثم ذكر ناقة ثمود تنبيهًا على ذلك؛ لأنهم اقترحوها فكانت (١) سبب هلاكهم. ومعنى ﴿مُبْصِرَةً﴾: بينةً واضحةَ الدلالة. ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ إن أراد بالآيات هنا المقترحة: فالمعنى: أنه يرسل بها تخويفًا من العذاب العاجل وهو الإهلاك. وإن أراد المعجزات غير المقترحة: فالمعنى: أنه يرسل بها تخويفًا من عذاب الآخرة؛ ليراها الكافر فيؤمن. وقيل: المراد بالآيات هنا الزلازل والرعد والكسوف وغير ذلك من المخاوف. ﴿وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ﴾ المعنى: اذكر إذ أوحينا إليك أن ربك أحاط بقريش؛ يعني: بشَّرناك بقتلهم يوم بدر، وذلك قوله: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥)﴾ [القمر: ٤٥]، وإنما قال: ﴿أَحَاطَ﴾ بلفظ الماضي وهو لم يقع؛ لتحقيقه (٢) وصحة وقوعه بَعْدُ.

стр. 1407

وقيل: المعنى: أحاط بالناس في منعك وحياطتك منهم، كقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]. ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ اختلف في هذه الرؤيا: فقيل: إنها الإسراء: فمن قال إنه كان في اليقظة: فالرؤيا بمعنى الرؤية بالعين. ومن قال إنه كان في المنام: فالرؤيا منامية (١). والفتنة على هذا: تكذيب الكفار بذلك، وارتداد بعض المسلمين حينئذ. وقيل: إنها رؤيا النبي ﷺ في منامه هزيمة الكفار وقتلهم ببدر، والفتنة على هذا: تكذيب قريش بذلك وسخريتهم به. وقيل: إنها رؤياه أنه يدخل مكة، فعجَّل في سنة الحديبية فردَّ عنها، فافتتن بعض المسلمين بذلك. وقيل: رأى في المنام أن بني أمية يصعدون على منبره؛ فاغتمَّ بذلك (٢). ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾ يعني: شجرة الزقوم، وهي معطوفة على ﴿الرُّؤْيَا﴾؛ أي: جعل الرؤيا والشجرة فتنة للناس؛ وذلك أن قريشًا لما سمعوا أن في جهنم شجرة زقوم سخروا من ذلك وقالوا: كيف تكون شجرة في النار والنار تحرق الشجر؟ وقال أبو جهل: ما أعرف الزقوم إلَّا التمر بالزُّبْد.

стр. 1408

فإن قيل: أين لُعنت شجرة الزقوم في القرآن؟ فالجواب: أن المراد: لعنةُ آكلها. وقيل: اللعنة بمعنى الإبعاد؛ لأنها في أصل الجحيم. ﴿وَنُخَوِّفُهُمْ﴾ الضمير لكفار قريش.

стр. 1409

[﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا (٦١) قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا (٦٢) قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا (٦٣) وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (٦٤) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا (٦٥) رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٦٦) وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا (٦٧) أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا (٦٨) أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا (٦٩) وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (٧٠)﴾] ﴿طِينًا﴾ تمييزٌ، أو حالٌ مِنْ ﴿مَنْ﴾، أو من مفعول ﴿خَلَقْتَ﴾. ﴿قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ الكاف من ﴿أَرَأَيْتَكَ﴾ للخطاب، لا موضع لها من الإعراب، و ﴿هَذَا﴾ مفعول بـ «أرأيت»، والمعنى: أخبرني عن هذا الذي كَرَّمته علي - أي: فضلته -؛ لم فضلته وأنا خير منه؟، فاختصر الكلام بحذف (١) ذلك. وقال ابن عطية: ﴿أَرَأَيْتَكَ﴾ هنا بمعنى: أتأمَّلت ونحوه، لا بمعنى أخبرني (٢).

стр. 1410

﴿لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ﴾ معناه: لأُميلَنَّهم وأقودهم، وهو مأخوذ من: تحنيك الدابة؛ وهو أن يشدَّ على حنكها بحبلٍ فتقاد. ﴿قَالَ اذْهَبْ﴾ قال ابن عطية: ﴿اذْهَبْ﴾ وما بعده من الأوامر: صيغة أمر على وجه التَّهديد (١). وقال الزمخشري: ليس المراد الذهاب الذي هو ضدُّ المجيء، وإنما معناه: امض لشأنك الذي اخترته؛ خذلانًا له وتخلية (٢). ويحتمل عندي: أن يكون معناه: الطرد والإبعاد. ﴿فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ﴾ كان الأصل أن يقال: «جزاؤهم» بضمير الغيبة؛ ليرجع إلى ﴿مَنْ تبعك﴾، ولكنه ذكره بلفظ الخطاب؛ تغليبًا للمخاطب على الغائب، وليدخل إبليس معهم. ﴿جَزَاءً مَوْفُورًا﴾ مصدر في موضع الحال، والموفور: المكمَّل. ﴿وَاسْتَفْزِزْ﴾ أي: اخدع واستخفَّ. ﴿بِصَوْتِكَ﴾ قيل: يعني الغناء والمزامير. وقيل: الدعاء إلى المعاصي. ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم﴾ أي: هوِّل، وهو من الجَلَبة، وهو الصياح. ﴿بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾ الخيل هنا يراد به (٣): الفرسان الراكبون على خيل،

стр. 1411

والرَّجْل: جمع راجل؛ وهو الذي على رجليه: فقيل: هو مجاز واستعارة بمعنى: افعل جَهْدَك. وقيل: إن له من الشياطين خيلًا ورجلًا. وقيل: المراد: فرسان الناس ورجالهم المتصرفون في الشر. ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾ مشاركته في الأموال: هي بكسبها بالربا، وإنفاقها في المعاصي وغير ذلك. ومشاركته في الأولاد: هي بالاستيلاد بالزنا، وتسمية الولد عبد شمس وعبد الحارث وشبه ذلك. ﴿وَعِدْهُمْ﴾ يعني: المواعيد الكاذبة؛ من شفاعة الأصنام وشبه ذلك. ﴿إِنَّ عِبَادِي﴾ يعني: المؤمنين الذين يتوكلون على الله؛ بدليل قوله بعد ذلك: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾، ونحوه: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩)﴾ [النحل: ٩٩]. ﴿يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ﴾ أي: يجريها ويسيرها، والفلك هنا: جمع، وابتغاء الفضل: في التجارة وغيرها. ﴿الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ﴾ يعني: خوف الغرق. ﴿ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ ضلَّ هنا: بمعنى تَلَف وفُقد؛ أي: تلف عن أوهامكم وخواطركم كل من تدعونه إلَّا الله وحده، فلجأتم إليه حينئذ دون غيره، فكيف تعبدون غيره وأنتم لا تجدون في تلك الشدة إلَّا إياه؟!. ﴿وَكَانَ الْإِنسَانُ كَفُورًا﴾ أي: كفورًا بالنعم، والإنسان هنا: جنس.

стр. 1412

﴿أَفَأَمِنتُمْ﴾ الهمزة للتوبيخ، والفاء للعطف؛ أي: أنجوتم من البحر فأمنتم الخسف في البر؟!. ﴿حَاصِبًا﴾ يعني: حجارةً، أو ريحًا شديدة ترمي بالحصباء. ﴿وَكِيلًا﴾ أي: قائمًا بأموركم، وناصرًا لكم. ﴿قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ﴾ يعني: الذي يقصف ما يلقى؛ أي: يكسره. ﴿تَبِيعًا﴾ أي: مطالبًا بثأركم؛ أي: لا تجدون مَنْ ينتصر لكم منا، كقوله: ﴿وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾ [الشمس: ١٥]. ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ يعني: فضَّلهم على الجن وعلى سائر الحيوان، ولم يفضلهم على الملائكة؛ ولذلك قال: ﴿عَلَى كَثِيرٍ﴾، وأنواع التفضيل كثيرة لا تحصى، وقد ذكر المفسرون منها: كون الإنسان يأكل بيده، وكونه منتصب القامة، وهذه أمثلة.

стр. 1413

[﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧١) وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا (٧٢) وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (٧٣) وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٧٤) إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا (٧٥) وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا (٧٦) سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا (٧٧)﴾]. ﴿بِإِمَامِهِمْ﴾ قيل: يعني بنبيهم؛ يقال: يا أمة فلان. وقيل: يعني: كتابهم الذي نزل عليهم. وقيل: كتابهم الذي فيه أعمالهم. ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ الفتيل: هو الخيط الذي في شق نواة التمرة، والمعنى: أنهم لا يظلمون من أعمالهم قليلًا ولا كثيرًا، فعبر بأقل الأشياء؛ تنبيهًا على الأكثر. ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى﴾ الإشارة بـ ﴿هَذِهِ﴾ إلى الدنيا. والعمى يراد به: عمى القلب؛ أي: من كان في الدنيا أعمى عن الهدى (١) والصواب فهو في يوم القيامة أعمى؛ أي: حيران يائس من الخير. ويحتمل أن يريد بالعمى في الآخرة: عمى البصر؛ كقوله: ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: ١٢٤].

стр. 1414

وإنما جعل الأعمى في الآخرة أضل سبيلًا؛ لأنه حينئذ لا ينفعه الاهتداء. ويجوز في ﴿أَعْمَى﴾ الثاني: أن يكون صفةً كالأول. وأن يكون من «أفعل» التي للتفضيل، وهذا أقوى؛ لقوله ﴿وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ فعطف ﴿وَأَضَلُّ﴾ الذي هو من «أفعل من كذا» على ما هو شبهه. وقال سيبويه: لا يجوز أن يقال: هو أعمى من كذا. ولكن إنما يمتنع ذلك في عمى البصر، لا في عمى القلب. ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ الآية؛ سببها: أن قريشًا قالوا للنبي ﷺ : اقبل (١) بعض أمرنا ونُقبل على بعض أمرك. وقيل: إن ثقيفًا طلبوا من النبي ﷺ أن يؤخّرهم بعد إسلامهم سنة يعبدون فيها اللات والعزى، والآية على هذا القول مدنية. ﴿لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ﴾ الافتراء هنا يراد به: مخالفة ما أوحى إليه في القرآن أو في غيره. ﴿وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا﴾ أي: لو فعلت ما أرادوا منك لاتخذوك خليلا. ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٧٤)﴾ «لولا» تدل على امتناع شيء لوجود غيره، فدلت هنا على امتناع مقاربة النبي ﷺ الركونَ إليهم؛ لأجل تثبيت الله له وعصمته.

стр. 1415

و ﴿كِدْتَ﴾ تقتضي -أيضًا- نفي الركون؛ لأن معنى كاد فلان يفعل كذا: أنه لم يفعله؛ فانتفى الركون إليهم ومقاربته، فليس في ذلك غضٌّ من جانب النبي ﷺ ؛ لأن التثبيت منعه من مقاربة الركون إليهم، ولو لم يثبته الله لكانت مقاربته للركون إليهم شيئًا قليلًا، وأما مع التثبيت فلم يركن قليلًا ولا كثيرًا، ولا قارب ذلك. ﴿إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾ أي: ضعف عذابهما لو فعل ذلك. ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ﴾ الضمير لقريش، كانوا قد همّوا أن يخرجوا النبي ﷺ من مكة، وذلك قبل الهجرة، فالأرض هنا يراد بها: مكة؛ لأنها بلده. ﴿وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خَلْفَكَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ أي: لو أخرجوك لم يلبثوا بعد خروجك من مكة إلَّا قليلًا، فلما خرج النبي ﷺ مهاجرًا من مكة إلى المدينة، لأجل إذاية قريش له ولأصحابه، لم يبقوا بعد ذلك إلَّا قليلًا، وقتلوا يوم بدر. ﴿سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا﴾ انتصب ﴿سُنَّةَ﴾ على المصدر، ومعناه: العادة؛ أي: هذه عادة الله مع رسله.

стр. 1416

[﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (٧٨) وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩) وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا (٨٠) وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (٨١) وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (٨٢) وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا (٨٣) قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا (٨٤)﴾]. ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ هذه الآية إشارةٌ إلى الصلوات المفروضة: فدلوك الشمس: زوالها، والإشارة إلى الظهر والعصر. وغسق الليل: ظلمته، وذلك إشارة إلى المغرب والعشاء. وقرآن الفجر: صلاة الصبح. وانتصب ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾: بالعطف على موضع اللام في قوله: ﴿لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾؛ فإن اللام فيه ظرفية بمعنى «عند». وقيل: هو عطف على ﴿الصَّلَاةَ﴾. وقيل: مفعول بفعل مضمر تقديره: اقرأ قرآن الفجر. وإنما عبَّر عن صلاة الصبح بقرآن الفجر؛ لأن القرآن فيها أكثر من غيرها؛ لأنها تصلى بسورتين طويلتين.

стр. 1417

﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ أي: تشهده ملائكة الليل والنهار، فيجتمعون فيه؛ إذ تصعد ملائكة الليل وتنزل ملائكة النهار. ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ لما أمر بالفرائض أمر بعدها بالنوافل. و ﴿مِنَ﴾ للتبعيض، والضمير في ﴿بِهِ﴾ للقرآن. والتهجُّد: السهر؛ وهو ترك الهجود، ومعنى الهجود: النوم؛ فالتفعُّل هنا: للخروج عن الشيء، كالتَّحرُّج والتأثُّم في الخروج عن الإثم والحرج. ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ يعني: الشفاعة يوم القيامة، وانتصب ﴿مَقَامًا﴾ على الظرف. ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ الآية؛ المدخل: دخوله إلى المدينة، والمخرج: خروجه من مكة. وقيل: المدخل: في القبر، والمخرج: إلى البعث. واختار ابن عطية أن يكون على العموم في جميع الأمور (١). ﴿سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾ قيل: معناه: حجة تنصرني بها وتُظْهِر (٢) بها صدقي. وقيل: قوة ورئاسة تنصرني بها على الأعداء، وهذا أظهر. ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾ الحق: الإيمان، والباطل: الكفر. ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ﴾ ﴿مِنَ﴾: لبيان الجنس، أو للتبعيض.

стр. 1418

والمراد بالشفاء: أنه يشفي القلوب من الريب (١) والجهل. ويحتمل أن يريد: نفعه من الأمراض؛ بالرُّقى به والتعويذ. ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنسَانِ﴾ الآية؛ المراد بالإنسان هنا: الجنس؛ لأن ذلك من سجيّة الإنسان. وقيل: إنما يراد الكافر؛ لأنه هو الذي يُعرض عن الله. ﴿وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾ أي: بعد، وذلك تأكيدٌ وبيان للإعراض. وقرئ ﴿نَاءَ﴾، وهو بمعنى واحد. ﴿كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾ أي: مذهبه وطريقته التي تشاكله.

стр. 1419

[﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥) وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا (٨٦) إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا (٨٧) قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨) وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا (٨٩) وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (٩١) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (٩٢) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا (٩٣)﴾]. ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ السائلون: اليهود، وقيل: قريش بإشارة اليهود. والروح هنا: عند الجمهور: هو الذي في الجسم، وقد يقال فيه: النفس. وقيل: الروح هنا جبريل. وقيل: القرآن. والأول هو الصواب لدلالة ما بعده على ذلك. ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ أي: من الأمور التي استأثر الله بها، ولم يُطْلِع عليها خلقه. وكانت اليهود قد قالت لقريش: اسألوه عن الروح، فإن لم يجبكم فيه بشيء فهو نبيٌّ، وذلك أنه كان عندهم في التوراة: أن الروح مما انفرد الله بعلمه.

стр. 1420

وقال ابن بريدة: لقد مضى النبي ﷺ وما يعرف الروح (١). ولقد كثر اختلاف الناس في النفس والروح، وليس في أقوالهم في ذلك ما يعوَّل عليه. ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ خطاب عام لجميع الناس؛ لأن علمهم قليل بالنظر إلى علم الله. وقيل: خطاب لليهود خاصة. والأول أظهر؛ لأن فيه إشارةً إلى أنهم لا يَصِلون إلى العلم بالروح. ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ أي: إن شئنا ذهبنا بالقرآن، فمحوناه من الصدور والمصاحف. وهذه الآية متصلة المعنى بقوله: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾؛ أي: في قدرتنا أن نذهب بالذي أوحينا (٢) إليك فلا يبقى عندكم شيءٌ من العلم. ﴿وَكِيلًا﴾ أي: من يتوكل بردِّه وإعادته بعد ذهابه. ﴿إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ يحتمل أن يكون: استثناء متصلًا؛ بمعنى: أن رحمة ربك تردُّ القرآن بعد ذهابه لو ذهب. أو استثناء منقطعًا؛ بمعنى: أن رحمة ربك تمسكه عن الذهاب. ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ عجز الخلق عن الإتيان بالقرآن؛ لما تضمنه من العلوم الإلهية، والبراهين

стр. 1421

الواضحة، والمعاني العجيبة التي لم يكن الناس يعلمونها، ولا يصلون إليها، ثم جاءت فيه على الكمال. وقال أكثر الناس: إنهم عجزوا عنه لفصاحته وحسن نظمه. ووجوه إعجازه كثيرة قد ذكرنا في غير هذا منها خمسة عشر وجهًا (١). ﴿ظَهِيرًا﴾ أي: معينًا. ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ أي: بيَّنا لهم كل شيء من العلوم النافعة، والبراهين القائمة، والحجج الواضحة. وهذا يدلُّ على إن إعجاز القرآن بما فيه من المعاني والعلوم كما ذكرنا. ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ الكفور: الجحود، وانتصب بقوله: ﴿أَبَى﴾؛ لأنه في معنى النفي. ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠)﴾ الذين قالوا هذا القول: هم أشراف قريش، طلبوا من النبي ﷺ أنواعًا من خوارق العادات، وهي التي ذكرها الله في هذه الآية. وقيل: إن الذي قاله عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة، وكان ابن عمة النبي ﷺ ، ثم أسلم بعد ذلك. والينبوع: العين، قالوا له: إن مكة قليلة الماء ففجِّرْ لنا فيها عينًا من الماء.

стр. 1422

﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ﴾ إشارةٌ إلى قوله تعالى: ﴿إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ [سبأ: ٩]. ﴿كِسَفًا﴾ بفتح السين: جمع كِسْفة؛ وهي القطعة. وقرئ بالإسكان؛ أي: قِطَعًا واحِدًا. ﴿قَبِيلًا﴾ قيل: معناه مقابلة ومعاينة. وقيل: ضامنًا شاهدًا بصدقك، والقبالة في اللغة: الضمان. ﴿بَيْتٌ مِن زُخْرُفٍ﴾ أي: من ذهب. ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي﴾ تعجبٌ من اقتراحاتهم، و (١) تنزيهٌ لله عن قولهم: ﴿تَأْتِيَ بِاللَّهِ﴾، وعن أن يَطْلُبَ منه هذه الأشياء التي طلبها الكفار؛ لأن ذلك سوءُ أدبٍ. ﴿هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ أي: إنما أنا بشر؛ فليس في قدرتي شيءٌ مما طلبتم، وأنا رسول؛ فليس علي إلا التبليغ.

стр. 1423

[﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (٩٤) قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا (٩٥) قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (٩٦) وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا (٩٧) ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (٩٨) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا (٩٩) قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا (١٠٠)﴾]. ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ المعنى: أن الذي منع الناس من الإيمان هو إنكارهم لبعث الرسل (١) من البشر. ﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ﴾ الآية؛ معناها: أنه لو كان أهل الأرض ملائكة لكان الرسول إليهم ملكًا، ولكنهم بشر؛ فالرسول إليهم بشر من جنسهم. ومعنى ﴿مُطْمَئِنِّينَ﴾: ساكنين في الأرض. ﴿شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ ذُكر في «الأنعام» (٢). ﴿عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا﴾ قيل: هي استعارات بمعنى أنهم يوم القيامة حيارى.

стр. 1424

وقيل: هي حقائق، وأنهم يكونون عَمِيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا حين قيامهم من قبورهم. ﴿كُلَّمَا خَبَتْ﴾ معناه في اللغة: سكن لهبها، والمراد هنا: كلما أكلت لحومهم فسكن لهبها بُدِّلوا أجسادًا أُخَرَ، ثم صارت ملتهبة أكثر مما كانت. ﴿وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا﴾ استبعاد للحشر، وقد تَقَدَّمَ معنى الرفات (١)، والكلام في الاستفهامين (٢). ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ﴾ الآية؛ احتجاج على الحشر؛ فإن السموات والأرض أكبر من الإنسان، فكما قَدَّرَ الله على خلقتها؛ فأولى وأحرى أن يقدر على إعادة جسد الإنسان بعد فنائه. والرؤية في الآية رؤية قلب. ﴿أَجَلًا لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ القيامة، أو أجل الموت. ﴿قُلْ لَوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ﴾ «لو» حرف امتناع، ولا يليها إِلَّا الفِعْلُ ظَاهِرًا أو مضمرًا، فلا بد من فعل يُقَدَّرُ هنا بعدها تقديره: لو تملكون، ثم فَسَّرَهُ بـ ﴿تَمْلِكُونَ﴾ الظاهر، و ﴿أَنتُمْ﴾ تَأْكِيد لِلضَّمِيرِ الذي في «تملكون» المُضْمَرِ. ﴿خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي﴾ أي: الأموال والأرزاق. ﴿إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنفَاقِ﴾ أي: لو ملكتم الخزائن لأمسكتم عن الإعطاء خشية الفقر، فالمراد بالإنفاق: عاقبة الإنفاق؛ وهو الفقر.

стр. 1425

ومفعول ﴿لَأَمْسَكْتُمْ﴾: محذوفٌ. وقال الزمخشري: لا مفعول له؛ لأن معناه: بَخِلتم؛ من قولهم للبخيل: ممسك (١). ومعنى الآية: وصف الإنسان بالشح وخوف الفقر، بخلاف وصف الله تعالى بالجود والغنى.

стр. 1426

[﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَامُوسَى مَسْحُورًا (١٠١) قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا (١٠٢) فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا (١٠٣) وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا (١٠٤) وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (١٠٥) وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا (١٠٦) قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (١٠٩) قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١١٠) وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (١١١)﴾]. ﴿تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ الخمس منها: الطوفان، والجراد، والقُمَّل، والضفادع، والدم، والأربع: انقلاب عصاه حية، وإخراج يده بيضاء، وحَلُّ العُقْدَة من لسانه، وفَلْق البحر. وقد عُدَّ فيها: رفع الطور فوقهم، وانفجار الماء من الحجر، على أن يسقط اثنان من الأُخَر. وقد عَدَّ فيها -أيضًا-: السنون، والنقص من الثمرات. وروي أن بعض اليهود سأل رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: «هي ألا تشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا تمشوا ببريء إلى سلطان ليقتله، ولا تسحروا،

стр. 1427

ولا تأكلوا الربا، ولا تقذفوا المحصنات، ولا تفروا يوم الزحف، وعليكم خاصةً اليهود أن لا تعدوا في السبت» (١). ﴿فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أي: اسأل المعاصرين لك من بني إسرائيل عما ذكرنا من قصة موسى؛ لتزداد يقينا، والآية - على هذا - خطاب لمحمد ﷺ . وقال الزمخشري: إن المعنى: قلنا لموسى: اسأل بني إسرائيل من فرعون؛ أي: اطلب منه أن يرسلهم معك، فهو كقوله: ﴿فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الأعراف: ١٠٥]، فالأمر في قوله ﴿فَاسْأَلْ﴾ لموسى على إضمار القول. وقال - أيضا -: يحتمل أن يكون المعنى: اسأل بني إسرائيل أن يعضدوك ويكونوا معك (٢). وهذا أيضًا على أن يكون الخطاب لموسى. والأول أظهر. ﴿إِذْ جَاءَهُمْ﴾ الضمير لبني إسرائيل، والمراد: آباؤهم الأقدمون. والعامل في ﴿إِذْ﴾: على القول الأول: ﴿آتَيْنَا مُوسَى﴾، أو فعل مضمر. والعامل فيه على قول الزمخشري: القول المحذوف. ﴿مَسْحُورًا﴾ هنا وفي «الفرقان»: أي: سُحِرتَ فاختلط عقلك.

стр. 1428

وقيل: معناه: ساحر. ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ﴾ - بفتح التاء - خطاب لفرعون، والمعنى: أنه علم أن الله أنزل الآيات، ولكنه كفر بها (١) عنادًا، كقوله: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ﴾ [النمل: ١٤]. والإشارة بـ ﴿هَؤُلَاءِ﴾ إلى الآيات. ﴿مَثْبُورًا﴾ أي: مُهْلَكًا، وقيل: مغلوبًا، وقيل: مصروفًا عن الخير. قابل موسى قول فرعون: ﴿لَأَظُنُّكَ يَامُوسَى مَسْحُورًا﴾ بقوله: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾. ﴿فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُم مِنَ الْأَرْضِ﴾ يعني: أرض مصر. ﴿اسْكُنُوا الْأَرْضَ﴾ يعني: أرض الشام. ﴿لَفِيفًا﴾ أي: جميعًا مختلطين. ﴿وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾ الضمير للقرآن، و ﴿بِالْحَقِّ﴾ معناه في الموضعين: بالواجب من المصلحة والسَّداد. وقيل: معنى الأول كذلك، ومعنى الثاني: ضد الباطل؛ أي: بالحق في أخباره وأوامره ونواهيه. ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ﴾ انتصب بفعل مضمر يدل عليه ﴿فَرَقْنَاهُ﴾، ومعناه: بيَّناه وأوضحناه.

стр. 1429

﴿عَلَى مُكْثٍ﴾ قيل: معناه على تمهُّلٍ وترتيلٍ في قراءته. وقيل: على طول مدة نزوله شيئًا فشيئًا من حين بعث النبي ﷺ إلى وفاته، وذلك عشرون سنة، وقيل: ثلاث وعشرون. ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا﴾ أُمِرَ باحتقارهم وعدم الاكتراث بهم، كأنه يقول: سواء آمنتم أو لم تؤمنوا؛ لأنكم لستم بحجة، وإنما الحجة أهل العلم من قبله، وهم المؤمنون من أهل الكتاب. ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ﴾ يعني: المؤمنين من أهل الكتاب. وقيل: الذين كانوا على الحنيفية قبل البعثة؛ كزيد بن عمرو بن نفيل، وورقة بن نوفل. والأول أظهر. وهذه الجملة تعليلٌ لما تقدَّم، والمعنى: إن لم تؤمنوا به أنتم، فقد آمن به من هو أعلم منكم. ﴿يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ﴾ أي: لناحية الأذقان، كقولهم: خرَّ لليدين وللفم. والأذقان: جمع ذَقَنٍ، وهو أسفل الوجه حيث اللحية. وإنما كرّر ﴿يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ﴾؛ لأن الأول للسجود، والثاني للبكاء. ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ سببها: أن الكفار سمعوا رسول الله ﷺ يدعو: «يا الله يا رحمن»، فقالوا: كان محمد يأمرنا بدعاء إله واحد، وها هو يدعو إلهين!، فنزلت الآية مبينة أن قوله: «الله أو الرحمن» اسمان لمسمى واحد، وأنه مخيَّر في الدعاء بأيِّ الاسمين شاء.

стр. 1430

والدعاء في الآية بمعنى التسمية؛ كقولك: دعوت ولدي زيدًا، لا بمعنى النداء. ﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ ﴿أَيًّا﴾ اسم شرط منصوب بـ ﴿تَدْعُوا﴾، والتنوين فيه عوضٌ من المضاف إليه، و ﴿مَا﴾ زائدة للتأكيد، والضمير في ﴿لَهُ﴾ لله تعالى، وهو المسمَّى، لا الاسم. والمعنى: أيَّ هذين الاسمين تدعو فحسنٌ؛ لأن الله له الأسماء الحسنى فوَضع قوله: ﴿فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ موضع الجواب، وهو في المعنى تعليل للجواب؛ لأنه إذا حسُنت أسماؤه كلُّها حسن هذان الاسمان. ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ المخافتة: هي الإسرار. وسبب الآية: أن رسول الله ﷺ جهر بالقرآن في الصلاة، فسمعه المشركون، فسبُّوا القرآن ومن أنزله، فأمر رسول الله ﷺ بالتوسُّط بين الإسرار والجهر؛ ليُسمع أصحابه الذين يصلون معه، ولا يُسمع المشركين. وقيل: المعنى: لا تجهر بصلاتك كلها، ولا تخافت بها كلها، واجعل منها سرًا وجهرًا، حسبما أحكمته السنة. وقيل: الصلاة هنا الدعاء. ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾ أي: ليس له ناصر يمنعه من الذُّلِّ؛ لأنه تعالى عزيز، فلا يفتقر إلى وليٍّ يحميه، فنفى الولاية على هذا المعنى؛ لأنه غنيٌّ عنها، ولم ينف الولاية على وجه المحبة والكرامة لمن شاء من عباده. وحكى الطبري أن قوله: ﴿لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ ردٌّ على النصارى واليهود، الذين

стр. 1431

نسبوا لله ولدًا، وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ﴾ ردّ على المشركين، وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾ ردّ على الصابئين في قولهم: لولا أولياء الله لذلَّ الله، تعالى الله عن قولهم (١). ﴿وَكَبِّرْهُ﴾ معطوف على ﴿قُلِ﴾، ويحتمل هذا التكبير: أن يكون بالقلب؛ وهو التعظيم. أو باللسان؛ وهو أن يقول: «الله أكبر» مع قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ الآية.

стр. 1432

(سورة الكهف) [﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (٢) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا (٣) وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (٤) مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا (٥) فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (٦) إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (٧) وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا (٨) أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا (٩) إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا (١٠) فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا (١١) ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا (١٢)﴾]. ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ العبد هنا: هو النبي ﷺ ، ووصفه بالعبودية تشريفًا له، وإعلامًا باختصاصه وقربه. والكتاب: القرآن. ﴿وَلَمْ يَجْعَل لَهُ عِوَجًا﴾ العوج بكسر العين: في المعاني التي لا تُحسّ. وبالفتح: في الأشخاص، كالعصا ونحوها.

стр. 1433

ومعناه: عدم الاستقامة، وقيل فيه هنا: معناه: لا تناقض فيه ولا خلل فيه. وقيل: لم يجعله مخلوقًا. واللفظ أعم من ذلك. ﴿قَيِّمًا﴾ أي: مستقيمًا. وقيل: قيمًا على الخلق بأمر الله تعالى. وقيل: قيمًا على سائر الكتب بتصديقها. وانتصابه على الحال من ﴿الْكِتَابَ﴾، والعامل فيه ﴿أَنْزَلَ﴾. ومنع الزمخشري ذلك؛ للفصل بين الحال وذي الحال، واختار أن العامل فيه فعل مضمر، تقديره: جعله قيمًا (١). ﴿لِيُنذِرَ﴾ متعلّق بـ ﴿أَنْزَلَ﴾، أو بـ ﴿قَيِّمًا﴾، والفاعل به: ضمير الكتاب أو النبي ﷺ . والبأس: العذاب. وحذف المفعول الثاني (٢) - وهو الناس-، كما حذف المفعول الآخر من قوله: ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ﴾. . .؛ لدلالة المعنى على المحذوف.

стр. 1434

﴿مِنْ لَدُنْهُ﴾ أي: من عنده، والضمير عائد على الله تعالى. ﴿أَجْرًا حَسَنًا﴾ يعني: الجنة. ﴿مَاكِثِينَ فِيهِ﴾ أي: دائمين، وانتصابه على الحال من الضمير في ﴿لَهُمْ﴾. ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ (٤) هم النصارى؛ بقولهم (١) في عيسى، واليهود في عزير، وبعض العرب في الملائكة. ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾ الضمير عائد: على قولهم، أو على الولد. ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً﴾ انتصب على التمييز، وقيل: على الحال. ويعني بالكلمة قولهم: ﴿اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾، وعلى هذا يعود الضمير في ﴿كَبُرَتْ﴾. ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ أي: قاتِلُها بالحزن والأسف، والمعنى: تسلية النبي ﷺ عن عدم إيمانهم. ﴿عَلَى آثَارِهِمْ﴾ استعارةٌ فصيحة؛ كأنهم مِنْ فَرْطِ إدبارهم قد بَعُدُوا، فهو يتبع آثارهم؛ تأسُّفًا عليهم. وانتصب ﴿أَسَفًا﴾ على أنه مفعول من أجله، والعامل فيه: ﴿بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾. ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا﴾ يعني: ما يصلح للتزين، كالملابس والمطاعم والأشجار والأنهار وغير ذلك.

стр. 1435

﴿لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ أي: لنختبرهم أيهم أزهد في زينة الدنيا. ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾ المعنى: إخبارٌ بفناء الدنيا وزينتها. والصعيد: هو التراب، والجُرُز: الأرض التي لا نبات فيها؛ أي: سنفني ما على الأرض من الزينة، حتى تبقى كالأرض التي لا نبات فيها، بعد أن كانت خضراء بهجة (١). ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا (٩)﴾ ﴿أَمْ﴾ هنا استفهام، والمعنى: أحسبت أنهم عَجَبٌ؟، بل سائر آياتنا أعظم منها وأعجب. والكهف: الغار الواسع. والرقيم: اسم كلبهم. وقيل: هو لوح رُقمت فيه أسماؤهم على باب الكهف. وقيل: كتاب فيه شرعهم ودينهم. وقيل: هو القرية التي كانت بإزاء الكهف. وقيل: الجبل الذي فيه الكهف. وقال ابن عباس: لا أدري ما الرقيم!. ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ﴾ نذكر من قِصَّتهم على وجه الاختصار ما لا غنى عنه؛ إذ قد أكثر الناس فيها مع قلة الصحة في كثير مما نقلوا:

стр. 1436

وذلك أنهم كانوا قومًا مؤمنين، وكان ملك بلادهم كافرًا يقتل كل مؤمن، ففروا بدينهم، ودخلوا الكهف ليعبدوا الله فيه، ويختفوا من الملك وقومه، فأمر الملك باتباعهم، فانتهى المتبعون لهم إلى الغار فوجدوهم، وعرَّفوا الملك بذلك، فوقف عليه في جنده، وأمر بالدخول إليهم، فهاب الرجال ذلك وقالوا له: دعهم يموتوا جوعًا وعطشًا، وكان الله قد ألقى عليهم نومًا ثقيلًا، فبقوا على ذلك مدَّة طويلة ثم أيقظهم الله، وظنوا أنهم لبثوا يومًا أو بعض يوم، فبعثوا أحدهم يشتري لهم طعامًا بدراهم كانت لهم، فعجب منها البياع وقال: هذه الدراهم من عهد فلان الملك في قديم الزمان من أي جاءتك؟، وشاع الكلام بذلك في الناس، وقال الرجل: إنما خرجت أنا وأصحابي بالأمس فأوينا إلى الكهف، فقال: هؤلاء الفتية الذين ذهبوا في الزمان القديم، فمشوا إليهم فوجدوهم موتى. وأما موضع كهفهم: فقيل: إنه بمقربة من فلسطين. وقال قوم: إنه الكهف الذي بالأندلس بمقربة من لَوْشَةَ من جهة غرناطة، وفيه موتى ومعهم كلب، وقد ذكر ابن عطية ذلك، وقال: إنه دخل عليهم ورآهم وعليهم مسجد، وقريب منهم بناء يقال له الرَّقيم قد بقي بعض جُدُراته (١)، وروي أن الملك الذي كانوا في زمانه اسمه دقيوس، وفي تلك الجهة آثار مدينة يقال لها: مدينة دَقْيوس، والله أعلم.

стр. 1437

ومما يُبعد ذلك: ما روي أن معاوية مرَّ عليهم وأراد الدخول إليهم، ولم يدخل معاوية الأندلس قط، وأيضًا فإن الموتى الذين في غار لَوْشَةَ يراهم الناس، ولم يدرك أحدًا الرعب الذي ذكر الله في أصحاب الكهف. ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ﴾ عبارة عن إلقاء النوم عليهم. وقال الزمخشري: المعنى: ضربنا على آذانهم حجابًا، ثم حذف هذا المفعول (١). ﴿سِنِينَ عَدَدًا﴾ أي: كثيرةً. ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ﴾ أي: أيقظناهم من نومهم. ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا﴾ أي: لنعلم علمًا يظهر في الوجود؛ لأن الله قد كان علم ذلك. والمراد بالحزبين: الذين اختلفوا في الكهف في مدة لبثهم، فالحزب الواحد: أصحاب الكهف، والحزب الآخر: القوم الذين بعث الله أصحاب الكهف في مدتهم. وقيل: إن الحزبين معًا أصحاب الكهف؛ إذ كان بعضهم قد قال: ﴿لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾، وقال بعضهم: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ﴾. و ﴿أَحْصَى﴾ فعل ماض، و ﴿أَمَدًا﴾ مفعول به. وقيل: ﴿أَحْصَى﴾ اسم للتفضيل، و ﴿أَمَدًا﴾ تمييز، وهذا ضعيف؛ لأن «أفعل من» التي للتفضيل لا يكون من فعل رباعي، إلَّا في الشاذِّ.

стр. 1438

[﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (١٣) وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا (١٤) هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (١٥) وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا (١٦) وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا (١٧)﴾]. ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ أي: قوَّينا عزمهم، وألهمناهم الصبر. ﴿إِذْ قَامُوا﴾ يَحتمل أن يريد: قيامهم من النوم. أو قيامهم بين يدي الملك الكافر، لما آمنوا ولم يبالوا به. ﴿لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾ أي: لو دعونا من دونه إلها لقلنا قولًا شططًا، والشطط: الجَوْر والتَّعدي. ﴿لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ﴾ تحضيضٌ بمعنى التعجيز؛ أي: أنهم لا يأتون بحجة بينة على عبادة غير الله. ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ﴾ خطابٌ من بعضهم لبعض حين عزموا على الفرار بدينهم. ﴿وَمَا يَعْبُدُونَ﴾ عطفٌ على المفعول في ﴿اعْتَزَلْتُمُوهُمْ﴾؛ أي: تركتموهم وتركتم ما يعبدون.

стр. 1439

﴿إِلَّا اللَّهَ﴾ أي: ما يعبدون من دون الله، و ﴿إِلَّا﴾ هنا بمعنى «غير»، وهذا استثناء: متصل إن كان قومهم يعبدون الله ويعبدون معه غيره. ومنقطع إن كانوا لا يعبدون الله. وفي مصحف ابن مسعود: «وما يعبدون من دون الله». ﴿فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ﴾ هذا الفعل هو العامل في ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ﴾، والمعنى: أن بعضهم قال لبعض: إذ (١) فارقنا الكفار فلنجعل الكهف لنا مأوى، ونتكل على الله؛ فإنه يرحمنا ويَرْفِق بنا. ﴿مِرْفَقًا﴾ بفتح الميم وكسرها: ما يُرتفق به ويُنتفع. ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ﴾ قبل هذا الكلام (٢) محذوف تقديره: فأوى القوم إلى الكهف، ومكثوا فيه، وضرب الله على آذانهم. ومعنى ﴿تَزَاوَرُ﴾: تميل وتروغ. ومعنى ﴿تَقْرِضُهُمْ﴾: تقطعهم؛ أي: تَبْعُد عنهم، وهو من القَرْض بمعنى القطع. وذات اليمين والشمال (٣): أي: جهته.

стр. 1440

ومعنى الآية: أن الشمس لا تصيبهم عند طلوعها، ولا عند غروبها؛ لئلا يحترقوا بحرِّها. فقيل: إن ذلك كرامةُ الله لهم، وخرقُ عادةٍ. وقيل: كان باب الكهف شماليًا يستقبل بناتِ نَعْشٍ (١)، فلذلك لا تصيبهم الشمس. والأول أظهر؛ لقوله: ﴿ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾. ﴿وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ﴾ أي: في موضع واسع، وذلك مُفَتَّحٌ لإصابة الشمس (٢)، ومع ذلك حجبها الله عنهم. ﴿ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾ الإشارة إلى حجب الشمس عنهم إن كان خرْقَ عادةٍ. وإن كان لكون بابهم إلى الشَّمال؛ فالإشارة إلى أمرهم بجملته. * * *
следующие страницы →