وذلك أنهم كانوا قومًا مؤمنين، وكان ملك بلادهم كافرًا يقتل كل مؤمن، ففروا بدينهم، ودخلوا الكهف ليعبدوا الله فيه، ويختفوا من الملك وقومه، فأمر الملك باتباعهم، فانتهى المتبعون لهم إلى الغار فوجدوهم، وعرَّفوا الملك بذلك، فوقف عليه في جنده، وأمر بالدخول إليهم، فهاب الرجال ذلك وقالوا له: دعهم يموتوا جوعًا وعطشًا، وكان الله قد ألقى عليهم نومًا ثقيلًا، فبقوا على ذلك مدَّة طويلة ثم أيقظهم الله، وظنوا أنهم لبثوا يومًا أو بعض يوم، فبعثوا أحدهم يشتري لهم طعامًا بدراهم كانت لهم، فعجب منها البياع وقال: هذه الدراهم من عهد فلان الملك في قديم الزمان من أي جاءتك؟، وشاع الكلام بذلك في الناس، وقال الرجل: إنما خرجت أنا وأصحابي بالأمس فأوينا إلى الكهف، فقال: هؤلاء الفتية الذين ذهبوا في الزمان القديم، فمشوا إليهم فوجدوهم موتى.
وأما موضع كهفهم:
فقيل: إنه بمقربة من فلسطين.
وقال قوم: إنه الكهف الذي بالأندلس بمقربة من لَوْشَةَ من جهة غرناطة، وفيه موتى ومعهم كلب، وقد ذكر ابن عطية ذلك، وقال: إنه دخل عليهم ورآهم وعليهم مسجد، وقريب منهم بناء يقال له الرَّقيم قد بقي بعض جُدُراته (١)، وروي أن الملك الذي كانوا في زمانه اسمه دقيوس، وفي تلك الجهة آثار مدينة يقال لها: مدينة دَقْيوس، والله أعلم.
стр. 1437
ومما يُبعد ذلك: ما روي أن معاوية مرَّ عليهم وأراد الدخول إليهم، ولم يدخل معاوية الأندلس قط، وأيضًا فإن الموتى الذين في غار لَوْشَةَ يراهم الناس، ولم يدرك أحدًا الرعب الذي ذكر الله في أصحاب الكهف.
﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ﴾ عبارة عن إلقاء النوم عليهم.
وقال الزمخشري: المعنى: ضربنا على آذانهم حجابًا، ثم حذف هذا المفعول (١).
﴿سِنِينَ عَدَدًا﴾ أي: كثيرةً.
﴿ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ﴾ أي: أيقظناهم من نومهم.
﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا﴾ أي: لنعلم علمًا يظهر في الوجود؛ لأن الله قد كان علم ذلك.
والمراد بالحزبين: الذين اختلفوا في الكهف في مدة لبثهم، فالحزب الواحد: أصحاب الكهف، والحزب الآخر: القوم الذين بعث الله أصحاب الكهف في مدتهم.
وقيل: إن الحزبين معًا أصحاب الكهف؛ إذ كان بعضهم قد قال: ﴿لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾، وقال بعضهم: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ﴾.
و ﴿أَحْصَى﴾ فعل ماض، و ﴿أَمَدًا﴾ مفعول به.
وقيل: ﴿أَحْصَى﴾ اسم للتفضيل، و ﴿أَمَدًا﴾ تمييز، وهذا ضعيف؛ لأن «أفعل من» التي للتفضيل لا يكون من فعل رباعي، إلَّا في الشاذِّ.
стр. 1438
[﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (١٣) وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا (١٤) هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (١٥) وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا (١٦) وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا (١٧)﴾].
﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ أي: قوَّينا عزمهم، وألهمناهم الصبر.
﴿إِذْ قَامُوا﴾ يَحتمل أن يريد:
قيامهم من النوم.
أو قيامهم بين يدي الملك الكافر، لما آمنوا ولم يبالوا به.
﴿لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾ أي: لو دعونا من دونه إلها لقلنا قولًا شططًا، والشطط: الجَوْر والتَّعدي.
﴿لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ﴾ تحضيضٌ بمعنى التعجيز؛ أي: أنهم لا يأتون بحجة بينة على عبادة غير الله.
﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ﴾ خطابٌ من بعضهم لبعض حين عزموا على الفرار بدينهم.
﴿وَمَا يَعْبُدُونَ﴾ عطفٌ على المفعول في ﴿اعْتَزَلْتُمُوهُمْ﴾؛ أي: تركتموهم وتركتم ما يعبدون.
стр. 1439
﴿إِلَّا اللَّهَ﴾ أي: ما يعبدون من دون الله، و ﴿إِلَّا﴾ هنا بمعنى «غير»، وهذا استثناء:
متصل إن كان قومهم يعبدون الله ويعبدون معه غيره.
ومنقطع إن كانوا لا يعبدون الله.
وفي مصحف ابن مسعود: «وما يعبدون من دون الله».
﴿فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ﴾ هذا الفعل هو العامل في ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ﴾، والمعنى: أن بعضهم قال لبعض: إذ (١) فارقنا الكفار فلنجعل الكهف لنا مأوى، ونتكل على الله؛ فإنه يرحمنا ويَرْفِق بنا.
﴿مِرْفَقًا﴾ بفتح الميم وكسرها: ما يُرتفق به ويُنتفع.
﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ﴾ قبل هذا الكلام (٢) محذوف تقديره: فأوى القوم إلى الكهف، ومكثوا فيه، وضرب الله على آذانهم.
ومعنى ﴿تَزَاوَرُ﴾: تميل وتروغ.
ومعنى ﴿تَقْرِضُهُمْ﴾: تقطعهم؛ أي: تَبْعُد عنهم، وهو من القَرْض بمعنى القطع.
وذات اليمين والشمال (٣): أي: جهته.
стр. 1440
ومعنى الآية: أن الشمس لا تصيبهم عند طلوعها، ولا عند غروبها؛ لئلا يحترقوا بحرِّها.
فقيل: إن ذلك كرامةُ الله لهم، وخرقُ عادةٍ.
وقيل: كان باب الكهف شماليًا يستقبل بناتِ نَعْشٍ (١)، فلذلك لا تصيبهم الشمس.
والأول أظهر؛ لقوله: ﴿ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾.
﴿وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ﴾ أي: في موضع واسع، وذلك مُفَتَّحٌ لإصابة الشمس (٢)، ومع ذلك حجبها الله عنهم.
﴿ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾ الإشارة إلى حجب الشمس عنهم إن كان خرْقَ عادةٍ.
وإن كان لكون بابهم إلى الشَّمال؛ فالإشارة إلى أمرهم بجملته.
* * *
стр. 1441
[﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا (١٨) وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا (١٩) إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا (٢٠) وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا (٢١) سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٢٢)﴾].
﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ﴾ أَيْقَاظًا: جمع يَقِظ، وهو المنتبه، كانت أعينهم مفتوحة وهم نائمون، فيحسبهم من يراهم أيقاظًا.
وفي قوله: ﴿أَيْقَاظًا﴾ و ﴿رُقُودٌ﴾ مطابقة، وهي من أدوات البيان.
﴿وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ﴾ أي: نقلبهم من جانب إلى جانب، ولولا ذلك لأكلتهم الأرض، وكان هذا التقليب من فعل الله وملائكته، وهم لا ينتبهون من نومهم.
وروي أنهم كانوا يقلَّبون مرتين في السنة، وقيل: من سبع سنين إلى مثلها.
﴿وَكَلْبُهُم بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ﴾ قيل: إنه كان كلبًا لأحدهم يصيد به.
وقيل: كان كلبًا لراعٍ، فمرُّوا عليه فصحبهم، وتبعه كلبهُ.
стр. 1442
وأُعمل اسم الفاعل وهو بمعنى المضيِّ؛ لأنه حكاية حال.
﴿بِالْوَصِيدِ﴾ أي: باب الكهف، وقيل: عتبته، وقيل: الفناء.
﴿وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾ ذلك لما ألبسهم الله من الهيبة.
وقيل: لطول أظافرهم وشعورهم، وعِظَم أجسامهم.
وقيل: لوحشة مكانهم.
وعن معاوية أنه غزا الروم فمرَّ بالكهف، فأراد الدخول إليه فقال له ابن عباس: لا تستطيع ذلك، قد قال الله لمن هو خير منك: ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا﴾، فبعث ناسًا إليهم، فلما دخلوا الكهف بعث الله ريحًا فأحرقتهم.
﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ﴾ أي: كما أنمناهم كذلك بعثناهم؛ ليسأل بعضهم بعضًا، واللام في ﴿لِيَتَسَاءَلُوا﴾ لام الصيرورة.
﴿قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ﴾ هذا قول من استشعر منهم أن مدة لبثهم طويلة، فأنكر على من قال: ﴿يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾، ولكنه لم يعلم مقدارها؛ فأسند علمها إلى الله.
﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ﴾ الوَرِق: الفضة، وكانت دراهم تزوَّدوها حين خروجهم إلى الكهف.
ويستدل بذلك على أن التزود للمسافر أفضل من تركه.
ويستدل ببعث أحدهم على جواز الوكالة.
فإن قيل: كيف اتصل بعث أحدهم بتذكر مدة لبثهم؟
стр. 1443
فالجواب: أنهم كأنهم قالوا: ربكم أعلم بما لبثتم، ولا سبيل لكم إلى العلم بذلك، فخذوا فيما هو أهم من هذا وأنفع لكم، فابعثوا أحدكم.
﴿إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ قيل: إنها طَرَسُوسُ.
﴿أَزْكَى طَعَامًا﴾ قيل: أكثرُ، وقيل: أحلُّ.
وروي: أنه أراد شراء زبيب، وقيل: تمر.
﴿وَلْيَتَلَطَّفْ﴾ أي: في اختفائه وتحيله.
﴿إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ﴾ أي: إن يظفروا بكم يقتلوكم بالحجارة.
وقيل: معنى ﴿يَرْجُمُوكُمْ﴾: بالقول.
والأول أظهر.
﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ﴾ أي: كما أنمناهم وبعثناهم أطلعنا الناس عليهم.
﴿لِيَعْلَمُوا﴾ الضمير للقوم الذين أطلعهم الله على أصحاب الكهف؛ أي: أطلعناهم على حالهم من انتباههم من الرقدة الطويلة؛ ليستدلوا بذلك على صحة البعث من القبور.
﴿إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ﴾ العامل في ﴿إِذْ﴾: ﴿أَعْثَرْنَا﴾، أو مضمر تقديره: اذكر.
والمتنازعون: هم القوم الذين كانوا قد تنازعوا فيما يفعلون في أصحاب الكهف، أو تنازعوا هل هم أموات أو أحياء؟
стр. 1444
وقيل: تنازعوا هل تحشر الأجساد، أو الأرواح بالأجساد؟، فأراهم الله حال أصحاب الكهف؛ ليعلموا أن الأجساد تحشر.
﴿فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِم بُنْيَانًا﴾ أي: على باب كهفهم، إما ليطمس أَثَرهم (١)، وإما ليحفظهم ويمنعهم ممن يريد أَخْذَ تربتهم تبرُّكًا.
وإما ليكون علمًا على كهفهم يُعرف (٢) به.
﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ﴾ قيل: يعني الولاة.
وقيل: يعني المسلمين؛ لأنهم كانوا أَحقَّ بهم من الكفار، فبنوا على باب الكهف مسجدًا لعبادة الله.
﴿سَيَقُولُونَ﴾ الضمير لمن كان في زمان النبي ﷺ من اليهود، أو غيرهم ممن تكلم في أصحاب الكهف.
﴿رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾ أي: ظنًّا، وهو مستعار من الرجم بمعنى الرمي.
﴿سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ قال قوم: إن الواو واو الثمانية؛ لدخولها هنا، وفي قوله: ﴿سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ﴾ [الحاقة: ٧]، وفي قوله في أهل الجنة: ﴿وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: ٧٣]، وفي قوله في «براءة»: ﴿وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [التوبة: ١١٢].
وقال البصريون: لا تثبت واو الثمانية، وإنما الواو هنا كقوله: جاء زيد وفي يده سيف.
стр. 1445
قال الزمخشري: وفائدتها التوكيد، والدلالة على أن الذين قالوا: ﴿سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ صدقوا وأخبروا بحق، بخلاف الذين قالوا: ﴿ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾، والذين قالوا: ﴿خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ (١).
وقال ابن عطية: دخلت الواو في آخر إخبارٍ عن عددهم؛ لتدلَّ على أن هذا نهاية ما قيل، ولو سقطت لصحَّ الكلام (٢).
وكذلك دخلت السين في قوله: ﴿سَيَقُولُونَ﴾ الأول، ولم تدخل في الثاني والثالث؛ استغناء بدخولها في الأول.
﴿مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ أي: لا يعلم عِدَّتَهم إلَّا قليل من الناس، وهم من أهل الكتاب.
وقال ابن عباس: «أنا من ذلك القليل، وكانوا سبعة وثامنهم كلبهم» (٣)؛ لأنه قال في الثلاثة والخمسة: ﴿رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾، ولم يقل ذلك في ﴿سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾.
﴿فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾ ﴿فَلَا تُمَارِ﴾: من المراء؛ وهو الجدال والمخالفة والاحتجاج.
ومعنى الآية: لا تمار أهل الكتاب في عدة أصحاب الكهف إلَّا مراء ظاهرًا؛ أي: غير متعمِّقٍ فيه، من غير مبالغة ولا تعنيف في الردِّ عليهم.
стр. 1446
﴿وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ أي: لا تسأل أحدًا من أهل الكتاب عن أصحاب الكهف؛ لأن الله قد أوحى إليك في شأنهم ما يغنيك عن السؤال.
* * *
стр. 1447
[﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا (٢٤) وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا (٢٥) قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا (٢٦) وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (٢٧) وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨) وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (٢٩) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (٣٠) أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا (٣١)﴾].
﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ﴾ سببها: أن قريشا سألوا اليهود عن أمر رسول الله ﷺ ، فقالوا لهم: اسألوه عن فتية ذهبوا في الزمان الأول، وهم أصحاب الكهف، وعن رجل بلغ مشارق الأرض ومغاربها، وهو ذو القرنين، وعن الروح؛ فإن أجابكم في الاثنين وسكت عن الروح فهو نبي، فسألوه فقال: «غدًا أخبركم»، ولم يقل: «إن شاء الله»، فأمسك عنه الله الوحي خمسة عشر يومًا، فأوجف به كفار قريش وتكلموا في ذلك، فشقَّ ذلك على رسول الله ﷺ ، ثم جاءه جبريل بسورة الكهف، فقصَّ
стр. 1448
عليه فيها قصة أصحاب الكهف وذي القرنين (١)، وأنزل عليه هذه الآية؛ تأديبًا له وتعليمًا، فأمره بالاستثناء بمشيئة الله في كل أمر يريد أن يفعله فيما يستقبل.
وقوله: ﴿غَدًا﴾ يريد به الزمان المستقبل، لا اليوم الذي بعد يومه خاصة.
وفي الكلام حذف يقتضيه المعنى، وتقديره: ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدًا إلا أن تقول: «إن شاء الله»، أو تقول: «إلا أن يشاء الله».
والمعنى: أن يعلّق الأمر بمشيئة الله وحوله وقوته، ويبرأ هو من الحول والقوة.
وقيل: إن قوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ يتعلّق بقوله: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ﴾، والمعنى: لا تقولنَّ ذلك القول إلا أن يشاء الله أن تقوله؛ بأن يأذن لك فيه، فالمشيئة - على هذا - راجعة إلى القول، لا إلى الفعل، ومعناها: إباحة القول بالإذن فيه، حكى هذا الزمخشري (٢)، وحكاه ابن عطية، وقال: إنه من الفساد بحيث كان الواجب أن لا يُحكى (٣).
﴿وَاذْكُر رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ قال ابن عباس: الإشارة بذلك إلى الاستثناء؛ أي: استثن بعد مدةٍ إذا نسيت الاستثناء أولًا، وذلك على مذهبه في أن الاستثناء في اليمين ينفع بعد سنة.
стр. 1449
وأما مذهب مالك والشافعي: فإنه لا ينفع إلَّا إن كان متصلًا باليمين.
وقيل: معنى الآية: اذكر ربك إذا غضبت.
وقيل: اذكره إذا نسيت شيئًا؛ ليذكّرك ما نسيت.
والظاهر: أن المعنى: اذكر ربك إذا نسيت ذكره؛ أي: ارجع إلى الذكر متى غفلت عنه، واذكره في كل حال، ولذلك قالت عائشة ﵂: «كان رسول الله ﷺ يذكر الله على كل أحيانه» (١).
﴿وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا﴾ هذا كلامٌ أُمر النبي ﷺ أن يقوله، والإشارة بـ ﴿هَذَا﴾ إلى خبر أصحاب الكهف؛ أي: عسى أن يؤتيني الله من الآيات والحجج ما هو أعظم في الدلالة على نبوّتي من خبر أصحاب الكهف.
واللفظ يقتضي أن المعنى: عسى أن يوفقني (٢) الله تعالى من العلوم والأعمال الصالحات لما هو أرشد من خبر أصحاب الكهف وأقربُ إلى الله. وقيل: إن الإشارة بـ ﴿هَذَا﴾ إلى المنسيِّ؛ أي: إذا نسيت شيئًا فقل: عسى أن يهديني الله إلى شيءٍ آخر هو أرشد من المنسيِّ.
﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا (٢٥)﴾ في هذا قولان: أحدهما: أنه حكاية عن أهل الكتاب؛ يدلُّ على ذلك ما في قراءة ابن مسعود: «وقالوا لبثوا في كهفهم»، وهو معطوف على ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ﴾.
стр. 1450
فقوله: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾ ردٌّ عليهم في هذا العدد المحكي عنهم.
القول الثاني: أنه من كلام الله تعالى، وأنه بيانٌ لما أجمل في قوله: ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا (١١)﴾، ومعنى قوله: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾ - على هذا -: أنه أعلم من الذين اختلفوا فيهم، وقد أخبر بمدة لبثهم، فإخباره هو الحق؛ لأنه أعلم من الناس، فكأن قوله: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ﴾ احتجاجٌ على صحة ذلك الإخبار.
وانتصب ﴿سِنِينَ﴾:
على البدل من ﴿ثَلَاثَ مِائَةٍ﴾، أو عطف البيان.
أو على التمييز.
وذلك على قراءة التنوين في ﴿ثَلَاثَ مِائَةٍ﴾.
وقرئ بغير تنوين: على الإضافة، ووضع الجمع موضع المفرد.
﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾ أي: ما أبصره وما أسمعه!؛ لأن الله يدرك الخفيات كما يدرك الجليات.
﴿مَا لَهُمْ﴾ الضمير: لجميع الخلق، أو للمعاصرين للنبي ﷺ .
﴿وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ هو خبر؛ على القراءة بالياء والرفع.
وقرئ بالتاء والجزم؛ على النهي.
﴿لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ يحتمل أن يراد بالكلمات هنا:
القرآن؛ فالمعنى: لا يبدِّلُ أحد القرآن ولا يغيره.
стр. 1451
ويحتمل أن يريد بالكلمات: القضاء والقدر.
﴿مُلْتَحَدًا﴾ أي: ملجأً تميل إليه.
﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ﴾ أي: احبسها صابرًا.
﴿مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم﴾ هم فقراء المسلمين، كبلال وصهيب وخباب، وكان الكفار قد قالوا له: اطرد هؤلاء نجالسك نحن، فنزلت الآية.
﴿بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ قيل: المراد الصلوات الخمس.
وقيل: الدعاء على الإطلاق.
﴿وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾ أي: لا تتجاوز عنهم إلى أبناء الدنيا، قال الزمخشري: يقال عداه: إذا جاوزه، فهذا الفعل يتعدى بنفسه دون حرف، وإنما تعدى هنا بـ «عن»؛ لأنه تضمن معنى: نَبَتْ عينه عن الرجل: إذا احتقره (١).
﴿تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ جملة في موضع الحال، فهي متصلة بما قبلها، وهي في معنى تعليل لفعل المنهي عنه في قوله: ﴿وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾؛ أي: لا تبعد عنهم من أجل إرادتك لزينة الدنيا.
﴿أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ﴾ أي: جعلناه غافلًا، أو وجدناه غافلًا.
وقيل: إنه يعني عيينة بن حصن الفَزَاري، والأظهر: أنها مطلقة من غير تعيين.
стр. 1452
﴿فُرُطًا﴾ من التَّفريط والتضييع، أو من الإفراط والإسراف.
﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أي: هذا هو الحق.
﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِن﴾ لفظه: أمرٌ وتخيير، ومعناه: أن الحق قد ظهر، فيختارُ كل إنسان لنفسه؛ إما الحق الذي ينجيه، أو الباطل الذي يهلكه، ففي ضمن ذلك تهديدٌ.
﴿سُرَادِقُهَا﴾ السُّرادق في اللغة: ما أحاط بالشيء، كالسُّور والجدار.
وأمَّا سرادق جهنم: فقيل: حائط من نار، وقيل: دخان.
﴿كَالْمُهْلِ﴾ هو دُرْدِيُّ الزيت إذا انتهى حرُّه، روي ذلك عن النبي ﷺ (١).
وقيل: ما أذيب من الرَّصاص وشبهه.
﴿مُرْتَفَقًا﴾ أي: شيئًا يرتفق به؛ فهو من الرِّفق (٢).
وقيل: يُرتَفَق عليه؛ فهو من الارتفاق بمعنى الاتكاء.
﴿أُولَئِكَ لَهُمْ﴾ خبر ﴿إِنَّ﴾، و ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ﴾ اعتراضٌ.
ويجوز أن يكونا خبرين.
أو يكون ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ﴾ الخبر، و ﴿أُولَئِكَ﴾ كلام مستأنف، ويقوم العموم في قوله: ﴿مَنْ أَحْسَنَ﴾ مقام الضمير الرابط، أو يقدَّر: من أحسن عملًا منهم.
стр. 1453
وروي أن النبي ﷺ قال: «إنها نزلت في أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃» (١).
﴿أَسَاوِرَ﴾ جمع أُسوار، أو سِوار، وهو ما يجعل في الذراع.
وقيل: أساور جمع أُسْوِرة، وأسورة جمع سِوار.
﴿مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ﴾ السندس: رقيق الديباج، والإستبرق: الغليظ منه.
﴿الْأَرَائِكِ﴾ الأسِرَّة والفُرُش.
* * *
﴿أُكُلَهَا﴾ بضم الهمزة: اسم المأكول، ويجوز ضم الكاف وإسكانها.
﴿وَلَمْ تَظْلِم﴾ أي: لم تَنْقُصْ.
﴿وَكَانَ لَهُ ثُمُرٌ﴾ بضم الثاء والميم: أصناف المال من الذهب والفضة والحيوان وغير ذلك، قاله ابن عباس وقتادة.
وقيل: هو الذهب والفضة خاصة.
وهو من ثَمَرَ مالُه: إذا كثُر، ويجوز إسكان الميم تخفيفًا.
وأما بفتح الثاء والميم: فهو المأكول من الشجر، ويحتمل المعنى الآخر.
﴿يُحَاوِرُهُ﴾ أي: يراجعه في الكلام.
﴿وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾ يعني: الأنصار والخدم.
﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ أفرد الجنة هنا؛ لأنه إنما دخل الجنة الواحدة من الجنتين؛ إذ لا يمكن دخول الجنتين معًا في دفعةٍ واحدة.
﴿وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ إما بكفره، أو بمقالته لأخيه؛ فإنها تتضمن الفخر والكبر والاحتقار لأخيه.
﴿قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا﴾ يحتمل أن تكون الإشارة:
إلى السموات والأرض وسائر المخلوقات، فيكون قائلًا ببقاء هذا الوجود، كافرًا بالآخرة.
أو تكون الإشارة إلى جنته، فيكون قوله إفراطًا في الاغترار وقلة التحصيل.
стр. 1456
﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي﴾ أي: إن كان هذا على سبيل الفرض والتقدير، كما يزعم أخي، لأجدنَّ في الآخرة خيرًا من جنتي في الدنيا.
وقرئ ﴿خَيْرًا مِنْهُمَا﴾ بضمير الاثنين للجنتين، وبضمير الواحد للجنة. ﴿مُنقَلَبًا﴾ أي: مرجعًا.
﴿أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ﴾ أي: خلق منه أباك آدم، وإنما جعله كافرًا بالله؛ لشكه في البعث.
﴿سَوَّاكَ رَجُلًا﴾ كما تقول سوَّاك إنسانًا.
ويحتمل أن قَصَدَ الرجولية على وجه تحديد النعمة في أن لم يكن أنثى.
﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾ قرأ الجمهور بإثبات الألف في الوقف وحذفها في الوصل، والأصل على هذا: «لكنْ أنا»، ثم ألقيت حركة الهمزة على الساكن قبلها وحذفت، ثم أدغمت النون في النون.
وقرأ ابن عامر بإثبات الألف في الوصل والوقف، ويتوجه ذلك: بأن تكون «لكن» لحقتها نون الجماعة التي في «خرجنا» و «ضربنا»، ثم أدغمت النون في النون.
﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ﴾ الآية؛ وصيةٌ من المؤمن للكافر، و «لولا» تحضيضٌ.
﴿فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِن جَنَّتِكَ﴾ يحتمل أن يريد في الدنيا أو الآخرة.
﴿حُسْبَانًا﴾ أي: أمرًا مهلكًا، كالحرِّ والبرد ونحو ذلك.
стр. 1457
﴿صَعِيدًا زَلَقًا﴾ الصعيد: وجه الأرض، والزَّلَق: الذي لا يثبت فيه قدم، يعني: أنه تذهب أشجاره ونباته.
﴿غَوْرًا﴾ أي: غائرًا ذاهبًا، وهو مصدر وصف به.
﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ عبارة عن هلاكها (١).
﴿يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ عبارة عن تلهفه وتأسفه وندمه.
﴿وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ يريد: أن السُّقُف وقعت وهي العروش، ثم تهدَّمت الحيطان عليها، فالحيطان على العروش.
وقيل: إن كرومها المعروشة سقطت عروشها، ثم سقطت الكروم عليها.
﴿وَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ﴾ قال ذلك:
على وجه التمني لمَّا هلك بستانه.
أو على وجه التوبة من الشرك.
﴿هُنَالِكَ﴾ ظرف يحتمل:
أن يكون العامل فيه ﴿مُنْتَصِرًا﴾.
أو يكون في موضع خبر ﴿الْوَلَايَةُ﴾.
﴿الْوَلَايَةُ لِلَّهِ﴾ بكسر الواو: بمعنى الرياسة والملك، وبفتحها: من الموالاة والمودَّة.
﴿وَخَيْرٌ عُقْبًا﴾ أي: عاقبة.
стр. 1458
[﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا (٤٥) الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا (٤٦) وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٤٧) وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا (٤٨) وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (٤٩)﴾].
﴿فَاخْتَلَطَ بِهِ﴾ الباء سببية، والمعنى: صار به النبات مختلطًا؛ أي: ملتفًّا بعضه ببعض من شدة تكاثفه.
﴿فَأَصْبَحَ هَشِيمًا﴾ أي: متفتِّتًا، و ﴿أَصْبَحَ﴾ هنا بمعنى «صار».
﴿تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ﴾ أي: تفرّقه، ومعنى المثل: تشبيه الدنيا في سرعة فنائها بالزرع في فنائه بعد خضرته.
﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ﴾ الآية؛ هذا من الجمع بين شيئين في خبر واحد، وذلك من أدوات البيان.
وقرئ: «زينتا» بالتثنية؛ لأنه خبر عن اثنين، وأما قراءة الجمهور فأفردت فيه الزينة؛ لأنها مصدر.
﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾ هي: «سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر» هذا قول الجمهور، وقد روي ذلك عن النبي ﷺ (١).
стр. 1459
وقيل: الصلوات الخمس.
وقيل: الأعمال الصالحات على الإطلاق.
﴿نُسَيِّرُ الْجِبَالَ﴾ أي: نحملها، ومنه قوله: ﴿وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ [النمل: ٨٨] وبعد ذلك تصير هباءً.
﴿وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾ أي: ظاهرةً؛ لزوال الجبال عنها.
﴿وَحَشَرْنَاهُمْ﴾ قال الزمخشري: إنما جاء ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ﴾ بلفظ الماضي بعد قوله: ﴿نُسَيِّرُ﴾؛ للدلالة على أن حشرهم قبل تسيير الجبال؛ ليعاينوا تلك الأهوال (١).
﴿فَلَمْ نُغَادِرْ﴾ أي: لم نترك.
﴿صَفًّا﴾ أي: صفوفًا، فهو إفراد تَنَزَّلَ منزلة الجمع، وقد جاء في الحديث: «إن أهل الجنة مئة وعشرون صفًّا، أنتم منها ثمانون صفا» (٢).
﴿لَقَدْ جِئْتُمُونَا﴾ يقال هذا للكفار على وجه التوبيخ.
و ﴿كَمَا خَلَقْنَاكُمْ﴾ أي: حفاةً عراةً غُرْلًا.
﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ﴾ يعني: صحائف الأعمال، فـ ﴿الْكِتَابُ﴾ اسم جنس.
* * *
стр. 1460
[﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا (٥٠) مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا (٥١) وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا (٥٢) وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا (٥٣)﴾].
﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ كلام مستأنف، جرى مجرى التعليل لإباية إبليس عن السجود، وظاهر هذا الموضع يقتضي أن إبليس لم يكن من الملائكة، وأن استثناءه منهم استثناء منقطع؛ فإن الجن صنف غير الملائكة.
وقد يجيب عن ذلك من قال: إنه كان من الملائكة:
بأن ﴿كَانَ﴾ هنا بمعنى «صار»؛ أي: خرج من صنف الملائكة إلى صنف الجن.
أو بأن الملائكة كان منهم قوم يقال لهم الجن، وهم الذين خُلِقوا من نار.
﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ أي: خرج عما أمره (١) به، والفسق في اللغة: الخروج.
﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ﴾ هذا توبيخ ووعظ، وذرية إبليس: هم الشياطين، واتخاذهم أولياء: بطاعتهم في عصيان الله والكفر به.
﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ﴾ الضمير:
للشياطين على وجه التحقير لهم.
стр. 1461
أو للكفار.
أو لجميع الخلق، فيكون فيه ردٌّ على المنجمين وأهل الطبائع وسائر الطوائف المتخرِّصة.
﴿وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ أي: مُعينًا، ومعنى ﴿الْمُضِلِّينَ﴾: الذين يُضلون العباد، وذلك يقوِّي أن المراد الشياطين.
﴿وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ﴾ يقال هذا للكفار على وجه التوبيخ لهم، وأضاف تعالى الشركاء إلى نفسه على زعمهم، وقد بيَّن هذا بقوله: ﴿الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾.
﴿مَوْبِقًا﴾ أي: مَهْلِكًا، وهو اسم موضع، أو مصدر من: وَبَقَ الرجل: إذا هلَكَ.
وقد قيل: إنه وادٍ من أودية جهنم.
والضمير في ﴿بَيْنَهُمْ﴾: للمشركين وشركائهم.
﴿فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا﴾ الظنُّ هنا بمعنى اليقين.
﴿مَصْرِفًا﴾ أي: مَعْدِلًا ينصرفون إليه.
* * *
стр. 1462
[﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا (٥٤) وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا (٥٥) وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا (٥٦) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا (٥٧) وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا (٥٨) وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا (٥٩)﴾].
﴿جَدَلًا﴾ أي: مخاصمة ومدافعة بالقول، ويقتضي سياق الكلام ذمَّ الجدل.
وسببها فيما قيل: مجادلة النضر بن الحارث، على أن الإنسان (١) يراد به الجنس.
﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا﴾ الآية؛ معناها: أن المانع للناس من الإيمان والاستغفار هو القضاء عليهم بأن تأتيهم سنة الأمم المتقدمة، وهي الإهلاك في الدنيا، أو يأتيهم العذاب؛ يعني: عذاب الآخرة.
ومعنى ﴿قُبُلًا﴾: معاينة.
وقرئ بضمتين، وهو جمع قَبِيل؛ أي: أنواعًا من العذاب.
стр. 1463
﴿لِيُدْحِضُوا﴾ أي: يبطلوا.
﴿وَمَا أُنْذِرُوا﴾ يعني: العذاب.
و «ما»: موصولة، والضمير محذوف تقديره: أنذروه، أو مصدرية.
﴿إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً﴾ هذه عقوبةٌ على الإعراض المحكيِّ عنهم، أو تعليلٌ له.
والأكنة: جمع كِنَانٍ وهو الغطاء، والوَقْرُ: الصَّمم، وهما على وجه الاستعارة في قلة فهمهم للقرآن، وعدم استجابتهم للإيمان.
﴿فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا﴾ يراد به: مَنْ قضى الله أنه لا يؤمن.
﴿لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ﴾ الضمير: لكفار قريش، أو لسائر الناس، كقوله: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ﴾ [النحل: ٦١]، والجملة خبر المبتدإ، و ﴿الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ صفتان اعترضتا بين المبتدأ والخبر؛ توطئةً لما ذكر بعدُ من ترك المؤاخذة.
ويحتمل أن يكون ﴿الْغَفُورُ﴾ هو الخبر، و ﴿لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ﴾ بيان لمغفرته ورحمته.
والأول أظهر.
﴿بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ﴾ قيل: هو الموت، وقيل: عذاب الآخرة، وقيل: يوم بدر.
﴿مَوْئِلًا﴾ أي: منجًى، يقال: وَأَلَ الرجلُ: إذا نجَا (١).
стр. 1464
﴿وَتِلْكَ الْقُرَى﴾ يعني: عادًا وثمودًا وغيرهم من المتقدمين.
والمراد: أهل القرى؛ ولذلك قال: ﴿أَهْلَكْنَاهُمْ﴾.
وفي ضمن هذا الإخبار تهديدٌ لكفار قريش.
﴿وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا﴾ أي: وقتًا معلومًا، والمُهْلَكُ هنا - بضم الميم وفتح اللام -: اسم مصدر من «أهلك»، فالمصدر على هذا مضاف للمفعول؛ لأن الفعل متعدٍّ.
وقرئ بفتح الميم، من «هَلَك»، فالمصدر على هذا مضاف للفاعل.
стр. 1465
[﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا (٦٠) فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا (٦١) فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا (٦٢) قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا (٦٣) قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا (٦٤) فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (٦٥) قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (٦٦) قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٦٧) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا (٦٨) قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا (٦٩) قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا (٧٠)﴾].
﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ﴾ هذا ابتداء قصة موسى مع الخَضِر، وهو موسى بن عمران نبي الله.
وقال قوم: هو موسى آخَرُ، وذلك باطل، ردَّه ابن عباس وغيره، ويدلُّ الحديث على بطلانه.
وفتاه: هو يُوشَعُ بن نون، وهو ابن أخت موسى، وهو من ذرية يوسف ﵇، والفتى هنا: بمعنى الخَدِيم.
وسبب القصة فيما روي عن النبي ﷺ في الحديث الصحيح: أن موسى ﵇ خطب يومًا في بني إسرائيل، فقيل له: هل تعلم أحدًا أعلم منك؟ فقال: لا، فأوحى الله إليه بل (١) عبدنا الخضر أعلم منك، فقال: يا رب دلني على السبيل إلى لقائه، فأوحى الله إليه أن يحمل حوتًا في مِكْتَل ويسير بطول سيف
стр. 1466
البحر حتى يبلغ مجمع البحرين، فإذا فقد الحوت فإن الخضر هناك، ففعل موسى ذلك حتى لقيه (١).
﴿لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ﴾ قال موسى هذا الكلام وهو سائر أي: لا أبرح أسير حتى أبلغ مجمع البحرين، فحذف خبر ﴿لَا أَبْرَحُ﴾ اختصارًا؛ لدلالة المعنى عليه.
ومعنى ﴿لَا أَبْرَحُ﴾ هنا: لا أزال؛ لأن حقيقة «لا أبرح» تقتضي الإقامة في الموضع، وكان موسى حين قالها على سفر لا يريد إقامة.
و ﴿مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ﴾: عند طنجة، حيث يجتمع البحر المحيط والبحر الخارج منه، وهو بحر الأندلس.
وقيل: هو مجمع بحر فارس وبحر الروم في المشرق.
﴿أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾ أي: زمانًا طويلًا، والحُقب - بضم القاف وإسكانها - ثمانون سنة.
وقيل: زمان غير محدود.
وقيل: هو جمع حِقْبة، وهي السنة.
﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا﴾ الضمير في ﴿بَلَغَا﴾ لموسى وفتاه، والضمير في ﴿بَيْنِهِمَا﴾ للبحرين.
﴿نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾ نُسب النسيان إليهما، وإنما كان النسيان من الفتى وحده، كما تقول: فعل بنو فلان كذا: إذا فعله واحد منهم.
стр. 1467
وقيل: نسي الفتى أن يقدّمه، ونسي موسى أن يأمره فيه بشيء.
﴿فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا﴾ فاعل ﴿اتَّخَذَ﴾: الحوت، والمعنى: أنه سار في البحر:
فقيل: إن الحوت كان ميتًا مملوحًا، ثم صار حيًا بإذن الله، ووقع في الماء فسار فيه، وقال ابن عباس: إنما حيي الحوت؛ لأنه مسَّه ماءُ عين يقال لها: عين الحياة، ما مست قطُّ شيئًا إلَّا حَيِيَ، وفي الحديث: أن الله أمسك جرْيَة الماء عن الحوت فصار مثل السَّرَب (١)، وهو المسلك في جوف الأرض، وذلك معجزة لموسى ﵇.
وقيل: اتخذ الحوت سبيله في البر سربًا حتى وصل إلى البحر، فعام على العادة. ويردُّ هذا ما ورد في الحديث.
﴿فَلَمَّا جَاوَزَا﴾ أي: جاوزا الموضع الذي وصف له، وهو الصخرة التي نام عندها فسار (٢) الحوت في البحر بينما كان موسى نائمًا، وكان ذهاب الحوت أمارةً لقائه للخضر، فلما استيقظ موسى أصابه الجوع، فقال لفتاه: ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا﴾.
﴿نَصَبًا﴾ أي: تعبًا.
﴿قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ﴾ قال الزمخشري: ﴿أَرَأَيْتَ﴾ هنا بمعنى: أخبرني، ثم قال: فإن قلت: ما وجه التئام هذا الكلام؛ فإن كل واحد من ﴿أَرَأَيْتَ﴾ و ﴿إِذْ أَوَيْنَا﴾ و ﴿فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ﴾ لا متعلق له؟.
стр. 1468
فالجواب: أنه لما طلب موسى الحوت ذكر يُوشَع ما رأى منه، وما اعتراه ومن نسيانه فدُهِشَ، فطفق يسأل موسى عن سبب ذلك، فكأنه قال: أرأيت ما دهاني إذ أوينا إلى الصخرة، فإني نسيت الحوت، فحذف بعض الكلام (١).
﴿نَسِيتُ الْحُوتَ﴾ أي: نسيتُ أن أذكر لك ما رأيت من ذهابه في البحر، فتقديره: نسيتُ ذِكْرَ الحوت.
﴿أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ بدلٌ من الهاء في ﴿أَنسَانِيهِ﴾، وهو بدل اشتمال.
﴿وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا﴾ يحتمل أن يكون هذا:
من كلام يُوشَع، أي: اتخذ الحوت سبيله في البحر عجبًا للناس. أو يكون إخبارًا من الله تعالى:
أي: اتخذ الحوت سبيله في البحر عجبًا للناس.
أو اتخذ موسى سبيل الحوت عجبًا؛ أي: تعجَّب هو منه.
وإعراب ﴿عَجَبًا﴾: مفعول ثان لـ ﴿اتَّخَذَ﴾، مثل ﴿سَرَبًا﴾.
وقيل: إن الكلام تمَّ عند قوله: ﴿فِي الْبَحْرِ﴾، ثم ابتدأ التعجب فقال: ﴿عَجَبًا﴾، وذلك بعيد.
﴿قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ﴾ أي: فَقْدُ الحوت هو ما كنا نطلب؛ لأنه أمارةٌ على وجدان الرجل.
﴿فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ أي: رجعا في طريقهما يقصَّان أثرهما
стр. 1469
الأول؛ لئلا يخرجا عن الطريق.
﴿فَوَجَدَا عَبْدًا﴾ هو الخضر.
﴿آتَيْنَاهُ رَحْمَةً﴾ يعني النبوة على قول من قال: إن الخضر نبيٌّ.
وقيل: إنه ليس بنبيّ، ولكنه وليٌّ.
وتظهر نبوته من هذه القصة؛ لأنه فعل أشياء لا يعملها إلَّا بوحي.
واختُلف أيضًا هل مات أو هو حيٌّ إلى الآن؟ ويذكر كثيرٌ من الصَّلَحاء أنهم يرونه ويكلِّمهم.
﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ في الحديث: أن موسى وجد الخضر مسجًّى بثوبه فقال: السلام عليك، فرفع رأسه وقال: وأنَّى بأرضك السلام؟، قال له: من أنت؟ قال: أنا موسى، قال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم، قال: أو لم يكن لك في بني إسرائيل ما يَشْغَلُك عن السفر إلى هنا؟ قال: بلى، ولكني أحببت لقاءك وأن أتعلمَ منك، قال: إني على علم من علم الله علَّمنيه لا تعلمه أنت، وأنت على علم من علم الله علَّمكَهُ لا أعلمه أنا (١).
﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ﴾ الآية؛ مخاطبة فيها ملاطفة وتواضع، وكذلك ينبغي أن يكون الإنسان مع من يريد أن يتعلَّم منه.
﴿رُشْدًا﴾ قرئ: بضم الراء وإسكان الشين، وبفتحهما، والمعنى واحد.
وانتصب على أنه: مفعول ثانٍ بـ ﴿تُعَلِّمَنِ﴾، أو حال من الضمير في ﴿أَتَّبِعُكَ﴾.
﴿فَانطَلَقَا﴾ يعني: بعد نزولهما من السفينة، فمرَّا بغلمان يلعبون، وفيهم غلام وضيء الصورة، فاقتلع الخضر رأسه.
وقيل: ذبحه.
وقيل: أخذ صخرة فضرب بها رأسه.
والأول هو الصحيح؛ لوروده في الحديث الصحيح (١).
وروي أن اسم الغلام جَيْسُور - بالجيم -، وقيل: بالحاء المهملة.
قال الزمخشري: إن قلت: لم قال: ﴿خَرَقَهَا﴾ بغير فاء، وقال: ﴿فَقَتَلَهُ﴾ بالفاء؟.
فالجواب: أن ﴿خَرَقَهَا﴾ جواب الشرط، و ﴿فَقَتَلَهُ﴾ من جملة الشرط معطوف عليه، والجزاء: ﴿قَالَ أَقَتَلْتَ﴾.
فإن قلت: لم خولف بينهما؟
فالجواب: أن خَرْق السفينة لم يتعقَّب الركوب، وقد تعقَّب القتلُ لقاءَ
الغلام (٢).
﴿نَفْسًا زَاكِيَةً﴾ قيل: إنه كان لم يبلغ، فمعنى ﴿زَاكِيَةً﴾ ليس له ذنب.
وقيل: إنه كان بالغًا، ولكنه لم ير له الخضر ذنبًا.
﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ يقتضي أنه لو كان قد قتل نفسًا لم يكن بقتله بأسٌ على وجه
стр. 1472
القصاص، وهذا يدلُّ على أن الغلام كان بالغًا؛ فإن غير البالغ لا يُقتل وإن قتل نفسًا.
﴿شَيْئًا نُكْرًا﴾ أي: منكرًا، وهو أبلغ من قوله: ﴿إِمْرًا﴾، ويجوز ضم الكاف وإسكانها.
﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ﴾ بزيادة ﴿لَكَ﴾، فيه من الزجر والإغلاط ما ليس في قوله أولًا: ﴿أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾.
﴿بَعْدَهَا﴾ الضمير للقصة، وإن لم يتقدم لها ذكرٌ، ولكن سياق الكلام يدل عليها.
﴿قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾ أي: قد أعذرتَ إليّ، فأنت معذور عندي.
وفي الحديث: «كانت الأولى من موسى نسيانًا» (١).
﴿أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ﴾ قيل: هي أنطاكيةُ.
وقيل: بَرْقَةُ.
وقال أبو هريرة وغيره: هي بالأندلس، ويُذكر أنها الجزيرة الخضراء، وذلك على قول أن مجمع البحرين عند طنجة وسبتة.
﴿اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا﴾ أي: طلبا منهم طعامًا.
﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ أي: يسقط، وإسناده الإرادة إلى الجدار مجاز، ومثل ذلك كثير في كلام العرب، وحقيقته: أنه قارب أن ينقضَّ.
стр. 1473
ووزن ﴿يَنْقَضَّ﴾ يَنْفَعِلّ، وقيل: يَفْعَلّ -بالتشديد- كَيَحْمَرَّ.
﴿فَأَقَامَهُ﴾ قيل: إنه هدمه ثم بناه، وقيل: مسحه بيده وأقامه فقام.
﴿لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ أي: قال موسى للخضر: لو شئت لاتخذت عليه أجرا؛ أي: طعامًا نأكله.
﴿قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ إنما قال له هذا؛ لأجل شرطه في قوله: ﴿إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي﴾، على أن قوله: ﴿لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ ليس بسؤال، ولكن في ضمنه أمرٌ بأخذ الأجرة عليه؛ لأنهما كانا محتاجين إلى الطعام.
والبَيْنُ هنا: ليس بظرف، وإنما معناه: الوُصْلة والقُرْب.
وقال الزمخشري: الأصل: «هذا فراقٌ بيني وبينك» بتنوين «فراق» ونصب «بين» على الظرفية، ثم أضيف المصدر إلى الظرف (١).
والإشارة بقوله: ﴿هَذَا﴾ إلى السؤال الثالث، الذي أوجب الفراق.
﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ﴾ قيل: إنهم تجار، ولكنه قال فيهم: «مساكين» على وجه الإشفاق عليهم؛ لكونهم كانوا يُغصبون سفينتهم، أو لكونهم في لجج البحر.
وقيل: كانوا عشرة إخوة، منهم خمسة عاملون بالسفينة، وخمسة ذوو عاهات لا قدرة لهم.
وقرئ: «مَسَّاكين» بتشديد السين؛ أي: يمسكون السفينة.
стр. 1474
﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ﴾ قيل: معناه: قدَّامهم، وقرأ ابن عباس: «أمامهم».
وقال ابن عطية: إن ﴿وَرَاءَهُمْ﴾ على بابه، ولكن روعي به الزمان، فالوراء هو المستقبل، والأمام هو الماضي (١).
﴿كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ عموم معناه (٢) الخصوص في الجياد الصَّحاح من السفن، ولذلك قرأ ابن مسعود: «يأخذ كل سفينة صالحة».
وقيل: إن اسم هذا الملك هُدُدُ بن بُدُد، وهذا يفتقر إلى نقل صحيح.
وفي الكلام تقديم وتأخير؛ لأن قوله: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ مؤخَّر في المعنى عن ذكر غَصْبها؛ لأن خوف الغصب سبب في أنه عابها، وإنما قُدِّم للعناية به.
﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ﴾ روي أنه كان كافرًا، وروي أنه كان يفسد في الأرض.
﴿فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا﴾ المتكلم بذلك هو الخضر.
وقيل: إنه من كلام الله، وتأويله على هذا: «فكَرِهنا».
وقال ابن عطية: إنه من نحو ما وقع في القرآن من «عسى» و «لعل»، وإنما هو في حق المخاطبين (٣).
ومعنى: ﴿يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾: يكلِّفهما ذلك، والمعنى: أن يحملهما حبُّه على اتباعه، أو يَضُرَّ بهما مخالطته (٤) مع مخالفته لهما.
стр. 1475
﴿خَيْرًا مِنْهُ﴾ أي: غلامًا آخر خيرًا من الغلام المذكور المقتول.
﴿زَكَاةً﴾ أي: طهارة وفضيلة في دينه.
﴿وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ أي: رحمة وشفقة؛ فقيل: المعنى أن يرحمها، وقيل: يرحمانه.
﴿لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ﴾ اليتيم: من فقد أبويه قبل البلوغ.
وروي أن اسم الغلامين: أصرم وصريم، واسم أبيهما: كاشح، وهذا يفتقر إلى صحة نقل.
﴿كَنْزٌ لَهُمَا﴾ قيل: مال عظيم.
وقيل: كان عِلْمًا في صحف مدفونة.
والأول أظهر.
﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ قيل: إنه الأب السابع.
وظاهر اللفظ: أنه الأقرب.
﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ﴾ أسند الإرادة هنا إلى الله؛ لأنها في أمرٍ مُغَيَّب مستأنف لا يعلم ما يكون منه إلّا الله، وأسندها الخضرُ إلى نفسه في قوله: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾؛ لأنها لفظة (١) عيب، فتأدَّب بأن لا يُسندَها إلى الله، وذلك كقول إبراهيم ﵇: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٨٠]، فأسند المرض إلى نفسه، والشفاء إلى الله؛ تأدُّبا.