﴿فَانطَلَقَا﴾ يعني: بعد نزولهما من السفينة، فمرَّا بغلمان يلعبون، وفيهم غلام وضيء الصورة، فاقتلع الخضر رأسه.
وقيل: ذبحه.
وقيل: أخذ صخرة فضرب بها رأسه.
والأول هو الصحيح؛ لوروده في الحديث الصحيح (١).
وروي أن اسم الغلام جَيْسُور - بالجيم -، وقيل: بالحاء المهملة.
قال الزمخشري: إن قلت: لم قال: ﴿خَرَقَهَا﴾ بغير فاء، وقال: ﴿فَقَتَلَهُ﴾ بالفاء؟.
فالجواب: أن ﴿خَرَقَهَا﴾ جواب الشرط، و ﴿فَقَتَلَهُ﴾ من جملة الشرط معطوف عليه، والجزاء: ﴿قَالَ أَقَتَلْتَ﴾.
فإن قلت: لم خولف بينهما؟
فالجواب: أن خَرْق السفينة لم يتعقَّب الركوب، وقد تعقَّب القتلُ لقاءَ
الغلام (٢).
﴿نَفْسًا زَاكِيَةً﴾ قيل: إنه كان لم يبلغ، فمعنى ﴿زَاكِيَةً﴾ ليس له ذنب.
وقيل: إنه كان بالغًا، ولكنه لم ير له الخضر ذنبًا.
﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ يقتضي أنه لو كان قد قتل نفسًا لم يكن بقتله بأسٌ على وجه
стр. 1472
القصاص، وهذا يدلُّ على أن الغلام كان بالغًا؛ فإن غير البالغ لا يُقتل وإن قتل نفسًا.
﴿شَيْئًا نُكْرًا﴾ أي: منكرًا، وهو أبلغ من قوله: ﴿إِمْرًا﴾، ويجوز ضم الكاف وإسكانها.
﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ﴾ بزيادة ﴿لَكَ﴾، فيه من الزجر والإغلاط ما ليس في قوله أولًا: ﴿أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾.
﴿بَعْدَهَا﴾ الضمير للقصة، وإن لم يتقدم لها ذكرٌ، ولكن سياق الكلام يدل عليها.
﴿قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾ أي: قد أعذرتَ إليّ، فأنت معذور عندي.
وفي الحديث: «كانت الأولى من موسى نسيانًا» (١).
﴿أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ﴾ قيل: هي أنطاكيةُ.
وقيل: بَرْقَةُ.
وقال أبو هريرة وغيره: هي بالأندلس، ويُذكر أنها الجزيرة الخضراء، وذلك على قول أن مجمع البحرين عند طنجة وسبتة.
﴿اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا﴾ أي: طلبا منهم طعامًا.
﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ أي: يسقط، وإسناده الإرادة إلى الجدار مجاز، ومثل ذلك كثير في كلام العرب، وحقيقته: أنه قارب أن ينقضَّ.
стр. 1473
ووزن ﴿يَنْقَضَّ﴾ يَنْفَعِلّ، وقيل: يَفْعَلّ -بالتشديد- كَيَحْمَرَّ.
﴿فَأَقَامَهُ﴾ قيل: إنه هدمه ثم بناه، وقيل: مسحه بيده وأقامه فقام.
﴿لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ أي: قال موسى للخضر: لو شئت لاتخذت عليه أجرا؛ أي: طعامًا نأكله.
﴿قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ إنما قال له هذا؛ لأجل شرطه في قوله: ﴿إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي﴾، على أن قوله: ﴿لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ ليس بسؤال، ولكن في ضمنه أمرٌ بأخذ الأجرة عليه؛ لأنهما كانا محتاجين إلى الطعام.
والبَيْنُ هنا: ليس بظرف، وإنما معناه: الوُصْلة والقُرْب.
وقال الزمخشري: الأصل: «هذا فراقٌ بيني وبينك» بتنوين «فراق» ونصب «بين» على الظرفية، ثم أضيف المصدر إلى الظرف (١).
والإشارة بقوله: ﴿هَذَا﴾ إلى السؤال الثالث، الذي أوجب الفراق.
﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ﴾ قيل: إنهم تجار، ولكنه قال فيهم: «مساكين» على وجه الإشفاق عليهم؛ لكونهم كانوا يُغصبون سفينتهم، أو لكونهم في لجج البحر.
وقيل: كانوا عشرة إخوة، منهم خمسة عاملون بالسفينة، وخمسة ذوو عاهات لا قدرة لهم.
وقرئ: «مَسَّاكين» بتشديد السين؛ أي: يمسكون السفينة.
стр. 1474
﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ﴾ قيل: معناه: قدَّامهم، وقرأ ابن عباس: «أمامهم».
وقال ابن عطية: إن ﴿وَرَاءَهُمْ﴾ على بابه، ولكن روعي به الزمان، فالوراء هو المستقبل، والأمام هو الماضي (١).
﴿كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ عموم معناه (٢) الخصوص في الجياد الصَّحاح من السفن، ولذلك قرأ ابن مسعود: «يأخذ كل سفينة صالحة».
وقيل: إن اسم هذا الملك هُدُدُ بن بُدُد، وهذا يفتقر إلى نقل صحيح.
وفي الكلام تقديم وتأخير؛ لأن قوله: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ مؤخَّر في المعنى عن ذكر غَصْبها؛ لأن خوف الغصب سبب في أنه عابها، وإنما قُدِّم للعناية به.
﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ﴾ روي أنه كان كافرًا، وروي أنه كان يفسد في الأرض.
﴿فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا﴾ المتكلم بذلك هو الخضر.
وقيل: إنه من كلام الله، وتأويله على هذا: «فكَرِهنا».
وقال ابن عطية: إنه من نحو ما وقع في القرآن من «عسى» و «لعل»، وإنما هو في حق المخاطبين (٣).
ومعنى: ﴿يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾: يكلِّفهما ذلك، والمعنى: أن يحملهما حبُّه على اتباعه، أو يَضُرَّ بهما مخالطته (٤) مع مخالفته لهما.
стр. 1475
﴿خَيْرًا مِنْهُ﴾ أي: غلامًا آخر خيرًا من الغلام المذكور المقتول.
﴿زَكَاةً﴾ أي: طهارة وفضيلة في دينه.
﴿وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ أي: رحمة وشفقة؛ فقيل: المعنى أن يرحمها، وقيل: يرحمانه.
﴿لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ﴾ اليتيم: من فقد أبويه قبل البلوغ.
وروي أن اسم الغلامين: أصرم وصريم، واسم أبيهما: كاشح، وهذا يفتقر إلى صحة نقل.
﴿كَنْزٌ لَهُمَا﴾ قيل: مال عظيم.
وقيل: كان عِلْمًا في صحف مدفونة.
والأول أظهر.
﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ قيل: إنه الأب السابع.
وظاهر اللفظ: أنه الأقرب.
﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ﴾ أسند الإرادة هنا إلى الله؛ لأنها في أمرٍ مُغَيَّب مستأنف لا يعلم ما يكون منه إلّا الله، وأسندها الخضرُ إلى نفسه في قوله: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾؛ لأنها لفظة (١) عيب، فتأدَّب بأن لا يُسندَها إلى الله، وذلك كقول إبراهيم ﵇: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٨٠]، فأسند المرض إلى نفسه، والشفاء إلى الله؛ تأدُّبا.
стр. 1476
واختلف في قوله: ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا﴾ هل هو مسند إلى ضمير الخضر أو إلى الله؟.
﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ هذا (١) دليلٌ على نبوة الخضر؛ لأن المعنى أنه فعل ما فعل بأمر الله؛ أي: بوحيه.
* * *
واختُلف لم سمّي ذا القرنين؟
فقيل: كان له ضفيرتان من شَعرٍ هما قَرناه، فسمي بذلك.
وقيل: لأنه بلغ المشرق والمغرب؛ فكأنه حاز قَرْنَي الدنيا.
﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ﴾ التمكين له: أنه مَلَك الدنيا، ودانت له الملوك كلُّهم.
﴿وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ أي: علمًا وفهمًا، يتوصل به إلى معرفة الأشياء.
والسبب: ما يُوصل به إلى المقصود من علم، أو قدرة، أو غير ذلك. ﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾ أي: طريقًا يوصله.
﴿وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ قرئ بالهمز، على وزن «فَعِلة»؛ أي: ذات حَمْأَةٍ (١).
وقرئ بالياء، على وزن «فاعلة».
وقد اختلف في ذلك معاوية وابن عباس، فقال ابن عباس: «حمئة»، وقال معاوية: «حامية»، فبعثا إلى كعب الأحبار ليخبرهما بالأمر، فقال: أمَّا العربية فأنتم أعلم بها مني، ولكني أجد في التوراة أنها تغرب في ماء وطين، فوافق ذلك قراءة ابن عباس (٢).
ومعنى: ﴿حَامِيَةٍ﴾: حارة.
стр. 1479
ويحتمل أن يكون بمعنى حمئة، ولكن سهلت همزته، فيتفق معنى القراءتين.
وقد قيل: يمكن أن يكون فيها حَمأَةٌ، وتكون حارَّة لحرارة الشمس، فتكون جامعةً للوصفين، ويجتمع معنى القراءتين.
﴿قُلْنَا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ﴾ استدلَّ بهذا من قال: إن ذا القرنين نبي؛ لأن هذا القول وحي.
ويحتمل أن يكون بإلهام، فلا يكون فيه دليل على نبوته.
﴿إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ كانوا كفارًا، فخيره الله بين أن يعذبهم بالقتل، أو يدعوهم إلى الإسلام، فيحسن إليهم.
وقيل: الحُسْن هنا: هو الأسر، وجعله حُسْنًا؛ بالنظر إلى القتل.
﴿قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ﴾ اختار أن يدعوهم إلى الإسلام، فمن تمادى على الكفر قتله، ومن أسلم أحسن إليه.
والظلم هنا: الكفر، والعذاب: القتل.
وأراد بقوله: ﴿عَذَابًا نُكْرًا﴾: عذاب الآخرة.
﴿فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى﴾ المراد بالحسنى: الجنة، أو الأعمال الحسنة.
﴿وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا﴾ وعَدَهم بأن ييسِّر عليهم.
﴿وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَل لَهُمْ مِن دُونِهَا سِتْرًا﴾ هؤلاء القوم هم الزَّنْج، وهم أهل الهند ومن وراءهم.
стр. 1480
ومعنى: ﴿لَمْ نَجْعَل﴾ الآية: أنهم ليس لهم بنيان؛ إذ لا تحتمل (١) أرضهم البناء، وإنما يدخلون من حرِّ الشمس في أسراب تحت الأرض.
وقال ابن عطية: الظاهر أنها عبارة عن قرب الشمس منهم (٢).
وقيل: الستر: اللباس، فكانوا - على هذا - لا يلبسون الثياب.
﴿كَذَلِكَ﴾ أي: أمرُ ذي القرنين كذلك؛ أي: كما وصفناه؛ تعظيمًا لأمره.
وقيل: إن ﴿كَذَلِكَ﴾ راجع لما قبله؛ أي: لم نجعل لهم سترًا كما جعلنا لكم من المباني والثياب.
وقيل: المعنى: وجد عندها قومًا كذلك؛ أي: مثل القوم الذين وجد عند مغرب الشمس، وفعل معهم مثل فعله.
﴿بَيْنَ السُّدَّيْنِ﴾ أي: الجبلين، وهما جبلان في طرف الأرض.
وقرئ بالضم والفتح، وهما بمعنى.
وقيل: ما كان من خِلْقَة الله فهو مضموم، وما كان من فعل الناس فهو مفتوح.
﴿وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا﴾ قيل: هم التُّرك.
﴿لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾ عبارةٌ عن بعد لسانهم عن ألسنة الناس، فهم لا يفقهون القول إلّا بالإشارة أو نحوها.
стр. 1481
﴿يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ﴾ قبيلتان من بني آدم، في خِلْقَتهم (١) تشويه، منهم مُفْرِط الطول ومفرط القِصَر.
﴿مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ إفسادهم: بالقتل والظلم وسائر وجوه الشرّ. وقيل: كانوا يأكلون بني آدم.
﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾ «هل» استفهام في ضمنه عَرْضٌ ورغبة.
والخَرْجُ: الجباية، ويقال فيه: خراج، وقد قرئ بهما.
فعرضوا عليه أن يجعلوا له أموالًا ليقيم بها السَّدَّ.
﴿قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ﴾ أي: ما بسط الله لي من الملك خير من خرجكم؛ فلا حاجة لي به، ولكن أعينوني بقوة الأبدان وعمل الأيدي.
﴿رَدْمًا﴾ أي: حاجزًا حصينًا، والرَّدْم أعظم من السد.
﴿سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾ أي: بين الجبلين.
﴿قَالَ انْفُخُوا﴾ يريد نفخ الكير؛ أي: أوقدوا النار على الحديد.
﴿قِطْرًا﴾ أي: نحاسًا مذابًا، وقيل: هو الرصاص.
وروي أنه حفر الأساس حتى بلغ الماء، ثم جعل البنيان من زُبَرِ الحديد، حتى ملأ به ما بين الجبلين، ثم أفرغ عليه النحاس المذاب.
﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾ أصل ﴿اسْطَاعُوا﴾: استطاعوا، وحذفت التاء تخفيفًا.
стр. 1482
والضمير في ﴿يَظْهَرُوهُ﴾ للسدِّ، ومعنى ﴿يَظْهَرُوهُ﴾: يعلوه ويصعدوا على ظهره، فالمعنى: أن يأجوج ومأجوج لا يقدرون أن يصعدوا على السدِّ؛ لارتفاعه، ولا ينقبوه؛ لقوته.
﴿قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِن رَبِّي﴾ القائل ذو القرنين، وأشار إلى الرَّدم.
﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي﴾ يعني: القيامة.
﴿جَعَلَهُ دَكَّاءَ﴾ أي: مبسوطًا مسوًى بالأرض.
﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ الضمير في ﴿وَتَرَكْنَا﴾ لله .
و ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ يحتمل:
أن يريد به: يوم القيامة؛ لأنه قد تقدَّم ذكره، فالضمير في قوله: ﴿بَعْضَهُمْ﴾ - على هذا - لجميع الناس.
أو يريد بقوله: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ يوم كمال السدِّ، والضمير في قوله: ﴿بَعْضَهُمْ﴾ - على هذا - ليأجوج ومأجوج.
والأول أرجح؛ لقوله بعد ذلك: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾، فيتصل الكلام.
و ﴿يَمُوجُ﴾ عبارةٌ عن اختلاطهم واضطرابهم.
﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ الصُّور: هو القرن الذي يُنفَخ فيه يوم القيامة حسبما جاء في الحديث (١)، ينفخ فيه إسرافيل نفختين، إحداهما للصعق، والأخرى للقيام من القبور.
стр. 1483
﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ﴾ أي: أظهرناها.
﴿كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ﴾ عبارةٌ عن عمى بصائرهم وقلوبهم، وكذلك ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾.
* * *
стр. 1484
[﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا (١٠٢) قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (١٠٥) ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا (١٠٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا (١٠٨) قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (١٠٩) قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾].
﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ﴾ يعني: أنهم لا يكونون لهم أولياء، كما حكى عنهم أنهم يقولون: ﴿أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِم﴾ [سبأ: ٤١].
والعباد هنا: مَنْ عُبِد مع الله ممن لا يريد ذلك، كالملائكة وعيسى بن مريم.
﴿أَعْتَدْنَا﴾ أي: يسَّرنا.
﴿نُزُلًا﴾ ما ييسر (١) للضيف والقادم عند نزوله، والمعنى: أن جهنم لهم بدل النُّزُل، كما أن الجنة نزلٌ في قوله: ﴿كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾.
ويحتمل أن يكون النزل موضع النزول.
﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣)﴾ الآية في كفار العرب؛ لقوله: ﴿كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ﴾.
стр. 1485
وقيل: في الرهبان؛ لأنهم يتعبدون ويظنون أن عبادتهم تنفعهم، وهي لا تقبل منهم.
وفي قوله: ﴿يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ﴾ تجنيس الخط، وهو الذي يسمى تجنيس التصحيف.
﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ أي: ليس لهم حسنةٌ توزن؛ لأن أعمالهم قد حبطت.
﴿جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ﴾ هي أعلى الجنة حسبما ورد في الحديث (١)، ولفظ الفردوس أعجمي معرب.
﴿حِوَلًا﴾ أي: تحولًا وانتقالًا.
﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي﴾ الآية؛ إخبارٌ عن اتساع علم الله تعالى.
والكلمات: هي المعاني القائمة بالنفس، وهي المعلومات، فمعنى الآية: لو كتب علم الله بمداد البحر لنفد البحر ولم ينفد علم الله، وكذلك لو جيء ببحر آخَرَ مِثله؛ وذلك لأن البحر متناهٍ وعلم الله غير متناهٍ (٢).
стр. 1486
﴿بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ أي: زيادة، والمدد: هو ما يُمَدُّ به الشيء أي: يُكَثَّر.
﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ﴾ إن كان الرجاء هنا على بابه: فالمعنى: يرجو حُسْنَ لقاء ربه، وأن يلقاه لقاءَ رضا وقبول.
وإن كان الرجاء بمعنى الخوف: فالمعنى: يخاف سوءَ لقاء ربه.
﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ يحتمل:
أن يريد الشرك بالله، وهو عبادة غيره؛ فيكون راجعًا إلى قوله: ﴿يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾.
أو يريد الرياء؛ لأنه الشرك الأصغر.
واللفظ يحتمل الوجهين، ولا يبعد أن يحمل على العموم في المعنيين.
(كمل تفسير سورة الكهف، وبتمامها تمَّ جميع النصف من البقرة من كتاب التسهيل لعلوم التنزيل، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، والحمد لله رب العالمين يتلوه إن شاء الله تفسير سورة مريم ﵍ (١).
«هادي»، والياء من «علي»، والعين من «عزيز» أو «عليم»، والصاد من «صادق».
وكان علي بن أبي طالب يقول في دعائه: «يا كهيعص» (١) فيُحتمل:
أن تكون الجملة عنده اسمًا من أسماء الله تعالى.
أو ينادي بالأسماء التي اقتُطعت منها هذه الحروف.
﴿ذِكْرُ﴾ تقديره: هذا ذكر.
﴿عَبْدَهُ زَكَرِيَّا﴾ وصفه بالعبودية تشريفًا له، وإعلامًا باختصاصه وتقريبه.
ونصب ﴿عَبْدَهُ﴾ على أنه مفعول لـ ﴿رَحْمَتِ﴾؛ فإنها مصدرٌ أُضيف إلى الفاعل، ونَصَب المفعول.
وقيل: هو مفعول بفعلٍ مضمر، تقديره: رَحِمَ عبده، وعلى هذا يوقف على ما قبله، وهذا ضعيف، وفيه تكلُّفُ الإضمار من غير حاجة إليه، وقطعُ العامل عن العمل بعد تهيئته له.
﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ﴾ يعني: دعاه.
﴿نِدَاءً خَفِيًّا﴾ أخفاه:
لأن الله يسمع الخفيَّ كما يسمع الجهر، ولأن الإخفاء أقربُ إلى الإخلاص، وأبعدُ من الرياء.
أو لئلا يلومَه الناس على طلب الولد.
стр. 1489
﴿وَهَنَ الْعَظْمُ﴾ أي: ضعف.
﴿وَاشْتَعَلَ﴾ استعارةٌ للشيب، من اشتعال النار.
﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ أي: قد سعدتُ بدعائي لك فيما تقدَّم، فاستجب لي في هذا، فتوسَّلَ إلى الله بإحسانه القديم إليه.
﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ﴾ يعني: الأقارب:
قيل: خاف أن يرثوه دون نسله.
وقيل: خاف أن يضيعوا الدِّين من بعده.
﴿مِنْ وَرَائِي﴾ أي: من بعدي.
﴿عَاقِرًا﴾ أي: عقيمًا.
﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾ يعني: وارثًا.
﴿يَرِثُنِي﴾ قيل: يعني وراثة المال.
وقيل: وراثة العلم والنبوة، وهذا أرجح؛ لقوله ﷺ : «نحن معاشر الأنبياء لا نورث» (١).
وكذلك يرثُ من آل يعقوب العلم والنبوة، وقيل: الملك.
ويعقوب هنا: هو يعقوب بن إسحاق على الأَصَحّ.
стр. 1490
﴿رَضِيًّا﴾ أي: مرضيّ (١)، فهو فعيل بمعنى مفعول.
﴿سَمِيًّا﴾ يعني مَنْ سُمِّي باسمه.
وقيل: مثيلا ونظيرًا.
والأوَّل أحسن هنا.
﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾ تعجُّبٌ واستبعادٌ أن يكون له ولد مع شيخوخته وعُقْم امرأته، فسأل ذلك أوَّلًا؛ لعلمه بقدرة الله عليه، وتعجَّب منه؛ لأنه نادرٌ في العادة.
وقيل: سأله وهو في سنٍّ من يرجوه، وأُجيب بعد ذلك بسنين وهو قد شاخ.
﴿عِتِيًّا﴾ قيل: يُبسًا في الأعضاء والمفاصل.
وقيل: مبالغةٌ في الكِبَر.
﴿كَذَلِكَ﴾ الكاف في موضع رفعٍ؛ أي: الأمرُ كذلك؛ تصديقًا له فيما ذكر من كِبَره وعُقْم امرأته، وعلى هذا يوقف على قوله: ﴿كَذَلِكَ﴾، ثم يبتدأ: ﴿قَالَ رَبُّكَ﴾.
وقيل: إن الكاف في موضع نصبٍ بـ ﴿قَالَ﴾، و ﴿ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى مبهم يفسِّره: ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾.
﴿اجْعَل لِي آيَةً﴾ أي: علامةً على حمل امرأته.
﴿سَوِيًّا﴾ أي: سليمًا غير أخرس، وانتصابه على الحال من الضمير في
стр. 1491
﴿تُكَلِّمَ﴾، والمعنى: أنه لا يكلِّمُ الناس مع أنه سليم من الخَرَسِ.
وقيل: إن ﴿سَوِيًّا﴾ يرجع إلى الليالي؛ أي: مستوياتٍ.
﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ﴾ أي: أشار.
وقيل: كَتَبَه في التراب؛ إذ كان لا يقدِر على الكلام.
﴿أَنْ سَبِّحُوا﴾ قيل: معناه: صلُّوا، والسُّبحة في اللغة: الصلاة.
وقيل: قولوا (١): سبحان الله.
﴿يَايَحْيَى﴾ التقدير: قال الله ليحيى بعد ولادته: يا يحيى.
﴿خُذِ الْكِتَابَ﴾ يعني: التوراة.
﴿بِقُوَّةٍ﴾ أي: في العلم به، والعمل به.
﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ قيل: الحكم: معرفة الأحكام.
وقيل: الحكمة.
وقيل: النبوَّة.
﴿وَحَنَانًا﴾ قيل: معناه: رحمةً.
وقال ابن عباس: لا أدري ما الحنان! (٢).
﴿وَزَكَاةً﴾ أي: طهارةً.
وقيل: ثناءً، كما يزكَّى الشاهدُ.
﴿مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾ أي: إلى جهة الشرق (١)، ولذلك يصلّي النصارى إلى المشرق.
﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾ يعني: جبريل.
وقيل: عيسى.
والأول هو الصحيح؛ لأن جبريل هو الذي تمثَّل لها باتفاق.
﴿قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (١٨)﴾ لما رأت الملك الذي تمثَّل لها في صورة البشر قد دخل عليها؛ خافت أن يكون من بني آدم، فقالت له هذا الكلام، ومعناه: إن كنت ممن يتقي الله فابعد عني؛ فإني أعوذ بالله منك.
وقيل: إن ﴿تَقِيًّا﴾ اسم رجل معروف بالشرِّ عندهم، وهذا ضعيف بعيد.
﴿لِيَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا﴾: هو عيسى ﵇.
وقرئ: ﴿لِيَهَبَ﴾ بالياء، والفاعل فيه هو ضمير الرب .
وقرئ بهمزة المتكلم، وهو جبريل، وإنما نسب الهبة إلى نفسه:
لأنه هو الذي أرسله الله بها.
أو يكون قال ذلك حكايةً عن الله تعالى.
﴿وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ البغيُّ: هي المرأة المجاهرة بالزنا، ووزن بغيٍّ: فَعُول.
стр. 1494
﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً﴾ الضمير للولد، واللام تتعلق بمحذوف تقديره: لنجعله آيةً فَعَلْنَا ذلك.
﴿فَحَمَلَتْهُ﴾ يعني: في بطنها، وكانت مدة حملها ثمانية أشهر.
وقال ابن عباس: حملته وولدته من ساعته (١).
﴿مَكَانًا قَصِيًّا﴾ أي: بعيدًا، وإنما بَعُدت حياءً من قومها أن يظنوا بها الشرَّ.
﴿فَأَجَاءَهَا﴾ معناه: ألجأها، وهو منقول مِنْ «جاء» بهمزة التعدية.
﴿الْمَخَاضُ﴾ أي: النِّفاس.
﴿إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ رُوي أنها احتضنت الجذع؛ لشدة وجع النفاس.
﴿قَالَتْ يَالَيْتَنِي مِتُّ﴾ إنما تمنت الموت خوفًا من إنكار قومها، وظنِّهم بها الشرَّ، ووقوعِهم في ذمِّها، وتمني الموت جائزٌ في مثل هذا، وليس هذا من تمني الموت لضرّ نزل بالبدن؛ فإنه منهي عنه.
﴿وَكُنْتُ نَسْيًا﴾ النَّسْيُ: الشيء الحقير الذي لا يُؤبَه له (٢)، ويقال بفتح النون وكسرها.
﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا﴾ قرئ «من» بفتح الميم وكسرها، وقد اختُلِف على كلتا القراءتين: هل هو جبريل أو عيسى؟.
وعلى أنه جبريل:
قيل: إنه كان تحتها كالقابلة.
стр. 1495
وقيل: كان في مكانٍ أسفلَ من مكانها.
﴿أَلَّا تَحْزَنِي﴾ تفسيرٌ للنداء، فـ «أنْ» مفسِّرة.
﴿سَرِيًّا﴾ يعني: جدولًا، وهو ساقيةٌ من ماء كان قريبًا من جذع النخلة، وروي أن النبي ﷺ فسَّره بذلك (١).
وقيل: يعني عيسى؛ فإن السَّرِيَّ الرجلُ الكريم.
﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ كان جذعًا يابسًا، فخلق الله فيه الرُّطَب؛ كرامةً لها وتأنيسًا.
وقد استدلَّ بعض الناس بهذه الآية أن الإنسان ينبغي له أن يتسبَّب في طلب الرزق؛ لأن الله أمر مريم بهزِّ النخلة.
والباء في ﴿بِجِذْعِ﴾ زائدة، كقوله: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥].
﴿تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ الفاعل بـ ﴿تُسَاقِطْ﴾ النخلة.
وقرئ بالياء؛ والفاعل - على ذلك - الجذع.
و ﴿رُطَبًا﴾ تمييز.
والجنيُّ معناه: الذي طاب وصلح لأن يُجتنى.
﴿فَكُلِي وَاشْرَبِي﴾ أي: كلي من الرطب، واشربي من ماء الجدول، وهو السَّرِي.
стр. 1496
﴿وَقَرِّي عَيْنًا﴾ أي: طيبي نفسًا بما فعل (١) الله لك من ولادة نبي كريم، أو من تيسير المأكول والمشروب.
﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ﴾ هي «إنْ» الشرطية دخلت عليها «ما» الزائدة للتأكيد، و ﴿تَرَيِنَّ﴾ فعل خوطبت به المرأة، ودخلت عليه النون الثقيلة؛ للتأكيد.
﴿نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ أي: صمتًا عن الكلام.
وقيل: تعني: الصيام؛ لأن من شرطه في شريعتهم الصمت.
وإنما أُمرت بالصمت؛ صيانةً لها عن الكلام مع المتَّهمين لها، و (٢) لأن عيسى تكلَّم عنها.
وإخبارها (٣) بأنها نذرت الصمت (٤) كان بهذا الكلام.
وقيل: بالإشارة.
ولا يجوز في شريعتنا نذر الصمت.
﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا﴾ لما رأت الآيات علِمت أن الله سيبين عذرها، فجاءت به من المكان القصيِّ إلى قومها.
﴿شَيْئًا فَرِيًّا﴾ أي: شنيعًا، وهو من الفرية.
стр. 1497
﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾ كان هارون عابدًا من (١) بني إسرائيل، شُبّهت به مريم في كثرة العبادة؛ فقيل لها: أخته، بمعنى: أنها تشبهه.
وقيل: كان أخاها من أبيها، وكان رجلًا صالحًا.
وقيل: هو هارون النبي أخو موسى، وكانت من ذريته، فـ «أخت» على هذا كقولك: «أخو بني فلان»؛ أي: واحد منهم.
ولا يتصوَّر على هذا القول أن تكون أخته من النسب حقيقةً؛ فإن بين زمانهما دهرًا طويلًا.
﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ أي: إلى ولدها ليتكلم، وصمتت هي كما أُمِرت.
﴿كَانَ فِي الْمَهْدِ﴾ «كان» بمعنى: يكون، والمهد: هو المعروف.
وقيل: المهد هنا: حجرها.
﴿آتَانِيَ الْكِتَابَ﴾ يعني: الإنجيل، أو التوراة والإنجيل.
﴿مُبَارَكًا﴾ من البركة.
وقيل: نفَّاع.
وقيل: معلِّم للخير.
واللفظ أعم من ذلك.
﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ﴾ هما المشروعتان.
وقيل: الصلاة هنا: الدعاء، والزكاة: التطهير من العيوب.
стр. 1498
﴿وَبَرًّا﴾ معطوف على ﴿مُبَارَكًا﴾، روي أن عيسى تكلم بهذا الكلام وهو في المهد، ثم عاد إلى حالة الأطفال، على عادة البشر.
وفي كلامه هذا ردٌّ على النصارى؛ لأنه اعترف أنه عبد الله، وردٌّ على اليهود؛ لقوله: ﴿وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾.
﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ﴾ أدخل لام التعريف هنا؛ لتقدُّم السلام المنكَّر في قصة يحيى، فهو كقولك: رأيت رجلًا فأكرمت الرجل.
وقال الزمخشري: الصحيح أن هذا التعريف تعريضٌ بلعنة من اتَّهم مريم؛ كأنه قال: السلام كلُّه عليَّ لا عليكم، بل عليكم ضدُّه (١).
﴿قَوْلُ الْحَقِّ﴾ بالرفع: خبر مبتدأ تقديره: هذا قول الحق، أو بدل، أو خبرٌ بعد خبر.
وبالنصب: منصوب على المدح بفعل مضمر، أو على المصدرية من معنى الكلام المتقدِّم.
﴿فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ أي: يختلفون؛ فهو من المراء.
أو: يشكون؛ فهو من المرية.
والضمير لليهود والنصارى.
﴿وَأَنَّ اللَّهَ رَبِّي﴾ من كلام عيسى.
وقرئ بفتح الهمزة: تقديره: ولأن الله ربي وربكم فاعبدوه.
стр. 1499
وبكسرها: لابتداء الكلام.
وقيل: هو من كلام النبي ﷺ ، والمعنى: يا محمد!، قل لهم: ذلك عيسى بن مريم، وإن الله ربي وربكم.
والأول أظهر.
﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ﴾ هذا ابتداء إخبار، والأحزاب: اليهود والنصارى؛ لأنهم اختلفوا في أمر عيسى اختلافًا شديدًا، فكذَّبه اليهود وعبده النصارى، والحقُّ خلاف أقوالهم كلِّها.
﴿مِنْ بَيْنِهِمْ﴾ معناه: من تلقائهم، ومن أنفسهم، وأن الاختلاف لم يخرج عنهم.
﴿مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ يعني: يوم القيامة.
﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ أي: ما أسمعهم وما أبصرهم يوم القيامة!، على أنهم في الدنيا في ضلال مبين.
﴿يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ هو يومُ يؤتى بالموت في صورة كبش فيذبح، ثم يقال: يا أهل الجنة خلود لا موت، ويا أهل النار خلود لا موت.
وقيل: هو يوم القيامة.
وانتصب ﴿يَوْمَ﴾ على المفعولية، لا على الظرفية.
﴿وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ﴾ يعني: في الدنيا، فهو متعلِّق (١) بقوله: ﴿فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾، أو بـ ﴿وَأَنذِرْهُمْ﴾.
تقديره: احذر رجمي لك.
﴿قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ﴾ هو وداعٌ ومفارقة.
وقيل: مسالمة، لا تحية؛ لأن ابتداء الكافر بالسلام لا يجوز.
﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ﴾ وعدٌ، وهو الذي أُشير إليه في قوله: ﴿عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ﴾ [التوبة: ١١٤].
قال ابن عطية: معناه: سأدعو الله أن يهديك فيغفرَ لك بإيمانك؛ وذلك لأن الاستغفار للكافر لا يجوز (١).
وقيل: وعده أن يستغفر له مع كفره؛ ولعلّه كان لم يعلم أن الله لا يغفر للكفار حتى أعلمه الله بذلك، ويقوّي هذا القول قوله: ﴿وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ﴾ [الشعراء: ٨٦]، ومثل هذا قول النبي ﷺ لأبي طالب: «لأستغفرن لك ما لم أُنْهَ عنك» (٢).
﴿حَفِيًّا﴾ أي: بارًّا متلطّفًا.
﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ﴾ أي: ما تعبدون.
﴿إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ هما ابنه وابن ابنه، وهبهما الله عوضًا من أبيه وقومه الذين اعتزلهم.
﴿مِنْ رَحْمَتِنَا﴾ النبوة.
стр. 1502
وقيل: المال والولد.
واللفظ أعم من ذلك.
﴿لِسَانَ صِدْقٍ﴾ يعني: الثناء الباقي عليهم إلى آخر الدهر.
* * *
стр. 1503
[﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥١) وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (٥٢) وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا (٥٣) وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥٤) وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا (٥٥) وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٥٦) وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (٥٧) أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا (٥٨) فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا (٦٠) جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا (٦١) لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (٦٢) تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا (٦٣) وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (٦٤) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥)﴾].
﴿مُخْلَصًا﴾ بكسر اللام: أي: أخلص نفسه وأعماله لله.
وبفتحها: أي: أخلصه الله للنبوة والتقريب.
﴿وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾ النبي أعم من الرسول؛ لأن النبي كل من أوحى الله إليه، ولا يكون رسولًا حتى يرسله الله إلى الناس مع النبوة، فكل رسول نبي، وليس كل نبي رسولًا.
﴿وَنَادَيْنَاهُ﴾ هو تكليم الله له.
﴿الطُّورِ﴾ هو الجبل المشهور بالشام.
﴿الْأَيْمَنِ﴾ صفة للجانب، وكان على يمين موسى حين وقف عليه.
стр. 1504
ويحتمل أن يكون من اليُمْن.
﴿نَجِيًّا﴾ النجيُّ: فعيل، وهو المنفرد بالمناجاة.
وقيل: هو من النجاة.
والأول أصح.
﴿مِنْ رَحْمَتِنَا﴾ «من»: سببية، أو للتبعيض.
و ﴿أَخَاهُ﴾:
على الأول: مفعول.
وعلى الثاني: بدل.
﴿إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ روي أنه وعد رجلًا إلى مكان، فانتظره فيه سنة.
وقيل: الإشارة إلى صدق وعده في قصة الذبح في قوله: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٢]، وهذا يدلُّ على قول من قال: إن الذبيح هو إسماعيل.
﴿إِدْرِيسَ﴾ هو أول نبيٍّ بعث إلى أهل الأرض بعد آدم، وهو أول من خط بالقلم، ونظر في علم النجوم، وخاط الثياب، وهو من أجداد نوح ﵇.
﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (٥٧)﴾ قال ابن عباس: رفعه الله إلى السماء، وهناك مات، وفي حديث الإسراء: أنه في السماء الرابعة (١).
وقيل: يعني: رفعة النبوة وتشريف منزلته.
стр. 1505
والأول أشهر، ويرجّحه الحديث.
﴿أُولَئِكَ﴾ إشارةٌ إلى كلّ مَنْ ذكر في هذه السورة، من زكرياء إلى إدريس.
﴿مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ «من» هنا للبيان، والتي بعدها للتبعيض.
﴿مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ﴾ يعني: نوحًا وإدريس.
﴿وَمِمَّنْ حَمَلْنَا﴾ يعني: إبراهيم.
﴿وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ﴾ يعني: إسماعيل وإسحاق ويعقوب.
﴿وَإِسْرَائِيلَ﴾ يعني: أن من ذريته موسى وهارون ومريم وعيسى وزكريا ويحيى.
﴿وَمِمَّنْ هَدَيْنَا﴾ يحتمل العطف على «من» الأولى، أو الثانية.
﴿وَبُكِيًّا﴾ جمع باكٍ، ووزنه فُعُول.
﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ يقال في عَقِب الخير: خلف - بفتح اللام -، وفي عقب الشر: خلف - بالسكون - وهو المعنيُّ هنا.
واختلف فيمن المراد بذلك؟
فقيل: النصارى؛ لأنهم خلفوا اليهود.
وقيل: كلُّ من كفر وعصى من بعد بني إسرائيل.
﴿أَضَاعُوا الصَّلَاةَ﴾ قيل: تركوها، وقيل: أخرجوها عن أوقاتها.
﴿يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ الغيُّ: الخسران.
стр. 1506
وقد يكون بمعنى الضلال؛ فيكون على حذف مضاف تقديره: يلقون جزاء غيّ.
﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ استثناءٌ يحتمل الاتصال والانقطاع.
﴿بِالْغَيْبِ﴾ أي: أخبرهم من ذلك (١) بما غاب عنهم.
﴿مَأْتِيًّا﴾ وزنه مفعول؛ فقيل: إنه بمعنى فاعل؛ لأن الوعد هو الذي يأتي.
وقيل: إنه على بابه؛ لأن الوعد هو الجنة، وهم يأتونها.
﴿لَغْوًا﴾ يعني: ساقط الكلام.
﴿إِلَّا سَلَامًا﴾ استثناءٌ منقطع.
﴿بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ قيل: المعنى: أن زمانهم يُقدَّر بالأيام والليالي؛ إذ ليس في الجنة نهار ولا ليل.
وقيل: المعنى: أن الرزق يأتيهم في كل حين يحتاجون إليه، وعبَّر عن ذلك بالبكرة والعشي؛ على عادة الناس في أكلهم (٢).
﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ حكاية قول جبريل حين غاب عن النبي ﷺ فقال له: «أبطأتَ عني واشتقتُ إليك»، فقال: «إني كنت أشْوَقَ، ولكني عبدٌ مأمور؛ إذا بُعثت نزلت وإذا حُبست احتبست»، ونزلت هذه الآية (٣).
﴿لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ﴾ أي: له ما قُدَّامنا وما خلفنا،
стр. 1507
وما نحن فيها (١) من الجهات والأماكن؛ فليس لنا الانتقال من مكان إلى مكان إلَّا بأمر الله.
وقيل: ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِينَا﴾: الدنيا إلى النفخة الأولى في الصور، ﴿وَمَا خَلْفَنَا﴾: الآخرة، ﴿وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ﴾: ما بين النفختين.
وقيل: ما مضى من أعمارنا، وما بقي منها، والحال التي نحن فيها.
والأول أكثر مناسبةً لسبب الآية.
﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ هو فعيل من النسيان بمعنى الذُّهول.
وقيل: بمعنى الترك.
والأول أظهر.
﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ أي: مثيلًا ونظيرًا، فهو من المسامي والمضاهي.
وقيل: مَنْ يُسمَّى باسمه؛ لأنه لم يتسمَّ بالله غيره تعالى.
* * *
﴿أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ﴾ احتجاجٌ على صحة البعث، وردٌّ على من أنكره؛ لأن النشأة الأولى دليلٌ على الثانية.
﴿لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ﴾ يعني: قُرناءهم من الشياطين الذين أضلُّوهم.
والواو:
للعطف.
أو بمعنى «مع»؛ فيكون ﴿الشَّيَاطِينَ﴾ مفعولًا معه.
﴿جِثِيًّا﴾ جمع جاثٍ، ووزنه فُعُول، من قولك: جثا الرجل: إذا جلس جلسة الذليل الخائف.
﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ﴾ الشيعة: الطائفة من الناس التي تتفق على مذهب، أو اتِّباع إنسان.
ومعنى الآية: أن الله ينزع من كل طائفة أعتاها، فيقدِّمه إلى النار.
وقال بعضهم: المعنى: نبدأ بالأكبر جُرْمًا فالأكبر جُرْمًا.
﴿أَيُّهُمْ﴾ اختلف في إعرابه:
فقال سيبويه: هو مبنيٌّ على الضم؛ لأنه حُذِف العائدُ عليه من الصِّلة - وكان التقدير: «أَيُّهم هو أَشَدُّ» - فوجب البناء.
وقال الخليل: هو مرفوع على الحكاية، تقديره: الذي يقال له أَشَدُّ.
وقال يونس: عُلِّق عنها الفعل، وارتفعت بالابتداء.
﴿أَوْلَى بِهَا صُلِيًّا﴾ الصِّلِيُّ: مصدرُ: صَلِيَ النارَ، ومعنى الآية: أن الله يعلم
стр. 1510
من هو أولى بأن يُصلَى العذابَ.
﴿وَإِنْ مِنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ خطابٌ لجميع الناس عند الجمهور.
فأما المؤمنون فيدخلونها، ولكنها تَخْمُد فلا تضرُّهم، فالورود على هذا بمعنى (١): الدخول، كقوله: ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] و ﴿فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ [هود: ٩٨].
وقيل: الورود بمعنى القدوم عليها، كقوله: ﴿وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ﴾ [القصص: ٢٣]
والمراد بذلك: جواز الصراط.
وقيل: الخطاب للكفار؛ فلا إشكال.
﴿حَتْمًا﴾ أي: أمرًا لا بدَّ منه.
﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا﴾ إن كان الورود بمعنى الدخول: فنجاة الذين اتقوا بكون النارِ عليهم بردًا وسلامًا، ثم بالخروج منها.
وإن كان بمعنى المرور على الصراط: فنجاتهم بالجواز، والسلامة من الوقوع فيها.
﴿أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ الفريقان: هم المؤمنون والكفار.
والمقام: اسم مكانِ مِنْ قام.
وقرئ بالضم؛ من أقام.
والنديُّ: المجلس.