← Тафсир

Тафсир · id 30186

تفسير ابن جزي التسهيل لعلوم التنزيل - ط طيبة الخضراء

ابن جزي الكلبي

Полный текст (3 030 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

وقد يكون بمعنى الضلال؛ فيكون على حذف مضاف تقديره: يلقون جزاء غيّ. ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ استثناءٌ يحتمل الاتصال والانقطاع. ﴿بِالْغَيْبِ﴾ أي: أخبرهم من ذلك (١) بما غاب عنهم. ﴿مَأْتِيًّا﴾ وزنه مفعول؛ فقيل: إنه بمعنى فاعل؛ لأن الوعد هو الذي يأتي. وقيل: إنه على بابه؛ لأن الوعد هو الجنة، وهم يأتونها. ﴿لَغْوًا﴾ يعني: ساقط الكلام. ﴿إِلَّا سَلَامًا﴾ استثناءٌ منقطع. ﴿بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ قيل: المعنى: أن زمانهم يُقدَّر بالأيام والليالي؛ إذ ليس في الجنة نهار ولا ليل. وقيل: المعنى: أن الرزق يأتيهم في كل حين يحتاجون إليه، وعبَّر عن ذلك بالبكرة والعشي؛ على عادة الناس في أكلهم (٢). ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ حكاية قول جبريل حين غاب عن النبي ﷺ فقال له: «أبطأتَ عني واشتقتُ إليك»، فقال: «إني كنت أشْوَقَ، ولكني عبدٌ مأمور؛ إذا بُعثت نزلت وإذا حُبست احتبست»، ونزلت هذه الآية (٣). ﴿لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ﴾ أي: له ما قُدَّامنا وما خلفنا،

стр. 1507

وما نحن فيها (١) من الجهات والأماكن؛ فليس لنا الانتقال من مكان إلى مكان إلَّا بأمر الله. وقيل: ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِينَا﴾: الدنيا إلى النفخة الأولى في الصور، ﴿وَمَا خَلْفَنَا﴾: الآخرة، ﴿وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ﴾: ما بين النفختين. وقيل: ما مضى من أعمارنا، وما بقي منها، والحال التي نحن فيها. والأول أكثر مناسبةً لسبب الآية. ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ هو فعيل من النسيان بمعنى الذُّهول. وقيل: بمعنى الترك. والأول أظهر. ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ أي: مثيلًا ونظيرًا، فهو من المسامي والمضاهي. وقيل: مَنْ يُسمَّى باسمه؛ لأنه لم يتسمَّ بالله غيره تعالى. * * *

стр. 1508

[﴿وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (٦٦) أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا (٦٧) فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا (٦٨) ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا (٦٩) ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا (٧٠) وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (٧٢) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا (٧٣) وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا (٧٤) قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا (٧٥) وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا (٧٦) أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (٧٧) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٧٨) كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا (٧٩) وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا (٨٠) وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (٨٢)﴾]. ﴿وَيَقُولُ الْإِنسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (٦٦)﴾ هذه حكايةُ قولِ مَنْ أنكر البعث من القبور. والإنسان هنا: جنس يراد به الكفار. وقيل: إن القائل لذلك أبيُّ بن خلف، وقيل: أمية بن خلف. والهمزة التي دخلت على ﴿أَإِذَا مَا مِتُّ﴾ للإنكار والاستبعاد. واللام في قوله: ﴿لَسَوْفَ﴾ سيقت على الحكاية لقول من قال بهذا المعنى. والإخراج يراد به: البعث.

стр. 1509

﴿أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ﴾ احتجاجٌ على صحة البعث، وردٌّ على من أنكره؛ لأن النشأة الأولى دليلٌ على الثانية. ﴿لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ﴾ يعني: قُرناءهم من الشياطين الذين أضلُّوهم. والواو: للعطف. أو بمعنى «مع»؛ فيكون ﴿الشَّيَاطِينَ﴾ مفعولًا معه. ﴿جِثِيًّا﴾ جمع جاثٍ، ووزنه فُعُول، من قولك: جثا الرجل: إذا جلس جلسة الذليل الخائف. ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ﴾ الشيعة: الطائفة من الناس التي تتفق على مذهب، أو اتِّباع إنسان. ومعنى الآية: أن الله ينزع من كل طائفة أعتاها، فيقدِّمه إلى النار. وقال بعضهم: المعنى: نبدأ بالأكبر جُرْمًا فالأكبر جُرْمًا. ﴿أَيُّهُمْ﴾ اختلف في إعرابه: فقال سيبويه: هو مبنيٌّ على الضم؛ لأنه حُذِف العائدُ عليه من الصِّلة - وكان التقدير: «أَيُّهم هو أَشَدُّ» - فوجب البناء. وقال الخليل: هو مرفوع على الحكاية، تقديره: الذي يقال له أَشَدُّ. وقال يونس: عُلِّق عنها الفعل، وارتفعت بالابتداء. ﴿أَوْلَى بِهَا صُلِيًّا﴾ الصِّلِيُّ: مصدرُ: صَلِيَ النارَ، ومعنى الآية: أن الله يعلم

стр. 1510

من هو أولى بأن يُصلَى العذابَ. ﴿وَإِنْ مِنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ خطابٌ لجميع الناس عند الجمهور. فأما المؤمنون فيدخلونها، ولكنها تَخْمُد فلا تضرُّهم، فالورود على هذا بمعنى (١): الدخول، كقوله: ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] و ﴿فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ [هود: ٩٨]. وقيل: الورود بمعنى القدوم عليها، كقوله: ﴿وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ﴾ [القصص: ٢٣] والمراد بذلك: جواز الصراط. وقيل: الخطاب للكفار؛ فلا إشكال. ﴿حَتْمًا﴾ أي: أمرًا لا بدَّ منه. ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا﴾ إن كان الورود بمعنى الدخول: فنجاة الذين اتقوا بكون النارِ عليهم بردًا وسلامًا، ثم بالخروج منها. وإن كان بمعنى المرور على الصراط: فنجاتهم بالجواز، والسلامة من الوقوع فيها. ﴿أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ الفريقان: هم المؤمنون والكفار. والمقام: اسم مكانِ مِنْ قام. وقرئ بالضم؛ من أقام. والنديُّ: المجلس.

стр. 1511

ومعنى الآية: أن الكفار قالوا للمؤمنين: نحن خير منكم مقامًا؛ أي: أحسن حالًا في الدنيا، وأجمل مجلسًا؛ فنحن أكرم على الله منكم. ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ ﴿كَمْ﴾ مفعول بـ ﴿أَهْلَكْنَا﴾. ومعنى الآية: ردٌّ على الكفار في قولهم المذكور؛ أي: ليس حُسْن الحالِ في الدنيا دليلًا على الكرامة عند الله؛ لأن الله قد أهلك من كان أحسن حالًا منكم في الدنيا. ﴿هُمْ أَحْسَنُ﴾ قال الزمخشري: هذه الجملة في موضع نصب صفة لـ ﴿كَمْ﴾ (١). ﴿أَثَاثًا﴾ أي: متاع البيت. وقال ابن عطية: هو اسمٌ عام في المال؛ العين والعَرَض (٢) والحيوان (٣). وهو اسم جمع. وقيل: هو جمع، واحده أثاثةٌ. ﴿وَرِئْيًا﴾ بهمزة ساكنة قبل الياء، معناه: منظر حسن، وهو من الرؤية، والرَّئِيُّ: اسم المرئي. وقرئ بتشديد الياء من غير همز، وهو تخفيف من الهمز، فالمعنى متفقٌ. وقيل: هو من رِيِّ الشارب؛ أي: التنعُّم بالمشارب والمآكل.

стр. 1512

وقرأ ابن عباس: «زيًّا» بالزاي. ﴿فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ أي: يمهله ويُملي له، واختُلف هل هذا الفعل دعاء، أو خبر سيق بلفظ الأمر تأكيدًا؟. ﴿حَتَّى﴾ هنا: غايةٌ للمدِّ في الضَّلال. ﴿إِمَّا الْعَذَابَ﴾ يعني: عذاب الدنيا. ﴿شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُندًا﴾ في مقابلة قولهم: ﴿خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾. ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾ ذُكر في «الكهف» (١). ﴿وَخَيْرٌ مَرَدًّا﴾ أي: مرجعًا وعاقبة. ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ هو العاصي بن وائل. ﴿وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ كان قد قال: لئن بُعثتُ كما يزعم محمد ليكوننَّ لي هناك مال وولد. ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ﴾ الهمزة للإنكار، والردُّ على العاصي في قوله. ﴿كَلَّا﴾ ردعٌ له عن كلامه. ﴿سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ﴾ إنما جعله مستقبلًا؛ لأنه إنما يظهر الجزاء والعقاب في المستقبل. ﴿وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا﴾ أي: نزيد له فيه.

стр. 1513

﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ﴾ أي: نرث الأشياء التي قال إنه يُؤتاها في الآخرةِ، وهي المال والولد. ووراثتها: هي بأن يَهْلِك العاصي ويتركها، وقد أسلم ولداه هشام وعمرو ﵄. ﴿وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾ أي: بلا مال، ولا ولد، ولا ولي، ولا نصير. ﴿سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ﴾ قيل: إن الضمير في ﴿سَيَكْفُرُونَ﴾ للكفار، وفي ﴿عِبَادَتِهِمْ﴾ للمعبودين، فالمعنى كقولهم: ﴿مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]. وقيل: إن الضمير في ﴿سَيَكْفُرُونَ﴾ للمعبودين، وفي ﴿عِبَادَتِهِمْ﴾ للكفار فالمعنى كقولهم: ﴿مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ﴾ [يونس: ٢٨]. ﴿وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ معناه: يكون لهم خلاف ما أمَّلوه منهم، فيصير العزُّ الذي أمَّلوه ذِلةً. وقيل: معناه: أعداءً.

стр. 1514

[﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (٨٣) فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا (٨٤) يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (٨٦) لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٨٧) وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (٩٥) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا (٩٦) فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا (٩٧) وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا (٩٨)﴾]. ﴿أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ تضمن معنى: «سلَّطنا»، ولذلك تعدَّى بـ «على». ﴿تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ أي: تُزعجهم إلى الكفر والمعاصي. ﴿فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ﴾ أي: لا تستبطئ عذابهم وتطلب تعجيله. ﴿إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾ أي: نعدُّ مدَّة بقائهم في الدنيا. وقيل: نعدُّ أنفاسهم. ﴿وَفْدًا﴾ قيل: معناه: ركبانٌ (١)، ومعنى الوفد لغة: القادمون، وعادتهم الركوب؛ فلذلك قيل ذلك. وقيل: مُكرمون؛ لأن العادة إكرام الوفود.

стр. 1515

﴿وِرْدًا﴾ معناه: عطاشٌ (١)؛ لأن من يرد الماء لا يرده إلَّا للعطش. ﴿لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ﴾ الضمير يحتمل: أن يكون للكفار، والمعنى: لا يملكون أن يُشفع لهم، ويكون ﴿مَنِ اتَّخَذَ﴾ استثناءً منقطعًا، بمعنى «لكن». أو يكون الضمير للمتقين، فالاستثناء متصل، والمعنى: لا يملكون أن يشفعوا إلَّا لمن اتخذ عهدًا. أو لا يملكون أن يشفع منهم إلَّا من اتخذ عهدًا. أو يكون الضمير للفريقين؛ إذ قد ذُكروا قبل ذلك؛ فالاستثناء - أيضًا - متصل، و ﴿مَنِ اتَّخَذَ﴾: يحتمل أن يراد به الشافع، أو المشفوع له. ﴿عَهْدًا﴾ يريد به: الإيمان والأعمال الصالحة. ويحتمل أن يريد به: الإذن في الشفاعة، وهذا أرجح؛ لقوله: ﴿لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ [طه: ١٠٩]. والظاهر أن ذلك إشارة إلى شفاعة محمد ﷺ في الموقف حين ينفرد بها، ويقول غيره من الأنبياء: «نفسي نفسي» (٢). ﴿شَيْئًا إِدًّا﴾ أي: شنيعًا صعبًا. ﴿يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ﴾ أي: يتشقَّقنَ من قول الكفار: اتخذ الله ولدًا.

стр. 1516

سورة مريم ﴿هَدًّا﴾ أي: انهدامًا. ﴿أَنْ دَعَوْا﴾ أي: من أجل أن دعوا للرحمن وَلَدًا. وقرئ ﴿وُلْدًا﴾ بضم الواو وإسكان اللام، وهي لغة. ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ردٌّ على مقالة الكفار، والمعنى: أن الكل عبيده؛ فكيف يكون أحد منهم ولدًا له؟!. و ﴿إِنْ﴾ نافية، و ﴿كُلُّ﴾ مبتدأ، وخبره: ﴿آتِي الرَّحْمَنِ﴾. ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ هو المحبة والقبول الذي يجعله الله في القلوب لمن شاء من عباده. وقيل: إنها نزلت في علي بن أبي طالب ﵁. ﴿يَسَّرْنَاهُ﴾ الضمير للقرآن، و ﴿بِلِسَانِكَ﴾ أي: بلغتك. ﴿قَوْمًا لُدًّا﴾ جمع أَلَدّ، وهو الشديد الخصومة والمجادلة، والمراد بذلك: قريش. وقيل: معناه: فُجَّارًا. ﴿أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾ هو الصوت الخفي، والمعنى: أنهم لم يبق منهم أثر، وفي ذلك تهديد لقريش.

стр. 1517

(سورة طه) [﴿طه (١) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (٢) إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى (٣) تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى (٤) الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى (٦) وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى (٧) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨) وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (٩) إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى (١٠) فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَامُوسَى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (١٢) وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (١٣) إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤) إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (١٥) فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى (١٦) وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى (١٧) قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى (١٨) قَالَ أَلْقِهَا يَامُوسَى (١٩) فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى (٢٠) قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى (٢١) وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى (٢٢) لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى (٢٣) اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٢٤)﴾]. قيل في ﴿طه (١)﴾: إنه من أسماء النبي ﷺ . وقيل: معناه: يا رجل. وانظر الكلام على حروف الهجاء في أول «البقرة» (١).

стр. 1518

﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (٢)﴾ قيل: إن النبي ﷺ قام في الصلاة حتى تورَّمت قدماه، فنزلت الآية؛ تخفيفًا عنه، فالشَّقاء على هذا: إفراط التعب في العبادة. وقيل: المراد به: التَّأسُّف على كفر الكفار. واللفظ عام في ذلك كله، والمعنى: أنه نفى عنه جميع أنواع الشقاء في الدنيا والآخرة؛ لأنه أنزل (١) عليه القرآن الذي هو سبب السعادة. ﴿إِلَّا تَذْكِرَةً﴾ نصبٌ على الاستثناء المنقطع. وأجاز ابن عطية أن يكون بدلًا من موضع ﴿لِتَشْقَى﴾؛ إذ هو في موضع مفعول من أجله (٢)، ومنع ذلك الزمخشري؛ لاختلاف الجنسين (٣). ويصح أن ينصب بفعل مضمر تقديره: أنزلناه تذكرةً. ﴿تَنزِيلًا﴾ نصبٌ على المصدرية، والعامل فيه: مضمر، أو ﴿مَا أَنْزَلْنَا﴾. وبدأ السورة بلفظ المتكلم في قوله: ﴿مَا أَنْزَلْنَا﴾، ثم رجع إلى الغيبة في قوله: ﴿تَنزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ﴾ الآية، وذلك هو الالتفات. ﴿وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى﴾ جمع عُلْيا. ﴿عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ تكلَّمنا عليه في «الأعراف» (٤).

стр. 1519

﴿الثَّرَى﴾ هو في اللغة: التراب النَّدِيُّ، والمراد به هنا: الأرض. ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ﴾ مطابقة هذا الشرط لجوابه كأنه يقول: إن جهرت أو أخفيت فإنه يعلم ذلك؛ لأنه يعلم السرَّ وأخفى. ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ السرُّ: الكلام الخفيُّ، والأخفى: ما في النفس. وقيل: السر: ما في نفوس البشر، والأخفى: ما انفرد الله بعلمه. ﴿الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ تكلَّمنا عليها في «الأعراف» (١). ﴿وَهَلْ أَتَاكَ﴾ لفظه استفهام، والمراد به: التنبيه. ﴿إِذْ رَأَى﴾ العامل في ﴿إِذْ﴾: ﴿حَدِيثُ﴾؛ لأن فيه معنى الفعل. وكان من قصة موسى: أنه رحَل بأهله من مدين يريد مصر، فسار بالليل واحتاج إلى نار، فقدحه بزَنْدِه (٢) فلم ينقدح، فرأى نارًا فقصد إليها فناداه الله، وأرسله إلى فرعون. ﴿آنَسْتُ نَارًا﴾ أي: رأيت. ﴿بِقَبَسٍ﴾ هو الجذوة من النار تكون على رأس العود والقصبة ونحوها. ﴿أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾ يعني: هدى إلى الطريق من دليل أو غيره. ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ قيل: إنما أُمر بخلع نعليه؛ لأنهما كانتا من جلد حمار ميت، فأُمر بخلع النجاسة.

стр. 1520

واختار ابن عطية: أن يكون أمر بخلعهما ليتأدب، ويعظّم البقعة المباركة ويتواضع في مقام مناجاة الله (١)، وهذا أحسن. ﴿بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ﴾ أي: المطهَّر. ﴿طُوًى﴾ في معناه قولان: أحدهما: أنه اسم للوادي (٢)، وإعرابه على هذا: بدل، ويجوز تنوينه؛ على أنه مكان، وتركُ صرفه؛ على أنه بقعة. والثاني: أن معناه: مرتين، فإعرابه على هذا: مصدر؛ أي: قُدّس الوادي مرةً بعد مرة، أو نُودي موسى مرةً بعد مرة. ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ قيل: المعنى: لتذكرني فيها. وقيل: لأذكرك بها. فالمصدر: على الأول: مضاف للمفعول. على الثاني: مضاف للفاعل. وقيل: معنى ﴿لِذِكْرِي﴾: عند ذكري، كقوله: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] أي: عند دلوك الشمس، وهذا أرجح؛ لأن النبي ﷺ

стр. 1521

استدل بالآية على وجوب الصلاة على الناسي إذا ذكرها (١). ﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ اضطرب الناس في معناه: فقيل: ﴿أُخْفِيهَا﴾ بمعنى أُظهرها، وأخفيت - على هذا - من الأضداد. وقال ابن عطية: هذا قول مختل (٢)؛ وذلك أن المعروف في اللغة أن يقال: أخفى بالألف، من الإخفاء، وخفَى بغير ألف بمعنى: أظهر، فلو كان بمعنى الظهور لقال: «أخفيها» بفتح همزة المضارع، وقد قرئ بذلك في الشاذ. وقال الزمخشري: قد جاء في بعض اللغات أخفى بمعنى خفَى (٣)؛ أي: أظهر، فلا يكون هذا القول مختلًا على هذه اللغة. وقيل: ﴿أَكَادُ﴾ بمعنى «أريد»، فالمعنى: أريد إخفاءها. وقيل: المعنى ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ﴾، وتمَّ هنا الكلام، بمعنى: أكاد أُنفِذها؛ لقربها، ثم استأنف الإخبار فقال: ﴿أُخْفِيهَا﴾. وقيل: المعنى: أكاد أخفيها عن نفسي فكيف عنكم؟!. وهذه الأقوال ضعيفة.

стр. 1522

وإنما الصحيح أن المعنى: أن الله أبهم وقت الساعة فلم يُطَّلع عليه أحدًا (١)؛ حتى إنه كاد أن يُخفي وقوعَها؛ لإبهام وقتها، ولكنه لم يخفها؛ إذ أخبر بوقوعها، فالإخفاء على معناه المعروف في اللغة، و «كاد» على معناها من مقاربة الشيء دون وقوعه، وهذا المعنى هو اختيار المحققين. ﴿لِتُجْزَى﴾ يتعلق بـ ﴿آتِيَةٌ﴾. ﴿بِمَا تَسْعَى﴾ أي: بما تعمل. ﴿فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا﴾ الضمير للساعة، أي: لا يصدنك عن الإيمان بها والاستعداد لها. وقيل: الضمير للصلاة، وهو بعيد. والخطاب لموسى ﵇. وقيل: لمحمد ﷺ ، وذلك بعيد. ﴿فَتَرْدَى﴾ معناه: تهلِك، والرَّدَى: هو الهلاك، وهذا الفعل منصوب في جواب: ﴿فَلَا يَصُدَّنَّكَ﴾. ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى (١٧)﴾ إنما سأله ليريه عظيم ما يفعله في العصا من قلبها حيةً، فمعنى السؤال: تقرير على أنها عصا؛ ليتبين له الفرق بين حالها قبل أن يقلبها، وبعد أن يقلبها. وقيل: إنما سأله ليؤنسه ويَبْسُطَه بالكلام.

стр. 1523

﴿وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي﴾ معناه: أضرب بها الشجر؛ لينتثر (١) الورق للغنم. ﴿مَآرِبُ﴾ أي: حوائج. ﴿حَيَّةٌ تَسْعَى﴾ أي: تمشي. ﴿سِيرَتَهَا الْأُولَى﴾ يعني: أنها لما أخذها عادت كما كانت أول مرة. وانتصب ﴿سِيرَتَهَا﴾ على أنه: ظرف، أو مفعول بإسقاط حرف الجر. ﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ﴾ الجناح هنا: الجنب؛ أي: تحت الإبط، وهو استعارة من جناح الطائر. ﴿تَخْرُجْ بَيْضَاءَ﴾ روي أن يده خرجت وهي بيضاء كالشمس. ﴿مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ يريد من غير بَرَص ولا عاهة. ﴿لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى (٢٣)﴾ يحتمل أن تكون ﴿الْكُبْرَى﴾: مفعول ﴿لِنُرِيَكَ﴾. وأن تكون صفة للآيات. ويختلف المعنى على ذلك. * * *

стр. 1524

[﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (٢٦) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي (٢٨) وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩) هَارُونَ أَخِي (٣٠) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (٣٢) كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (٣٣) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا (٣٤) إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا (٣٥) قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَامُوسَى (٣٦) وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى (٣٧) إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى (٣٨) أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (٣٩) إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَامُوسَى (٤٠) وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (٤١) اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي (٤٢) اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٤٣) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (٤٤) قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى (٤٥) قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦) فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى (٤٧) إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٤٨) قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى (٤٩) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (٥٠) قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى (٥١) قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى (٥٢) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى (٥٣) كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى (٥٤) مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى (٥٥)﴾]. ﴿اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ إن قيل: لم قال ﴿اشْرَحْ لِي﴾ و ﴿وَيَسِّرْ لِي﴾، مع أن المعنى يصحُّ دون قوله: «لي»؟ فالجواب: أن ذلك تأكيدٌ وتحقيقٌ للرغبة.

стр. 1525

﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (٢٧)﴾ الْعُقْدَة: هي التي اعترته بالجمرة حين جعلها في فيه (١) وهو صغير، حين أراد فرعون أن يجرّبه (٢). وإنما قال: ﴿عُقْدَةً﴾ بالتنكير؛ لأنه طلب حلّ بعضها؛ ليفقهوا قوله، ولم يطلب الفصاحة الكاملة. ﴿وَزِيرًا﴾ أي: مُعينًا، وإعراب ﴿هَارُونَ﴾: بدلٌ. أو مفعولٌ أول. ﴿أَزْرِي﴾ أي: ظهري، والمراد: القوة، ومنه: ﴿فَآزَرَهُ﴾ [الفتح: ٢٩] أي: قوّاه. ﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ﴾ أي: قد أعطيناك كلَّ ما طلبت من الأشياء المذكورة. ﴿إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ﴾ يحتمل أن يكون: وحيَ كلام بواسطة ملك. أو وحيَ إلهام، كقوله: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ [النحل: ٦٨]. ﴿مَا يُوحَى﴾ إبهامٌ، يراد به تعظيم الأمر. ﴿أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ الضمير الأول: لموسى. والثاني: للتابوت، أو لموسى.

стр. 1526

واليمُ: البحر، والمراد به هنا: النيل. وكان فرعون قد ذُكر له أن هلاكه وخراب ملكه على يد غلام من بني إسرائيل، فأمر بذبح كل ولدٍ ذكر يولد لهم، فأوحى الله إلى أم موسى أن تلقيه في التابوت وتُلقي التابوت في البحر، ففعلت ذلك، وكان فرعون في موضع يُشرف على النيل، فرأى التابوت فأمر به فسيق إليه، وامرأته معه (١) ففُتح فأشفقت عليه امرأته، وطلبت أن تتخذه ولدًا فأباح لها ذلك. ﴿يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ﴾ هو فرعون. ﴿مَحَبَّةً مِنِّي﴾ أي: أحببتك. وقيل: أراد: محبة الناس فيه؛ إذ كان لا يراه أحدٌ إلا أحبَّه. وقيل: أراد: محبة امرأة فرعون ورحمتها له. وقوله: ﴿مِنِّي﴾ يحتمل: أن يتعلق بقوله: ﴿وَأَلْقَيْتُ﴾. أو يكون صفةً لـ ﴿مَحَبَّةً﴾ فيتعلَّق بمحذوف (٢). ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ أي: تُربَّى ويُحسَن إليك بمرأى مني وحفظ (٣).

стр. 1527

والعامل في ﴿وَلِتُصْنَعَ﴾ محذوفٌ. ﴿إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ﴾ العامل في ﴿إِذْ﴾: ﴿تُصْنَعَ﴾. أو ﴿وَأَلْقَيْتُ﴾. أو فعل مضمر تقديره: ومننَّا عليك. ﴿فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ﴾ كان لا يقبل ثدي امرأة، فطلبوا له مرضعة، فقالت أخته ذلك؛ ليُرَدَّ إلى أمِّه. ﴿وَقَتَلْتَ نَفْسًا﴾ يعني: القبطيَّ الذي وكزه فقضى عليه. ﴿فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ﴾ يعني: الخوف من أن يُطلَب بثأر المقتول. ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ أي: اختبرناك اختبارًا حتى ظهر منك أنك تصلح للنبوة والرسالة. وقيل: خلَّصناك من محنة بعد محنة؛ لأنه خلَّصه من الذبح، ثم من البحر، ثم من القصاص بالقتل. والفتون يحتمل أن يكون: مصدرًا، أو جمع فتنة. ﴿فَلَبِثْتَ سِنِينَ﴾ يعني: الأعوام العشرة التي استأجره فيها شعيب.

стр. 1528

﴿جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ﴾ أي: بميقات محدود قدَّره الله (١) لنبوتك. ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (٤١)﴾ عبارة عن الكرامة والتقريب؛ أي: استخلصتك وجعلتك موضع صنيعتي وإحساني (٢). ﴿وَلَا تَنِيَا﴾ أي: لا تضعفا ولا تُقَصِّرا، والوَنَى: هو الضعف عن الأمور والتقصير فيها. ﴿أَنْ يَفْرُطَ﴾ أي: يَعْجل بالشرِّ. ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أي: سرّحهم، وكانوا تحت يد فرعون وقومه، فكانت رسالة موسى إلى فرعون بالإيمان بالله، وبتسريح بني إسرائيل. ﴿وَلَا تُعَذِّبْهُمْ﴾ كان يعذبهم بذبح أبنائهم، وتسخيرهم في خدمته، وإذلالهم. ﴿قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ﴾ يعني: قَلْبَ العصا حية، وإخراج اليد بيضاء، وإنما وحَّدها وهما آيتان؛ لأنه أراد إقامة البرهان، وهو معنى واحدٌ. ﴿وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾ يُحتمل أن يريد: التحية، أو السلامة. ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى (٤٩)﴾ أفرد موسى بالنداء بعد جمعه مع أخيه؛ لأنه

стр. 1529

الأصل في النبوة، وأخوه تابع له. ﴿الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾ المعنى: أن الله أعطى خلْقَه كلَّ شيء يحتاجون إليه، فـ ﴿خَلْقَهُ﴾ على هذا بمعنى (١) المخلوقين، وإعرابه: مفعول أول، و ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾: مفعول ثان. وقيل: المعنى: أعطى كل شيء خِلْقته وصورته؛ أي: أكمل ذلك وأتقنه، فالخلق على هذا بمعنى: الخلقة، وإعرابه: مفعول ثان، و ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾: مفعول أول. والمعنى الأول أحسن. ﴿ثُمَّ هَدَى﴾ أي: هدى خلقه إلى التوصل لما أعطاهم، وعلمهم كيف ينتفعون به. ﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى﴾ يُحتمل أن يكون سؤاله عن القرون الأولى: محاجّةً ومناقضة لموسى؛ أي: ما بالها لم تبعث كما يزعم موسى؟ أو ما بالها لم تكن على دين موسى؟ أو ما بالها كذّبت ولم يصبها عذاب كما زعم موسى في قوله: ﴿أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾. ويحتمل أن يكون قال ذلك قطعًا للكلام الأول، ورَوَغانًا عنه وحَيْدةً؛ لمّا رأى أنه مغلوب بالحجة، ولذلك أضرب موسى عن الكلام في شأنها، فقال: ﴿عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي﴾، ثم عاد إلى وصف الله؛ رجوعًا إلى الكلام الأول. ﴿فِي كِتَابٍ﴾ يعني: اللوح المحفوظ.

стр. 1530

﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مِهَادًا﴾ أي: فراشًا. وانظر كيف وصف موسى ربَّه تعالى بأوصاف لا يمكن فرعون أن يتَّصف بها، لا على وجه الحقيقة ولا على وجه المجاز، ولو قال له: هو القادر أو الرازق أو شبه ذلك؛ لأمكن فرعون أن يغالط (١) ويدعي ذلك لنفسه. ﴿وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا﴾ أي: أنهج (٢) لكم فيها طرقًا (٣) تمشون فيها. ﴿فَأَخْرَجْنَا﴾ يحتمل أن يكون من كلام موسى، على تقدير: يقول الله : ﴿فَأَخْرَجْنَا﴾. ويحتمل أن يكون كلامُ موسى تمَّ عند قوله: ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾، ثم ابتدأ كلام الله. ﴿أَزْوَاجًا مِن نَبَاتٍ شَتَّى﴾ أي: أصنافًا مختلفة. ﴿كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ﴾ المعنى: أنها تصلح لأن تُؤكل وترعاها الأنعام، وعبَّر عن ذلك بصيغة الأمر؛ لأنه أذن في ذلك، فكأنه أمر به. ﴿لِأُولِي النُّهَى﴾ أي: العقول، واحدها نُهْية. ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ﴾ الضمير للأرض، يريد: خِلْقَةَ (٤) آدم من تراب. ﴿وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾ يعني: بالدفن عند الموت. ﴿وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ﴾ يعني: عند البعث.

стр. 1531

[﴿وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى (٥٦) قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَامُوسَى (٥٧) فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى (٥٨) قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى (٥٩) فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى (٦٠) قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى (٦١) فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى (٦٢) قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى (٦٣) فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى (٦٤) قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى (٦٥) قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (٦٦) فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى (٦٧) قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى (٦٨) وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى (٦٩) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى (٧٠) قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى (٧١) قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٧٢) إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (٧٣) إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (٧٤) وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى (٧٥) جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى (٧٦)﴾]. ﴿أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا﴾ يعني: الآيات التي رآها فرعون، وهي تسع آيات، وليس يريد جميع آيات الله على العموم؛ فالإضافة في قوله: ﴿آيَاتِنَا﴾ تجري مجرى التعريف بالعهد؛ أي: آياتنا التي أعطينا موسى كلها، وإنما أضافها الله إلى نفسه تشريفًا لها.

стр. 1532

﴿فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا﴾ يَحتمل أن يكون الموعد: اسمَ مصدر، أو اسم زمان، أو اسم مكان. ويدلُّ على أنه اسم مكان: قوله: ﴿مَكَانًا سِوًى﴾، ولكن يَضْعف بقوله: ﴿مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ﴾؛ لأنه أجاب بظرف الزمان. ويدلُّ على أن الموعد اسمُ زمان: قوله: ﴿يَوْمُ الزِّينَةِ﴾، ولكن يضعف بقوله: ﴿مكانا سِوًى﴾. ويدلُّ على أنه اسم مصدر بمعنى الوعد: قوله: ﴿لَا نُخْلِفُهُ﴾؛ لأن الإخلاف إنما يوصف به الوعد، لا الزمان ولا المكان، ولكن يضعف ذلك بقوله: ﴿مَكَانًا﴾ وبقوله: ﴿يَوْمُ الزِّينَةِ﴾. فلا بدَّ على كل وجه من تأويل، أو إضمار. ويختلف إعراب (١) قوله: ﴿مَكَانًا﴾ باختلاف تلك الوجوه: فأمَّا إن كان الموعد اسم مكان: فيكون قوله: ﴿مَوْعِدًا﴾ و ﴿مَكَانًا﴾ مفعولين لقوله (٢): ﴿اجْعَلْ﴾، ويطابقه قوله: ﴿يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ من طريق المعنى لا من اللفظ، وذلك أن (٣) الاجتماع في المكان يقتضي الزمان ضرورةً. وإن كان الموعد اسم زمان: فينتصب قوله: ﴿مَكَانًا﴾ على أنه ظرف مكان، والتقدير: موعدًا كائنًا في مكان.

стр. 1533

وإن كان الموعد اسم مصدر: فينتصب ﴿مَكَانًا﴾ على أنه مفعول بالمصدر وهو الموعد، أو بفعل من معناه، ويطابقه قوله: ﴿يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ على حذف مضاف تقديره: موعدكم وعْدُ يوم الزينة. وقرأ الحسن: «يومَ الزينة» بالنصب، وذلك يطابق أن يكون الموعد اسم مصدر من غير تقديرِ محذوفٍ. ﴿مَكَانًا سُوًى﴾ معناه: مستوٍ في القرب منا ومنكم. وقيل: معناه: مستوٍ في الأرض (١)، ليس فيه انخفاض ولا ارتفاع. وقرئ بكسر السين وضمها، والمعنى متفق. ﴿يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ يوم عيدٍ لهم. وقيل: يوم عاشوراء. ﴿وَأَنْ يُحْشَرَ﴾ عطفٌ على ﴿الزِّينَةِ﴾، فهو في موضع خفض. أو عطف على اليوم، فهو في موضع رفع. وقصَد موسى أن يكون موعدُهم عند اجتماع الناس على رؤوس الأشهاد؛ لتظهر معجزته ويتبيَّن الحق للناس. ﴿فَيُسْحِتَكُمْ﴾ معناه: يُهلككم، ويقال: سَحَت وأسحت، وقد قرئ بفتح الياء وضمها، والمعنى متفق. ﴿قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ قرئ: ﴿إِنَّ هَذَيْنِ﴾ بالياء، ولا إشكال في ذلك.

стр. 1534

وقرئ بتخفيف ﴿إِنْ﴾، وهي مخففة من الثقيلة، وارتفع بعدها ﴿هَذَانِ﴾ بالابتداء. وأما (١) قراءة نافع وغيره بتشديد ﴿إِنَّ﴾ ورفع ﴿هَذَانِ﴾: فقيل: ﴿إِنَّ﴾ هنا بمعنى: «نَعَمْ»، فلا تَنصب، ومنه ما روي في الحديث: «إنَّ الحمدُ لله» بالرفع (٢). وقيل: اسم ﴿إِنَّ﴾ ضمير الأمر والشأن، تقديره: إنَّ الأمر، و ﴿هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ مبتدأ وخبر في موضع خبر ﴿إِنَّ﴾. وقيل: جاء القرآن في هذه الآية بلغة بني الحارث بن كعب، وهي إبقاء التثنية بالألف في حال النصب والخفض. وقالت عائشة ﵂: هذا مما لحن فيه كُتَّاب (٣) المصحف (٤). ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ أي: يذهبا (٥) بسيرتكم الحسنة. ﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ﴾ أي: اعزموا، وأنفذوه. ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ استدلَّ بعضهم بهذه الآية على أن السحر تخييلٌ لا حقيقةٌ.

стр. 1535

وقال بعضهم: إن حيلة السَّحَرة في سعي الحبال والعصيِّ هي أنهم حشوها بالزِّئْبَقِ، وأوقدوا تحتها نارًا، وغطَّوا النار؛ لئلا يراها الناس، ثم وضعوا عليها حبالهم وعصيَّهم. وقيل: جعلوها للشمس، فلما أحسَّ الزِّئْبَق بحرِّ النار أو الشمس سال، وهو في حشو الحبال والعصيِّ فحملها، فتخيَّل الناس أنها تمشي، فألقى موسى عصاه فصارت ثعبانًا فابتلعتها. ﴿إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ﴾ «ما» هنا موصولة، وهي اسم «إنَّ»، و ﴿كَيْدُ﴾ خبرها. ﴿آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ قدَّم هنا (١) ﴿هَارُونَ﴾؛ لتعتدل (٢) رؤوس الآي وتكون على الألف. ﴿مِنْ خِلَافٍ﴾ أي: يقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى. ﴿وَالَّذِي فَطَرَنَا﴾ معطوفٌ على ﴿مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾. وقيل: هي واو القسم. ﴿هَذِهِ الْحَيَاةَ﴾ نصبٌ على الظرفية؛ أي: إنما قضاؤك في هذه الدنيا. ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا﴾ قيل: إن هذا وما بعده من كلام السحرة لفرعون؛ على وجه الموعظة. وقيل: هو من كلام الله.

стр. 1536

[﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى (٧٧) فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ (٧٨) وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى (٧٩) يَابَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى (٨٠) كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى (٨١) وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى (٨٢) وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَامُوسَى (٨٣) قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى (٨٤) قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ (٨٥) فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ يَاقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي (٨٦) قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ (٨٧) فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ (٨٨) أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا (٨٩)﴾]. ﴿أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي﴾ يعني: بني إسرائيل، وأضافهم إلى نفسه؛ تشريفًا لهم، وكانوا - فيما قيل - ست مئة ألف. ﴿يَبَسًا﴾ أي: يابسًا، وهو مصدر وصف به. ﴿لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى﴾ أي: لا تخاف أن يدركك فرعون وقومه، ولا تخشى الغرق في البحر. ﴿مَا غَشِيَهُمْ﴾ إبهام؛ لقصد التهويل. ﴿وَمَا هَدَى﴾ إن قيل: إن قوله: ﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ﴾ يغني عن قوله: ﴿وَمَا﴾ ﴿هَدَى﴾!.

стр. 1537

فالجواب: أنه مبالغة وتأكيد. وقال الزمخشري: هو تهكُّم بفرعون في قوله: ﴿وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر: ٢٩] (١). ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ خطابٌ لهم بعد خروجهم من البحر وإغراق فرعون. وقيل: هو خطاب لمن كان منهم في عصر رسول الله ﷺ . والأول أظهر. ﴿وَوَاعَدْناكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ﴾ لما أهلك الله فرعون وجنوده أمر موسى وبني (٢) إسرائيل أن يسيروا إلى جانب طور سيناء؛ ليكلِّم فيه ربه. والطور: هو الجبل، واختلف: هل هذا الطور هو الذي رأى فيه موسى النار في أول نبوَّته؟ أو (٣) هو غيره؟. ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ ذُكر في «البقرة» (٤). ﴿فَقَدْ هَوَى﴾ أي: هلَك، وهو استعارة من السقوط من عُلُوٍّ إلى سُفْلٍ. ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ﴾ المغفرة لمن تاب حاصلة ولا بدَّ، والمغفرة للمؤمن الذي لم يتب في مشيئة الله عند أهل السنة.

стр. 1538

وقالت المعتزلة: لا يغفر إلَّا لمن تاب (١). ﴿ثُمَّ اهْتَدَى﴾ أي: استقام ودام على الإيمان والتوبة والعمل الصالح. ويحتمل أن يكون الهدى هنا: عبارة عن نور وعلم، يجعله الله في قلب من تاب وآمن وعمل صالحًا. ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَامُوسَى﴾ قصص هذه الآية: أن موسى ﵇، لما أمره الله أن يسير هو وبنو إسرائيل إلى الطور، تقدَّم هو وحده؛ مبادرةً إلى أمر الله، وطلبًا لرضاه، وأمر بني إسرائيل أن يسيروا بعده، واستخلف على هارون، فأمرهم السامريُّ حينئذ بعبادة العجل، فلما وصل موسى إلى الطور دون قومه قال له الله تعالى: ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ﴾؟. وإنما سأل الله موسى عن سبب استعجاله دون قومه؛ ليخبره موسى بأنهم يأتون على أثره، فيخبره الله بما صنعوا بعده من عبادة العجل. وقيل: إنما سأله على وجه الإنكار لتقدُّمه وحده دون قومه، فاعتذر موسى بعذرين: أحدهما: أن قومه على أثره؛ أي: قريب منه، فلم يتقدَّم عليهم بكثيرٍ يوجب العتاب.

стр. 1539

والثاني: أنه إنما تقدَّم طلبًا لرضا الله. ﴿وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ﴾ كان السامريُّ رجلًا من بني إسرائيل، ويقال (١): إنه ابن خال موسى. وقيل: لم يكن منهم، وهو منسوب إلى قرية بمصر يقال لها: سامرة. وكان ساحرًا منافقًا. ﴿فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ﴾ يعني: رجع من الطور، بعد كمال (٢) الأربعين يومًا التي كلَّمه الله فيها. ﴿أَسِفًا﴾ ذُكر في «الأعراف» (٣). ﴿أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا﴾ يعني: ما وعدهم من الوصول إلى الطور. ﴿أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ﴾ يعني: المدة، وهذا الكلام توبيخٌ لهم. ﴿بِمَلْكِنَا﴾ قرئ بالفتح والضم والكسر، ومعناه: ما أخلفنا موعدك بأن مَلَكْنَا أمرنا، ولكن غُلِبنا بكيد السامريِّ، فيحتمل: أنهم اعتذروا بقلة قدرتهم وطاقتهم، ويناسب هذا المعنى القراءة بضم الميم. أو اعتذروا بقلة مُلكهم لأنفسهم في النظر، وعدم توفيقهم للرأي السديد، ويناسب هذا المعنى القراءة بالفتح والكسر.

стр. 1540

﴿حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِن زِينَةِ الْقَوْمِ﴾ الأوزار هنا: الأحمال، سميت أوزارًا؛ لثِقَلها، أو لأنهم اكتسبوا بسببها الأوزار؛ أي: الذنوب. وزينة القوم: هي حُلِيُّ القبط قوم فرعون، كان بنو إسرائيل قد استعاروه منهم قبل هلاكهم، وقيل: أخذوه بعد هلاكهم، فقال لهم السامريُّ: اجمعوا هذا الحليَّ في حفرة حتى يحكم الله فيه، ففعلوا ذلك، وأوقد السامريُّ نارًا على الحليِّ، وصاغ منه عجلًا. وقيل: بل خلق الله منه العجل، من غير أن يصنعه السامري، ولذلك قال لموسى: ﴿قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ﴾. ﴿فَقَذَفْنَاهَا﴾ أي: قذفنا أحمال الحلي في الحفرة. ﴿فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ﴾ كان السامريُّ قد رأى جبريل ﵇، فأخذ من موطئ (١) فرسه قبضةً من تراب، وألقى الله في نفسه أنه إذا جعلها على شيء مَوَاتٍ صار حيوانًا، فألقاها على العجل، فخار العجل؛ أي: صاح صياح العجول. فالمعنى: أنهم قالوا: كما ألقينا الحلي في الحفرة ألقى السامريُّ قبضة التراب. ﴿جَسَدًا﴾ أي: جسمًا بلا روح، والخُوَار: صوت البقر. ﴿فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ﴾ أي: قال ذلك بنو إسرائيل بعضهم لبعض.

стр. 1541

﴿فَنَسِيَ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون من كلام بني إسرائيل، والفاعل: موسى؛ أي: نسي موسى إلهه هنا، وذهب يطلبه في الطور، والنسيان على هذا بمعنى (١): الذهول. والوجه الثاني: أن يكون من كلام الله تعالى، والفاعل: السامريُّ؛ أي: نسي دينه وطريق الحق، والنسيان على هذا بمعنى: الترك. ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا﴾ معناه: لا يردُّ عليهم كلامًا إذا كلموه، وذلك ردٌّ عليهم في دعوى (٢) الربوبية له. وقرئ ﴿يَرْجِعُ﴾: بالرفع، و «أنْ» مخففة من الثقيلة. وبالنصب، وهي مصدرية. * * *

стр. 1542

[﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَاقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي (٩٠) قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى (٩١) قَالَ يَاهَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (٩٣) قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (٩٤) قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَاسَامِرِيُّ (٩٥) قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي (٩٦) قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا (٩٧) إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا (٩٨) كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا (٩٩) مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا (١٠٠) خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا (١٠١) يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا (١٠٢) يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا (١٠٣) نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا (١٠٤)﴾]. ﴿قَالَ يَاهَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلَّا تَتَّبِعَنِ﴾ «لا» زائدة للتأكيد، والمعنى: ما منعك أن تتبعني في المشي إلى الطور؟. أو تتبعني في الغضب لله، وشدَّة الزجر لمن عبد العجل، وقتالهم بمن لم يعبده؟. ﴿قَالَ يَبْنَؤُمَّ﴾ ذُكر في «الأعراف» (١). ﴿لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي﴾ كان موسى قد أخذ بشعر هارون ولحيته من

стр. 1543

شِدَّةَ غضبه، لمَّا وجد بني إسرائيل قد عبدوا العجل. ﴿إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أي: لو قاتلت (١) مَنْ عبد العجل منهم بمن لم يعبده لقلتَ: فرَّقتَ جماعتهم، وأدخلت العداوة بينهم، وهذا على أن يكون معنى قوله: ﴿تَتَّبِعَنِ﴾ في الزجر والقتال. أو: لو اتَّبعتك في المشي إلى الطور لا تَّبعني بعضهم دون بعض، فتفرَّقت جماعتهم، وهذا على أن يكون معنى ﴿تَتَّبِعَنِ﴾ في المشي إلى الطور. ﴿وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ يعني: قوله (٢): ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ﴾ [الأعراف: ١٤٢]. ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَاسَامِرِيُّ (٩٥)﴾ أي: قال موسى ما شأنك؟، ولفظ الخَطْب يقتضي انتهارًا؛ لأنه مستعمل في المكاره. ﴿قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ أي: رأيت ما لم يروه، يعني: جبريل ﵇ وفرسه. ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾ أي: قبضت قبضة من ترابٍ من أثرِ فرسِ الرسول وهو جبريل، وقرأ ابن مسعود: «من أثر فرس الرسول». وإنما سمَّى جبريلَ بالرسول؛ لأن الله أرسله إلى موسى. والقبضة: مصدر قبَضَ، وإطلاقها على المفعول من تسمية المفعول بالمصدر كـ «ضَرْب الأمير». ويقال: قبض بالضاد المعجمة: إذا أخذ بأصابعه وكفه، وبالصاد

стр. 1544

المهملة: إذا أخذ بأطراف الأصابع، وقد قرئ كذلك في الشاذ. ﴿فَنَبَذْتُهَا﴾ أي: ألقيتها على الحليّ، فصار عِجْلًا، أو على العجل فصار له خوار. ﴿فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ﴾ عاقب موسى ﵇ السامريَّ؛ بأن منع الناس من مخالطته ومجالسته ومؤاكلته ومكالمته، وجعل له مع ذلك أن يقول طول حياته: لا مساس؛ أي: لا مماسّة ولا إذاية. وروي أنه كان إذا مسَّه أحدٌ أصابت الحمى له وللذي مسه، فصار هو يَبعُد عن الناس وصار الناس يبعُدون عنه. ﴿وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا﴾ يعني: العذاب في الآخرة، وهذا تهديدٌ ووعيد. ﴿ظَلْتَ﴾ أصله ظَلِلْتَ، حذفت إحدى اللامين، والأصل في معنى ظل: أقام بالنهار، ثم استعمل في الدُّؤوب على الشيء (١) ليلًا ونهارًا. ﴿لَنُحَرِّقَنَّهُ﴾ من الإحراق بالنار. وقرئ بفتح النون وضم الراء، بمعنى: نَبْرُدُه بالمِبْرَدِ. وقد حمل بعضهم قراءة الجماعة على أنها من هذا المعنى؛ لأن الذهب لا يفنى بالإحراق بالنار، والصحيح: أن المقصود بإحراقه بالنار إذابته وإفساد صورته، فيصحُّ حمل قراءة الجماعة على ذلك. ﴿ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا﴾ أي: نُلقيه في البحر، والنسف: تفريق الغبار ونحوه.

стр. 1545

﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ﴾ الآية؛ من كلام موسى لبني إسرائيل. ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ مخاطبةٌ من الله تعالى لمحمد، و ﴿أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ﴾: أخبار المتقدِّمين. ﴿ذِكْرًا﴾ يعني: القرآن. ﴿مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ﴾ يعني: إعراض تكذيبٍ به. ﴿وِزْرًا﴾ الوزر في اللغة: الثِّقَل، ويعني هنا: العذاب؛ لقوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهِ﴾. أو الذنوب؛ لأنها سبب العذاب. ﴿وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا﴾ شبه الوزر بحمل؛ لثقله. قال الزمخشري: «ساء» تجري مجرى «بئس»، ففاعلها مضمر يفسّره: ﴿حِمْلًا﴾ (١). وقال غيره: فاعلها مضمر يعود على الوزر. ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ أي: ينفخ المَلَك في القرن. وقرئ: ﴿نَنْفُخُ﴾ بالنون؛ أي: بأمرنا. ﴿زُرْقًا﴾ قيل: زرق الألوان كالسواد. وقيل: زرق العيون من العمى.
следующие страницы →