أو للفرقان.
والأول أظهر.
وقوله: ﴿لِلْعَالَمِينَ﴾ عمومٌ يشمل الإنس والجن ممن كان في عصره، وممن يأتي بعده إلى يوم القيامة.
وتضمنَّ صدرُ هذه الآية إثباتَ النبوة والتوحيد، والردَّ على من خالف في ذلك.
﴿فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ ﴿خَلَقَ﴾: عبارةٌ عن الإيجاد بعد العدم، والتقدير: عبارةٌ عن إتقان الصنعة، وتخصيص كل مخلوق بمقداره وصفته وزمانه ومكانه ومصلحته وأجله، وغير ذلك.
﴿وَاتَّخَذُوا﴾ الضمير لقريش وغيرهم ممن أشرك بالله تعالى.
﴿وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ يعنون: قومًا من العبيد، منهم: عدَّاس ويسارٌ وأبو فُكيهة الرُّوميُّ.
﴿فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا﴾ أي: ظلموا النبي ﷺ فيما نسبوا إليه، وكذَّبوا في ذلك عليه.
﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي: ما سطره الأولون في كتبهم، وكان الذي يقول هذه المقالة النضر بن الحارث.
﴿اكْتَتَبَهَا﴾ أي كتبها له كاتبٌ، ثم صارت تملى عليه ليحفظها، وهذا حكاية كلام الكفار.
وقال الحسن: إنه من قول الله على وجه الردّ عليهم.
стр. 1752
ولو كان ذلك لقال: «أَكْتَتَبها» بفتح الهمزة لمعنى (١) الإنكار، وقد يجوز حذف الهمزة في مثل هذا.
وينبغي على قول الحسن أن يوقف على ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾.
﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ﴾ ردٌّ على الكفار في قولهم، ويعني (٢) بالسرّ: ما أسرَّه الكفار من أقوالهم.
أو يكون ذلك على معنى التنصُّل والبراءة مما نسبه الكفار إليه من الافتراء؛ أي: أن الله يعلم سرِّي؛ فهو العالم بأني ما افتريتُ عليه، بل هو أنزله عليَّ.
فإن قيل: ما مناسبة قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ لما قبله؟
فالجواب: أنه لما ذكر أقوال الكفار: أعقبها بذلك؛ ليبين أنه غفور رحيم في كونه لم يَعْجَلْ عليهم بالعقوبة بل أمهلهم، وإن أسلموا تاب عليهم وغفر لهم.
﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ﴾ الآية، قال هذا الكلام قريشٌ؛ طعنًا على النبي ﷺ ، وقد ردَّ (٣) الله عليهم بقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان: ٢٠].
وقولهم: ﴿هَذَا الرَّسُولِ﴾:
على وجه التهكُّم، كقوله فرعون: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ﴾ [الشعراء: ٢٧].
стр. 1753
أو يعنون: الرسول بزعمه.
ثم ذكر ما اقترحوا من الأمور في قولهم: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ﴾ وما بعده، ثم وصفهم بالظلم.
وقد ذكرنا معنى ﴿مَسْحُورًا﴾ في «سبحان» (١).
﴿ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ﴾ أي: قالوا فيك تلك الأقوال.
﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ أي: لا يقدرون على الوصول إلى الحق؛ لبعدهم عنه، وإفراط جهلهم.
والزفير: صوتٌ ممدودٌ كصوت الحمار.
﴿مَكَانًا ضَيِّقًا﴾ تُضَيَّقُ عليهم زيادةً في عذابهم.
﴿مُقَرَّنِينَ﴾ أي مربوطٌ بعضهم إلى بعض، ورُوي أن ذلك بسلاسلَ من نار.
﴿دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾ الثبور: الويل، وقيل: الهلاك.
ومعنى دعائهم ثبورًا: أنهم يقولون: يا ثبوراه!، كقول القائل: واحسرتي! واأسفي!.
﴿لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا﴾ تقديره: يقال لهم ذلك.
أو يكون حالهم يقتضي ذلك، وإن لم يكن ثَمَّ قولٌ.
وإنما دعوا ثبورًا كثيرًا؛ لأن عذابهم دائمٌ، فالثبور يتجدَّد عليهم في كل حين.
﴿قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ﴾ إنما جاز هنا التفضيل بين الجنة والنار؛ لأن الكلام توقيفٌ وتوبيخٌ، وإنما يُمنَع التفضيل بين شيئين ليس بينهما اشتراك في المعنى إذا كان الكلام خبرًا.
﴿وَعْدًا مَسْئُولًا﴾ أي سأله المؤمنون، أو الملائكة في قولهم: ﴿وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾.
وقيل: معناه: وعدًا واجب الوقوع؛ لأنه قد حتَّمه.
﴿فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ﴾ القائل لذلك هو الله .
стр. 1756
والمخاطب (١) هم:
المعبودون مع الله على العموم.
وقيل: الأصنام خاصةً.
والأول أرجح؛ لقوله: ﴿ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [سبأ: ٤٠]، وقوله: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١١٩].
﴿أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾ ﴿أَمْ﴾ هنا معادلةٌ لما قبلها، والمعنى: أن الله يقول يوم القيامة للمعبودين: أأنتم أظللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلُّوا من تلقاء أنفسهم باختيارهم ولم تُضلُّوهم أنتم؟، ولأجل ذلك بيَّن هذا المعنى بقوله: ﴿هُمْ﴾؛ ليُحقَّق (٢) إسناد الضلال إليهم.
وإنما سألهم الله هذا السؤال مع علمه بالأمور؛ ليوبّخ الكفار الذين عبدوهم.
﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ القائل لهذا: هم المعبودون؛ قالوه على وجه التبرِّي ممن عبدهم كقولهم: ﴿أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِم﴾ [سبأ: ٤١]، والمراد بذلك: توبيخ الكفار يومئذ، وإقامة الحجة عليهم.
﴿وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ﴾ معناه: أن إمتاعهم بالنعم في الدنيا كان سبب
стр. 1757
نسيانهم لذكر الله وعبادته.
﴿قَوْمًا بُورًا﴾ أي: هالكين، وهو من البوار بمعنى: الهلاك.
واختلف: هل هو جمع بائر؟ أو مصدرٌ وُصِف به؛ ولذلك يقع على الواحد والجماعة؟.
﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ﴾ هذا خطابٌ خاطب الله به المشركين يوم القيامة؛ أي: قد كذَّبكم (١) آلهتكم التي عبدتم من دون الله، وتبرؤوا منكم.
وقيل: هو خطاب للمعبودين؛ أي: كذَّبوكم في هذه المقالة لما عبدوكم في الدنيا.
وقيل: هو خطاب للمسلمين؛ أي: قد كذَّبكم الكفار فيما تقولونه من التوحيد والشريعة.
وقرئ ﴿بِمَا يَقُولُونَ﴾ بالياء من أسفل.
والباء في قوله: ﴿بِمَا تَقُولُونَ﴾:
على القراءة بالتاء: بدلٌ من الضمير في ﴿كَذَّبُوكُمْ﴾.
وعلى القراءة بالياء كقولك: كتبتُ بالقلم؛ أي: كذَّبوكم بقولهم.
﴿فَمَا يَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا﴾ قرئ ﴿فَمَا تَسْتَطِيعُونَ﴾ بالتاء من فوق، ويحتمل على هذا:
أن يكون الخطاب: للمشركين أو للمعبودين، والصَّرف على هذين
стр. 1758
الوجهين: صَرْفُ العذاب عنهم.
أو يكون الخطاب: للمسلمين، والصرف على هذا: ردُّ التكذيب.
وقرئ بالياء، وهو مسندٌ إلى المعبودين أو المشركين، والصرف: صرف العذاب.
﴿وَمَنْ يَظْلِم مِنكُمْ﴾ خطاب للكفار.
وقيل: للمؤمنين.
وقيل: على العموم.
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ تقديره: وما أرسلنا رسلًا أو رجالًا قبلك، وعلى هذا المفعول المحذوف يعود الضمير في قوله: ﴿إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ﴾.
وهذه الآية ردٌّ على الكفار في استبعادهم بعثَ رسولٍ يأكل الطعام ويمشي في الأسواق.
﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾ هذا خطاب لجميع الناس؛ لاختلاف أحوالهم، فالغني فتنةٌ للفقير، والصحيح فتنة للمريض، والرسول فتنة لغيره ممن يحسده ويكفر به.
﴿أَتَصْبِرُونَ﴾ تقديره: لننظر (١) هل تصبرون.
أو بمعنى أنهم أضمروا الكفر (١) في أنفسهم.
﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ﴾ لما طلبوا رؤية الملائكة أخبر الله أنهم لا بشرى لهم يوم يرونهم، فالعامل في ﴿يَوْمَ﴾: معنى ﴿لَا بُشْرَى﴾، و ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ بدل.
﴿وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ الضمير في ﴿يَقُولُونَ﴾:
إن كان للملائكة: فالمعنى أنهم يقولون للمجرمين: حجرًا محجورًا؛ أي: حرامًا عليكم الجنة أو البشرى.
وإن كان الضمير للمجرمين: فالمعنى أنهم يقولون: حجرًا؛ بمعنى عَوْذًا؛ لأن العرب كانت تتعوَّذ بهذه الكلمة إذا رأت ما تكره (٢).
وانتصابه بفعل متروكٍ إظهاره؛ نحو: معاذ الله.
﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا﴾ أي: قَصَدنا إلى أعمالهم؛ فلفظ القدوم مجازٌ.
وقيل: هو قدوم الملائكة، أسنده الله إلى نفسه؛ لأنه عن أمره (٣).
стр. 1761
﴿فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ عبارةٌ عن عدمِ قَبولِ ما عملوا من الحسنات، كإطعام المساكين وصلة الأرحام وغير ذلك، وأنها لا تنفعهم؛ لأن الإيمان شرطٌ في قبولِ الأعمال.
والهَباء: هي الأجرام الدقيقة (١) من الغبار التي لا تظهر إلَّا حين تدخل الشمس على موضع ضيِّق كالكُوَّة.
والمنثور: المتفرِّق (٢).
﴿خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ جاء هنا التفضيل بين الجنة والنار؛ لأن هذا مستقرٌّ وهذا مستقرٌّ.
﴿وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ هو مَفْعَلٌ من النوم في القائلة، وإن كانت الجنة لا نوم فيها، ولكن جاء على ما تتعارفه العرب من الاستراحة وقتَ القائلة في الأمكنة الباردة.
стр. 1762
وقيل: إن حساب الخلق يكمل في وقت ارتفاع النهار، فيقيل أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار.
﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ﴾ هو يوم القيامة، وانشقاق السماء: انفطارها.
ومعنى ﴿بِالْغَمَامِ﴾: أي: يخرج منها الغمام، وهو سحاب رقيق أبيض، وحينئذ تنزل الملائكة إلى الأرض.
﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾ عضُّ اليدين: كنايةٌ عن الندم والحسرة.
والظالم هنا: عقبة بن أبي معيط.
وقيل: كل ظالم.
والظلم هنا: بمعنى الكفر.
﴿مَعَ الرَّسُولِ﴾ هو محمد ﷺ ، أو اسم جنس على العموم.
﴿لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾ روي: أن عقبة جنح إلى الإسلام فنهاه أبيُّ بن خلف، أو أمية بن خلف؛ فهو فلان.
وقيل: إن عقبة نهى أبيَّ بن خلف عن الإسلام، فالظالم على هذا: أبيٌّ، وفلانٌ: عقبةُ.
وإن كان الظالم على العموم: فـ ﴿فلانا﴾ على العموم؛ أي: خليلُ كلِّ كافرٍ.
﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا﴾ يحتمل أن يكون هذا:
من قول الظالم.
أو ابتداءً إخبارٍ؛ من قول الله تعالى.
стр. 1763
ويحتمل أن يراد بالشيطان: إبليس، أو الخليل المذكور.
﴿وَقَالَ الرَّسُولُ﴾ قيل: إن هذا حكاية قوله ﷺ في الدنيا.
وقيل: في الآخرة.
﴿مَهْجُورًا﴾ من الهجر؛ بمعنى: البُعد والترك.
وقيل: من الهُجْر -بضم الهاء-؛ أي: قالوا فيه الهُجر حين قالوا: إنه شعر وسحر.
والأول أظهر.
﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا﴾ العدو هنا جمعٌ، والمراد: تسلية النبي ﷺ بالتأسي بغيره من الأنبياء.
﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ وعدٌ لمحمد ﷺ بالهدى والنصرة.
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ هذا من اعتراضات قريش؛ لأنهم قالوا: لو كان القرآن من عند الله لنزل جملة واحدة كما نزلت التوراة والإنجيل.
﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ هذا جوابٌ لهم تقديره: أنزلناه كذلك مفرَّقًا؛ لنثبّت به فؤاد محمد ﷺ ؛ بحفظه، ولو نزل جملة واحدة لتعذَّر عليه حفظه؛ لأنه أميُّ لا يقرأ، فحفظ المفرَّق عليه أسهل.
وأيضًا؛ فإنه نزل بأسباب مختلفة تقتضي أن ينزل كلُّ جزء منه عند (١) حدوث سببه.
стр. 1764
وأيضًا؛ منه ناسخ ومنسوخ، ولا يتأتَّى ذلك فيما ينزل جملةً واحدةً.
﴿وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ أي: فرَّقناه تفريقًا، فإنه نزل بطول عشرين سنة.
وهذا الفعل معطوف على الفعل المقدَّر الذي يتعلَّق به ﴿كَذَلِكَ﴾، وبه يتعلَّق ﴿لِنُثَبِّتَ﴾.
﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ﴾ الآية؛ معناها: لا يوردون عليك سؤالًا أو اعتراضًا إلَّا أتيناك في جوابه بالحقِّ والتفسيرِ الحسن الذي يُذهب اعتراضهم ويبطل شبهتهم.
﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ يعني: الكفار، وحَشْرُهم على وجوههم حقيقة؛ لأنه جاء في الحديث: قيل يا رسول الله: كيف يُحشر الكافر على وجهه؟ قال: «أليس الذي أمشاه في الدنيا على رجليه قادرًا على أن يُمشيه في الآخرة على وجهه؟!». (١)
﴿شَرٌّ مَكَانًا﴾ يحتمل أن يريد بالمكان:
المنزلة والشرف.
أو الدار والمسكن في الآخرة.
أو يريد الظالمين على العموم.
﴿وَأَصْحَابَ الرَّسِّ﴾ معنى الرَّسِّ في اللغة: البئر، واختلف في أصحاب الرس:
فقيل: هم من بقية ثمود.
وقيل: من أهل اليمامة.
وقيل: من أهل أنطاكية، وهم أصحاب ياسين.
واختلف في قصتهم:
فقيل: بُعث إليهم نبيّ، فرموه في بئر فأهلكهم الله.
وقيل: كانوا حول بئر لهم، فانهارت بهم فهلكوا.
﴿وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ يقتضي التكثير والإبهام، والإشارة بـ ﴿ذَلِكَ﴾ إلى المذكور قبلُ من الأمم.
﴿لَهُ الْأَمْثَالَ﴾ أي: بَيَّنَّا له.
﴿تَبَّرْنَا﴾ أي: أهلكنا.
﴿وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ﴾ الضمير في ﴿أَتَوْا﴾ لقريش وغيرهم من الكفار.
والقرية: قرية قوم لوط.
و ﴿مَطَرَ السَّوْءِ﴾: الحجارة.
ثم وقفهم على رؤيتهم لها؛ لأنها في طريقهم إلى الشام، ثم أخبر أن سبب عدم اعتبارهم بها كُفْرهم بالنُّشور.
стр. 1767
و ﴿يَرْجُونَ﴾ كقوله: ﴿يَرْجُونَ لِقَاءَنَا﴾ [الفرقان: ٢١]، وقد ذُكر (١).
﴿أَهَذَا الَّذِي﴾ حكاية قولهم على وجه الاستهزاء، فالجملة في موضع معمول (٢) لقولٍ محذوف يدلُّ عليه ﴿هُزُوًا﴾.
وقوله: ﴿إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا﴾ استئنافُ جملةٍ أخرى، وتمَّ كلامهم، واستأنف كلامَ الله تعالى في قوله: ﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ الآية؛ على وجه التهديد لهم.
﴿اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ أي: أطاع هواه حتى صار (٣) كأنه إله.
﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ لأن الأنعام ليس لها عقول، وهؤلاء لهم عقول ضيَّعوها.
أو لأن الأنعام تطلب ما ينفعها وتجتنب ما يضرها، وهؤلاء يتركون أنفع الأشياء وهو الثواب، ولا يخافون أضرَّ الأشياء وهو العقاب.
وقيل: (١) ﴿مَدَّ الظِّلَّ﴾: أي: جعله يمتدُّ وينبسط.
﴿وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾ أي: ثابتًا غير زائل لكنه جعله يزول بالشمس.
وقيل: معنى ساكن: غير منبسط على الأرض، بل يلتصق (٢) بأصل الحائط أو الشجرة ونحوها.
﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ قيل: معناه: أن الناس يستدلون بالشمس وبأحوالها في سيرها على الظل متى يتسع ومتى ينقبض، ومتى يزول عن مكان إلى آخر، فيبنون على ذلك انتفاعَهم به وجلوسَهم فيه.
وقيل: معناه: لولا الشمس لم يُعرَف أن الظل شيء؛ لأن الأشياء إنما تُعرَف بأضدادها.
﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا (٤٦)﴾ قَبْضُه: نَسْخُه وزواله بالشمس.
ومعنى ﴿يَسِيرًا﴾: شيئًا بعد شيء، لا دَفْعةً واحدة.
فإن قيل: ما معنى «ثم» في هذه المواضع الثلاثة؟
فالجواب: أنه يَحتمل:
أن تكون للترتيب في الزمان، أي: جعل الله هذه الأحوال حالًا بعد حال.
أو تكون لبيان التفاضل بين هذه الأحوال، وأن (٣) الثاني أعظمُ من
стр. 1770
الأول، والثالث أعظم من الثاني.
﴿اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾ شبّه ظلام الليل باللباس؛ لأنه يستر كل شيء كاللباس.
﴿وَالنَّوْمَ سُبَاتًا﴾ قيل: راحة.
وقيل: موتًا؛ لقوله: ﴿يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر: ٤٢]، ويدلُّ عليه مقابلته بالنشور.
﴿الرِّيَاحَ نُشُرًا﴾ ذُكر في «الأعراف» (١).
﴿مَاءً طَهُورًا﴾ مبالغةٌ في طاهر.
وقيل: معناه: مطهِّر للناس في الوضوء وغيره، وبهذا المعنى يقول الفقهاء: ماءٌ طهورٌ؛ أي: مُطهِّر، وكل مُطهِّر طاهرٌ، وليس كل طاهر مُطهِّرًا.
﴿وَأَنَاسِيَّ﴾ قيل: جمع إنسيٍّ.
وقيل: جمع إنسان.
والأول أصح.
﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ﴾ الضمير للقرآن.
وقيل: للمطر، وهو بعيد.
﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا (٥١)﴾ أي: لو شئنا لخفَّفنا عنك أثقال الرسالة ببعث جماعة من الرسل، ولكنا خصَصْناك بها كرامةً لك؛ فاصبر عليها.
стр. 1771
﴿وَجَاهِدْهُم بِهِ﴾ الضمير: للقرآن، أو لما دلّ عليه الكلام المتقدم (١).
﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾ اضطرب الناس في هذه الآية؛ لأنه لا يُعْلَم في الدنيا بحرٌ مِلْحٌ وبحر عَذْبٌ، وإنما البحار المعروفة ماؤها مِلْحٌ:
فقال ابن عباس: أراد بالبحر الملح الأجاج: بحر الأرض، وبالبحر العذب الفرات: بحر السحاب.
وقيل: البحر الملح: البحر المعروف، والبحر العذب: مياه الأرض.
(وقيل: البحر الملح: جميع الماء المِلْح من الآبار وغيرها، والبحر العذب: هو مياه الأرض) (٢) من الأنهار والعيون.
ومعنى الفرات: البليغ العذوبة حتى يضرب إلى الحلاوة، والأجاج: نقيضه.
واختُلف في معنى مَرْجِهما:
فقيل: جعلهما متجاورين متلاصقين.
وقيل: أسال أحدهما في الآخر.
﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ أي: فاصلا يفصل بينهما، وهو ما بينهما من الأرض بحيث لا يختلطان.
وقيل: هذا البرزخ يعلمه الله، ولا يراه البشر.
стр. 1772
﴿خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا﴾ إن أراد بالبشر آدم: فالمراد بالماء: الماء الذي خُلِطَ مع التراب فصار طينًا.
وإن أراد بالبشر بني آدم: فالمراد بالماء: المنيُّ الذي يُخلقون منه.
﴿فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾ النسب والصهر يَعُمَّان كل قربى؛ فالنسب: أن يجتمع إنسان مع آخر في أب أو أم، قَرُبَ ذلك أو بَعُدَ، والصهر: هو الاختلاط بالتناكح.
وقيل: أراد بالنسب: الذكور؛ أي: ذوي (١) نسب يُنتسب إليهم، وأراد بالصهر: الإناث؛ أي ذوات صهر يُصاهر بهنَّ، فهو كقوله: ﴿فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى (٣٩)﴾ [القيامة: ٣٩].
﴿وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ الكافر هنا: الجنس.
وقيل: المراد أبو جهل.
والظهير: المعين؛ أي: يعين الشيطان على ربه بالعداوة والشرك.
ولفظه يقع للواحد والجماعة، كقوله: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: ٤].
﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ أي: لا أسألكم على الإيمان أجرة ولا منفعة لنفسي.
﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ معناه: إنما أسألكم أن تتخذوا إلى ربكم سبيلًا بالتقرب إليه وعبادته، فالاستثناء منقطع.
стр. 1773
وقيل: المعنى: إلَّا أن تتخذوا إلى ربكم سبيلًا بالصدقة، فالاستثناء على هذا متصل.
والأول أظهر.
وفي الكلام محذوف تقديره: إلَّا سؤال من شاء، أو ما أشبه ذلك.
﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ قرأ هذه الآية بعض السلف فقال: لا ينبغي لذي عقل أن يثق بعدها بمخلوق؛ فإنه يموت.
﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾ أي قل: «سبحان الله وبحمده»، والتسبيح التنزيه عن كل ما لا يليق به.
ومعنى ﴿بِحَمْدِهِ﴾ أي: بحمده أقول ذلك.
ويحتمل أن يكون المعنى: سبِّحه مُلْتَبِسًا (١) بحمده، فهو أَمْرٌ بأن يجمع بين التسبيح والحمد.
﴿وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا﴾ يَحتمل أن يكون المراد بهذا:
بيان حلمه وعفوه عن عباده مع علمه بذنوبهم.
أو يكون المراد: تهديد العباد؛ لعلم (٢) الله بذنوبهم.
﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ ذكر في «الأعراف» (٣).
стр. 1774
﴿الرَّحْمَنُ﴾ خبر ابتداء مضمر، أو بدل من الضمير في ﴿اسْتَوَى﴾.
﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ فيه معنيان:
أحدهما - وهو الأظهر -: أن المراد: اسأل عنه من هو خبيرٌ عارفٌ به، فانتصب ﴿خَبِيرًا﴾ على المفعولية، وهذا الخبير المسؤول: هو جبريل ﵇ و (١) العلماء، وأهل الكتاب.
والباء في قوله: ﴿بِهِ﴾ يحتمل:
أن تتعلق بـ ﴿خَبِيرًا﴾.
أو تتعلق بالسؤال، ويكون معناها على هذا معنى «عن».
والمعنى الثاني: أن المراد: اسأل بسؤاله خبيرًا؛ أي: إن سألته تعالى تجده خبيرًا بكل شيء، فانتصب ﴿خَبِيرًا﴾ على الحال، وهو كقولك: «لو رأيت فلانًا رأيت به أسدًا» أي: رأيت برؤيته أسدًا.
﴿قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ﴾ لما ذكر الرحمن في القرآن أنكرته قريش، وقالوا: لا نعرف الرحمن، وكان مُسيلمة الكذاب قد تسمَّى بالرحمن، فقالوا على وجه المغالطة: إنما الرحمن الرجل الذي باليمامة.
﴿أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا﴾ تقديره: لما تأمرنا أن نسجد له.
﴿وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾ الضمير الفاعل (٢) في زادهم يعود على المقول وهو ﴿اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ﴾.
﴿جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً﴾ أي: يخلف هذا هذا.
وقيل: هو من الاختلاف؛ لأن هذا أبيض وهذا أسود، والخلفة اسم الهيئة (١)، كالرِّكبة والجلسة، والأصل: جعلهما ذَوَيْ خِلْفةٍ.
﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ﴾ قيل: معناه: يعتبر في المصنوعات.
وقيل: يتذكر لما فاته من الصلوات وغيرها في الليل فيستدركه بالنهار، أو فاته بالنهار فيستدركه (٢) بالليل، وهذا قول عمر بن الخطاب وابن عباس ﵄.
﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾ أي: عباده المرضيُّون عنده، فالعبودية هنا للتشريف والكرامة.
و ﴿عِبَادُ﴾ مبتدأ، وخبره:
﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ﴾.
أو قوله في آخر السورة: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ﴾.
﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ أي: رفقًا ولينًا بحلم ووقار، ويحتمل أن يكون ذلك:
وصف مشيهم على الأرض.
أو وصف أخلاقهم في جميع أحوالهم، وعبر بالمشي على الأرض عن جميع تصرفهم مدة حياتهم.
стр. 1777
﴿قَالُوا سَلَامًا﴾ أي: قالوا قولًا سديدًا؛ ليدفع الجاهل برفق.
وقيل: معناه: قالوا للجاهل: «سلامًا»؛ أي: هذا اللفظ بعينه، بمعنى: سلمنا منكم.
قال بعضهم: هذه الآية منسوخة بالسيف.
وإنما يصح النسخ في حق الكفار، وأما الإغضاء عن السفهاء والحِلْم عنهم فمستحسنٌ غير منسوخ.
﴿إِنَّ عَذَابَهَا﴾ وما بعده: يحتمل أن يكون: من كلامهم، أو من كلام الله .
﴿كَانَ غَرَامًا﴾ أي: هلاكًا وخسرانًا.
وقيل: ملازمًا.
﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ الإقتار: هو التضييق في النفقة والشح، وضده: الإسراف، فنهى عن الطرفين، وأمر بالتوسط بينهما، وهو القَوام، وذلك في الإنفاق في المباحات وفي الطاعات، وأما الإنفاق في المعاصي فهو إسراف، وإن قلَّ.
﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ أي: عقابًا.
وقيل: الأثام: الإثم؛ فمعناه: يلق جزاء آثامٍ.
وقيل: الأثام: واد في جهنم.
والإشارة بقوله: ﴿ذَلِكَ﴾ إلى ما ذُكِر من الشرك بالله وقتل النفس بغير حق والزنا.
стр. 1778
﴿وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ قيل: نزلت في الكفار لأنهم المخلدون في النار بإجماع، فكأنه قال: الذين يجمعون بين الشرك (١) والقتل والزنا.
وقيل: نزلت في المؤمنين الذين يقتلون النفس ويزنون.
فأما على مذهب المعتزلة: فالخلود على بابه.
وأما على مذهب أهل السنة: فالخلود عبارة عن طول المدة.
﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ إن قلنا: الآية في الكفار فلا إشكال فيها؛ لأن الكافر إذا أسلم صحت توبته من الكفر والقتل والزنا.
وإن قلنا: إنها في المؤمنين فلا خلاف أن التوبة من الزنا تصح، واختلف: هل تصح توبة المسلم من القتل أم لا؟
﴿يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ قيل: يوفقهم الله لفعل الحسنات بدلًا مما (٢) علموا من السيئات.
وقيل: إن هذا التبديل في الآخرة، أي: يبدل عقاب السيئات بثواب الحسنات.
﴿يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾ أي: متابًا مقبولًا مَرْضيًّا عند الله، كما تقول: لقد قلتَ يا فلان قولًا، أي: قولًا حسنًا.
﴿لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ أي: لا يشهدون بالزور، وهو الكذب؛ فهو من الشهادة.
стр. 1779
وقيل: معناه: لا يحضرون مجالس الزور واللهو، فهو على هذا من المشاهدة والحضور.
والأول أظهر.
﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ اللغو: هو الكلام القبيح على اختلاف أنواعه.
ومعنى ﴿مَرُّوا كِرَامًا﴾ أعرضوا عنه واستحيوا، ولم يدخلوا مع أهله؛ تنزيهًا لأنفسهم عن ذلك.
﴿لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ أي: لم يُعرضوا عن آيات الله، بل أقبلوا عليها بأسماعهم وقلوبهم، فالنفي للصَّمم والعمى، لا للخرور عليها.
﴿قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ قيل: معناه اجعل أزواجنا وذريتنا مطيعين لله.
وقيل: أدخلهم معنا الجنة.
واللفظ أعم من ذلك.
﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ أي: قدوةً يقتدي بنا المتقون، فـ «إمام»: مفرد يراد به الجنس.
وقيل: هو جمعُ آمّ؛ أي: متَّبع.
﴿الْغُرْفَةَ﴾ يعني: غرفة الجنة؛ فهي اسم الجنس.
﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾ يحتمل أن تكون ﴿مَا﴾ نافيةً أو استفهامية.
стр. 1780
وفي معنى الدعاء هنا ثلاثة أقوال:
الأول: أن المعنى: لا يبالي الله بكم لولا عبادتكم له، فالدعاء بمعنى العبادة، وهذا قريب من معنى قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦].
الثاني: أن الدعاء بمعنى الاستغاثة والسؤال، والمعنى: لا يبالي الله بكم، ولكنه (١) يرحمكم إذا استغثتم به ودعوتموه.
ويكون على هذين القولين:
خطابًا لجميع الناس من المؤمنين والكافرين؛ لأن فيهم من يعبد الله ويدعوه.
أو خطابًا للمؤمنين خاصةً؛ لأنهم هم الذين يدعون الله ويعبدونه، ولكن يضعف هذا بقوله: ﴿فَقَدْ كَذَّبْتُمْ﴾.
الثالث: أنه خطاب للكفار خاصةً، والمعنى على هذا: ما يعبأ بكم ربي لولا أن يدعوكم إلى دينه، والدعاء على هذا بمعنى: الأمر بالدخول في الدين، وهو مصدر مضاف إلى المفعول.
وأما على القول الأول والثاني فهو مصدر مضاف إلى الفاعل.
﴿فَقَدْ كَذَّبْتُمْ﴾ هذا خطاب لقريش وغيرهم من الكفار دون المؤمنين.
﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾ أي سوف يكون العذاب لزامًا (أي: لازمًا) (٢) ثابتًا.
стр. 1781
وأضمر العذاب وهو اسم كان؛ لأنه جزاء التكذيب المتقدّم.
واختلف: هل يُراد بالعذاب هنا: القتل يوم بدر، أو عذاب الآخرة؟
стр. 1782
(سورة الشعراء)
[﴿طسم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٣) إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ (٤) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ (٥) فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٦) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (٧) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٩)﴾].
﴿طسم (١)﴾ تكلمنا على حروف الهجاء في أول «البقرة» (١).
ويختصّ (٢) هذا: أنه قيل: الطاء من «ذي الطَّوْل»، والسين من «السميع» أو «السلام»، والميم من «الرحيم» أو «المنعم».
﴿بَاخِعٌ﴾ ذُكر في «الكهف» (٣).
﴿فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ الأعناق: جمع عُنق، وهي الجارحة المعروفة.
وإنما جمع ﴿خَاضِعِينَ﴾ جمع العقلاء:
لأنه أضاف الأعناق إلى العقلاء.
стр. 1783
أو (١) لأنه وصفها بفعل لا يكون إلّا من العقلاء.
وقيل: الأعناق: الرؤساء من الناس شُبِّهوا بالأعناق كما يقال لهم: رؤوسٌ وصدورٌ.
وقيل: هم الجماعات من الناس.
فلا يحتاج جمع ﴿خَاضِعِينَ﴾ إلى تأويل.
﴿مُحْدَثٍ﴾ يعني به: محدث الإتيان (٢).
﴿فَسَيَأْتِيهِمْ﴾ الآية؛ تهديد.
﴿مِنْ كُلِّ زَوْجٍ﴾ أي: من كل صنف من النبات، فيعمُّ ذلك الأقوات والفواكه والأدوية والمرعى.
ووصفه بالكرم؛ لما فيه من الحسن والمنافع.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾ الإشارة إلى ما تقدَّم من النبات، وإنما ذكره بلفظ الإفراد؛ لأنه أراد: إنَّ في كل واحد آيةً.
أو أشار إلى مصدر قوله: ﴿أَنْبَتْنَا﴾.
﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾ خطابٌ لموسى وأخيه ومن كان معهما.
أو على جعل الاثنين جماعةً.
﴿مُسْتَمِعُونَ﴾ لفظه جمعٌ، وورد مورد تعظيم الله تعالى.
ويحتمل أن تكون الملائكة هي التي تستمع بأمر الله؛ لأن الله لا يوصف بالاستماع، وإنما يوصف بالسمع (١).
стр. 1786
والأول أحسن، وتأويله: أن في الاستماع اعتناءً واهتمامًا بالأمر ليست في صيغة «سامعون».
والخطاب في قوله: ﴿مَعَكُمْ﴾ لموسى وهارون وفرعون وقومه.
وقيل: لموسى وهارون خاصة؛ على معاملة الاثنين معاملة الجماعة، وذلك على قول من يرى أن أقل الجمع اثنان.
﴿إِنَّا رَسُولُ﴾ إن قيل: لم أفرده وهما اثنان؟
فالجواب من ثلاثة أوجه:
الأول: أنَّ التقدير: كلُّ واحدٍ منَّا رسول.
الثاني: أنهما جُعِلا كشخص واحد؛ لاتفاقهما في الشريعة، ولأنهما أخوان؛ فكأنهما واحد.
الثالث: أنَّ ﴿رَسُولُ﴾ هنا مصدرٌ وُصِف به، فلذلك يُطَلَقَ (١) على الواحد والاثنين والجماعة، فإنه يقال: رسولٌ: بمعنى رسالة، بخلاف قوله: ﴿إِنَّا رَسُولَا﴾ [طه: ٤٧]؛ فإنه بمعنى: المرسَل.
﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٧)﴾ أي: أطلقهم.
﴿قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا﴾ قصد فرعونُ بهذا الكلام المنَّ على موسى، والاحتقار له.
стр. 1787
﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (١٩)﴾ قصد فرعون بهذا الكلام توبيخ موسى ﵇.
ويعني بالفَعْلَة: قتله للقبطي.
والواو في قوله: ﴿وَأَنْتَ﴾:
إن كانت للحال فقوله: ﴿مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ معناه: كافرٌ بهذا الدين الذي جئتَ به؛ لأن موسى إنما أظهر لهم الإسلام بعد الرسالة، وقد كان قبل ذلك مؤمنًا، ولم يعلم بذلك فرعون.
وقيل: معناه من الكافرين بنعمتي.
وإن كانت الواو للاستئناف: فيحتمل أن يريد:
من الكافرين بديني.
أو من الكافرين بنعمتي.
﴿قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (٢٠)﴾ القائل هنا: هو موسى ﵇، والضمير في قوله: ﴿فَعَلْتُهَا﴾ لقتله القبطي.
واختُلف في معنى قوله: ﴿مِنَ الضَّالِّينَ﴾:
فقيل: معناه: من الجاهلين بأن وَكْزَتي تقتله.
وقيل: معناه: من الناسين، فهو كقوله: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا﴾ [البقرة: ٢٨٢].
وقوله: ﴿إِذًا﴾ صلةٌ في الكلام، وكأنها بمعنى حينئذٍ. قال ذلك ابن عطية (١).
стр. 1788
﴿فَفَرَرْتُ مِنكُمْ﴾ أي: من فرعون وقومه، ولذلك جمع ضمير الخطاب بعد أن أفرده في قوله: ﴿تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ﴾ (١).
﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ معنى ﴿عَبَّدْتَ﴾: ذلَّلت واتخذتهم عبيدًا، فمعنى هذا الكلام: أنك عددت نعمةً عليَّ تعبيدَ بني إسرائيل، وليست في الحقيقة بنعمة، إنما كانت نقمة؛ لأنك كنت تذبح أبناءهم، ولذلك وصلتُ أنا إليك فربيتني.
فالإشارة بقوله: ﴿تِلْكَ﴾ إلى التربية.
و ﴿أَنْ عَبَّدْتَ﴾:
في موضع رفع عطف بيان على ﴿تِلْكَ﴾.
أو في موضع نصبٍ على أنه مفعول من أجله.
وقيل: معنى الكلام: تربيتك نعمةٌ عليَّ؛ لأنك عبَّدت بني إسرائيل وتركتني.
فهي في المعنى الأول: إنكار لنعمته.
وفي الثاني: اعترافٌ بها.
﴿قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (٢٩)﴾ لما أظهر فرعون الجهل بالله فقال: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾؟ أجابه موسى بقوله: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، فقال: ﴿أَلَا تَسْتَمِعُونَ﴾؟ تعجبًا من جوابه، فزاد موسى في إقامة الحجة بقوله: ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾؛ لأن وجود الإنسان وآبائه أظهرُ
стр. 1789
الأدلة (١) عند العقلاء وأعظم البراهين؛ فإن أنفسهم أقرب الأشياء إليهم فيستدلون (٢) بها على وجود خالقهم، فلما ظهرت هذه الحجة حاد فرعون عنها، ونسب موسى إلى الجنون مغالطة منه، وأبدى الازدراء والتهكُم في قوله: ﴿رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ﴾ فزاد موسى في إقامة الحجة بقوله: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾؛ لأن طلوع الشمس وغروبها آية ظاهرة لا يمكن أحدًا جحدها، ولا أن يدعيها لغير الله، ولذلك أقام إبراهيم الخليل بها الحجة على نمرود، فلما انقطع فرعون بالحجة رجع إلى الاستعلاء والتغلُّب فهدَّده بالسجن، فأقام موسى عليه الحجة بالمعجزة، وذكرها له بتلطُّف؛ طمعًا في إيمانه، فقال: ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ والواو واو الحال دخلت عليها همزة الاستفهام، وتقديره: أتفعل بي ذلك ولو جئتُك بشيء مبين؟.
وقد تقدَّم في «الأعراف» (٣) ذكر العصا واليد، و ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ و ﴿أَرْجِهْ﴾ و ﴿حَاشِرِينَ﴾.
فإن قيل: كيف قال أوَّلًا: ﴿إِنْ كُنتُمْ مُوقِنِينَ﴾، ثم قال آخِرًا: ﴿إِنْ كُنتُمْ تَعْقِلُونَ﴾؟
فالجواب: أنه لايَنَ أوَّلًا طمعًا في إيمانهم، فلما رأى منهم العناد والمغالطة وبَّخهم بقوله: ﴿إِنْ كُنتُمْ تَعْقِلُونَ﴾، وجعل ذلك في مقابلة قول فرعون: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾.