والأول أحسن، وتأويله: أن في الاستماع اعتناءً واهتمامًا بالأمر ليست في صيغة «سامعون».
والخطاب في قوله: ﴿مَعَكُمْ﴾ لموسى وهارون وفرعون وقومه.
وقيل: لموسى وهارون خاصة؛ على معاملة الاثنين معاملة الجماعة، وذلك على قول من يرى أن أقل الجمع اثنان.
﴿إِنَّا رَسُولُ﴾ إن قيل: لم أفرده وهما اثنان؟
فالجواب من ثلاثة أوجه:
الأول: أنَّ التقدير: كلُّ واحدٍ منَّا رسول.
الثاني: أنهما جُعِلا كشخص واحد؛ لاتفاقهما في الشريعة، ولأنهما أخوان؛ فكأنهما واحد.
الثالث: أنَّ ﴿رَسُولُ﴾ هنا مصدرٌ وُصِف به، فلذلك يُطَلَقَ (١) على الواحد والاثنين والجماعة، فإنه يقال: رسولٌ: بمعنى رسالة، بخلاف قوله: ﴿إِنَّا رَسُولَا﴾ [طه: ٤٧]؛ فإنه بمعنى: المرسَل.
﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٧)﴾ أي: أطلقهم.
﴿قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا﴾ قصد فرعونُ بهذا الكلام المنَّ على موسى، والاحتقار له.
стр. 1787
﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (١٩)﴾ قصد فرعون بهذا الكلام توبيخ موسى ﵇.
ويعني بالفَعْلَة: قتله للقبطي.
والواو في قوله: ﴿وَأَنْتَ﴾:
إن كانت للحال فقوله: ﴿مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ معناه: كافرٌ بهذا الدين الذي جئتَ به؛ لأن موسى إنما أظهر لهم الإسلام بعد الرسالة، وقد كان قبل ذلك مؤمنًا، ولم يعلم بذلك فرعون.
وقيل: معناه من الكافرين بنعمتي.
وإن كانت الواو للاستئناف: فيحتمل أن يريد:
من الكافرين بديني.
أو من الكافرين بنعمتي.
﴿قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (٢٠)﴾ القائل هنا: هو موسى ﵇، والضمير في قوله: ﴿فَعَلْتُهَا﴾ لقتله القبطي.
واختُلف في معنى قوله: ﴿مِنَ الضَّالِّينَ﴾:
فقيل: معناه: من الجاهلين بأن وَكْزَتي تقتله.
وقيل: معناه: من الناسين، فهو كقوله: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا﴾ [البقرة: ٢٨٢].
وقوله: ﴿إِذًا﴾ صلةٌ في الكلام، وكأنها بمعنى حينئذٍ. قال ذلك ابن عطية (١).
стр. 1788
﴿فَفَرَرْتُ مِنكُمْ﴾ أي: من فرعون وقومه، ولذلك جمع ضمير الخطاب بعد أن أفرده في قوله: ﴿تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ﴾ (١).
﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ معنى ﴿عَبَّدْتَ﴾: ذلَّلت واتخذتهم عبيدًا، فمعنى هذا الكلام: أنك عددت نعمةً عليَّ تعبيدَ بني إسرائيل، وليست في الحقيقة بنعمة، إنما كانت نقمة؛ لأنك كنت تذبح أبناءهم، ولذلك وصلتُ أنا إليك فربيتني.
فالإشارة بقوله: ﴿تِلْكَ﴾ إلى التربية.
و ﴿أَنْ عَبَّدْتَ﴾:
في موضع رفع عطف بيان على ﴿تِلْكَ﴾.
أو في موضع نصبٍ على أنه مفعول من أجله.
وقيل: معنى الكلام: تربيتك نعمةٌ عليَّ؛ لأنك عبَّدت بني إسرائيل وتركتني.
فهي في المعنى الأول: إنكار لنعمته.
وفي الثاني: اعترافٌ بها.
﴿قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (٢٩)﴾ لما أظهر فرعون الجهل بالله فقال: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾؟ أجابه موسى بقوله: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، فقال: ﴿أَلَا تَسْتَمِعُونَ﴾؟ تعجبًا من جوابه، فزاد موسى في إقامة الحجة بقوله: ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾؛ لأن وجود الإنسان وآبائه أظهرُ
стр. 1789
الأدلة (١) عند العقلاء وأعظم البراهين؛ فإن أنفسهم أقرب الأشياء إليهم فيستدلون (٢) بها على وجود خالقهم، فلما ظهرت هذه الحجة حاد فرعون عنها، ونسب موسى إلى الجنون مغالطة منه، وأبدى الازدراء والتهكُم في قوله: ﴿رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ﴾ فزاد موسى في إقامة الحجة بقوله: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾؛ لأن طلوع الشمس وغروبها آية ظاهرة لا يمكن أحدًا جحدها، ولا أن يدعيها لغير الله، ولذلك أقام إبراهيم الخليل بها الحجة على نمرود، فلما انقطع فرعون بالحجة رجع إلى الاستعلاء والتغلُّب فهدَّده بالسجن، فأقام موسى عليه الحجة بالمعجزة، وذكرها له بتلطُّف؛ طمعًا في إيمانه، فقال: ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ والواو واو الحال دخلت عليها همزة الاستفهام، وتقديره: أتفعل بي ذلك ولو جئتُك بشيء مبين؟.
وقد تقدَّم في «الأعراف» (٣) ذكر العصا واليد، و ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ و ﴿أَرْجِهْ﴾ و ﴿حَاشِرِينَ﴾.
فإن قيل: كيف قال أوَّلًا: ﴿إِنْ كُنتُمْ مُوقِنِينَ﴾، ثم قال آخِرًا: ﴿إِنْ كُنتُمْ تَعْقِلُونَ﴾؟
فالجواب: أنه لايَنَ أوَّلًا طمعًا في إيمانهم، فلما رأى منهم العناد والمغالطة وبَّخهم بقوله: ﴿إِنْ كُنتُمْ تَعْقِلُونَ﴾، وجعل ذلك في مقابلة قول فرعون: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾.
[﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (٥٢) فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (٥٣) إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (٥٤) وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (٥٥) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ (٥٦) فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٧) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٥٨) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩) فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ (٦٠) فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (٦٢) فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (٦٣) وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ (٦٤) وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (٦٥) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٦٦) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٦٧) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦٨)﴾].
﴿أَسْرِ بِعِبَادِي﴾ يعني: بني إسرائيل.
﴿إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ﴾ إخبارٌ باتباعِ فرعون.
﴿لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ الشِّرْذمة: الطائفة من الناس، وفي هذا احتقارٌ لهم على أنه رُوي أنهم كانوا ستَّ مئة ألف، ولكن جنود فرعون أكثر منهم بكثير.
﴿فَأَخْرَجْنَاهُم مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٧)﴾ يعني: التي بمصر.
والعيون: الخُلْجان الخارجة من النيل، و (١) كانت ثمَّ عيون في ذلك الزمان.
وقيل: يعني الذهب والفضة وهو بعيد.
﴿وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾ مجالس الأمراء والحكَّام.
وقيل: المنابر.
стр. 1792
وقيل: المساكن الحسان.
﴿كَذَلِكَ﴾ في موضع خفض؛ صفةٌ لـ ﴿وَمَقَامٍ﴾.
أو في موضع نصبٍ، على تقدير: أخرجناهم مثل ذلك الإخراج.
أو في موضع رفع، أنه خبر ابتداء تقديره: الأمرُ كذلك.
﴿وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أي: أورثهم الله مواضع فرعون بمصر.
على أن التواريخ لم يُذكر فيها مُلْك بني إسرائيل لمصر، وإنما المعروف أنهم مَلَكوا الشام، فتأويله على هذا: أورثهم مثل ذلك بالشام.
﴿فَأَتْبَعُوهُم﴾ أي: لحقوهم، وضمير الفاعل لفرعون وقومه، وضمير المفعول لبني إسرائيل.
﴿مُشْرِقِينَ﴾ معناه: داخلين في وقت الشروق، وهو طلوع الشمس.
وقيل: معناه: نحو المشرق.
وانتصابه على الحال.
﴿تَرَاءَى الْجَمْعَانِ﴾ وزن ﴿تَرَاءَى﴾ تفاعل، وهو مشتقّ من الرؤية، والجمعان: جمع موسى وجمع فرعون، أي: رأى بعضهم بعضًا.
﴿فَانفَلَقَ﴾ تقدير الكلام: فضرب موسى البحر فانفلق.
﴿كُلُّ فِرْقٍ﴾ أي: كل جزء منه، والطود: الجبل.
ورُوي: أنه صار في البحر اثنا عشر طريقًا، لكل سبط من بني إسرائيل طريقٌ.
стр. 1793
﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ (٦٤)﴾ يعني بـ ﴿الْآخَرِينَ﴾: فرعون وقومه، ومعنى: ﴿وَأَزْلَفْنَا﴾: قَرَّبناهم من البحر ليغرقوا.
و ﴿ثَمَّ﴾ ظرفٌ يراد به هنا: حيث انغلق البحر، وهو بحر القُلْزُوم.
الأصنام، ثم زادوا قولهم: ﴿فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ﴾ مبالغةً في ذلك.
﴿بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا﴾ اعترافٌ بالتقليد المحض.
﴿إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ استثناءٌ منقطع.
وقيل: متصل؛ لأن في آبائهم مَنْ عبد الله تعالى.
﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠)﴾ أسند المرضَ إلى نفسه والشفاءَ إلى الله؛ تأدُّبًا مع الله.
﴿أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي﴾ قيل: أراد كذباته (١) الثلاثة الواردة في الحديث (٢)، وهي قوله في سارة زوجته: «هي أختي»، وقوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩]، وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾ [الأنبياء: ٦٣].
وقيل: أراد الجنس على الإطلاق؛ لأن هذه الثلاثة من المعاريض فلا إثم فيها.
﴿لِسَانَ صِدْقٍ﴾ ثناءً جميلًا.
﴿لَا يَنْفَعُ﴾ وما بعده: منقطع عن كلام إبراهيم، وهو من كلام الله تعالى، ويحتمل أن يكون أيضًا من كلام إبراهيم.
﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩)﴾ قيل: سليم من الشرك والمعاصي.
وقيل: الذي يلقى ربه وليس في قلبه شيء غيره.
стр. 1796
وقيل: بقلب لديغ من خشية الله، والسَّليم: هو اللديغ لغة.
وقال الزمخشري: هذا من بِدَعِ (١) التفاسير (٢).
وهذا الاستثناء:
يحتمل أن يكون متصلًا، فيكون: ﴿مَنْ أَتَى اللَّهَ﴾ مفعولًا، بقوله: ﴿لَا يَنْفَعُ﴾ والمعنى على هذا: أن المال لا ينفع إلَّا من أنفقه في طاعة الله، وأن البنين لا ينفعون إلَّا من علَّمهم الدين وأوصاهم بالحق.
ويحتمل أيضًا أن يكون متصلًا، ويكون قوله: ﴿مَنْ أَتَى اللَّهَ﴾ بدلًا من قوله: ﴿مَالٌ وَلَا بَنُونَ﴾ على حذف مضاف تقديره: إلَّا مالُ من أتى الله وبنوه.
ويحتمل أن يكون منقطعًا بمعنى: «لكن».
﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ﴾ أي: قُرِّبت.
﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ (٩١)﴾ يعني: المشركين؛ بدلالة ما بعده.
﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا﴾ كبكبوا: مضاعف من «كَبَّ» (٣) كُرِّرت حروفه؛ دلالة على تكرير معناه، أي: كبَّهم الله في النار مرةً بعد مرة.
والضمير للأصنام، و ﴿وَالْغَاوُونَ﴾ هم المشركون.
وقيل: الضمير للمشركين، و ﴿وَالْغَاوُونَ﴾ هم الشياطين.
﴿نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أي: نجعلكم سواءً معه.
[﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٠٦) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٠٧) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٠٨) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠٩) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١١٠) قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (١١١) قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٢) إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ (١١٣) وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٤) إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (١١٥) قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَانُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ (١١٦) قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (١١٧) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١١٨) فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١١٩) ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ (١٢٠) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٢١) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٢٢)﴾].
﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥)﴾ أسند الفعل إلى القوم وفيه علامة التأنيث؛ لأن القوم في معنى الجماعة والأمة.
فإن قيل: كيف قال: ﴿الْمُرْسَلِينَ﴾ بالجمع وإنما كذبوا نوحًا وحده؟
فالجواب من وجهين:
أحدهما: أنه أراد الجنس، كقولك: «فلان يركب الخيل» وإنما لم يركب إلَّا فرسًا واحدًا.
والآخر: أنَّ من كذَّب نبيًّا واحدًا فقد كذب جميع الأنبياء ﵈؛ لأن قولهم واحد ودعوتهم سواءٌ.
وكذلك الجواب في: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣)﴾ وغيره.
﴿وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾ جمع أرذلِ، وقد تقدَّم الكلام عليه في قوله: ﴿أَرَاذِلُنَا﴾ [هود: ٢٧] في «هود» (١).
стр. 1799
﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٤)﴾ يعني: الذين سمَّوهم أرذلين، فإنَّ الكفار أرادوا من نوح أن يطردهم، كما أرادت قريش من رسول الله ﷺ أن يطرد عمار بن ياسر وصهيبًا وبلالًا وأشباههم من الضعفاء.
﴿الْمَرْجُومِينَ﴾ يحتمل أن يريد الرجم:
بالحجارة.
أو بالقول، وهو الشتم.
﴿فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ﴾ أي: احكم بيننا.
﴿فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ أي: المملوء.
وقرئ بفتح الخاء وإسكان اللام، ويحتمل على هذا وجهين:
أحدهما: أنه بمعنى الخِلْقة، والمعنى: ما هذه الخلقة التي نحن عليها إلَّا خِلْقة الأولين.
والآخر: أنها من الاختلاق بمعنى الكذب، والمعنى: ما هذا الذي جئتَ به إلَّا كذب الأولين.
стр. 1802
[﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (١٤١) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٤٢) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٤٣) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٤٤) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٤٥) أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ (١٤٦) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٤٧) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ (١٤٨) وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ (١٤٩) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٥٠) وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (١٥١) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (١٥٢) قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٥٣) مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٥٤) قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (١٥٥) وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥٦) فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ (١٥٧) فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٥٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٥٩)﴾].
﴿أَتُتْرَكُونَ﴾ تخويفٌ لهم، معناه: أتطمعون أن تُتركوا في النعم على كفركم.
﴿وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ الطَّلْع: عنقود التمر في أول نباته قبل أن يخرج من الكِمِّ، والهضيم: اللين الرَّطْب، فالمعنى: أنَّ طَلْعها يتمُّ ويُرطب.
وقيل: هو الرَّخْص (١) أول ما يخرج.
وقيل: الذي ليس فيه نوى.
فإن قيل: لم ذكر النخل بعد ذكر الجنات، والجنات تحتوي على النخل؟
فالجواب: أن ذلك تجريد، كقوله: ﴿فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨].
ويحتمل أنه أراد: الجنات التي ليس فيها نخل، ثم عَطف عليها النخل.
стр. 1803
﴿وَتَنْحِتُونَ﴾ ذكر في «الأعراف» (١).
﴿فَارِهِينَ﴾ قرئ بألف وبغير ألف، وهو منصوب على الحال من الفاعل في ﴿تَنْحِتُونَ﴾.
وهو مشتق من الفراهة وهي النشاط والكيس.
وقيل: معناه: أقوياء.
وقيل: أَشِرِين بَطِرِين.
﴿مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ مبالغة في المسحورين، وهو من السِّحْر - بكسر السين -.
وقيل: من السَّحَر - بفتح السين - وهي الرئة، والمعنى على هذا: إنما أنت بشر.
﴿لَهَا شِرْبٌ﴾ أي: حظ من الماء.
﴿فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ﴾ لما تغيرت ألوانهم حسبما أخبرهم صالح ﵇ ندموا حين لم تنفعهم الندامة، فأخذتهم الصيحة التي ماتوا منها، وهي العذاب المذكور هنا.
[﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (١٧٦) إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٧٧) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٧٨) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٧٩) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٠) أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (١٨١) وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ (١٨٢) وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (١٨٣) وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ (١٨٤) قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٨٥) وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (١٨٦) فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٨٧) قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨٨) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٨٩) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٩٠) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٩١)﴾].
﴿أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ﴾ قرئ بالهمز وخفض التاء، مثل الذي في «الحجر» و «ق»، ومعناه: الغَيْضة من الشجر.
وقرئ هنا وفي «ص» بفتح اللام والتاء:
فقيل: إنه مسهَّلٌ من الهمز.
وقيل: إنه اسم بلدهم، ويقوّي هذا القول بأنه -على هذه القراءة بفتح التاء- غير منصرف، فدلَّ (١) ذلك على أنه اسمُ عَلَمٍ.
وضَعَّف ذلك الزمخشري، وقال: إن «لَيْكَةَ» اسمٌ لا يُعرف (٢).
﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ﴾ لم يقل هنا «أخوهم» كما قال في قصة نوح وغيره!:
فقيل: إن شعيبًا بعث إلى مدين، وكان من قبيلتهم، فلذلك قال: ﴿وَإِلَى
стр. 1806
مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ [الأعراف: ٨٥]، وبعث أيضًا إلى أصحاب الأيكة ولم يكن منهم، فلذلك لم يقل «أخوهم»، فكان شعيبٌ على هذا مبعوثًا إلى قبلتين (١).
وقيل: إن أصحاب الأيكة هم مدين، ولكنه قيل (٢) «أخوهم» حين ذكرهم باسم قبيلتهم، ولم يقل «أخوهم» حين نسبهم إلى الأيكة التي هلكوا فيها؛ تنزيهًا (٣) لشعيبٍ عن النسبة إليها.
﴿مِنَ الْمُخْسِرِينَ﴾ أي: من الناقصين للكيل والوزن.
﴿بِالْقِسْطَاسِ﴾ الميزان المعتدل.
﴿وَالْجِبِلَّةَ﴾ يعني: القرونَ والأمم المتقدّمة.
﴿عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾ هي سحابة (٤) من نار أحرقتهم، فأهلك الله مدين بالصيحة، وأهلك أصحاب الأيكة بالظلة.
فإن قيل: لم كرّر قوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾ مع كل قصة؟
فالجواب: أن ذلك أبلغُ في الاعتبار، وأشدُّ تنبيهًا للقلوب، وأيضًا فإن كل قصة منها كأنها كلامٌ قائم مستقل بنفسه، فخُتمت بما خُتمت به صاحبتها.
﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ المعنى: أن القرآن مذكورٌ في كتب المتقدّمين، ففي ذلك دليلٌ على صحته، ثم أقام الحجة على قريش بقوله: ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٩٧)﴾ والمعنى: أنَّ عِلْمَ بني إسرائيل بأنه من عند الله آيةٌ لكم وبرهان، والمراد: مَنْ أسلم من بني إسرائيل، كعبد الله بن سلَّام.
وقيل: الذين كانوا يبشرون بمبعثه ﷺ .
﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (١٩٨)﴾ الآية؛ ﴿الْأَعْجَمِينَ﴾ جمع أعجم، وهو الذي لا يتكلم، سواءً كان إنسانًا أو بهيمةً أو جمادًا.
والأعجميُّ: المنسوب إلى العَجَم، وقيل: هو بمعنى الأعجم.
ومعنى الآية: أن القرآن لو نزل على من لا يتكلم، ثم قرأه عليهم لم يؤمنوا؛ لإفراط عنادهم، ففي الآية (١) تسليةٌ للنبيِّ ﷺ عن كفرهم به مع وضوح برهانه.
﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (٢٠٠)﴾ معنى ﴿سَلَكْنَاهُ﴾: أدخلناه.
والضمير:
للتكذيب الذي دلَّ عليه ما تقدَّم من الكلام.
أو للقرآن، أي: سلكناه في قلوبهم مكذَّبًا به.
وتقدير قوله: ﴿كَذَلِكَ﴾: مثل هذا السُّلُك سلكناه.
стр. 1809
و ﴿الْمُجْرِمِينَ﴾ يحتمل أن يريد به: قريشًا، أو الكفارَ المتقدِّمين.
و ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾: تفسيرٌ للسَّلْكِ الذي سلك (١) في قلوبهم.
﴿فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ (٢٠٣)﴾ تمنَّوا أن يؤخَّروا حين لم ينفعهم التمني.
﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (٢٠٤)﴾ توبيخٌ لقريش على استعجالهم بالعذاب في قولهم: ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الأنفال: ٣٢] وشبه ذلك.
﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (٢٠٥)﴾ المعنى: أن مدَّة إمهالهم لا تغني مع نزول العذاب بعدها، وإن طالت مدةَ سنين؛ لأن كل ما هو آتٍ قريبٌ.
قال بعضهم: ﴿سِنِينَ﴾ يراد (٢) به عمر الدنيا.
﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ (٢٠٨)﴾ المعنى: أن الله لم يهلك قومًا إلَّا بعد أن أقام الحجة عليهم بأن أرسل إليهم رسولًا فأنذرهم فكذبوه.
﴿ذِكْرَى﴾ منصوبٌ:
على المصدر من معنى الإنذار.
أو على الحال من الضمير من ﴿مُنْذِرُونَ﴾.
أو على المفعول من أجله.
أو مرفوع على أنه خبر ابتداء مضمر.
﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠)﴾ الضمير للقرآن، وهذا ردٌّ على من قال: إنه
стр. 1810
كهانة نزلت (١) بها الشياطين على محمد ﷺ .
﴿وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (٢١١)﴾ أي: ما يمكنهم ذلك ولا يقدرون عليه.
ولفظ «ما ينبغي» تارةً يستعمل بمعنى: لا يمكن، و (٢) بمعنى: لا يليق.
﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ تعليل لكون الشياطين لا يستطيعون الكهانة؛ لأنهم مُنعوا من استراق السمع منذ بعث محمد ﷺ ، وقد كان أمر الكهان كثيرًا منتشرًا قبل ذلك.
﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ عشيرة الرجل: هم قرابته الأدْنون، ولما نزلت هذه الآية أنذر النبي ﷺ أقاربه فقال: «يا بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار»، ثم نادى كذلك ابنته فاطمة وعمته صفية (٣).
قال الزمخشري: في معناها قولان:
أحدهما: أنه أُمِر بأن يبدأ بإنذار أقاربه قبل غيرهم من الناس.
والآخر: أنه أُمِر أن لا يأخذه ما يأخذُ القريبَ من الرأفة بقريبه، ولا يُحابيهم بالإنذار (٤).
﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ﴾ عبارةٌ عن لين الجانب والرفق وعن التواضع.
﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨)﴾ أي: حين تقوم في الصلاة.
стр. 1811
ويحتمل أن يريد: سائر التصرفات.
﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (٢١٩)﴾ معطوفٌ على الضمير المفعول في قوله: ﴿يَرَاكَ﴾، والمعنى: أنه يراك حين تقوم وحين تسجد.
وقيل: معناه: يرى صلاتك مع المصلين، ففي ذلك إشارةٌ إلى الصلاة في (١) الجماعة.
وقيل: يرى تقلُّب بصرك في المصلين خلفك؛ لأنه ﷺ كان يراهم من وراء ظهره.
﴿تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢)﴾ هذا جواب السؤال المتقدّم وهو قوله: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ﴾، والأفَّاك: الكذَّاب، والأثيم: الفاعل للإثم، يعني بذلك الكهان.
وفي هذا ردٌّ على من قال: إن الشياطين تنزلت على محمد ﷺ بالكهانة؛ لأنها لا تتنزَّلُ إلا على أفاكٍ أثيم، وكان ﷺ في غاية الصدق والبرِّ.
﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ﴾ معناه: يستمعون، والضمير يحتمل:
أن يكون للشياطين؛ بمعنى: أنهم يستمعون إلى الملائكة.
أو يكون للكهان؛ بمعنى: أنهم يستمعون إلى الشياطين.
وقيل: ﴿يُلْقُونَ﴾ بمعنى: يلقون المسموع، والضمير يحتمل أيضًا على هذا:
أن يكون للشياطين؛ لأنهم يلقون الكلام إلى الكهان.
стр. 1812
أو يكون للكهان؛ لأنهم يلقون الكلام إلى الناس.
﴿وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾ يعني:
الشياطين.
أو الكهان؛ لأنهم يُكذِبون فيما يخبرون به عن الشياطين.
﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤)﴾ لما ذكر الكهان ذكر الشعراء؛ ليبين أن القرآن ليس بكهانة ولا شعر لتباين ما بين أوصافه وأوصاف الشعر والكهانة.
وأراد: الشعراء الذين يُلقون من الشعر ما لا ينبغي، كالهجاء والمدح بالباطل وغير ذلك.
وقيل: أراد شعراء الجاهلية.
وقيل: شعراء كفار قريش الذين كانوا يؤذون المسلمين بأشعارهم.
و ﴿الْغَاوُونَ﴾ قيل: هم رواة الشعر.
وقيل: هم سفهاء الناس الذي تعجبهم الأشعار؛ لما فيها من اللغو والباطل.
وقيل: هم الشياطين.
﴿فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ﴾ استعارةٌ وتمثيلٌ؛ أي: يذهبون في كل وجه من الكلام الحق والباطل، ويُفرطون في التجوز حتى يخرجون (١) إلى الكذب.
﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية؛ استثناءٌ من الشعراء يعني به: شعراء المسلمين؛ كحسان بن ثابت وغيره ممن اتصف بهذه الأوصاف.
стр. 1813
وقيل: إن هذه الآية مدنية.
﴿وَذَكَرُوا اللَّهَ﴾ قيل: معناه: ذكروا الله في أشعارهم.
وقيل: يعني الذكر على الإطلاق.
﴿وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾ إشارةٌ إلى ما قاله حسان بن ثابت وغيره من الشِّعر في هجو الكفار بعد أن هجا الكفار النبي ﷺ والمسلمين.
﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ وعيدٌ للذين ظلموا، والظلم هنا: بمعنى الاعتداء على الناس؛ لقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾.
وعَمِلَ ﴿يَنْقَلِبُونَ﴾ في ﴿أَيَّ﴾ لتأخره.
وقيل: إن العامل في ﴿أَيَّ﴾: ﴿وَسَيَعْلَمُ﴾.
أن تكون معطوفة، فتكون بقية صلة ﴿الَّذِينَ﴾.
أو تكون مستأنفةً وتمَّت الصلة قبلها. ورجَّح الزمخشري هذا (١).
﴿يَعْمَهُونَ﴾ يتحيَّرون.
﴿سُوءُ الْعَذَابِ﴾ يعني: في الدنيا وهو القتل يوم بدر.
ويحتمل أن يريد عذاب الآخرة.
والأول أرجح؛ لأنه ذكر الآية بعد ذلك.
﴿لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ﴾ أي: تُعطاه.
﴿آنَسْتُ﴾ ذكر في «طه» (٢)، وكذلك ﴿قَبَسٍ﴾.
والشهاب: النجم، شبَّه القبس به.
وقرئ:
بإضافة ﴿بِشِهَابِ﴾ إلى ﴿قَبَسٍ﴾.
وبالتنوين، على البدل أو الصفة.
فإن قيل: كيف قال هنا: ﴿سَآتِيكُمْ﴾ وفي الموضع الآخر: ﴿لَعَلِّي آتِيكُمْ﴾ [طه: ١٠]؛ والفرق بين الترجي والتسويف: أن التسويف متيقَّن الوقوع بخلاف الترجي؟
فالجواب: أنه قد يقول الراجي: «سيكون كذا» إذا قوي رجاؤه.
стр. 1816
﴿تَصْطَلُونَ﴾ معناه: تستدفئون بالنار من البرد، ووزنه تفتعلون، وهو مُشْتَقٌّ مِنْ صَلِيَ بالنار، والطاء بدل من التاء.
﴿أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ ﴿أَنْ﴾ مفسّرة، و ﴿بُورِكَ﴾ من البركة، و ﴿مَنْ فِي النَّارِ﴾: يعني مَنْ في مكان النار، و ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾: مَنْ حول مكانها: يريد الملائكة الحاضرين وموسى ﵇.
وقال الزمخشري: والظاهر أنه عام في كل من كان في تلك الأرض، وفي ذلك الوادي وما حوله من أرض الشام (١).
﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾ يحتمل أن يكون:
مما قيل في النداء لموسى ﵇.
أو يكون مستأنفًا.
وعلى كلا الوجهين قُصِدَ به: تنزيه الله مما عسى أن يخطر ببال السامع في معنى النداء، و (٢) في قوله: ﴿بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ﴾؛ إذ قال بعض الناس فيه ما يجب تنزيه الله عنه (٣).
стр. 1817
﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ﴾ هذه الجملة معطوفة على قوله: ﴿بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ﴾؛ لأن المعنى: نودي أن بورك من في النار، وأن ألق عصاك؛ فكلاهما تفسير للنداء.
﴿كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾ الجان: الحية.
وقيل: الحية الصغيرة، وعلى هذا يشكل قوله: ﴿فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ﴾ [الأعراف: ١٠٧]!.
والجواب: أنها ثعبان في جِرْمِها، جانٌّ في سرعة حركتها.
﴿وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ لم يرجع، أو لم يلتفت.
﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ﴾ استثناء منقطع، تقديره: لكن مَنْ ظلم من سائر
стр. 1818
الناس، لا من المرسلين.
وقيل: إنه متصل؛ على القول بتجويز الذنوب على الأنبياء، وهذا بعيد؛ لأن الصحيح عصمتهم من الذنوب، وأيضًا فإن تسميتهم ظالمين شنيع على القول بتجويز الذنوب عليهم.
﴿بَدَّلَ حُسْنًا﴾ أي: عمل عملًا صالحًا.
﴿فِي جَيْبِكَ﴾ ذكر في «طه» (١).
﴿فِي تِسْعِ آيَاتٍ﴾ متصل بقوله: ﴿أَلْقِ﴾ و ﴿أَدْخِلْ﴾، تقديره: نيسّر لك ذلك في جملة تسع آيات.
وقد ذُكرت الآيات التسع في «الإسراء» (٢).
﴿إِلَى فِرْعَوْنَ﴾ متعلّق بفعل محذوف يقتضيه الكلام تقديره: اذهب بالآيات التسع إلى فرعون.
﴿مُبْصِرَةً﴾ أي: ظاهرة واضحة الدلالة، أسند الإبصار لها مجازًا، وهو في الحقيقة لمتأمّلها.
﴿وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ﴾ يعني: أنهم جحدوا بها مع أنهم تيقنوا أنها الحق، فكُفرهم عنادٌ، ولذلك قال فيه: ﴿ظُلْمًا﴾، والواو فيه واو الحال، وأضمرت بعدها «قد».
﴿وَعُلُوًّا﴾ يعني: تكبّرًا.
كقولك: فلان يقصده كل أحد.
وقوله: ﴿عُلِّمْنَا﴾ ﴿وَأُوتِينَا﴾ يحتمل أن يريد:
نفسه وأباه.
أو نفسه خاصةً على وجه التعظيم؛ لأنه كان ملكًا.
﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ﴾ اختلف الناس في عدد جنود سليمان اختلافًا شديدًا، تركنا ذكره؛ لعدم صحته.
﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ أي: يُكفُّون ويردُّ أولهم إلى آخرهم، ولا بدَّ لكل ملك أو حاكم من وَزَعَةٍ يدفعون الناس.
﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ﴾ ظاهر هذا: أن سليمان وجنوده كانوا مشاةً بالأرض أو ركبانًا، حتى خافت منهم النملة.
ويحتمل أنهم كانوا في الكرسي المحمول بالريح، وأحسَّت النملة بنزولهم في وادي النمل.
﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ﴾ النمل حيوان فطِنٌ، قويُّ الحِسِّ، يدَّخر قُوتَه، ويقسم الحبة بقسمين؛ لئلا تنبت، ويقسم حبة الكُزْبُر بأربع قطع؛ لأنها تنبت إذا قسمت على اثنين، ولإفراط إدراكها قالت هذا القول، ورُوي أن سليمان سمعه، وكان بينه وبينها ثلاثة أميال، وذلك لا يسمعه البشر إلا من خصَّه الله بذلك.
﴿ادْخُلُوا﴾ خاطبتهم مخاطبة العقلاء؛ لأنها أمرتهم بما يُؤمر به العقلاء.
﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ﴾ يحتمل أن يكون:
جوابًا للأمر.
стр. 1821
أو نهيًا بدلًا من الأمر؛ لتقارب المعنى.
﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ الضمير لسليمان وجنوده، والمعنى: اعتذارٌ عنهم لو حطموا النمل؛ أي: لو شعروا بهم لم يَحطِموهم.
﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا﴾ تبسُّم لأحد أمرين:
أحدهما: سروره بما أعطاه الله.
والآخر: ثناءُ النملة عليه وعلى جنوده، فإن قولها: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ وصفٌ لهم بالتقوى والتحفُّظ من مضرَّة الحيوان.
﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ﴾ اختلف الناس في معنى تفقُّده للطير؟
فقيل: ذلك عنايةٌ بأمور ملكه.
وقيل: لأن الطير كانت تُظِلُّه، فغاب الهدهد فدخلت الشمس عليه من موضعه.
﴿أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾ ﴿أَمْ﴾ منقطعة؛ فإنه نظر إلى مكان الهدهد فلم يبصره، ﴿فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ﴾ أي: لا أراه ولعله حاضرٌ وستره ساتر، ثم علم أنه غائب فأخبر بذلك.
﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ﴾ روي أن تعذيبه للطير كان بنتف ريشه.
﴿بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ أي حجةٍ بينة.
﴿فَمَكَثَ﴾ أي: أقام، ويجوز فتح الكاف وضمها، وبالفتح قرأ عاصم.
стр. 1822
والفعل يحتمل أن يكون مسندًا:
إلى سليمان ﵇.
أو إلى الهدهد، وهو أظهر.
﴿غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ يعني: زمانًا قريبًا.
﴿أَحَطْتُ﴾ أي: أحطت علمًا بما لم تعلمه.
﴿مِنْ سَبَإٍ﴾ هي (١) قبيلةٌ من العرب، وجدُّهم الذي يُعرَفون به: سبأُ بن يشجب بن يعرب بن قحطان.
ومَن صرفه أراد الحيَّ أو الأب، ومن لم يصرفه أراد القبيلة أو البلدة. وقرئ بالتسكين؛ لتوالي الحركات.
وعلى القراءة بالتنوين يكون في قوله: ﴿مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ﴾ ضربٌ من أدوات البيان، وهو التسجيع (٢).
﴿وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ﴾ المرأة: بلقيس بنت شراحيل، كان أبوها ملك اليمن ولم يكن له ولد غيرها، فغلبت بعده على الملك.
والضمير في ﴿تَمْلِكُهُمْ﴾ يعود على سبإ، وهم قومها.
﴿مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ عمومٌ يراد به الخصوص فيما يحتاجه المَلِك.
﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ يعني: سرير ملكها.
стр. 1823
ووقف بعضهم على ﴿عَرْشٌ﴾، ثم ابتدأ ﴿عَظِيمٌ (٢٣) وَجَدْتُهَا﴾ على تقدير: عظيمٌ أنْ وجدتها وقومها يسجدون للشمس. وهذا خطأ، وإنما حمله عليه الفرارُ من وصف عرشها بالعظمة.
﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ﴾ من كلام الهدهد، أو من كلام الله.
وقرأه الجمهور بالتشديد، و «أنْ»:
في موضع نصب على البدل من ﴿أَعْمَالَهُمْ﴾.
أو في موضع خفض على البدل من ﴿السَّبِيلِ﴾.
أو يكون التقدير: «لا يهتدون لأن يسجدوا» فحذف اللام، وزاد «لا».
وقرئ بالتخفيف على أن تكون «ألا» حرفَ تنبيهٍ، وأن تكون الياء للنداء (١)، فيوقف عليها بالألف على تقدير: «يا قوم» ثم يُبتدئ: «اسجدوا».
﴿يُخْرِجُ الْخَبْءَ﴾ الخبءُ في اللغة: الخفي:
فقيل: معناه هنا: الغيب.
وقيل: يخرج النبات من الأرض.
واللفظ يعمُّ كل خفيّ، وبه فسره ابن عباس.
﴿ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ أي: تنحَّ إلى مكان قريب؛ لتسمع ما يقولون، وروي أنه دخل عليها من كُوَّة فألقى إليها الكتاب وتوارى في الكَوَّة.
стр. 1824
وقيل: إنَّ التقدير: انظر ماذا يرجعون، ثم تول عنهم، فهو من المقلوب.
والمعنى الأول أحسن.
﴿مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ من قوله: ﴿يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ﴾ [سبأ: ٣١].
﴿قَالَتْ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ﴾ قبل هذا الكلام محذوف، تقديره: فألقى الهدهد إليها الكتاب فقرأته، ثم جمعت (١) أهل ملكها فقالت لهم: يا أيها الملأ.
﴿كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾ وصفته بالكرم:
لأنه من عند سليمان.
أو لأن فيه اسم الله.
أو لأنه مختوم، كما جاء في الحديث: «كرم الكتاب ختمه» (٢).
﴿مِنْ سُلَيْمَانَ﴾ يحتمل أن يكون هذا:
نص الكتاب بدأ فيه بالعنوان.
وأن يكون من كلامها؛ أخبرتهم أن الكتاب من سليمان.
﴿وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ يحتمل أن يكون:
من الانقياد؛ بمعنى: مستسلمين.
أو يكون من الدخول في الإسلام.