أو نهيًا بدلًا من الأمر؛ لتقارب المعنى.
﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ الضمير لسليمان وجنوده، والمعنى: اعتذارٌ عنهم لو حطموا النمل؛ أي: لو شعروا بهم لم يَحطِموهم.
﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا﴾ تبسُّم لأحد أمرين:
أحدهما: سروره بما أعطاه الله.
والآخر: ثناءُ النملة عليه وعلى جنوده، فإن قولها: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ وصفٌ لهم بالتقوى والتحفُّظ من مضرَّة الحيوان.
﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ﴾ اختلف الناس في معنى تفقُّده للطير؟
فقيل: ذلك عنايةٌ بأمور ملكه.
وقيل: لأن الطير كانت تُظِلُّه، فغاب الهدهد فدخلت الشمس عليه من موضعه.
﴿أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾ ﴿أَمْ﴾ منقطعة؛ فإنه نظر إلى مكان الهدهد فلم يبصره، ﴿فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ﴾ أي: لا أراه ولعله حاضرٌ وستره ساتر، ثم علم أنه غائب فأخبر بذلك.
﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ﴾ روي أن تعذيبه للطير كان بنتف ريشه.
﴿بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ أي حجةٍ بينة.
﴿فَمَكَثَ﴾ أي: أقام، ويجوز فتح الكاف وضمها، وبالفتح قرأ عاصم.
стр. 1822
والفعل يحتمل أن يكون مسندًا:
إلى سليمان ﵇.
أو إلى الهدهد، وهو أظهر.
﴿غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ يعني: زمانًا قريبًا.
﴿أَحَطْتُ﴾ أي: أحطت علمًا بما لم تعلمه.
﴿مِنْ سَبَإٍ﴾ هي (١) قبيلةٌ من العرب، وجدُّهم الذي يُعرَفون به: سبأُ بن يشجب بن يعرب بن قحطان.
ومَن صرفه أراد الحيَّ أو الأب، ومن لم يصرفه أراد القبيلة أو البلدة. وقرئ بالتسكين؛ لتوالي الحركات.
وعلى القراءة بالتنوين يكون في قوله: ﴿مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ﴾ ضربٌ من أدوات البيان، وهو التسجيع (٢).
﴿وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ﴾ المرأة: بلقيس بنت شراحيل، كان أبوها ملك اليمن ولم يكن له ولد غيرها، فغلبت بعده على الملك.
والضمير في ﴿تَمْلِكُهُمْ﴾ يعود على سبإ، وهم قومها.
﴿مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ عمومٌ يراد به الخصوص فيما يحتاجه المَلِك.
﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ يعني: سرير ملكها.
стр. 1823
ووقف بعضهم على ﴿عَرْشٌ﴾، ثم ابتدأ ﴿عَظِيمٌ (٢٣) وَجَدْتُهَا﴾ على تقدير: عظيمٌ أنْ وجدتها وقومها يسجدون للشمس. وهذا خطأ، وإنما حمله عليه الفرارُ من وصف عرشها بالعظمة.
﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ﴾ من كلام الهدهد، أو من كلام الله.
وقرأه الجمهور بالتشديد، و «أنْ»:
في موضع نصب على البدل من ﴿أَعْمَالَهُمْ﴾.
أو في موضع خفض على البدل من ﴿السَّبِيلِ﴾.
أو يكون التقدير: «لا يهتدون لأن يسجدوا» فحذف اللام، وزاد «لا».
وقرئ بالتخفيف على أن تكون «ألا» حرفَ تنبيهٍ، وأن تكون الياء للنداء (١)، فيوقف عليها بالألف على تقدير: «يا قوم» ثم يُبتدئ: «اسجدوا».
﴿يُخْرِجُ الْخَبْءَ﴾ الخبءُ في اللغة: الخفي:
فقيل: معناه هنا: الغيب.
وقيل: يخرج النبات من الأرض.
واللفظ يعمُّ كل خفيّ، وبه فسره ابن عباس.
﴿ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ أي: تنحَّ إلى مكان قريب؛ لتسمع ما يقولون، وروي أنه دخل عليها من كُوَّة فألقى إليها الكتاب وتوارى في الكَوَّة.
стр. 1824
وقيل: إنَّ التقدير: انظر ماذا يرجعون، ثم تول عنهم، فهو من المقلوب.
والمعنى الأول أحسن.
﴿مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ من قوله: ﴿يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ﴾ [سبأ: ٣١].
﴿قَالَتْ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ﴾ قبل هذا الكلام محذوف، تقديره: فألقى الهدهد إليها الكتاب فقرأته، ثم جمعت (١) أهل ملكها فقالت لهم: يا أيها الملأ.
﴿كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾ وصفته بالكرم:
لأنه من عند سليمان.
أو لأن فيه اسم الله.
أو لأنه مختوم، كما جاء في الحديث: «كرم الكتاب ختمه» (٢).
﴿مِنْ سُلَيْمَانَ﴾ يحتمل أن يكون هذا:
نص الكتاب بدأ فيه بالعنوان.
وأن يكون من كلامها؛ أخبرتهم أن الكتاب من سليمان.
﴿وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ يحتمل أن يكون:
من الانقياد؛ بمعنى: مستسلمين.
أو يكون من الدخول في الإسلام.
أو من كلام بلقيس:
تأكيدًا للمعنى الذي أرادته.
أو تعني: كذلك يفعل هؤلاء بنا.
﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ﴾ قالت لقومها: إني أجرب (١) هذا الرجل بهدية من نفائس الأموال، فإن كان ملكًا دنيويًّا: أرضاه المال، وإن كان نبيًّا لم يرضه المال، وإنما يرضيه دخولنا في دينه، فبعثت إليه هديةً عظيمة وصفها الناس، واختصرنا وصفها؛ لعدم صحته.
﴿أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ﴾ إنكارٌ للهدية؛ لأن الله أغناه عنها بما أعطاه.
﴿بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ﴾ أي: أنتم محتاجون إليها فتفرحون بها، وأنا لست كذلك.
﴿ارْجِعْ إِلَيْهِمْ﴾ خطابٌ للرسول.
وقيل: للهدهد.
والأول أرجح؛ لأن قوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ﴾ مسندٌ إلى الرسول.
﴿لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا﴾ أي: لا طاقة لهم بها.
﴿قَالَ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ القائل: سليمان، والملأ: جَمْعُه من الجن والإنس.
وطلب عرشها قبل أن يأتوه مسلمين؛ لأنه وُصف له بعظمةٍ، فأراد أخذه
стр. 1827
قبل أن يُسلموا فيمنع إسلامُهم من أخذ أموالهم، فـ ﴿مُسْلِمِينَ﴾ على هذا: من الدخول في دين الإسلام.
وقيل: إنما طلب عرشها قبل أن يأتوه؛ ليُظهر لهم قوته، فـ ﴿مُسْلِمِينَ﴾ على هذا: بمعنى منقادين.
﴿قَالَ عِفْرِيتٌ﴾ روي عن وهب بن منبه أن اسم هذا العفريت: الكودن.
﴿قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ قبل أن تقوم من مجلس الحكم، وكان يجلس من غُدْوَةٍ (١) إلى الظهر.
وقيل: معناه: قبل أن تستوي من جلوسك قائمًا.
﴿قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ﴾ هو آصف، وكان رجلًا صالحًا من بني إسرائيل كان يعلم اسم الله الأعظم.
وقيل: هو الخَضِر.
وقيل: هو جبريل.
والأول أشهر.
وقيل: هو سليمان، وهذا بعيد.
﴿آتِيكَ بِهِ﴾ في الموضعين: يَحتمل أن يكون: فعلًا مستقلًا، أو اسم فاعل.
﴿قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ الطَّرف: العين، فالمعنى على هذا: قبل أن
стр. 1828
تُغمض بصرك إذا نظرت إلى شيء.
وقيل: الطرف: تحريك الأجفان إذا نظرت.
﴿فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ﴾ قيل هذا محذوف، تقديره: فجاء الذي عنده علمٌ من الكتاب بعرشها.
ومعنى ﴿مُسْتَقِرًّا عِندَهُ﴾: حاصلًا عنده، وليس هذا بـ «مستقر» الذي يقدّر النحويون تعلقَ المجرورات به، خلافًا لمن فهم ذلك.
﴿يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ أي: منفعةُ الشكر لنفسه.
﴿قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا﴾ تنكيره: تغيير وصفه وستر بعضه.
وقيل: الزيادة فيه والنقص منه.
وقصد بذلك اختبار عقلها وفهمها.
﴿أَتَهْتَدِي﴾ يحتمل أن يريد تهتدي:
لمعرفة عرشها.
أو للجواب عنه إذا سئلت.
أو للإيمان.
﴿فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ﴾ كان عرشها قد وصل إلى سليمان قبلها، فأمر بتنكيره، وأن يقال لها: ﴿أَهَكَذَا عَرْشُكِ﴾ أي: أمثل (١) هذا عرشك؟ (ولم
стр. 1829
يقل لها: «أهذا عرشك؟») (١)؛ لئلا تَفْطَن أنه هو، فأجابت بقولها: ﴿كَأَنَّهُ هُوَ﴾ جوابًا على نحو السؤال، ولم تقل: «هو هو»؛ تحرُّزًا من الكذب، أو من التَّحقيق في محل الاحتمال.
﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا﴾ هذا من كلام سليمان وقومه، لما رأوها قد آمنت قالوا ذلك؛ اعترافًا بنعمة الله عليهم في أنْ آتاهم العلم قبل بلقيس، وهداهم للإسلام قبلها.
والجملة معطوفة على كلام محذوف تقديره: قد أسلمتُ هي وعلمتْ وَحدانية الله وصحة النبوَّة وأوتينا نحن العلم قبلها.
﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ هذا يحتمل أن يكون: من كلام سليمان وقومه.
أو من كلام الله تعالى.
ويحتمل أن يكون ﴿مَا كَانَتْ تَعْبُدُ﴾: فاعلًا، أو مفعولًا.
فإن كان فاعلًا: فالمعنى: صدَّها ما كانت تعبد عن عبادة الله والدخول في الإسلام حتى إلى هذا الوقت.
وإن كان مفعولًا: فهو على إسقاط حرف الجر، والمعنى: صدَّها اللهُ أو سليمانُ عمَّا كانت تعبد من دون الله، فدخلت في الإسلام.
﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا﴾ الصَّرح في اللغة: القصر.
стр. 1830
وقيل: صحن الدار.
وروي أن سليمان أمر قبل قدومها، فبُنِيَ (١) له على طريقها قصرٌ من زجاج أبيض، وأجرى الماء من تحته، وألقى فيه دوابَّ البحر من السمك وغيره، ووضع سريره في صدره فجلس عليه، فلما رأته حسبته لجةً، واللجة: الماء المجتمع كالبحر، فكشفت عن ساقيها؛ لتدخله لما أُمِرت بدخوله.
وروي أن الجن كرهوا تزوُّج سليمان لها، فقالوا له: إن عقلها مخبولٌ، وإن رجلها كحافر الحمار، فاختبر عقلها بتنكير العرش فوجدها عاقلة، واختبر ساقيها بالصرح، فلما كشفت عن ساقيها وجدها أحسن الناس ساقًا، فتزوجها وأقرَّها على ملكها باليمن، وكان يأتيها مرة في كل شهر.
وقيل: أسكنها معه بالشام.
﴿قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ﴾ لما ظنَّت أن الصرح لجة ماء فكشفت (٢) عن ساقيها لتدخل الماء؛ قال لها سليمان: إنه صرحٌ.
والممَرَّد: الأملس، وقيل: الطويل.
والقوارير: جمع قارورة، وهي الزجاجة.
﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ تعني: بكفرها فيما تقدَّم.
﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ﴾ هذا ضربٌ من ضروب التجنيس.
стр. 1831
[﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ (٤٥) قَالَ يَاقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٤٦) قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ (٤٧) وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (٤٨) قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٤٩) وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٠) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (٥١) فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥٢) وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٥٣) وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٥٤) أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (٥٥) فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٥٦) فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ (٥٧) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (٥٨)﴾].
﴿فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ الفريقان: من آمن ومن كفر، واختصامهم: اختلافهم وجدالهم في الدين.
﴿لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ أي: لم تطلبون العذاب قبل الرحمة، أو المعصية قبل الطاعة.
﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ﴾ أي: تشاءمنا بك، وكانوا قد أصابهم القحط.
﴿قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أي: السبب الذي يحدث عنه خيركم أو شركم هو عند الله، وهو قضاؤه وقدره، وذلك ردٌّ عليهم في تطيرهم، ونسبتهم ما أصابهم من القحط إلى صالح ﵇.
стр. 1832
﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ﴾ يعني: مدينة ثمود.
﴿يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ قيل: إنهم كانوا يقرضون الدنانير والدراهم. ولفظ الفساد أعمُّ من ذلك.
﴿تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ﴾ أي: احلفوا (١) به.
وقيل: إنه فعل ماضٍ، وذلك ضعيف، والصحيح: أنه فعل أمرٍ، قاله بعضهم لبعض، وتعاقدوا عليه.
﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ أي: لنقتلنه وأهله بالليل، وهذا هو الفعل الذي تحالفوا عليه.
﴿لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾ أي: نتبرأ من دمه إن طلبنا به وليه.
و ﴿مَهْلِكَ﴾ يحتمل أن يكون: اسم مصدر، أو زمانٍ، أو مكانٍ.
فإن قيل: إن قولهم: ﴿مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾ يقتضي التبرّي من دم أهله، دون التبري من دمه.
فالجواب من ثلاثة أوجه:
الأول: أنهم أرادوا: ما شهدنا مُهْلَكه ومهلك أهله، وحذف مهلكه؛ لدلالة قولهم: ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾.
والثاني: أن أهل الإنسان قد يراد به هو وهم؛ لقوله: ﴿وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ يعني: فرعون وقومه.
стр. 1833
الثالث: أنهم قالوا: ﴿مُهْلَكَ أَهْلِهِ﴾ خَاصَّةً؛ ليكونوا صادقين، فإنهم (١) شهدوا مهلكه ومهلك أهله معًا، وأرادوا التعريض في كلامهم؛ لئلا يُكذبوا.
﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ يحتمل أن يكون قولهم: ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾:
مغالطةً، مع اعتقادهم أنهم كاذبون.
ويحتمل أنهم قصدوا وجهًا من التعريض؛ ليخرجوا به عن الكذب، وقد ذكرناه في الجواب الثالث عن ﴿مُهْلَكَ أَهْلِهِ﴾، وهو أنهم قصدوا أن يقتلوا صالحًا وأهله معًا، ثم يقولون: ما شهدنا مهلك أهله وحدهم، وإنا لصادقون في ذلك، (٢) يعنون: لأنهم شهدوا مهلكه ومهلك أهله معًا، وعلى ذلك حمله الزمخشري (٣).
﴿أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ﴾ روي أن الرهط الذين تقاسموا على قتل صالح اختفوا ليلًا في غارٍ قريبًا من داره؛ ليخرجوا منه (٤) إلى داره بالليل، فوقعت عليهم صخرةٌ أهلكتهم، ثم هلك قومهم بالصيحة ولم يعلم بعضهم بهلاك بعض، ونجا صالح ومن آمن به.
﴿وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ قيل: معناه تبصرون بقلوبكم أنها معصية.
стр. 1834
وقيل: تبصرون بأبصاركم؛ لأنهم كانوا ينكشفون بفعل (١) ذلك ولا يستتر بعضهم من بعض.
وقيل: تبصرون آثار الكفار قبلكم وما نزل بهم من العذاب.
﴿يَتَطَهَّرُونَ﴾ و ﴿الْغَابِرِينَ﴾ و ﴿وَأَمْطَرْنَا﴾ قد ذُكِرَ (٢).
стр. 1835
[﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (٥٩) أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (٦٠) أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٦١) أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٦٢) أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٣) أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٦٤) قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٦٥) بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ (٦٦)﴾].
﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ أمر الله رسوله ﷺ أن يتلو الآيات المذكورة بعد هذا؛ لأنها براهين على وحدانيته وقدرته، وأن يستفتح ذلك بحمده، والسلام على من اصطفاه من عباده، كما تستفتح الخطب والكتب وغيرها بذلك، تيمُّنًا بذكر الله.
قال ابن عباس: يعني بـ ﴿عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾: الصحابة.
واللفظ يعمُّ الملائكة والأنبياء والصحابة وجميع الصالحين.
﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا تُشْرِكُونَ﴾ هذا على وجه الردّ على المشركين، فدخلت ﴿خَيْرٌ﴾ التي يراد بها التفضيل؛ لتبكيتهم وتعنيفهم، مع أنه معلوم أنه لا خيرَ فيما أشركوه أصلًا، ثم أقام عليهم الحجة بأن الله هو الذي خلق السموات
стр. 1836
والأرض، وبغير ذلك مما ذكره إلى تمام هذه الآيات، وأعقب كل برهان منها بقوله: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ على وجه التَّقرير لهم، على أنه لم يفعل ذلك كلَّه إلا الله وحده، فقامت الحجة عليهم بذلك، وفيها أيضًا نِعَمٌ يجب شكرها، فقامت (الحجة عليهم) (١) بذلك أيضًا.
و «أم» في قوله: ﴿خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ متصلةٌ عاطفة، و «أم» في المواضع التي بعده منقطعة، بمعنى: بل والهمزة.
﴿قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ أي: يعدلون عن الحق والصواب.
أو يعدلون بالله غيره؛ أي: يجعلون له عَدِيلًا ومثيلا.
﴿رَوَاسِيَ﴾ يعني: الجبال.
﴿الْبَحْرَيْنِ﴾ ذكر في «الفرقان» (٢).
﴿يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ﴾ قيل: هو المجهود.
وقيل: الذي لا حول له ولا قُوَّة.
واللفظ مشتقٌّ:
من الضَّرر؛ أي: الذي أصابه الضُّر.
أو من الضرورة؛ أي: الذي ألجأته الضرورة إلى الدعاء.
﴿خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾ أي: خلفاء فيها يتوارثون (٣) سكناها.
стр. 1837
﴿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ﴾ يعني: الهداية بالنجوم والطرقات.
﴿نُشُرًا﴾ ذُكِر في «الأعراف» (١).
﴿مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ الرزق من السماء: المطر، ومن الأرض: النبات.
﴿هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ تعجيزٌ للمشركين.
﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ هذه الآية تقتضي انفراد الله تعالى بعلم الغيب، وأنه لا يعلمه سواه، ولذلك قالت عائشة ﵂: «من زعم أن محمدًا يعلم الغيب فقد أعظم الفرية على الله»، ثم قرأت هذه الآية (٢).
فإن قيل: فقد كان النبي ﷺ يخبر بالغيوب، وذلك معدود في معجزاته.
فالجواب: أنه ﷺ قال: «إني لا أعلم (٣) إلَّا ما علمني الله» (٤).
فإن قيل: كيف ذلك مع ما ظهر من إخبار الكُهَّان والمنجمين، وأشباههم بالأمور المغيبة؟
فالجواب: أن إخبارهم بذلك عن ظنٍّ ضعيفٍ أو عن وهمٍ لا عن علم، وإنما اقتضت الآية نفيَ العلم.
وقد قيل: إن الغيب في هذه الآية يراد به متى تقوم الساعة؛ لأن سبب
стр. 1838
نزولها أنهم سألوا عن ذلك، ولذلك قال: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾، فعلى هذا: يندفع السؤال الأول والثاني؛ لأن علم الساعة انفرد به الله تعالى؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٦٣]، ولقوله ﷺ : «في خمس لا يعلمها إلّا الله، ثم قرأ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤] إلى آخر السورة» (١).
فإن قيل: كيف قال: ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾ بالرفع على البدل، والبدل لا يصح إلا إذا كان الاستثناء متصلًا، ويكون ما بعد «إلّا» من جنس ما قبلها؟، والله تعالى ليس ممن في السموات والأرض باتفاق؛ فإن القائلين بالجهة والمكان يقولون إنه فوق السموات والأرض، والقائلين بنفي الجهة يقولون: إنه تعالى ليس فيهما ولا فوقهما، ولا داخلًا فيهما، ولا خارجًا عنهما؛ فهو على هذا استثناء منقطع، فكان يجب أن يكون منصوبًا؟
فالجواب: من أربعة أوجه:
الأول: أن البدل هنا جاء على لغة بني تميم في البدل؛ وإن كان منقطعًا، كقولهم: «ما في الدار أحد إلا حمار» بالرفع، والحمار ليس من الآدمين، وهذا ضعيف؛ لأن القرآن نزل بلغة أهل الحجاز، لا بلغة بني تميم.
والثاني: أن الله في السموات والأرض بعلمه كما قال: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾ [الحديد: ٤] يعني: بعلمه، فجاء البدل على هذا المعنى، وهذا ضعيف؛ لأن قوله: ﴿فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ وقعت فيه لفظة «في» الظرفية الحقيقية، وهي في حق الله على هذا المعنى للظرفية المجازية، ولا يجوز
стр. 1839
استعمال لفظة واحدة في الحقيقة والمجاز في حالة واحدة عند المحققين.
الجواب الثالث: أن قوله: ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ يراد به: كل موجود، فكأنه قال: «من في الوجود»، فيكون الاستثناء على هذا متصلًا، فيصح الرفع على البدل، وإنما قال: ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ جريًا على منهاج كلام العرب، فهو لفظ خاصٌّ يراد به ما هو أعم منه.
الجواب الرابع: أن يكون الاستثناء متصلًا، على أن يُتأوَّل ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ في حق الله كما يتأول قوله: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٦] وحديث السوداء (١) وشبه ذلك (٢).
стр. 1840
﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ أي: لا يشعر من في السموات والأرض متى يبعثون؛ لأنَّ عِلْمَ الساعة مما انفرد به الله.
وروي أن سبب نزول الآية أن قريشًا سألوا النبي ﷺ متى الساعة؟
﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ وزن ﴿ادَّارَكَ﴾: تَفاعَل، ثم سُكِّنت التاء وأدغمت الدال واجتلبت ألف الوصل.
والمعنى: تتابع علمهم بالآخرة وتناهى إلى أن يكفروا بها.
أو تناهى إلى أن لا يعلموا وقتها.
стр. 1841
وقرئ ﴿أَدْرَاكَ﴾ بهمزة قطع على وزن: أَفْعَلَ، والمعنى على هذا: يُدْرِكُ علمهم في الآخرة؛ أي: يعلمون فيها الحقَّ؛ لأنهم يشاهدون حينئذ الحقائق.
فقوله: ﴿فِي الْآخِرَةِ﴾:
على هذا: ظرفٌ.
وعلى القراءة الأولى: بمعنى الباء.
﴿عَمُونَ﴾ جمع عَمٍ، وهو من عمى القلوب.
﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ شبَّه مَنْ لا يسمع ولا يعقل بالموتى؛ في أنهم لا يسمعون وإن كانوا أحياء، ثم شبههم بالصُّمِّ وبالعُمْي؛ وإن كانوا صِحاح الحواس، وأكَّد عدم سماعهم بقوله: ﴿إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾؛ لأن الأصم إذا أدبر وبَعُد عن الداعي زاد صممه وعدم سماعه بالكلية.
﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ أي: إذا حان وقتُ عذابهم الذي تضمنه القولُ الأزلي من الله في ذلك وهو قضاؤه (١)، والمعنى: إذا قربت الساعة أخرجنا لهم دابة من الأرض.
стр. 1844
وخروج الدابة من أشراط الساعة، ورُوي أنها تخرج من المسجد الحرام، وقيل: من الصفا.
وأن طولها ستون ذراعًا.
وقيل: هي الجساسة التي وردت في الحديث (١).
﴿تُكَلِّمُهُمْ﴾ قيل: تكلمهم ببطلان الأديان كلها إلَّا دين الإسلام.
وقيل: تقول: «ألا لعنة الله على الظالمين».
وروي أنها تَسِمُ (٢) الكافر وتَخْطِمُ أنفه (٣) وتسوِّد وجهه، وتبيِّض وجه المؤمن.
﴿إِنَّ النَّاسَ﴾ من قرأ بكسر الهمزة: فهو ابتداء كلام.
ومن قرأ بالفتح:
فهو معمول ﴿تُكَلِّمُهُمْ﴾؛ أي: تقول لهم: إن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون.
أو مفعول من أجله تقديره: تكلمهم؛ لأن الناس لا يوقنون، ثم حذفت اللام.
стр. 1845
ويحتمل قوله: ﴿لَا يُوقِنُونَ﴾:
(أي: لا يوقنون) (١) بخروج الدابة.
أو لا يوقنون بالآخرة وأمور الدين، وهذا أظهر.
﴿لِيَسْكُنُوا فِيهِ﴾ ذُكر في «يونس» (١).
﴿يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ ذُكر في «الكهف» (٢).
﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ قيل: هم الشهداء.
وقيل: جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت.
﴿دَاخِرِينَ﴾ صاغرين متذللين.
﴿تَحْسَبُهَا جَامِدَةً﴾ أي: قائمة ثابتة.
﴿وَهِيَ تَمُرُّ﴾ يكون مرورها في أول أحوال القيامة، ثم ينسفها الله في خلال ذلك فتكون كالعهن، ثم تصبر هباء منبثًّا.
﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ مصدرٌ، والعامل فيه محذوف.
وقيل: هو منصوب على الإغراء: أي: انظروا صنع الله.
﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ قيل: إن الحسنة «لا إله إلا الله». واللفظ عام.
معنى: ﴿خَيْرٌ مِنْهَا﴾: أن له بالحسنة الواحدة عشرًا.
﴿مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ﴾ مَنْ نوَّن ﴿فَزَعٍ﴾: فتح الميم من ﴿يَوْمَئِذٍ﴾.
ومن أسقط التنوين للإضافة قرأ:
بفتح الميم على البناء.
стр. 1848
أو بكسرها على الإعراب.
﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ السيئة هنا: الكفر، والمعاصي التي قضى الله بتعذيب فاعلها.
﴿هَذِهِ الْبَلْدَةِ﴾ يعني: مكة.
﴿الَّذِي حَرَّمَهَا﴾ أي: جعلها حرَمًا آمنًا، لا يُقاتلها أحدٌ، ولا تُنْتَهك حرمتها.
ونَسَب تحريمها هنا إلى الله؛ لأنه بقضائه وأمره، ونسبه النبي ﷺ إلى إبراهيم ﵇ في قوله: «إن إبراهيم حرَّم مكة» (١)؛ لأن إبراهيم هو الذي أعلمَ الناس بتحريمها، فليس بين الآية والحديث تعارض، وقد جاء في حديث آخر: «إن مكة حرمها الله يوم خلق السموات والأرض» (٢).
﴿وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنذِرِينَ﴾ أي: إنما عليَّ الإنذار والتبليغ.
﴿سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾ وعيدٌ بالعذاب الذي يضطرُّهم إلى معرفة آيات الله، إما في الدنيا أو في الآخرة.
خُدَّامًا لهم، وهم الطائفة الذين استضعفهم، وأراد الله أن يَمُنَّ عليهم ويجعلهم أئمة؛ أي: ولاة في الأرض، ويورثهم أرض فرعون وقومه.
﴿وَهَامَانَ﴾ هو وزير فرعون.
﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾ اختلف هل كان هذا الوحي:
بإلهام؟
أو منام؟
أو كلام بواسطة مَلَك؟، وهذا أظهر؛ لثقتها بما أُوحي إليها وامتثالها ما أُمرت به.
﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ﴾ أي: إذا خفت عليه أن يذبحه فرعون؛ لأنه كان يذبح أبناء بني إسرائيل، لما أخبره الكهان أن هلاكه على يديْ غلام منهم.
﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ﴾ الالتقاط: اللقاء من غير قصد، رُوي أن آسية امرأة فرعون رأت التابوت في البحر، وهو النيل، فأمرت أن يُساق لها، ففتحته فوجدت فيه صبيًا فأحبَّته، وقالت لفرعون: هذا قرَّة عين لي ولك.
﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا﴾ اللام لام العاقبة، وتسمى أيضًا لام الصَّيرورة.
﴿لَا تَقْتُلُوهُ﴾ روي: أن فرعون همَّ بذبحه؛ إذ توسَّم (١) أنه من بني إسرائيل فقالت امرأته: لا تقتلوه.
﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ أي: لا يشعرون أن هلاكهم يكون على يديه.
стр. 1851
والضمير الفاعل لفرعون وقومه.
﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾ أي: ذاهلًا لا عقل معها.
وقيل: فارغًا من الصبر.
وقيل: فارغًا من كل شيء إلَّا من همِّ موسى.
وقيل: فارغًا من وعد الله؛ أي: نسيتُ ما أُوحي إليها.
وقيل: فارغًا من الحزن؛ إذ لم يغرق، وهذا بعيد؛ لما بعده.
وقرئ «فَزِعًا» (١) - بالزاي -، من الفَزَع.
﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾ أي: تظهر أمره، وفي الحديث: «كادت أمُّ موسى أن تقول: «وَا ابناه!»، وتخرج صائحة على وجهها» (٢).
﴿رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾ أي: رزقناها الصبر.
﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: من المصدِّقين بالوعد الذي وعدها الله.
﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾ أي: اتَّبعيه، والقَصُّ: طلب الأثر، فخرجت أخته تبحث عنه في خفية.
﴿فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ﴾ أي: رأته من بعيد، لم تَقْرُب منه؛ لئلا يعلموا أنها
أخته.
وقيل: معنى ﴿عَنْ جُنُبٍ﴾: عن شوق إليه.
стр. 1852
وقيل: معناه: أنها نظرت إليه، كأنها لا تريده.
﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ أي: لا يشعرون أنها أخته.
﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ﴾ أي: مُنع منها؛ بأن بغضها الله له.
و ﴿الْمَرَاضِعَ﴾:
جمع مُرْضِع، وهي المرأة التي تُرْضع.
أو جمع مَرْضَع -بفتح الميم والضاد-، وهو موضع الرَّضاع، يعني: الثدي.
﴿مِنْ قَبْلُ﴾ أي: من أول مرة.
﴿فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ﴾ القائلة: أخته تخاطب آل فرعون.
﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ﴾ لما منعه الله من المراضع وقالت أخته: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ﴾ الآية، جاءت بأمه، فقَبِلَ ثَدْيَها، فقال لها فرعون: ومن أنت منه؛ فما قَبِلَ ثدي امرأة إلا ثديك؟ (فقالت: إني) (١) امرأة طيبة اللبن، فذهبت به إلى بيتها، وقرَّت عينُها بذلك، وعلمت أن وعد الله حقٌّ في قوله: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ﴾.
وقيل: يوم عيد.
وقيل: كان قد جفا فرعون وخاف على نفسه فدخل متخفيًا متخوفًا.
﴿هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ﴾ الذي من شيعته: من بني إسرائيل، والذي من عدوِّه: من القبط.
﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى﴾ أي: ضربه، والوَكْز: الدفع بأطراف الأصابع. وقيل: بجَمْعِ (١) الكفِّ.
﴿فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ أي: قتله، ولم يرد أن يقتله، ولكن وافقت وَكْزَتُه الأجلَ، فندم وقال: ﴿هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ أي: إن الغضب الذي أوجب ذلك كان من الشيطان، ثم اعترف واستغفر فغفر الله له.
فإن قيل: كيف استغفر من القتل وكان المقتول كافرًا؟
فالجواب: أنه لم يؤذن له في قتله، ولذلك يقول يوم القيامة: «إني قتلت نفسًا لم أُومر بقتلها».
﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ (١٧)﴾ الظَّهير: المُعين، والباء سببية، والمعنى: بسبب إنعامك عليَّ لا أكونُ ظهيرًا للمجرمين، فهي معاهدة عاهد موسى عليها ربه.
وقيل: الباء باء القسم، وهذا ضعيف؛ لأن قوله: ﴿فَلَنْ أَكُونَ﴾ لا يصلح (٢) لجواب القسم.
стр. 1855
وقيل: جواب القسم محذوفٌ، تقديره: وحقِّ نعمتك لأتوبنَّ فلن أكون ظهيرًا للمجرمين.
وقيل: الباء للتحليف؛ أي: اعصمني بحق نعمتك عليَّ فلن أكون ظهيرًا للمجرمين.
ويُحتجُّ بهذه الآية على المنع من صحبة ولاة الجَوْر.
﴿يَتَرَقَّبُ﴾ في الموضعين: أي: يتحسَّسُ هل يطلبه أحدٌ.
﴿يَسْتَصْرِخُهُ﴾ أي: يستغيث به، لقي موسى الإسرائيليَّ الذي قاتل القبطي بالأمس يقاتل رجلًا آخر من القبط، فاستغاث بموسى لينصره كما نصره بالأمس، فعظم ذلك على موسى وقال له: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾.
﴿فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا﴾ الضمير في ﴿أَرَادَ﴾ وفي ﴿يَبْطِشَ﴾: لموسى، وفي ﴿قَالَ﴾: للإسرائيلي.
والمعنى: لما أراد موسى أن يبطش بالقبطي الذي هو عدوٌّ له وللإسرائيلي ظنَّ الإسرائيلي أنه يريد أن يبطش به؛ إذ قال له: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾، فقال الإسرائيلي لموسى: ﴿أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ﴾؟
وقيل: الضمير في ﴿أَرَادَ﴾ للإسرائيلي، والمعنى: فلما أراد الإسرائيليُّ أن يبطش موسى بالقبطي، ولم يفعل موسى ذلك؛ لندامته على قتله للآخر بالأمس = فضحه الإسرائيلي؛ فقال له: أتريد أن تقتلني؟، فاشتهر خبر قتله للآخر إلى أن وصل إلى فرعون.
﴿وَجَاءَ رَجُلٌ﴾ قيل: إنه مؤمن آلِ فرعون.
стр. 1856
وقيل: غيره.
﴿يَسْعَى﴾ أي: يسرع في مشيه؛ ليُدرِكَ موسى فينصحه.
﴿إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ﴾ يتشاورون.
وقيل: يأمر بعضهم بعضًا بقتلك، كما قتلت القبطي.
стр. 1857
[﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ (٢٢) وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ (٢٣) فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (٢٤) فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٥) قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (٢٦) قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧) قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (٢٨)﴾].
﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ﴾ أي: قصد بوجهه ناحية مدين، وهي مدينة شعيب ﵇.
﴿قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ أي: وسط الطريق، يعني: طريق مدين؛ إذ كان قد خرج فارًّا بنفسه، وكان لا يعرف الطريق، وبين مصر ومدين مسيرة ثمانية أيام.
وقيل: أراد: سبيل الهدى.
وهذا أظهر.
ويدلُّ كلامه هذا على أنه كان عارفًا بالله قبل نبوته.
﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ﴾ أي: وصل إليه، وكان بئرًا.
﴿يَسْقُونَ﴾ أي: يسقون مواشيهم.
стр. 1858
﴿امْرَأَتَيْنِ﴾ روي: أن اسمهما: ليا وصفوريا.
وقيل: صفراء وصُفَيْراء.
﴿تَذُودَانِ﴾ أي: تمنعان الناس عن غنمهما.
وقيل: تذودان غنمهما عن الماء حتى يسقي (١) الناس، وهذا أظهر؛ لقولهما: ﴿لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾ أي: كانت عادتهما أن لا يسقيا غنمهما إلَّا بعد الناس؛ لقوة الناس وضعفهما، أو لكراهتهما التزاحم (٢) مع الناس.
﴿يُصْدِرَ﴾ بضم الياء وكسر الدال: فعل متعدٍّ، والمفعول محذوف، تقديره: حتى يُصدر الرعاءُ مواشِيَهم.
وقرئ بفتح الياء وضم الدال، أي: ينصرفون عن الماء.
﴿شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ أي: لا يستطيع أن يباشر سقي غنمه، وهذا الشيخ: هو شعيب ﵇ في قول الجمهور.
وقيل: ابن أخيه.
وقيل: رجل صالح ليس من شعيب بنسب.
﴿فَسَقَى لَهُمَا﴾ أدركته شفقةٌ عليهما فسقى غنمهما.
وروي أنه كان على فم البئر صخرةٌ لا يرفعها إلَّا ثلاثون رجلًا، فرفعها وحده.
стр. 1859
﴿تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ﴾ أي: جلس في الظل، وروي أنه كان ظلَّ سَمُرَةٍ. ﴿إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ طلب من الله ما يأكله، وكان قد اشتدَّ عليه الجوع.
﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا﴾ قَبْلَ هذا الكلام محذوف تقديره: فذهبتا إلى أبيهما سريعتين، وكانت عادتهما الإبطاء في السقي، فأخبرتاه بما كان من سقي الرجل لهما، فأمر إحداهما أن تدعوه له فجاءته، واختُلف هل التي جاءته الصغرى أو الكبرى؟
﴿عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ رُوِيَ: أنها سترت وجهها بِكُمِّ دِرْعِها.
والمجرور يتعلق بما قبله.
وقيل: بما بعده، وهو ضعيف.
﴿وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ﴾ أي: ذَكَر له قِصَّته.
﴿لَا تَخَفْ﴾ أي: قد نجوت من فرعون وقومه؛ لأن بلد مدين لم يكن من ملك فرعون.
﴿اسْتَأْجِرْهُ﴾ أي: اجعله أجيرًا لك.
﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ هذا الكلام حكمةٌ جامعةٌ بليغة، وروي أن أباها قال لها: من أين عرفتِ قوته وأمانته؟، قالت: أما قوته: ففي رفعه الحجر من فم البئر، وأما أمانته: فإنه لم ينظر إليها.
﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ﴾ زوَّجه التي دعته، واختُلف هل زوَّجه الكبرى أو الصغرى؟
стр. 1860
واسم التي زوَّجه صَفُورة، وقيل: صفوريا.
ومن لفظ شعيبٍ حَسُنَ أن يقال في عقود الأنكحة: «أنكحه إياها» أكثر من أن يقال: «أنكحها إياه».
﴿عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ أي: أُزَوِّجُك ابنتي على أن تخدمني ثمانية أعوام.
قال مكيٌّ: في هذه الآية خصائص في النكاح، منها: أنه لم يعيّن الزوجة، ولا حدَّ أول الأمد، وجعل المهر إجارة (١).
قلت: فأما التعيين فيحتمل أن يكون عند عقد النكاح بعد هذه المراوضة، وقد قال الزمخشري: إن كلامه معه لم يكن عقد نكاح، وإنما كان مواعدةً (٢).
وأما ذكر أول الأمد؛ فالظاهر أنه من حين العقد.
وأما النكاح بالإجارة؛ فظاهرٌ من الآية، وقد قرَّره شرعنا حسبما ورد في الحديث الصحيح من قوله ﷺ للرجل: «قد زوجتكها على ما معك من القرآن» (٣)؛ أي: على أن تعلمها ما عندك (٤) من القرآن.
وقد أجاز النكاح بالإجارة: الشافعي، وابن حنبل، وابن حبيب؛ للآية
والحديث.