وقيل: غيره.
﴿يَسْعَى﴾ أي: يسرع في مشيه؛ ليُدرِكَ موسى فينصحه.
﴿إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ﴾ يتشاورون.
وقيل: يأمر بعضهم بعضًا بقتلك، كما قتلت القبطي.
стр. 1857
[﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ (٢٢) وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ (٢٣) فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (٢٤) فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٥) قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (٢٦) قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧) قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (٢٨)﴾].
﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ﴾ أي: قصد بوجهه ناحية مدين، وهي مدينة شعيب ﵇.
﴿قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ أي: وسط الطريق، يعني: طريق مدين؛ إذ كان قد خرج فارًّا بنفسه، وكان لا يعرف الطريق، وبين مصر ومدين مسيرة ثمانية أيام.
وقيل: أراد: سبيل الهدى.
وهذا أظهر.
ويدلُّ كلامه هذا على أنه كان عارفًا بالله قبل نبوته.
﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ﴾ أي: وصل إليه، وكان بئرًا.
﴿يَسْقُونَ﴾ أي: يسقون مواشيهم.
стр. 1858
﴿امْرَأَتَيْنِ﴾ روي: أن اسمهما: ليا وصفوريا.
وقيل: صفراء وصُفَيْراء.
﴿تَذُودَانِ﴾ أي: تمنعان الناس عن غنمهما.
وقيل: تذودان غنمهما عن الماء حتى يسقي (١) الناس، وهذا أظهر؛ لقولهما: ﴿لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾ أي: كانت عادتهما أن لا يسقيا غنمهما إلَّا بعد الناس؛ لقوة الناس وضعفهما، أو لكراهتهما التزاحم (٢) مع الناس.
﴿يُصْدِرَ﴾ بضم الياء وكسر الدال: فعل متعدٍّ، والمفعول محذوف، تقديره: حتى يُصدر الرعاءُ مواشِيَهم.
وقرئ بفتح الياء وضم الدال، أي: ينصرفون عن الماء.
﴿شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ أي: لا يستطيع أن يباشر سقي غنمه، وهذا الشيخ: هو شعيب ﵇ في قول الجمهور.
وقيل: ابن أخيه.
وقيل: رجل صالح ليس من شعيب بنسب.
﴿فَسَقَى لَهُمَا﴾ أدركته شفقةٌ عليهما فسقى غنمهما.
وروي أنه كان على فم البئر صخرةٌ لا يرفعها إلَّا ثلاثون رجلًا، فرفعها وحده.
стр. 1859
﴿تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ﴾ أي: جلس في الظل، وروي أنه كان ظلَّ سَمُرَةٍ. ﴿إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ طلب من الله ما يأكله، وكان قد اشتدَّ عليه الجوع.
﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا﴾ قَبْلَ هذا الكلام محذوف تقديره: فذهبتا إلى أبيهما سريعتين، وكانت عادتهما الإبطاء في السقي، فأخبرتاه بما كان من سقي الرجل لهما، فأمر إحداهما أن تدعوه له فجاءته، واختُلف هل التي جاءته الصغرى أو الكبرى؟
﴿عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ رُوِيَ: أنها سترت وجهها بِكُمِّ دِرْعِها.
والمجرور يتعلق بما قبله.
وقيل: بما بعده، وهو ضعيف.
﴿وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ﴾ أي: ذَكَر له قِصَّته.
﴿لَا تَخَفْ﴾ أي: قد نجوت من فرعون وقومه؛ لأن بلد مدين لم يكن من ملك فرعون.
﴿اسْتَأْجِرْهُ﴾ أي: اجعله أجيرًا لك.
﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ هذا الكلام حكمةٌ جامعةٌ بليغة، وروي أن أباها قال لها: من أين عرفتِ قوته وأمانته؟، قالت: أما قوته: ففي رفعه الحجر من فم البئر، وأما أمانته: فإنه لم ينظر إليها.
﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ﴾ زوَّجه التي دعته، واختُلف هل زوَّجه الكبرى أو الصغرى؟
стр. 1860
واسم التي زوَّجه صَفُورة، وقيل: صفوريا.
ومن لفظ شعيبٍ حَسُنَ أن يقال في عقود الأنكحة: «أنكحه إياها» أكثر من أن يقال: «أنكحها إياه».
﴿عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ أي: أُزَوِّجُك ابنتي على أن تخدمني ثمانية أعوام.
قال مكيٌّ: في هذه الآية خصائص في النكاح، منها: أنه لم يعيّن الزوجة، ولا حدَّ أول الأمد، وجعل المهر إجارة (١).
قلت: فأما التعيين فيحتمل أن يكون عند عقد النكاح بعد هذه المراوضة، وقد قال الزمخشري: إن كلامه معه لم يكن عقد نكاح، وإنما كان مواعدةً (٢).
وأما ذكر أول الأمد؛ فالظاهر أنه من حين العقد.
وأما النكاح بالإجارة؛ فظاهرٌ من الآية، وقد قرَّره شرعنا حسبما ورد في الحديث الصحيح من قوله ﷺ للرجل: «قد زوجتكها على ما معك من القرآن» (٣)؛ أي: على أن تعلمها ما عندك (٤) من القرآن.
وقد أجاز النكاح بالإجارة: الشافعي، وابن حنبل، وابن حبيب؛ للآية
والحديث.
стр. 1861
ومنعه مالك.
﴿فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ﴾ جعل الأعوام الثمانية شرطًا، ووكل العامَيْنِ إلى مروءة موسى، فوفَّى له العشر.
وقيل: وفَّى العشر وعشرًا بعدها، وهذا ضعيف؛ لقوله: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ﴾ أي: الأجل المذكور.
وقد ذُكر ﴿آنَسَ﴾، و ﴿الطُّورِ﴾، و ﴿تَصْطَلُونَ﴾ (١).
﴿شَاطِئِ الْوَادِ﴾ جانبه، و ﴿الْأَيْمَنِ﴾ صفةٌ للشاطئ، وهو جانبه اليمين.
ويحتمل أن يكون من اليُمْن؛ فيكون صفةً للوادي.
﴿مِنَ الشَّجَرَةِ﴾ روي: أنها كانت عَوسَجة.
﴿جَانٌّ﴾ ذُكر في «النمل» (٢).
﴿اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ﴾ أي: أدخلها فيه، والجيب: هو فتح الجُبَّة من حيث يُخرج الإنسان رأسه.
﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ﴾ الجناح: اليد، أو الإبط و (٣) العَضُد.
أمره الله لما خاف من الحية أن يضمَّه إلى جنبه ليخفَّ بذلك خوفه؛ فإن من شأن الإنسان إذا فعل ذلك في وقت فزعه أن يخفَّ خوفه.
وقيل: ذلك على وجه المجاز، وأن المعنى: أنه أُمِر بالعزم على ما أُمِر به؛ كقولهم: «اشدُد حيازيمك، واربط جأشك».
﴿مِنَ الرَّهْبِ﴾ أي: من أجل الرَّهَب؛ وهو الخوف.
وفيه ثلاثة لغات: فتح الراء والهاء، وفتح الراء وإسكان الهاء، وضم الراء وإسكان الهاء.
﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ﴾ أي: حُجَّتان، والإشارة إلى العصا واليد.
стр. 1864
﴿إِلَى فِرْعَوْنَ﴾ يتعلَّق بفعل محذوفٍ يقتضيه الكلام.
﴿رِدْءًا﴾ أي: مُعِينًا، وقرئ:
بالهمز.
وبغير همز:
على التسهيل من المهموز.
أو يكون من: أَرْدَيْتُ؛ أي: زدتُ.
﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾ استعارةٌ في المعونة.
﴿بِآيَاتِنَا﴾ يحتمل أن يتعلَّق:
بقوله: ﴿وَنَجْعَلُ﴾.
أو بـ ﴿فَلَا يَصِلُونَ﴾.
أو بـ ﴿الْغَالِبُونَ﴾.
﴿فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ﴾ أي: اصنع الآجُرَّ؛ لبنيان الصرح الذي رام أن يصعد منه إلى السماء.
ورُوي أنه أول من عمل الآجُرَّ، وكان هامان وزير فرعون.
وانظر (١) ضعف عقولهما وعقول قومهما، وجهلهم بالله تعالى في كونهم طمعوا أن يصلوا إلى السماء ببنيان الصرح.
стр. 1865
وقد روي أنه عمله وصعد عليه ورمى بسهم إلى السماء فرجع إليه (١) مخضوبًا (٢) بدم، وذلك فتنةٌ له ولقومه وتهكُّمٌ بهم.
ثم قال: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ يعني: في دعوى الرسالة، والظن هنا يحتمل: أن يكون على بابه، أو بمعنى اليقين.
﴿أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ أي: كانوا يدعون الناس إلى الكفر الموجب للنار.
﴿مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ أي: من المطرودين المبعَدين.
وقيل: قُبّحت وجوههم.
وقيل: قُبّح ما يفعل بهم وما يقال لهم.
стр. 1866
[﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٤٤) وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٤٥) وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٦) وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧) فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ (٤٨) قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٩) فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥٠)﴾].
﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾ خطاب لمحمد ﷺ ، والمراد به: إقامة حجة؛ لإخباره بحال موسى، وهو لم يحضره.
و ﴿الْغَرْبِيِّ﴾: المكان الذي في غرب الطور، وهو الذي كلَّم الله فيه موسى.
والأمرُ المقضيُّ إلى موسى هو النبوَّة.
و ﴿مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ معناه: من الحاضرين هنالك.
و ﴿وَلَكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ﴾ المعنى: لم تحضر يا محمد على هذه الغيوب التي تخبر بها، ولكنها صارت إليك بوحينا، فكان الواجب على الناس المسارعة إلى الإيمان بك، ولكن تطاول الأمر على القرون التي أنشأناها، فغابت عقولهم واستحكمت جهالتهم، فكفروا بك.
стр. 1867
وقيل: المعنى: لكنا أنشأنا قرونًا بعد زمان موسى فتطاول عليهم العمر، وطالت الفترة فأرسلناك على فترة من الرسل.
﴿ثَاوِيًا﴾ أي: مقيمًا.
﴿إِذْ نَادَيْنَا﴾ يعني: تكليم موسى، والمراد بذلك: إقامة حجة محمد ﷺ ؛ لإخباره بهذه الأمور مع أنه لم يكن حاضرًا حينئذ.
﴿وَلَكِن رَحْمَةً﴾ انتصب:
على المصدر.
أو على أنه مفعول من أجله، والتقدير: ولكن أرسلناك رحمةً منا لك (١) و (٢) رحمةً للخلق بك.
﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ «لولا» هنا: حرف امتناع، و «لولا» الثانية: عَرْضٌ وتحضيضٌ.
والمعنى: لولا أن تصيبهم مصيبة بكفرهم لم نرسل الرسل، وإنما أرسلناهم على وجه الإعذار إليهم، وإقامة الحجة عليهم؛ لئلا يقولوا: ﴿رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ﴾ يعني: القرآن ونبوة محمد ﷺ .
﴿قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾ يعنون: إنزال الكتاب عليه من السماء جملة واحدة، وقَلْبَ العصا حية، وفَلْقَ البحر، وشبه ذلك.
стр. 1868
﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ هذا ردٌّ عليهم فيما طلبوه، والمعنى: أنهم كفروا بما أُوتي موسى؛ فلو آتينا محمدًا مثل ذلك لكفروا به، و ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ على هذا يتعلق بقوله: ﴿أُوتِيَ مُوسَى﴾.
ويحتمل أن يتعلق بقوله: ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا﴾ إن كانت الآية في بني إسرائيل. والأول أحسن.
﴿قَالُوا سَاحِرَانِ تَظَاهَرَا﴾ يعنون: موسى وهارون، أو موسى ومحمدًا ﷺ .
والضمير في ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا﴾ وفي ﴿قَالُوا﴾: لكفار قريش.
وقيل: لآبائهم.
وقيل: لليهود.
والأول أصح؛ لأنهم المقصودون بالردِّ عليهم.
﴿فَأْتُوا بِكِتَابٍ﴾ أمرٌ على وجه التعجيز لهم.
﴿أَهْدَى مِنْهُمَا﴾ الضمير يعود على كتاب موسى وكتاب محمد ﷺ .
﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا﴾ قد علم أنهم لا يستجيبون للإتيان بكتاب هو أهدى منهما أبدًا، ولكنه ذكره بحرف «إن» مبالغةً في إقامة الحجة عليهم، كقوله: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ [البقرة: ٢٤].
﴿فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ المعنى: إن لم يأتوا بكتاب فاعلم أنَّ كفرهم عنادٌ واتباعٌ لأهوائهم، لا بحجة ولا برهان.
وقيل: النجاشي وقومه.
وقيل: نصارى نجران الذين قدموا على رسول الله ﷺ بمكة، وهم عشرون رجلًا، فآمنوا به.
والضمير في ﴿قَبْلِهِ﴾ للقرآن.
وقولهم: ﴿إِنَّهُ الْحَقُّ﴾ تعليل لإيمانهم.
وقولهم: ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ بيانٌ لأن إسلامهم قديم؛ لأنهم وجدوا ذكر محمد ﷺ في كتبهم قبل أن يُبعث.
﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَرَّتَيْنِ﴾ قال رسول الله ﷺ : «ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: رجلٌ من أهل الكتاب آمن بنبيه ثم آمن بمحمد ﷺ ، ورجلٌ مملوكٌ أدَّى حقَّ الله وحقَّ مواليه، ورجلٌ كانت له أمَةٌ فأعتقها وتزوَّجها» (١).
﴿بِمَا صَبَرُوا﴾ يعني: صَبْرَهم على إذاية قومهم لهم لما أسلموا، أو غير ذلك من أنواع الصبر.
﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ أي: يدفعون.
ويحتمل أن يريد بالسيئة: ما يقال لهم من الكلام القبيح، وبالحسنة: ما يجاوبون به من الكلام الحسن.
أو يريد: سَيِّئَات أعمالهم وحسناتها (٢)، كقوله: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤].
стр. 1871
﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ﴾ يعني: ساقط الكلام.
﴿لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ هذا على وجه التبرِّي والبعدِ من القائلين للغو.
﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ معناه هنا: المتاركة والمباعدة، لا التحية. أو كأنه سلام الانصراف والبُعد.
﴿لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ أي: لا نطلبهم للجدال والمراجعة في الكلام.
﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ نزلت في أبي طالب؛ إذ دعاه النبي ﷺ أن يقول عند موته: «لا إله إلا الله»، فقال: «لولا أن يعيِّرني بها قريش لأقررتُ بها عينك» (١)، ومات على الكفر، ولفظ الآية مع ذلك على عمومه.
﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ لفظ عام.
وقيل: أراد به: العباس بن عبد المطلب.
﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾ القائلون لذلك: قريش، وروي أن الذي قالها منهم: الحارث بن عامر بن نوفل.
و ﴿الْهُدَى﴾ هو الإسلام، ومعناه: الهدى على زعمك.
وقيل: إنهم قالوا: قد عَلِمْنا أنَّ الذي تقول حقٌّ، ولكن إن اتبعناك تخطَّفتنا (٢) العرب؛ أي: أهلكونا بالقتال؛ لمخالفة دينهم.
﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا﴾ هذا ردٌّ عليهم فيما اعتذروا به مِنْ تخطُّفِ الناس لهم، والمعنى: أن الحرم لا تتعرَّض له العرب بقتال، ولا يمكن الله
стр. 1872
أحدًا من إهلاك (١) أهله، فقد كانت العرب يُغيرُ بعضهم على بعض، وأهل الحرم آمنون من ذلك.
﴿تُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أي: تُجلب إليه الأرزاق مع أنه وادٍ غيرُ ذي زرع.
﴿بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾ معنى ﴿بَطِرَتْ﴾: طغت وسفهت.
و ﴿مَعِيشَتَهَا﴾: نصب:
على التفسير، مثل: ﴿سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠].
أو على إسقاط حرف الجرّ، تقديره: بطرت في معيشتها.
أو يتضمن ﴿بَطِرَتْ﴾ معنى: كفرت.
﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ يعني: قليلًا من السكنى، أو قليلًا من الساكنين، أي: لم يسكنها بعد إهلاكها إلا مارٌّ (٢) على الطريق ساعة.
﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا﴾ أمُّ القرى: مكة؛ لأنها أول ما خُلِق من الأرض، ولأن فيها بيت الله.
والمعنى: أن الله أقام الحجة على أهل القرى؛ بأنْ بَعث محمدًا ﷺ في أم القرى، فإن كفروا أهلكهم بظلمهم بعد البيان لهم، وإقامة الحجة عليهم.
﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ الآية؛ تحقيرٌ للدنيا، وتزهيد فيها، وترغيب في
الآخرة.
والعموم أحسن لفظًا ومعنى.
﴿مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ أي: من المحضرين في العذاب.
﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ﴾ العامل في الظرف مضمر، وفاعل ينادي: الله تعالى. ويحتمل أن يكون نداؤه: بواسطة، أو بغير واسطة (١).
والمفعول به: المشركون.
﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ﴾ توبيخ للمشركين، ونسبهم إلى نفسه على زعمهم؛ ولذلك قال: ﴿الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾، فحذف المفعول، تقديره: تزعمون أنهم شركاء لي، أو تزعمون أنهم شفعاء لكم.
﴿قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا﴾ معنى ﴿حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾: وجب عليهم العذاب، والمراد بذلك رؤساء المشركين وكبراؤهم.
والإشارة بقولهم: ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا﴾ إلى أتباعهم من الضعفاء.
فإن قيل: كيف الجمع بين قولهم: ﴿أَغْوَيْنَاهُمْ﴾ وبين قولهم: ﴿تَبَرَّأْنَا
стр. 1875
إِلَيْكَ﴾؛ فإنهم اعترفوا بإغوائهم، وتبرؤوا مع ذلك منهم؟
فالجواب: أن إغواءهم لهم هو أمرهم لهم بالشرك.
والمعنى: أنا حملناهم على الشرك كما حملنا أنفسنا عليه، ولكن لم يكونوا يعبدوننا، إنما كانوا يعبدون غيرنا من الأصنام وغيرها، فتبرأنا إليك من عبادتهم لنا.
فتحصَّل من كلام هؤلاء الرؤساء أنهم اعترفوا أنهم أغووا (١) الضعفاء، وتبرأوا من أن يكونوا هم آلهتهم، فلا تناقض في الكلام، وقد قيل في معنى الآية غير ذلك مما هو تكلفٌ بعيد.
﴿لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ﴾ فيه أربعة أوجه:
الأول: أن المعنى: لو أنهم كانوا يهتدون في الدنيا لم يعبدوا الأصنام.
والثاني: لو أنهم كانوا يهتدون لم يعذَّبوا.
والثالث: لو أنهم كانوا يهتدون في الآخرة لحيلةٍ يدفعون بها العذاب لفعلوها.
فـ ﴿لَوْ﴾ على هذه الأقوال حرف امتناع، وجوابها محذوف.
والرابع: أن يكون ﴿لَوْ﴾ للتمني، أي: تمنَّوا لو كانوا مهتدين.
﴿مَاذَا أَجَبْتُمُ﴾ أي: هل صدَّقتم المرسلين أو كذَّبتموهم؟.
﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ﴾ ﴿عَمِيَتْ﴾ عبارةٌ عن حيرتهم.
стр. 1876
و ﴿الْأَنْبَاءُ﴾: الأخبار، أي: أظلمت عليهم الأمور؛ فلم يعرفوا ما يقولون.
﴿فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ أي: لا يَسأل بعضهم بعضًا عن الأنباء؛ لأنهم قد تساووا في الحيرة والعجز عن الجواب.
﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ قيل: إن سببها استغراب قريش لاختصاص محمد ﷺ بالنبوة، فالمعنى: أن الله يخلق ما يشاء، ويختار لرسالته مَنْ يشاء من عباده.
ولفظها (١) أعم من ذلك، والأحسن حمله على عمومه؛ أي: يختار ما يشاء من الأمور على الاطلاق، ويفعل ما يريد.
﴿مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ ﴿مَا﴾ نافية، والمعنى: ما كان للعباد اختيارٌ؛ إنما الاختيار والإرادة لله وحده، فالوقف على قوله: ﴿وَيَخْتَارُ﴾.
وقيل: إن ﴿مَا﴾ مفعولةٌ بـ ﴿وَيَخْتَارُ﴾، ومعنى ﴿الْخِيَرَةُ﴾ على هذا: الخير والمصلحة، وهذا يجري على قول المعتزلة.
وذلك ضعيف؛ لرفع ﴿الْخِيَرَةُ﴾ على أنها اسم ﴿كَانَ﴾، ولو كانت ﴿مَا﴾ مفعولةً لكان اسم ﴿كَانَ﴾ مضمرًا يعود على ﴿مَا﴾، وكانت ﴿الْخِيَرَةُ﴾ منصوبة على أنها خبر ﴿كَانَ﴾.
وقد اعتذر عن هذا من قال: إن ﴿مَا﴾ مفعولةٌ؛ بأن قال: تقدير الكلام:
стр. 1877
يختار ما كان لهم الخيرة فيه، ثم حذف الجار والمجرور، وهذا ضعيف (١).
وقال ابن عطية: يتجه أن تكون ﴿مَا﴾ مفعولةً إذا قدَّرنا ﴿كَانَ﴾ تامةً، ويوقف على قوله: ﴿مَا كَانَ﴾؛ أي: يختار كل كائن، ويكون ﴿لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ جملةً مستأنفة (٢). وهذا بعيد جدًّا.
﴿يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ﴾ أي: ما تخفيه قلوبهم، وعبَّر عن القلب بالصدر؛ لأنه يحتوي عليه.
﴿لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ﴾ قيل: إن الحمد في الآخرة: قولهم: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾ [الزمر: ٧٤]، و (٣) قولهم: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فاطر: ٣٤].
وفي ذكر ﴿الْأُولَى﴾ مع ﴿وَالْآخِرَةِ﴾ مطابقةٌ.
﴿سَرْمَدًا﴾ أي: دائمًا.
стр. 1878
والمراد بهذه الآيات: إثبات الوحدانية وإبطال الشرك.
فإن قيل: كيف قال: ﴿يَأْتِيكُم بِضِيَاءٍ﴾، وهلَّا قال: «يأتيكم بنهار» في مقابلة قوله: ﴿يَأْتِيكُم بِلَيْلٍ﴾؟
فالجواب: أنه ذكر الضياء؛ لكثرة ما فيه من المنافع والعبر.
﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ أي: في الليل، ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ في النهار، ففي الآية لف ونشرٌ.
﴿وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾ أي: أخرجنا من كل أمة شهيدًا منهم يشهد عليهم بأعمالهم، وهو نبيُّهم؛ لأن كلَّ نبي يشهد على أمته.
﴿هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ أي: هاتوا حجتكم على ما كنتم عليه من الكفر، وذلك إعذارٌ لهم وتوبيخ وتعجيز.
وقيل: هي الخزائن.
والأول أظهر.
والعصبة: جماعةُ الرجال من العشرة إلى الأربعين.
و ﴿لَتَنُوءُ﴾: معناه: تثقل؛ يقال: ناء به الحمل: إذا أثقله.
وقيل: معنى ﴿لَتَنُوءُ﴾: تنهض بتحامل وتكلف، والوجه على هذا أن يقال: إن العصبة تنوء بالمفاتح، لكنه قُلِبَ؛ كما جاء قَلْبُ الكلام عن العرب كثيرًا.
ولا يحتاج إلى قلب على القول الأول.
﴿لَا تَفْرَحْ﴾ الفرح هنا: الذي يقود إلى الإعجاب والطغيان؛ ولذلك قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾.
وقيل: إنه السُّرور بالدنيا؛ لأنه لا يفرح بها إلَّا من غفل عن الآخرة، ويدلُّ على هذا قوله: ﴿وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ [الحديد: ٢٣].
﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ﴾ أي: اقصد الآخرة بما أعطاك الله من المال، وذلك بفعل الحسنات والصدقات.
﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ أي: لا تضيِّع حظَّك من دنياك، وتمتَّعْ بها مع عملك للآخرة.
وقيل: معناه: لا تضيع عمرك بترك الأعمال الصالحات، فإن حظ الإنسان من الدنيا إنما هو ما يعمل فيها من الخير، فالكلام على هذا: وعظٌ.
وعلى الأول: إباحةٌ للتمتع بالدنيا؛ لئلا ينفر عن قبول الموعظة.
стр. 1881
﴿وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ أَي: أحسن إلى عباد الله كما أحسن الله إليك بالغنى.
﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾ لما وعظه قومه أجابهم بهذا الجواب على وجه الردِّ عليهم، والروغان عما ألزموه من الموعظة.
والمعنى: أن هذا المال إنما أعطاه الله لي بالاستحقاق له؛ بسبب عِلْمٍ عندي استوجبته به.
واختُلف في هذا العلم:
فقيل: إنه علم الكيمياء.
وقيل: التجارب للأمور والمعرفة بالمكاسب.
وقيل: حفظه التوراة، وهذا بعيد؛ لأنه كان كافرًا.
وقيل: المعنى: إنما أوتيته على علم من الله وتخصيصٍ خصَّني به، ثم جعل قوله: ﴿عِندِي﴾ كما تقول: في ظني واعتقادي.
﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ﴾ هذا ردٌّ عليه في اغتراره بالدنيا.
﴿وَأَكْثَرُ جَمْعًا﴾ يعني: جمعًا للمال.
أو جَمْعًا للخُدَّام.
والأول أظهر.
﴿وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ في معناه قولان:
أحدهما: أنه متصل بما قبله، والضمير في ﴿ذُنُوبِهِمْ﴾ يعود على القرون
стр. 1882
المتقدمة، و ﴿الْمُجْرِمُونَ﴾: مَنْ بعدهم؛ أي: لا يُسأل المجرمون عن ذنوب مَنْ تقدّمهم من الأمم الهالكة؛ لأن كل أحدٍ إنما يُسأل عن ذنوبه خاصة.
والثاني: أنه إخبارٌ عن حال المجرمين في الآخرة، وأنهم لا يُسألون عن ذنوبهم؛ لكونهم يدخلون النار من غير حساب.
والصحيح: أنهم يحاسبون على ذنوبهم ويُسألون عنها لقوله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣)﴾ [الحجر: ٩٢ - ٩٣]؛ وإنما هذا السؤال المنفي: السؤال على وجه الاستخبار وطلب التعريف؛ لأنه لا يحتاج إلى سؤالهم على هذا الوجه؛ لكن يُسألون على وجه التوبيخ.
وحيثما ورد في القرآن إثبات السؤال في الآخرة: فهو على معنى المحاسبة والتوبيخ، وحيثما ورد نفيه: فهو على وجه الاستخبار والتعريف؛ ومنه قوله: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنسٌ وَلَا جَانٌّ (٣٩)﴾ [الرحمن: ٣٩].
﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾ قيل: في ثياب حُمْرٍ.
وقيل: في عبيده وحاشيته.
واللفظ أعم من ذلك.
﴿وَيْلَكُمْ﴾ زجرٌ للذين تمنوا مثل حال قارون.
﴿وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾ الضمير عائد:
على الخصال التي دلَّ عليها الكلام المتقدِّم، وهي الإيمان والعمل الصالح.
стр. 1883
وقيل: على الكلمة التي قالها الذين أوتوا العلم؛ أي: لا تصدر الكلمة إلّا عن الصابرين.
والصبر هنا: هو إمساك النفس عن الدنيا وزينتها.
﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾ روي أن قارون لما بغى على بني إسرائيل وآذى موسى دعا موسى ﵇، فأوحى الله إليه: قد أمرت الأرض أن تطيعك فيه وفي أتباعه، فقال موسى: «يا أرض خذيهم»، فأخذتهم إلى الرُّكَب فاستغاثوا بموسى فقال: «يا أرض خذيهم» حتى تمَّ بهم الخسف.
﴿مَكَانَهُ﴾ أي: منزلته في المال والعزَّة.
﴿بِالْأَمْسِ﴾ يحتمل أن يراد به:
اليوم الذي قبل ذلك اليوم.
أو ما تقدَّم من الزمان القريب.
﴿وَيْكَأَنَّ﴾ مذهب سيبويه أنَّ «وَيْ» حرف تنبيه، ثم ذكرت بعدها «كأنَّ» والمعنى على هذا: أنهم تنبهوا لخطئهم في قولهم: ﴿يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ﴾، ثم قالوا: «كأن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر»؛ أي: ما أشبه الحال بهذا.
وقال الكوفيون: «ويك» هي: «ويلك»، حذفت منها اللام؛ لكثرة الاستعمال، ثم ذكرت بعدها «أنَّ»، والمعنى: ألم تعلم أن الله.
وقيل: ﴿وَيْكَأَنَّ﴾ كلمة واحدة معناها: ألم تعلم.
﴿عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: تكبُّرًا وطغيانًا، لا رفعة المنزلة؛ فإن إرادتها جائزةٌ.
стр. 1884
[﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٨٤) إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٨٥) وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ (٨٦) وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٨٧) وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٨)﴾].
﴿فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ﴾ أي: أنزله عليك وأثبته.
وقيل: معناه: أعطاك القرآن.
والمعنى متقارب.
وقيل: فرض عليك أحكام القرآن، فهو على حذف مضاف.
﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ المعاد: الموضع الذي يعاد إليه:
فقيل: يعني مكة، ونزلت الآية حين الهجرة، ففيها وعد بالرجوع إلى مكة وفتحها.
وقيل: يعني الآخرة؛ فمعناها: إعلام بالحشر.
وقيل: يعني الجنة.
﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ﴾ أي: ما كنت تطمع أن تنال النبوة، ولا أن ينزل عليك الكتاب، ولكن الله رحمك بذلك، أو رحم الناس بنبوتك.
والاستثناء بمعنى: «لكن»؛ فهو منقطع.
стр. 1885
وَيحتمل أن يكون متصلًا؛ والمعنى: ما أنزل عليك الكتاب إلَّا رحمةً من ربك لك أو للناس.
و ﴿رَحْمَةً﴾ على هذا: مفعول من أجله، أو حال.
وعلى الأول: منصوب على الاستثناء.
و ﴿وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ﴾ يُحتمل أن يكون:
من الدعاء بمعنى الرغبة.
أو من دعوة الناس إلى الإيمان بالله؛ فالمفعول محذوفٌ على هذا، تقديره: ادع الناسَ.
و ﴿وَلَا تَدْعُ﴾ أي: لا تعبد مع الله إلهًا آخر.
﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ الآيةَ؛ أي: إلَّا إياه، والوجه هنا عبارة عن الذات (١).
مستضعفين، منهم عمار بن ياسر وغيره، وكان كفار قريش يؤذونهم ويعذِّبونهم على الإسلام، فضاقت صدورهم بذلك، فآنسهم الله بهذه الآية، ووعظهم، وأخبرهم أن ذلك اختبار؛ ليوطِّنوا أنفسهم على الصبر على الأذى، والثبوت على الإيمان، وأعلمهم تعالى أن تلك سيرته في عباده، يُسلَّط الكفار على المؤمنين؛ ليمحِّصَهم (١) بذلك، ويظهر الصادق في إيمانه من الكاذب.
ولفظها مع ذلك عامٌّ، فحكمها على العموم في كل من أصابته فتنة؛ من مصيبة أو مضرَّةٍ في النفس والمال وغير ذلك.
ومعنى ﴿أَحَسِبَ﴾: ظنَّ، و ﴿أَنْ يُتْرَكُوا﴾ مفعولها، والهمزة للإنكار، ﴿وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾: في موضع الحال من الضمير في ﴿يُتْرَكُوا﴾ تقديره: غير مفتونين.
و ﴿أَنْ يَقُولُوا﴾: تعليلٌ في موضع المفعول من أجله.
﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ أي: يعلم صِدْقَهم علمًا ظاهرًا في الوجود، وقد كان عَلِمَه في الأزل.
والصدق والكذب في الآية يعني بهما: صحة الإيمان والثبوت عليه، أو ضدَّ ذلك.
﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا﴾ ﴿أَمْ﴾ معادلة لقوله: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ﴾.
стр. 1888
والمراد بـ ﴿الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾: الكفار الذي يعذبون المؤمنين. ولفظها مع ذلك عامٌّ في كل كافر وعاصٍ.
ومعنى ﴿يَسْبِقُونَا﴾: يفوتون عقابنا ويُعجزوننا.
فمعنى الكلام: نفيُ سبقهم، كما أن معنى الآية قبلها: نفيُ ترك المؤمنين بغير فتنة.
﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ﴾ الآية؛ تسليةٌ للمؤمنين، ووعدٌ لهم بالخير في الآخرة.
والرجاءُ هنا: على بابه.
وقيل: هو بمعنى الخوف.
و ﴿أَجَلَ اللَّهِ﴾ الموت، ومعنى ﴿لَآتٍ﴾ قريب الإتيان؛ فإن كل ما هو آتٍ قريب.
ومعنى الآية: من كان يرجو ثواب الله فليصبر في الدنيا حتى يلقى الله فيُجازيه؛ فإن لقاء الله قريبٌ.
﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ﴾ أي: منفعة جهاده إنما هي لنفسه؛ فإن الله لا تنفعه طاعة العباد.
والجهاد هنا يَحتمل أن يراد به:
القتال.
أو جهاد النفس.
стр. 1889
﴿حُسْنًا﴾ منصوبٌ بفعلٍ مضمر تقديره: وصينا الإنسان يفعلُ (١) بوالديه حسنًا.
أو مصدرٌ من معنى ﴿وَصَّيْنَا﴾ أي: وصيةً حَسنةً.
﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي﴾ الآية؛ نزلت في سعد بن أبي وقاص؛ فإنه لما أسلم حلفت أمه أن لا تستظلَّ بظلٍّ حتى يكفر.
وقيل: نزلت في غيره ممن جرى له مثل ذلك، فأمرهم الله بالثبوت على الإسلام، وأن لا يطيعوا الوالدين إذا أمروهم بالكفر.
وعبَّر عن أمر الوالدين بالجهاد مبالغةً.
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ نزلت في قوم كانوا مؤمنين بألسنتهم، فإذا عذَّبهم الكفار رجعوا عن الإيمان، فإذا نصر الله المسلمين قالوا: إنا كنا معكم.
فمعنى ﴿أُوذِيَ فِي اللَّهِ﴾: أوذي بسبب إيمانه بالله.
و ﴿فِتْنَةَ النَّاسِ﴾: تعذيبهم.
وقيل: نزلت في عياش بن أبي ربيعة أخي أبي جهل لأمه.
﴿اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ أي: قال الكفار للمؤمنين: اكفروا كما كفرنا، ونحمل نحن عنكم الإثم والعقاب إن كان.
وروي: أن قائل هذه المقالة الوليد بن المغيرة. حكاه المهدوي (٢).
стр. 1890
وقولهم: ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾: جزاءُ قولهم: ﴿اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا﴾، ولكنهم ذكروه على وجه الأمر؛ للمبالغة، ولما كان معناه الخبر صحَّ تكذيبهم فيه، فأخبر الله أنهم كاذبون؛ أي: لا يحملون أوزار هؤلاء، بل يحملون أوزار أنفسهم وأوزار أتباعهم من الكفار.
وروي أنه بعث وهو ابن أربعين سنة، وأنه عُمِّر بعد الطوفان ثلاث مئة وخمسين سنةً.
فإن قيل: لم قال ﴿أَلْفَ سَنَةٍ﴾، ثم قال: ﴿خَمْسِينَ عَامًا﴾؛ فاختلف اللفظ مع اتفاق المعنى؟
فالجواب: أن ذلك كراهةٌ لتكرار لفظ السنة، فإن التكرار مكروه (١) إلا إذا قُصد به تفخيمٌ أو تهويلٌ.
﴿وَجَعَلْنَاهَا آيَةً﴾ يُحتمل أن يعود الضمير:
على السفينة.
أو على النجاة.
أو على القصة بكمالها.
﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾ هو من الخِلْقة؛ يريد به: نَحْتَ الأصنام، فسماه خِلقةً على وجه التجوز.
وقيل: هو من اختلاق الكذب.
﴿لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا﴾ الآية؛ احتجاجٌ على الوحدانية ونفي الشركاء. فإن قيل: لم نكَّر الرزق أوَّلًا، ثم عرَّفه في قوله: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾؟ فالجواب: أنه نكَّره في قوله: ﴿لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا﴾؛ لقصد العموم في النفي، فإن النكرة في سياق النفي تقتضي العموم، ثم عرَّفه بعد ذلك لقصد
стр. 1893
العموم في طلب الرزق كله من الله؛ لأنه لا يُقتضى العمومُ في سياق الإثبات إلَّا مع التعريف؛ فكأنه قال: ابتغوا الرزق كلَّه عند الله.
﴿وَإِنْ تُكَذِّبُوا﴾ الآية؛ يحتمل أن تكون:
من كلام إبراهيم.
أو من كلام الله تعالى.
ويحتمل مع ذلك أن يراد به:
وعيدُ الكفار وتهديدهم.
أو يراد به تسليةُ النبي ﷺ عن تكذيب قومه له؛ بالتأسي بغيره من الأنبياء، الذين كذبهم قومهم.
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ﴾ يقال: بدأ الله الخلق وأبدأه بمعنى واحد، وقد جاءت اللغتان في هذه السورة.
والمعنى: أولم يَرَ الكفار أن الله خلق الخلق؛ فيستدلُّون بالخِلْقة الأولى على الإعادة في الحشر؟.
فقوله: ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ ليس بمعطوف على ﴿يُبْدِئُ﴾؛ لأن المعنى فيهما مختلف؛ لأن رؤية البدأة بالمشاهدة، بخلاف الإعادة؛ فإنها تعلم بالنظر والاستدلال، وإنما هو معطوف على الجملة كلها.
وقد قيل: إنه يريد إعادة النبات وإبدائه، وعلى هذا يكون ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ عطفًا على ﴿يُبْدِئُ﴾؛ لاتفاق المعنى.
والأول أحسن وأليق بمقاصد الكلام.
стр. 1894
﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ يعني: إعادة الخلق، وهي حشرهم.
ثم أمَرَهم بالسير في الأرض؛ ليروا مخلوقات الله فيستدلوا بها على قدرته على حشرهم، ولذلك ختمها بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
﴿وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾ أي: ترجعون.
﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ أي: لا تَفُوتون من عذاب الله، وليس لكم مهربٌ في الأرض ولا في السماء.
﴿أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي﴾ يحتمل:
أن ييأسوا في الآخرة.
أو يكون وصفًا لحالهم في الدنيا؛ لأن الكافر يائسٌ (١) من رحمة الله، والمؤمن راجٍ خائفٌ.
وهذا الكلام من قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ إلى هنا:
يحتمل أن يكون خطابًا لمحمد ﷺ معترضًا بين قصة إبراهيم.
ويحتمل أن يكون خطابًا لإبراهيم، وبعد ذلك ذكر جواب قومه له.
﴿مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ﴾ نصْبُ المودة على أنها:
مفعولٌ من أجله.
أو مفعول ثانٍ لـ ﴿اتَّخَذْتُم﴾.
стр. 1895
ورَفْعُها على أنها:
خبر ابتداء مضمر.
أو خبر «إنَّ»، وتكون «ما» موصولة.
ونصبُ ﴿بَيْنَكُمْ﴾: على الظرفية.
وخفضه: بالإضافة.
﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ تضمن ﴿آمَنَ﴾ معنى: انقاد، ولذلك تعدَّى باللام. ﴿وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾ القائل لذلك: إبراهيم.
وقيل: لوط.
وهاجرا من بلادهما بأرض بابل إلى الشام.
﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ أكثر الأنبياء من ذرية إبراهيم، وعلى ذريته أنزل الله التوراة والإنجيل والزبور والفرقان.