وروي أنه بعث وهو ابن أربعين سنة، وأنه عُمِّر بعد الطوفان ثلاث مئة وخمسين سنةً.
فإن قيل: لم قال ﴿أَلْفَ سَنَةٍ﴾، ثم قال: ﴿خَمْسِينَ عَامًا﴾؛ فاختلف اللفظ مع اتفاق المعنى؟
فالجواب: أن ذلك كراهةٌ لتكرار لفظ السنة، فإن التكرار مكروه (١) إلا إذا قُصد به تفخيمٌ أو تهويلٌ.
﴿وَجَعَلْنَاهَا آيَةً﴾ يُحتمل أن يعود الضمير:
على السفينة.
أو على النجاة.
أو على القصة بكمالها.
﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾ هو من الخِلْقة؛ يريد به: نَحْتَ الأصنام، فسماه خِلقةً على وجه التجوز.
وقيل: هو من اختلاق الكذب.
﴿لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا﴾ الآية؛ احتجاجٌ على الوحدانية ونفي الشركاء. فإن قيل: لم نكَّر الرزق أوَّلًا، ثم عرَّفه في قوله: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾؟ فالجواب: أنه نكَّره في قوله: ﴿لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا﴾؛ لقصد العموم في النفي، فإن النكرة في سياق النفي تقتضي العموم، ثم عرَّفه بعد ذلك لقصد
стр. 1893
العموم في طلب الرزق كله من الله؛ لأنه لا يُقتضى العمومُ في سياق الإثبات إلَّا مع التعريف؛ فكأنه قال: ابتغوا الرزق كلَّه عند الله.
﴿وَإِنْ تُكَذِّبُوا﴾ الآية؛ يحتمل أن تكون:
من كلام إبراهيم.
أو من كلام الله تعالى.
ويحتمل مع ذلك أن يراد به:
وعيدُ الكفار وتهديدهم.
أو يراد به تسليةُ النبي ﷺ عن تكذيب قومه له؛ بالتأسي بغيره من الأنبياء، الذين كذبهم قومهم.
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ﴾ يقال: بدأ الله الخلق وأبدأه بمعنى واحد، وقد جاءت اللغتان في هذه السورة.
والمعنى: أولم يَرَ الكفار أن الله خلق الخلق؛ فيستدلُّون بالخِلْقة الأولى على الإعادة في الحشر؟.
فقوله: ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ ليس بمعطوف على ﴿يُبْدِئُ﴾؛ لأن المعنى فيهما مختلف؛ لأن رؤية البدأة بالمشاهدة، بخلاف الإعادة؛ فإنها تعلم بالنظر والاستدلال، وإنما هو معطوف على الجملة كلها.
وقد قيل: إنه يريد إعادة النبات وإبدائه، وعلى هذا يكون ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ عطفًا على ﴿يُبْدِئُ﴾؛ لاتفاق المعنى.
والأول أحسن وأليق بمقاصد الكلام.
стр. 1894
﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ يعني: إعادة الخلق، وهي حشرهم.
ثم أمَرَهم بالسير في الأرض؛ ليروا مخلوقات الله فيستدلوا بها على قدرته على حشرهم، ولذلك ختمها بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
﴿وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾ أي: ترجعون.
﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ أي: لا تَفُوتون من عذاب الله، وليس لكم مهربٌ في الأرض ولا في السماء.
﴿أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي﴾ يحتمل:
أن ييأسوا في الآخرة.
أو يكون وصفًا لحالهم في الدنيا؛ لأن الكافر يائسٌ (١) من رحمة الله، والمؤمن راجٍ خائفٌ.
وهذا الكلام من قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ إلى هنا:
يحتمل أن يكون خطابًا لمحمد ﷺ معترضًا بين قصة إبراهيم.
ويحتمل أن يكون خطابًا لإبراهيم، وبعد ذلك ذكر جواب قومه له.
﴿مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ﴾ نصْبُ المودة على أنها:
مفعولٌ من أجله.
أو مفعول ثانٍ لـ ﴿اتَّخَذْتُم﴾.
стр. 1895
ورَفْعُها على أنها:
خبر ابتداء مضمر.
أو خبر «إنَّ»، وتكون «ما» موصولة.
ونصبُ ﴿بَيْنَكُمْ﴾: على الظرفية.
وخفضه: بالإضافة.
﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ تضمن ﴿آمَنَ﴾ معنى: انقاد، ولذلك تعدَّى باللام. ﴿وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾ القائل لذلك: إبراهيم.
وقيل: لوط.
وهاجرا من بلادهما بأرض بابل إلى الشام.
﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ أكثر الأنبياء من ذرية إبراهيم، وعلى ذريته أنزل الله التوراة والإنجيل والزبور والفرقان.
وَالبشرى:
بِشَارَة إبراهيم بالولد، وهو وقوله: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠١]. أو بشارته بنصر (١) لوط.
والأول أظهر.
﴿أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾ هي (٢) قرية لوط.
﴿قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا﴾ ليس إخبارًا بأنه فيها، وإنما قصد نجاة لوط من العذاب الذي يصيب أهل القرية، وبراءته من الظلم الذي وُصِفوا به، فكأنه قال: كيف تُهْلِكون أهل القرية وفيهم (٣) لوط؟ وكيف تقولون إنهم ظالمون وفيهم لوط؟
﴿مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ قد ذُكِر (٤).
وكذلك ﴿سِيءَ بِهِمْ﴾ (٥).
﴿رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ أي: عذابًا.
وقيل: معنى: ﴿مُسْتَبْصِرِينَ﴾ عقلاء متمكنين من النظر والاستدلال، ولكنهم لم يفعلوا.
﴿وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ﴾ أي: لم يُفُوتوا.
﴿فَمِنْهُم مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا﴾ الحاصب: الحجارة.
والحاصب أيضًا: الريح الشديدة.
فيحتمل عندي أنه أراد به المعنيين؛ لأن قوم لوط أُهلكوا بالحجارة، وعادًا أهلكوا بالريح، وإن حملناه على المعنى الواحد نقص ذكر الآخر، وقد أجاز كثيرٌ من الناس استعمال اللفظ الواحد في معنيين، كقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦]، ويقوَّى ذلك هنا؛ لأن المقصود ذكرُ عموم أخذ أصناف الكفار.
﴿وَمِنْهُم مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ﴾ يعني: ثمود ومدين.
﴿وَمِنْهُم مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ﴾ يعني: قارون.
﴿وَمِنْهُم مَنْ أَغْرَقْنَا﴾ يعني: قوم نوح، وفرعون وقومه.
﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾ شبَّه الله الكافرين في عبادتهم للأصنام بالعنكبوت في بنائها بيتًا ضعيفًا، فكما أن ما اعتمدت عليه العنكبوت من بيتها ليس بشيء؛ كذلك ما اعتمد (١) عليه الكفار من آلهتهم ليس بشيء؛ لأنهم لا ينفعون ولا يضرُّون.
﴿أَوْهَنَ الْبُيُوتِ﴾ أي: أضعفها.
стр. 1900
﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ أي: لو كانوا يعلمون أن هذا مَثَلهم.
﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ ﴿مَا﴾ موصولةٌ بمعنى: «الذي»، مفعولةٌ للفعل الذي قبلها.
وقيل: هي نافية، والفعل معلَّق عنها، والمعنى على هذا: لستم تدعون من دون الله شيئًا له بال فيصلح أن يسمى شيئًا.
﴿بِالْحَقِّ﴾ أي: بالواجب، لا على وجه العبث واللعب.
стр. 1901
[﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ (٤٥) وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٤٦) وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ (٤٧) وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨) بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ (٤٩) وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١)﴾].
﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ إذا كان المصلي خاشعًا في صلاته، متذكرًا لعظمة من وقف بين يديه: حَمَله ذلك على التوبة من الفحشاء والمنكر؛ فكأنَّ الصلاة ناهيةٌ عن ذلك.
﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ قيل فيه ثلاثة معانٍ:
الأول: أن المعنى: إن الصلاة أكبر من غيرها من الطاعات، وسماها بذكر الله؛ لأن ذكر الله أعظم ما فيها، وكأنه أشار بذلك إلى تعليل نهيها عن الفحشاء والمنكر؛ لأن ذكر الله فيها هو الذي ينهى عن الفحشاء والمنكر.
الثاني: أن ذكر الله على الدوام أكبر في النهي عن الفحشاء والمنكر من الصلاة؛ لأنها في بعض الأوقات دون بعض.
стр. 1902
الثالث: أن ذكر الله أكبرُ أجرًا من الصلاة ومن سائر الطاعات، كما ورد في الحديث: «ألا أنبئكم بخير أعمالكم؟»؛ قالوا: بلى قال: «ذكر الله» (١).
﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ أي: لا تجادلوا كفار أهل الكتاب إذا اختلفتم معهم في الدين إلَّا بالتي هي أحسن، لا بضربٍ ولا قتال.
وكان هذا قبل أن يفرض الجهاد، ثم نُسِخَ بالسيف.
ومعنى ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ الذين ظلموكم، أو (٢) صرَّحوا بإذاية نبيكم ﷺ . وقيل: معنى الآية: لا تجادلوا من أسلم من أهل الكتاب فيما حدَّثوكم به من الأخبار إلَّا بالتي هي أحسن، ومعنى ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ على هذا: من بقي منهم على كفره.
والمعنى الأول أظهر.
﴿وَقُولُوا آمَنَّا﴾ هذا وما بعده: يقتضي موادعةً ومسالمةً، وهي منسوخة بالسيف.
ويقتضي أيضًا: الأعراض عن مكالمتهم، وفي الحديث: «لا تصدِّقوا أهل الكتاب ولا تكذِّبوهم، وقولوا: آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم، فإن كان باطلًا لم تصدِّقوهم، وإن كان حقًّا لم تكذِّبوهم» (٣).
стр. 1903
﴿وَكَذلِكَ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتابَ﴾ أي: كما أنزلنا الكتاب على مَنْ قبلك أنزلناه عليك.
﴿فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ﴾ يعني: عبد الله بن سلام وأمثاله ممن أسلم من اليهود والنصارى.
﴿وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ﴾ أراد بالذين أوتوا الكتاب: أهل التوراة والإنجيل، وأراد بقوله: ﴿وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ﴾ كفار قريش.
وقيل: أراد بالذين أوتوا الكتاب: المتقدّمين من أهل التوراة والإنجيل، وأراد بـ ﴿هَؤُلَاءِ﴾: المعاصرين لمحمد ﷺ منهم، كعبد الله بن سلام.
﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ﴾ هذا احتجاج على أن القرآن من عند الله؛ لأن النبي ﷺ كان لا يقرأ ولا يكتب، ثم جاء بالقرآن.
فإن قيل: ما فائدة قوله: ﴿بِيَمِينِكَ﴾؟
فالجواب: أن ذلك تأكيد للكلام، وتصوير للمعنى المراد.
﴿إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ أي: لو كنت تقرأ أو تكتب لتطرَّق الشك إلى الكفار، فكانوا (١) يقولون: لعلَّه تعلم هذا الكتاب أو قرأه.
وقيل: وجه الاحتجاج: أن أهل الكتاب كانوا يجدون في كتبهم أن النبي ﷺ أُمِّيّ لا يقرأ ولا يكتب، فلما جعله الله كذلك قامت عليهم الحجة، ولو كان يقرأ أو يكتب لكان مخالفًا للصفة التي وصفه الله بها عندهم.
والمذهب الصحيح: أن رسول الله ﷺ لم يقرأ قط ولا كتب.
стр. 1904
وقال الباجي (١) وغيره: إنه كتب؛ لظاهر حديث الحديبية، وهذا القول ضعيف.
﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ﴾ الضمير للقرآن، والإضراب بـ ﴿بَلْ﴾ عن كلام محذوف تقديره: ليس الأمر كما حَسِبَ المبطلون والظالمون.
﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ المعنى: كيف يطلبون آيةً والقرآن الكريم أعظم الآيات، وأوضحها دلالة على صحة النبوة؛ فهلَّا اكتفوا به عن طلب الآيات!.
﴿وَلَيَأْتِيَنَّهُم بَغْتَةً﴾ يحتمل أن يريد:
القتل الذي أصابهم يوم بدر.
أو الجوع الذي أصابهم بتوالي القحط.
أو يريد عذاب الآخرة، وهذا أظهر؛ لقوله: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾.
﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ﴾ أي: يحيط بهم.
والعامل في الظرف: محذوف، أو ﴿لَمُحِيطَةٌ﴾.
﴿إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾ تحريض على الهجرة من مكة؛ إذ كان المؤمنون يلقون فيها أذى الكفار، وترغيب في غيرها من أرض الله، فحينئذ هاجروا إلى أرض الحبشة، ثم إلى المدينة.
﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ﴾ أي: ننزلهم.
وقرئ: ﴿نُثْوِيَنَّهُمْ﴾ بالثاء المثلثة من الثَّواء (١) وهو الإقامة في المنزل.
﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا﴾ أي: كم من دابة ضعيفة لا تقدر على حمل رزقها، ولكن الله يرزقها مع ضعفها.
والقصد بالآية: تقوية لقلوب المؤمنين؛ إذ خافوا الجوع والفقر في الهجرة إلى بلاد الناس، أي: كما يرزق الله الحيوانات الضعيفة كذلك يرزقكم إذا هاجرتم من بلدكم (٢).
стр. 1907
﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُم﴾ في الموضعين: إقامة حجة عليهم.
﴿فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ أي: كيف يُصرَفون عن الحق.
﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ حمد الله على ظهور الحجة.
أو يكون المعنى: إلزامهم أن يحمدوا الله لما اعترفوا أنه خلق السموات والأرض.
﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ إضرابٌ عن كلام محذوف تقديره: يجب عليهم أن يعبدوا الله لما اعترفوا به؛ ولكنهم لا يعقلون.
стр. 1908
[﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٦٤) فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ (٦٥) لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٦٦) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ (٦٧) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ (٦٨) وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾].
﴿لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ أي: الحياة الدائمة التي لا موت فيها، ولفظ ﴿الْحَيَوَانُ﴾ مصدرٌ، كالحياة.
﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ﴾ الآية؛ إقامة حجة عليهم بدعائهم لله حين الشدائد، ثم يشركون به في حال الرخاء.
﴿لِيَكْفُرُوا﴾ أمرٌ:
على وجه التهديد.
أو على وجه الخذلان والتَّخلية، كما تقول لمن تنصحه فلا يقبل نصحك: «اعمل ما شئت».
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا﴾ الضمير لكفار قريش، والحرم الآمن: مكة؛ لأنها كانت لا تُغير عليها العرب كما تُغير على سائر البلاد، ولا ينتهك أحد حرمتها.
﴿وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ عبارةٌ عما يصيب غير أهل مكة من القتل وأخذ الأموال.
стр. 1909
﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا﴾ يعني: جهاد الأنفس من الصبر على إذاية الكفار واحتمال الخروج عن الأوطان وغير ذلك.
وقيل يعني: القتال، وذلك ضعيف؛ لأن القتال لم يكن مأمورًا به حين نزول الآية.
﴿لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ أي: لَنُوَفِّقَنَّهُم لسُبُلِ (١) الخير.
﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ المعنى: إنَّه معهم بإعانته ونصره.
стр. 1910
(سُورة الرُّوم)
[﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٥) وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٦) يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (٧) أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ (٨) أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٩) ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ (١٠)﴾].
﴿غُلِبَتِ الرُّومُ (٢)﴾ أي: هزم كسرى ملك الفرس جيش ملك الروم.
وسُمِّيت الروم باسم جدهم، وهو روم بن عيصُو بن إسحاق بن إبراهيم.
﴿فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾ قيل: هي الجزيرة، وهي بين الشام والعراق، وهي أدنى أرض الروم إلى فارس.
وقيل: في أدنى أرض العرب منهم، وهي أطراف الشام.
стр. 1911
﴿وَهُمْ مِن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ إخبارٌ بأن الروم سيغلبون الفرس (بعد أن غلبهم الفرس) (١).
﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ البِضْعُ: ما بين الثلاث إلى التسع.
﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ رُوي: أن غَلَبَ الروم لفارس (٢) وقع يوم بدر، وقيل: يوم الحديبية؛ ففرح المؤمنون بنصر الله لهم على كفار قريش.
وقيل: فرح المؤمنون بنصر الروم على الفرس؛ لأن الروم أهلُ كتاب، فهم أقرب إلى الإسلام، وكذلك فرح الكفار من قريش بنصر الفرس على الروم؛ لأن الفرس ليسوا بأهل كتاب، فهم أقرب إلى كفار قريش.
وروي أنه لما فرح الكفار بذلك خرج إليهم أبو بكر الصديق ﵁، فقال: إن نبينا ﷺ قد أخبرنا عن الله تعالى أنهم سيغلبون، وراهنهم على عشرة قلاص إلى ثلاث سنين، وذلك قبل أن يحرم القمار، فقال له رسول الله ﷺ : «زدهم في الرهن واستزدهم في الأجل»، فجعل القلاص مئة، والأجل تسعة أعوام، وجعل معه أبيّ بن خلف مثل ذلك، فلما وقع الأمر على ما أخبر الله به أخذ أبو بكر القلاص من ذرية أبيّ بن خلف؛ إذ كان قد مات، وجاء بها إلى النبي ﷺ فقال له: «تصدق بها» (٣).
﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾ مصدرٌ مؤكّد، كقولك: «له علي ألف درهم عُرفًا»؛ لأن
стр. 1912
معناه: اعترفت (١) له بها اعترافًا.
﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا﴾ قيل: معناه: يعلمون ما يُدْرَك بالحواس دون ما يدرك بالعقول؛ فهم في ذلك مثل البهائم.
وقيل: الظاهر: ما يُعلَم بأوائل العقول، والباطن: ما يُعلَم بالدليل والنظر.
وقيل: هو من (٢) الظهور بمعنى: العلو في الدنيا.
وقيل: ظاهرٌ بمعنى: زائلٌ ذاهبٌ.
والأظهر أنه أراد بالظاهر: المعرفة بأمور الدنيا ومصالحها؛ لأنه وصفهم بعد ذلك بالغفلة عن الآخرة، وذلك يقتضي عدم معرفتهم بها.
وانظر كيف نفى العلم عنهم أولًا، ثم أثبت لهم العلم بالدنيا خاصة.
وقال بعض أهل البيان: إن هذا من المطابقة؛ لاجتماع النفي والإثبات.
وجعل بعضهم العلم المثبت كالعدم؛ لقلّة منفعته، فهو على هذا بيانٌ للنفي.
﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِمْ﴾ يحتمل معنيين:
أحدهما: أن تكون النفس ظرفًا للفكرة في خلق السموات والأرض؛ كأنه قال: أو لم يتفكروا بعقولهم فيعلموا أن الله ما خلق السموات والأرض إلَّا بالحق.
стр. 1913
والثاني: أن يكون المعنى: أولم يتفكروا في ذواتهم وخِلْقتهم؛ ليستدلوا بذلك على الخالق، ويكون قوله: ﴿مَا خَلَقَ﴾ الآية استئنافُ كلامٍ.
والمعنى الأول أظهر.
﴿وَأَثَارُوا الْأَرْضَ﴾ أي: حرثوها.
﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى﴾ معنى ﴿السُّوأَى﴾: هلاك الكفار. ولفظ ﴿السُّوأَى﴾ تأنيث الأسوأ، كما أن الحسنى تأنيث الأحسن. وقرئ ﴿عَاقِبَةُ﴾:
بالرفع على أنه اسم ﴿كَانَ﴾، و ﴿السُّوأَى﴾ خبرها.
وقرئ بنصب ﴿عَاقِبَةَ﴾ على أنها خبر ﴿كَانَ﴾، و ﴿السُّوأَى﴾ اسمها. و ﴿أَنْ كَذَّبُوا﴾ مفعول من أجله.
ويحتمل أن تكون ﴿السُّوأَى﴾ مصدر: ﴿أَسَاءُوا﴾ (١).
стр. 1914
[﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١١) وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ (١٢) وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ (١٣) وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (١٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (١٥) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (١٦) فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (١٨) يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (١٩)﴾].
﴿يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ﴾ الإبلاسُ: الكون في شرٍّ مع اليأس من الخيرِ.
﴿يَتَفَرَّقُونَ﴾ معناه: في المنازل والجزاء.
﴿يُحْبَرُونَ﴾ يُنَعَّمون (١)؛ من الحبور، وهو السرور والنعيم.
وقيل: يكرمون.
﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾ هذا تعليمٌ للعباد؛ أي: قولوا «سبحان الله» حين تمسون وحين تصبحون، وعشيًّا وحين تُظْهِرون؛ أي: حين تدخلون في وقت الظهيرة وهو وسط النهار.
وقوله: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: اعتراضٌ بين المعطوفات.
وقيل: أراد بذلك الصلوات الخمس، فـ ﴿حِينَ تُمْسُونَ﴾ المغرب والعشاء، ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾: الصبح، ﴿وَعَشِيًّا﴾: العصر، ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾: الظهر.
стр. 1915
﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ﴾ ذُكِر في «آل عمران» (١).
﴿وَيُحْيِ الْأَرْضَ﴾ أي: يُنبت فيها النبات.
﴿وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ أي: كما يخرج الله النبات من الأرض، كذلك يخرجكم من الأرض للبعث يوم القيامة.
وقيل: يعني: أصنافكم.
والأول أظهر.
﴿خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ ذُكِر في «الرعد» (١).
﴿أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾ معناه: تثبت أو يقوم تدبيرها (٢).
﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ ﴿إِذَا﴾:
الأولى: شرطية.
والثانية: فجائية، وهي جواب الأولى.
والدعوة في هذه الآية:
قوله للموتى: قوموا.
أو النفخة الثانية في الصور.
و ﴿مِنَ الْأَرْضِ﴾ يتعلق:
بقوله: ﴿تَخْرُجُونَ﴾.
أو بقوله: ﴿دَعَاكُمْ﴾؛ على أن تكون الغاية بالنظر إلى المدعوِّ؛ كقولك: «دعوتك من الجبل» إذا كان المدعوُّ في الجبل.
﴿قَانِتُونَ﴾ ذُكِرَ في «البقرة» (٣).
стр. 1918
﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ أي: الإعادة يوم القيامة أهون عليه من الخلقة الأولى، وهذا تقريبٌ لفهم السامع وتحقيقٌ للبعث؛ فإن من صنع صنعةً أول مرة كانت أيسر عليه ثاني مرة، ولكنَّ الأمور كلها متساويةٌ عند الله؛ فإن كل شيء على الله يسير (١).
﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ أي: الوصف الأعلى الذي يصفه به أهل السموات والأرض.
أموالكم سواءً مع عبيدكم، ولستم تخافونهم كما تخافون الأحرار مثلكم؛ لأن العبيد عندكم أقلُّ وأذل من ذلك.
﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُم﴾ الإضراب بـ ﴿بَلِ﴾ عما تضمنه معنى الآية المتقدمة، كأنه يقول: ليس لهم حجة في إشراكهم بالله؛ بل اتبعوا في ذلك أهواءهم بغير علم.
﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ﴾ هو دين الإسلام.
وإقامة الوجه في الموضعين من السورة: عبارةٌ عن الإقبال عليه والإخلاص فيه.
وفي قوله: ﴿فَأَقِمْ﴾، و ﴿الْقَيِّمِ﴾ ضربٌ من ضروب التَّجنيس.
﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ منصوبٌ على المصدر: كقوله: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٨]. أو مفعولٌ بفعل مضمر تقديره: الزموا فطرة الله، أو عليكم فطرة الله.
ومعناه: خلقة الله، والمراد به: دين الإسلام؛ لأن الله خلق الخلق عليه، إذ هو الذي تقتضيه عقولهم السليمة، وإنما كفر من كفر لعارضٍ أخرجه عن أصل فطرته، كما قال ﷺ : «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهوِّدانه أو ينصِّرانه .. » (١).
﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ يعني بـ ﴿لِخَلْقِ اللَّهِ﴾: الفطرة التي فطر الناس عليها من الإيمان.
ومعنى أن الله لا يبدلها: أنه لا يخلق الناس على غيرها، ولكن يبدِّلها
стр. 1921
شياطين الإنس والجن بعد الخِلْقة الأولى.
أو يكون المعنى: أن تلك الفطرة لا ينبغي للناس أن يبدّلوها؛ فالنفي على هذا حكمٌ لا خبر.
وقيل: إنه على الخصوص (١) في المؤمنين؛ أي: لا تبديل لفطرة الله في حق مَنْ قضى الله أنه يثبت على إيمانه.
وقيل: إنه نهيٌ عن تبديل خلقة الله، كخِصَاء الفحول من الحيوان، وقطع آذانها وشبه ذلك.
﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾ منصوبٌ على الحال من قوله: ﴿أَقِمْ وَجْهَكَ﴾؛ لأن الخطاب للنبي ﷺ ، والمراد: هو وأمته، ولذلك جمعهم في قوله: ﴿مُنِيبِينَ﴾.
وقيل: هو حال من ضمير الفاعل المستتر في: «الزموا فطرة الله».
وقيل: هو حال من قوله: ﴿فَطَرَ النَّاسَ﴾، وهذا بعيد.
﴿وَاتَّقُوهُ﴾ وما بعده: معطوفٌ:
على ﴿أَقِمْ وَجْهَكَ﴾.
أو على العامل في ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾، وهو «الزموا» المضمر.
﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾ المجرور بدلٌ من المجرور قبله.
ومعنى ﴿فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾: جعلوه فِرَقًا؛ أي: اختلفوا فيه.
стр. 1922
وقرئ: ﴿فَارَقُوا﴾ من المفارقة؛ أي: تركوه.
والمراد بالمشركين هنا: أصناف الكفار.
وقيل: هم المسلمون الذي تفرّقوا فِرَقًا مختلفة، ففي لفظ ﴿الْمُشْرِكِينَ﴾ هنا تجوّزٌ بعيد، ولعلَّ قائلَ هذا القول إنما قاله في قول الله في «الأنعام»: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾؛ فإنه ليس هناك ذكر المشركين.
﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ﴾ الآية؛ إنحاءٌ على المشركين؛ لأنهم يدعون الله في الشدائد ويشركون به في الرخاء.
﴿لِيَكْفُرُوا﴾ ذكر في «العنكبوت» (١).
﴿أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا﴾ ﴿أَمْ﴾ هنا منقطعةٌ بمعنى: «بل» والهمزة.
والسلطان: الحجة، وكلامه مجازٌ، كما تقول: نطق الكتاب بكذا، والمعنى: ليس لهم حجة تشهد بصحة شركهم.
﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً﴾ إنحاءٌ على مَنْ يفرح ويَبْطَر إذا أصابه الخير، ويقنط إذا أصابه الشر.
وانظر كيف قال هنا ﴿وَإِذَا﴾، وقال في الشر: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾؛ لأن «إذا» للقطع بوقوع الشرط، بخلاف «إنْ»؛ فإنها للشكِّ في وقوعه، ففي ذلك إشارةٌ إلى أن الخير الذي يصيب به عباده أكثرُ من الشرِّ.
﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ المعنى: أن ما يصيب الناس من المصائب فإنه بسبب ذنوبهم.
стр. 1923
﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾ يعني: صلة رحم القرابة؛ بالإحسان والمودَّة، ولو بالكلام الطيب.
﴿وَمَا آتَيْتُم مِن رِبًا لِتُرْبُوا فِي أَمْوَالِ النَّاسِ﴾ الآية؛ معناها كقوله: ﴿يَمْحَقُ اللهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦]، أي: ما أعطيتم من أموالكم على وجه الربا فلا يزكو عند الله، وما آتيتم من الصدقات فهو الذي يزكو عند الله وينفعكم به.
وقيل: المراد: أن يهب الرجلُ للرجل أو يُهدي له ليعوضه أكثر من ذلك، فهذا وإن كان جائزًا فإنه لا ثواب فيه.
وقرئ: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِن رِبًا﴾:
بالمدِّ: بمعنى أعطيتم.
وبالقصر: يعني: جئتم به؛ أي: فعلتموه.
وقرئ: ﴿لِتُرْبُوا﴾ بالتاء المضمومة، و ﴿لِيَرْبُوَ﴾ بالياء مفتوحةً ونصب الواو.
﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ المضعف: ذو الإضعاف من الحسنات.
وفي هذه الجملة التفاتٌ؛ لخروجه من الخطاب إلى الغيبة، وكان الأصل أن يقال: «وما آتيتم من زكاة فأنتم المضعفون».
وفيها أيضًا حذفٌ؛ لأنه لا بد من ضمير يرجع إلى «ما»، وتقديره: «المضعفون به»، أو: «فمؤتوه هم المضعفون».
﴿لَا مَرَدَّ لَهُ﴾ أي: لا رجوع له، ولا بد من وقوعه.
﴿مِنَ اللَّهِ﴾ يتعلق:
بقوله: ﴿يَأْتِيَ﴾.
أو بقوله: ﴿لَا مَرَدَّ لَهُ﴾ أي: لا يرده الله.
﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ من الصَّدْع، وهو الفُرْقة؛ أي: يتفرقون فريق في الجنة وفريق في السعير.
﴿فَلِأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ أي: يُوطِئون، وهو استعارة من تمهيد الفراش ونحوه.
والمعنى: أنهم يعملون ما ينتفعون به في الآخرة.
﴿لِيَجْزِيَ﴾ متعلّق:
بـ ﴿يَمْهَدُونَ﴾.
أو ﴿يَصَّدَّعُونَ﴾.
أو بمحذوف.
﴿مُبَشِّرَاتٍ﴾ أي: تبشّر بالمطر.
﴿وَلِيُذِيقَكُمْ﴾ عطف على ﴿مُبَشِّرَاتٍ﴾؛ كأنه قال: ليُبشّركم وليذيقكم.
ويحتمل أن يتعلّق بمحذوف تقديره: ليذيقكم من رحمته أرسلها.
﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا﴾ انتصب ﴿حَقًّا﴾ لأنه خبر «كان»، واسمها ﴿نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
стр. 1926
وقيل: اسمها مضمر يعود على مصدر ﴿انْتَقَمْنَا﴾، أي: وكان الانتقام حقًّا، فعلى هذا: يوقف على ﴿حَقًّا﴾، ويكون ﴿نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ مبتدأً، وهذا ضعيف.
﴿فَتُثِيرُ سَحَابًا﴾ أي: تحرّكها وتنشرها.
﴿كِسَفًا﴾ أي: قِطَعًا، وقرئ بإسكان السين، وهما بناءان للجمع.
وقيل: معنى الإسكان: أن السحاب قطعة واحدة.
﴿الْوَدْقَ﴾ هو المطر.
﴿مِنْ خِلَالِهِ﴾ الخلال: الشَّقاق التي بين بعضه وبعض؛ لأنه متخلل الأجزاء، والضمير يعود على السحاب.
﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ كرر للتأكيد، وليفيد سرعة تقلُّب قلوب الناس من القنوط إلى الاستبشار.
﴿لَمُبْلِسِينَ﴾ أي: قانطين، كقوله: ﴿يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا﴾ [الشورى: ٢٨].
﴿فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا﴾ الضمير للنبات الذي ينبته الله بالمطر.
والمعنى: لئن أرسل الله ريحًا فاصفرَّ بها النبات لكفر الناس بالقنوط والاعتراض على الله.
وقيل: الضمير للريح.
وقيل: للسحاب.
стр. 1927
والأول أحسن في المعنى.
﴿فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ الآية؛ استعارةٌ في عدم سَمْع الكفار للمواعظ والبراهين، فشبه الكفار بالموتى في عدم إحساسهم.
стр. 1928
[﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ (٥٤) وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ (٥٥) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٥٦) فَيَوْمَئِذٍ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٥٧) وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ (٥٨) كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٥٩) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ (٦٠)﴾].
﴿خَلَقَكُمْ مِن ضَعْفٍ﴾ الضَّعف الأوَّل: كون الإنسان من ماء مهين، وكونه ضعيفًا في حال الطفوليَّة.
والضَّعف الأخير: هو الهَرَم.
وقُرئ بفتح الضَّاد وضمها، وهما لغتان.
﴿مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ هذا جواب القسم، ومعناه: أنهم يحلفون أنهم ما لبثوا في القبور تحت التراب إلَّا ساعة.
أو: ما لبثوا في الدنيا إلَّا ساعة، وذلك لاستقصارهم تلك المدة.
﴿كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ أي: مثل هذا الصرف كانوا يُصرَفون في الدنيا عن الصِّدق والتحقيق؛ حتى يروا الأشياء على ما هي عليه.
﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ﴾ هم الملائكة والأنبياء والمؤمنون، ردُّوا مقالة الكفار التي حلفوا عليها.
стр. 1929
﴿فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ يعني: اللوح المحفوظ أو علم الله، والمجرور على هذا يتعلق بقوله: ﴿لَبِثْتُمْ﴾.
وقيل: يعني: القرآن، فعلى هذا يتعلق هذا المجرور بقوله: ﴿أُوتُوا الْعِلْمَ﴾، وفي الكلام تقديم وتأخير، وتقديره على هذا: قال الذين أتوا العلم في كتاب الله؛ أي: العلماء بكتاب الله.
وقولهم: ﴿لَقَدْ لَبِثْتُمْ﴾ خطاب للكفار.
وقولهم: ﴿فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ﴾ تقرير لهم، وهو في المعنى جواب لشرط مقدَّر تقديره: إن كنتم تنكرون البعث فهذا يوم البعث.
﴿وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ من العُتْبى: بمعنى الرضا؛ أي: لا يُرْضَون، وليست «استفعل» هنا للطلب.
﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ يعني: ما وَعد من النصر على الكفار.
﴿وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ﴾ من الخِفَّة؛ أي: لا تضطرب لكلامهم.