← Тафсир

Тафсир · id 30186

تفسير ابن جزي التسهيل لعلوم التنزيل - ط طيبة الخضراء

ابن جزي الكلبي

Полный текст (3 030 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.

стр. 1926

وقيل: اسمها مضمر يعود على مصدر ﴿انْتَقَمْنَا﴾، أي: وكان الانتقام حقًّا، فعلى هذا: يوقف على ﴿حَقًّا﴾، ويكون ﴿نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ مبتدأً، وهذا ضعيف. ﴿فَتُثِيرُ سَحَابًا﴾ أي: تحرّكها وتنشرها. ﴿كِسَفًا﴾ أي: قِطَعًا، وقرئ بإسكان السين، وهما بناءان للجمع. وقيل: معنى الإسكان: أن السحاب قطعة واحدة. ﴿الْوَدْقَ﴾ هو المطر. ﴿مِنْ خِلَالِهِ﴾ الخلال: الشَّقاق التي بين بعضه وبعض؛ لأنه متخلل الأجزاء، والضمير يعود على السحاب. ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ كرر للتأكيد، وليفيد سرعة تقلُّب قلوب الناس من القنوط إلى الاستبشار. ﴿لَمُبْلِسِينَ﴾ أي: قانطين، كقوله: ﴿يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا﴾ [الشورى: ٢٨]. ﴿فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا﴾ الضمير للنبات الذي ينبته الله بالمطر. والمعنى: لئن أرسل الله ريحًا فاصفرَّ بها النبات لكفر الناس بالقنوط والاعتراض على الله. وقيل: الضمير للريح. وقيل: للسحاب.

стр. 1927

والأول أحسن في المعنى. ﴿فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ الآية؛ استعارةٌ في عدم سَمْع الكفار للمواعظ والبراهين، فشبه الكفار بالموتى في عدم إحساسهم.

стр. 1928

[﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ (٥٤) وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ (٥٥) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٥٦) فَيَوْمَئِذٍ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٥٧) وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ (٥٨) كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٥٩) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ (٦٠)﴾]. ﴿خَلَقَكُمْ مِن ضَعْفٍ﴾ الضَّعف الأوَّل: كون الإنسان من ماء مهين، وكونه ضعيفًا في حال الطفوليَّة. والضَّعف الأخير: هو الهَرَم. وقُرئ بفتح الضَّاد وضمها، وهما لغتان. ﴿مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ هذا جواب القسم، ومعناه: أنهم يحلفون أنهم ما لبثوا في القبور تحت التراب إلَّا ساعة. أو: ما لبثوا في الدنيا إلَّا ساعة، وذلك لاستقصارهم تلك المدة. ﴿كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ أي: مثل هذا الصرف كانوا يُصرَفون في الدنيا عن الصِّدق والتحقيق؛ حتى يروا الأشياء على ما هي عليه. ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ﴾ هم الملائكة والأنبياء والمؤمنون، ردُّوا مقالة الكفار التي حلفوا عليها.

стр. 1929

﴿فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ يعني: اللوح المحفوظ أو علم الله، والمجرور على هذا يتعلق بقوله: ﴿لَبِثْتُمْ﴾. وقيل: يعني: القرآن، فعلى هذا يتعلق هذا المجرور بقوله: ﴿أُوتُوا الْعِلْمَ﴾، وفي الكلام تقديم وتأخير، وتقديره على هذا: قال الذين أتوا العلم في كتاب الله؛ أي: العلماء بكتاب الله. وقولهم: ﴿لَقَدْ لَبِثْتُمْ﴾ خطاب للكفار. وقولهم: ﴿فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ﴾ تقرير لهم، وهو في المعنى جواب لشرط مقدَّر تقديره: إن كنتم تنكرون البعث فهذا يوم البعث. ﴿وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ من العُتْبى: بمعنى الرضا؛ أي: لا يُرْضَون، وليست «استفعل» هنا للطلب. ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ يعني: ما وَعد من النصر على الكفار. ﴿وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ﴾ من الخِفَّة؛ أي: لا تضطرب لكلامهم.

стр. 1930

(سورة لقمان) [﴿الم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (٢) هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ (٣) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (٦) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٧) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ (٨) خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩) خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (١٠) هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١١)﴾]. ﴿الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ ذُكر في «يونس» (١). ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ هو الغناء، وفي الحديث أن الرسول ﷺ قال: «شراء المغنيات وبيعهنَّ حرام»، وقرأ هذه الآية (٢). وقيل: نزلت في قريشيٍّ اشترى جارية مغنية تغني بهجاء رسول الله ﷺ ، فالشراء على هذا: على حقيقته.

стр. 1931

وقيل: نزلت في النضر بن الحارث، وكان قد تعلَّم أخبار فارس، فذلك هو لهو الحديث، وشراؤه لهو الحديث: استحبابه وقوله وسماعه، فالشراء على هذا: مجاز. وقيل: ﴿لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾: الطَّبل. وقيل: الشرك. ومعنى اللفظ يعم ذلك كلَّه. وظاهر الآية: أنه لهوٌ مضافٌ إلى كفر واستخفاف بالدين؛ لقوله: ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية، وأن المراد شخصٌ معين؛ لوصفه بعد ذلك بجملة أوصاف. ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ ذكر في «الرعد» (١). ﴿أَنْ تَمِيدَ﴾ أي: لئلا تميد.

стр. 1932

[﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (١٢) وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣) وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤) وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٥) يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (١٦) يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٧) وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (١٨) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (١٩)﴾]. ﴿لُقْمَانُ﴾ رجلٌ ينطق بالحكمة، واختلف هل هو نبيٌّ أم لا؟ وفي الحديث: «لم يكن لقمان نبيا، ولكن عبدًا حسَن اليقين، أحبَّ الله فأحبه، فمنَّ عليه بالحكمة» (١). وروي أنه كان ابن أخت أيوب أو ابن خالته. وروي أنه كان قاضي (٢) بني إسرائيل.

стр. 1933

واختُلِف في صناعته: فقيل: نجارٌ. وقيل: خياطٌ. وقيل: راعي غنم. وكان ابنه كافرًا فما زال يوصيه حتى أسلم. وروي أن اسم ابنه ثاران. ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ﴾ هذه الآية والتي بعدها اعتراضٌ في أثناء وصية لقمان لابنه؛ على وجه التأكيد لما في وصية لقمان من النهي عن الشرك بالله. ونزلت الآية في سعد بن أبي وقاص وأمّه؛ حسبما ذكرنا في «العنكبوت» (١). ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾ أي: ضعفًا على ضعف؛ لأن الحمل كلَّما عظم ازدادت الحامل به ضعفًا. وانتصاب ﴿وَهْنًا﴾ بفعل مضمر تقديره: تَهِنُ وَهْنًا. ﴿وَفِصَالُهُ﴾ أي فِطامه، وأشار بذلك إلى غاية مدة الرَّضاع. ﴿أَنِ اشْكُرْ﴾ تفسيرٌ للوصية واعترض بينها وبين تفسيرها بقوله: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾؛ ليبين ما تكابده الأم بالولد؛ مما يوجب عظيم حقِّها، ولذلك كان حقُّها أعظم من حق الأب.

стр. 1934

﴿يَابُنَيَّ﴾ الآية؛ رَجَعَ إلى كلام لقمان، والتقدير: وقال لقمان يا بنيَّ. ﴿مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ﴾ أي: وزْنَهَا، والمراد بذلك: أن الله يأتي بالقليل والكثير من أعمال العباد؛ فعبَّر بحبة الخردل ليدلَّ على ما هو أكثر. ﴿فِي صَخْرَةٍ﴾ قيل: المراد: الصخرة التي عليها الأرض، وهذا ضعيف. وإنما معنى الكلام: أن مثقال خردلة من الأعمال أو من الأشياء ولو (١) كانت في أخفى موضع كجوف صخرة: فإن الله يأتي بها يوم القيامة، وكذلك لو كانت في السموات أو في الأرض. ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ أمرٌ بالصبر على المصائب عمومًا. وقيل: المعنى: ما يصيب من يأمر بمعروف أو ينهى عن منكر. ﴿مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ يحتمل أن يريد: مما أمر الله به على وجه العزم والإيجاب. أو من مكارم الأخلاق التي يعزم عليها أهل الحزم والجدِّ. ولفظ العزم مصدرٌ يراد به المفعول؛ أي: من معزومات الأمور. ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ الصَّعَر في اللغة: الميل؛ أي: لا تولِّ الناس خدَّك، وتعرض عنهم تكبُّرًا عليهم. ﴿مَرَحًا﴾ ذكر في «الإسراء» (٢).

стр. 1935

﴿مُخْتَالٍ﴾ من الخيلاء. ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾ أي: اعتدل فيه، فلا تُسرع (١) إسراعًا يدلُّ على الطيش، والخفة، ولا تبطئ (٢) إبطاءً يدلُّ على النَّخوة والكبر.

стр. 1936

[﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٢٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (٢١) وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٢٢) وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٢٣) نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ (٢٤) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٢٥) لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٢٦) وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٧) مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٢٨) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٩) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٣٠)﴾]. ﴿نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ الظاهرة: الصحة والمال وغير ذلك، والباطنة: النعم التي لا يطلع عليها الناس، ومنها: ستر قبيح الأعمال. وقيل: الظاهرة: نعم الدنيا، والباطنة: نعم العقبى. واللفظ أعمُّ من ذلك كله. ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ﴾ نزلت في النضر بن الحارث وأمثاله. ﴿أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ معناه: أيتبعونهم ولو كان الشيطان يدعوهم إلى النار؟!.

стр. 1937

﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ﴾ ﴿يُسْلِمْ﴾ أي: يخلص، أو يستسلم وينقاد. والوجه هنا عبارة عن المقصد (١). ﴿بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ ذكر في «البقرة» (٢). ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ وما بعده ذكر في العنكبوت. ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ﴾ الآية؛ إخبارٌ بكثرة كلمات الله، والمراد: اتساع علمه. ومعنى الآية: أن شجر الأرض لو كانت أقلامًا، والبحر لو كان مِدادًا يصبُّ فيه سبعة أبحر صَبًّا دائمًا، وكُتِبت بذلك كلمات الله: لنَفِدَت الأشجار والبحار ولم تَنْفَدْ كلمات الله؛ لأن الأشجار والبحار متناهيةٌ، وكلمات الله غير متناهية. فإن قيل: لمَ لمْ يقل: «والبحر مداد» كما قال في «الكهف»: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا﴾ [الكهف: ١٠٩]؟ فالجواب: أنه أغنى عن ذلك قوله: ﴿يَمُدُّهُ﴾؛ لأنه من قولك: مَدَّ الدَّواةَ وأمدَّها. فإن قيل: لمَ قال: ﴿مِنْ شَجَرَةٍ﴾ ولم يقل: «من شجر» باسم الجنس الذي يقتضي العموم؟

стр. 1938

فالجواب: أنه أراد تفصيل الشجر إلى شجرة شجرة؛ حتى لا يبقى منها واحدة. فإن قيل: لم قال ﴿كَلِمَاتُ اللهِ﴾ ولم يقل: «كَلِمُ الله» بجمع الكثرة؟ فالجواب: أن هذا أبلغ؛ لأنه إذا لم تَنْفَد الكلمات مع أنها جمع قلة، فكيف ينفد الجمع الكثير. وروي أن سبب الآية: أن اليهود قالوا: قد أوتينا التوراة وفيها العلم كُلُّه، فنزلت الآية؛ لتدلَّ أن ما عندهم قليلٌ من كثير، والآية على هذا مدنية. وقيل: إن سببها: أن قريشًا قالوا: إن القرآن سيَنفَدُ. ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ بيانٌ لقدرة الله على بعث الناس، وردٌّ على من استبعد ذلك. ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ﴾ أي: يُدخل كلَّ واحدٍ منهما في الآخر؛ بما يزيد في أحدهما وينقص من الآخر. أو بإدخال ظلمة الليل على ضوء النهار وإدخال ضوء النهار على ظلمة الليل. ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ يعني: يوم القيامة. ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ﴾ يحتمل أن تكون الباء: سببية. أو يكون المعنى: ذلك شاهدٌ بأن الله هو الحق.

стр. 1939

[﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٣١) وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ (٣٢) يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٣٣) إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤)﴾]. ﴿بِنِعْمَتِ اللَّهِ﴾ يحتمل أن يريد بذلك: ما تحمله السفن من الطعام والتجارات، فتكون الباء: للإلصاق أو للمصاحبة. أو يريد الريح، فتكون الباء سببية. ﴿صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ مبالغة في صابر وشاكر. ﴿كَالظُّلَلِ﴾ جمع ظُلَّة، وهو ما يعلوك من فوق، وشبّه الموج بذلك إذا ارتفع وعظم حتى علا فوق الإنسان. ﴿فَمِنْهُم مُقْتَصِدٌ﴾ المقتصد: المتوسط في الأمر، فيحتمل أن يريد: كافرًا متوسّطًا في كفره لم يسرف فيه. أو مؤمنًا متوسّطًا في إيمانه؛ لأن الإخلاص الذي كان عليه في البحر يزول عنه. وقيل: معنى ﴿مُقْتَصِدٌ﴾: مؤمنٌ ثبت في البرّ على ما عاهد الله عليه في البحر.

стр. 1940

﴿خَتَّارٍ﴾ أي: غدَّار شديد الغدر، وذلك أن جَحَدَ نعمة الله غدرٌ. ﴿لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ﴾ أي: لا يقضي (١) عنه شيئًا، والمعنى: أنه لا ينفعه، ولا يدفع عنه مضرةً. ﴿وَلَا مَوْلُودٌ﴾ أي: ولدٌ، فكما لا يقدر الولد لوالده على شيء، كذلك لا يقدر الوالد لولده على شيء. ﴿الْغَرُورُ﴾ الشيطان. وقيل: الأمل والتسويف. ﴿عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ أي: متى تكون الساعة (٢)؛ فإن ذلك مما انفرد الله بعلمه، ولذلك جاء في الحديث: «مفاتح الغيب خمس» وتلا هذه الآية (٣). ﴿مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ يعني: من خيرٍ أو شر، أو مال أو ولد، أو غير ذلك.

стр. 1941

(سورة السجدة) [﴿الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (٤) يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٥) ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (٧) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٨) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (٩) وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ (١٠) قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١١)﴾]. ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ﴾ يعني: القرآن. ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ أي: لا شكَّ أنه من عند الله . ونفيُ الريب على اعتقاد أهل الحق، وعلى ما هو الأمر في نفسه، لا على اعتقاد أهل الباطل. ﴿مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ يتعلَّق بـ ﴿تَنْزِيلُ﴾.

стр. 1942

﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ الضمير لقريش و ﴿أَمْ﴾ بمعنى: «بل» والهمزة. ﴿لِتُنْذِرَ﴾ يتعلق: بما قبله. أو بمحذوف. ﴿مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ﴾ يعني: في الفترة من زمان عيسى، وقد جاء الرسلُ قبل ذلك، كإبراهيم وغيره، ولما طالت الفترة على هؤلاء أرسل الله رسولًا ينذرهم؛ ليقيم الحجة عليهم. ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ قد ذكر في «الأعراف» (١). ﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ﴾ نفي الشفاعة على وجهين: أحدها: الشفاعة للكفار، وهي معدومة على الاطلاق. والآخر: أن الشفاعة للمؤمنين لا تكون إلا بإذن الله، كقوله: ﴿مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ [يونس: ٣]. ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾ أي: واحد الأمور. وقيل: المأمور به من الطاعات. والأول أصح. ﴿مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ﴾ أي: ينزل ما دبَّره (٢) وقضاه من السماء إلى الأرض.

стр. 1943

﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ قال ابن عباس: المعنى: يُنْفِذُ الله قضاءه من السماء إلى الأرض، ثم يعرج إليه خبر ذلك في يوم من أيام الدنيا، مقداره لو سِيَرَ فيه السيرُ المعروف من البشر ألفُ سنة؛ لأن ما بين السماء والأرض خمس مئة عام، فالألفُ: ما بين نزول الأمر إلى الأرض وعروجه إلى السماء. وقيل: إن الله يُلقي إلى الملائكة أمور ألف سنة من أعوام البشر، وهو يوم من أيام الله، فإذا فَرَغَت أَلْقَى إليهم مثلها، فالمعنى: أن الأمور تَنْفُذُ عنده لهذه المدَّة، ثم تصير إليه آخِرًا؛ لأن عاقبة الأمور إليه، فالعروج على هذا: عبارةٌ عن مصير الأمور إليه. ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ الغيب: ما غاب عن المخلوقين، والشهادة: ما شاهدوه. ﴿أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ أي: أتقن جميع المخلوقات. وقرئ ﴿خَلَقَهُ﴾ -بإسكان اللام- على البدل. ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِنْ طِينٍ﴾ يعني: آدم ﵇. ﴿نَسْلَهُ﴾ يعني: ذريَّته. ﴿مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ يعني: المنيَّ، والسلالة: مشتقَّةٌ من سَلَّ يَسُلُّ؛ فكأنَّ الماء يُسَلُّ من الإنسان. والمهين: الضعيف. ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ﴾ أي: قَوَّمه.

стр. 1944

﴿وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾ عبارةٌ عن إيجادِ الحياة فيه. وإضافة الروح إلى الله إضافة مِلْكٍ إلى مالك. وقد يراد بها الاختصاص؛ لأن الروح لا يعلم كُنْهَه إلَّا الله (١). ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: تَلِفْنا وصرنا ترابًا. ومعنى هذا الكلام المحكي عن الكفار: استبعاد للبعث. والعامل في ﴿إِذَا﴾: معنى قولهم: ﴿أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾؛ تقديره: نُبْعَث؟. ﴿يَتَوَفَّاكُم مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ اسمه: عزرائيل، وتحت يده ملائكة.

стр. 1945

[﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ (١٢) وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٣) فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٤) إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧) أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ (١٨) أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٩) وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٠) وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢١) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ (٢٢)﴾]. ﴿وَلَوْ تَرَى﴾ يحتمل أن تكون «لو»: للتمني، وتأويله في حق الله كتأويل الترجي، وقد ذُكِرَ (١). أو تكون للامتناع، وجوابها محذوفٌ تقديره: لو ترى حال المجرمين في الآخرة لرأيت أمرًا مهولًا. ﴿نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ﴾ عبارةٌ عن الذُّلّ والغم والندم. ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا﴾ تقديره: يقولون: ربنا قد عملنا الحقائق.

стр. 1946

﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ يعني: أنه لو أراد أن يهدي جميع الخلق لفعل؛ فإنه قادرٌ على ذلك، بأن يجعل الإيمان في قلوبهم ويدفع عنهم الشيطان والشهوات، ولكن يُضلُّ من يشاء ويهدي من يشاء. ﴿فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ﴾ أي: يقال لهم: ذوقوا، والنسيان هنا: بمعنى الترك. ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ أي: ترتفع، والمعنى: يتركون مضاجعهم بالليل؛ من كثرة صلاتهم للنوافل. ومن صلى العشاء والصبح في جماعةٍ فقد أخذ بحظه (١) من هذا. ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ يعني: أنه لا يعلم أحدٌ مقدار ما يُعطيهم الله من النعيم. وقرئ ﴿أُخْفِيَ﴾ بإسكان الياء، على أن يكون فعل المتكلم، وهو الله تعالى. ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا﴾ الآية؛ يعني: المؤمنين والفاسقين على العموم. وقيل: يعني: عليَّ بن أبي طالب وعقبة بن أبي معيط. ﴿ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿الَّذِي﴾ نعتٌ للعذاب، ولذلك أعاد عليه الضمير المذكَّر في قوله: ﴿بِهِ﴾. فإن قيل: لم وصف هنا العذاب وأعاد عليه الضمير، ووصف في «سبأ» النار وأعاد عليها الضمير، فقال: ﴿عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ [سبأ: ٤٢]؟

стр. 1947

فالجواب من ثلاثة أوجه: الأول: أنه خصَّ العذاب في السجدة بالوصف اعتناءً به، لما تكرر ذكره في قوله: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ﴾. الثاني: أنه تقدَّم في «السجدة» ذكرُ النار، فكان الأصل أن يذكرها بعد ذلك بلفظ الضمير، لكنه جعل الظاهر مكان المضمر، فكما لا يوصف المضمر لم يوصف ما قام مقامه وهو النار، فوصف العذاب ولم يصف النار. الثالث: - وهو الأقوى -: أنه امتنع في السجدة وصفُ النار؛ فوصفَ العذاب، وإنما امتنع وصفها؛ لتقدُّم ذكرها، فإنك إذا ذكرت شيئًا ثم كرَّرت ذكره لم يجز وصفه، كقولك: «رأيت رجلًا فأكرمت الرجل»، فلا يجوز وصفه؛ لئلا يُفهم أنه غيره. ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى﴾ يعني: الجوع ومصائب الدنيا. وقيل: القتل يوم بدر. وقيل: عذاب القبر، وهذا بعيد؛ لقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ هذا وعيدٌ لمن ذُكِّر بآيات ربه فأعرض عنها. وكان الأصل أن يقول: «إنا منه منتقمون»، ولكنه وضع ﴿الْمُجْرِمِينَ﴾ موضع المضمر؛ ليصفهم بالإجرام. وقدَّم المجرور على ﴿مُنْتَقِمُونَ﴾ للمبالغة.

стр. 1948

[﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (٢٣) وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (٢٤) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٢٥) أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ (٢٦) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ (٢٧) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٨) قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (٢٩) فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ (٣٠)﴾]. ﴿فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ﴾ المرية: الشك، والضمير لموسى؛ أي: لا تشكُّ في لقائك موسى ليلة الإسراء. وقيل: المعنى: لا تشك في لقاء موسى للكتاب (١) الذي أُنزل عليه، والكتاب على هذا: التوراة. وقيل: الكتاب هنا: جنس، والمعنى: لقد آتينا موسى الكتاب، فلا تشكُّ أنت في لقائك للكتاب (٢) الذي أُنزل عليك، وعبر باللقاء عن إنزال الكتاب، كقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ﴾ [النمل: ٦]. ﴿يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ﴾ الضمير: لجميع الخلق. وقيل: لبني إسرائيل خاصة.

стр. 1949

﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾ ذكر في «طه» (١). ﴿يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ﴾ الضمير في ﴿يَمْشُونَ﴾ لأهل مكة؛ أي: يمشون في مساكن القوم المهلكين، كقوله: ﴿وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٣٨]. وقيل: الضمير للمهلكين؛ أي: أهلكناهم وهم يمشون في مساكنهم. والأول أحسن؛ لأن فيه حجةً على أهل مكة. ﴿الْأَرْضِ الْجُرُزِ﴾ يعني: التي لا نبات فيها من شدَّةِ العطش. ﴿مَتَى هَذَا الْفَتْحُ﴾ أي: الحكم بين المسلمين والكفار في الآخرة. وقيل: يعني: فتح مكة، وهذا بعيد؛ لقوله: ﴿قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ﴾ وذلك في الآخرة (٢)؛ لأن من آمن يوم فتح مكة نفعه إيمانه. ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ منسوخ بالسيف. ﴿وَانتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ﴾ أي: انتظر هلاكهم إنهم ينتظرون (٣) هلاكك، وهذا (٤) تهديد لهم.

стр. 1950

(سورة الأحزاب) [﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (١) وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٢) وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٣) مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (٤) ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥) النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا (٦) وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (٧) لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا (٨)﴾]. ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ نداءٌ فيه تكريمٌ له؛ لأنه ناداه بالنبوّة، ونادى سائر الأنبياء بأسمائهم. ﴿اتَّقِ اللَّهَ﴾ أي: دُمْ على التقوى، وزد منه. ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ أي: لا تقبل أقوالهم وإن أظهروا أنها نصيحة.

стр. 1951

ويعني بـ ﴿الْكَافِرِينَ﴾: المظهرين للكفر، وبـ ﴿وَالْمُنَافِقِينَ﴾: الذين يظهرون الإسلام ويخفون الكفر. وروي أن ﴿الْكَافِرِينَ﴾ هنا: أُبيُّ بن خلف، و ﴿وَالْمُنَافِقِينَ﴾ هنا: عبد الله ابن أبي بن سلول. والعموم أظهر. ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ قال ابن عباس: كان في قريش رجل يقال له: ذو القلبين؛ لشدَّة فهمه، فنزلت الآية نفيًا لذلك. ويقال: إنه ابن خَطَلٍ. وقيل: جميل بن مَعْمر. وقيل: إنما جاء هذا اللفظ توطئةً لما بعده من النفي؛ أي: كما لم يجعل الله لرجل من (١) قلبين في جوفه، كذلك لم يجعل أزواجكم أمهاتكم ولا أدعياءكم أبناءكم. ﴿اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ﴾ أي: تقولون للزوجة: «أنتِ عليَّ كظهر أُمي»، وكانت العرب تطلق هذا اللفظ بمعنى التحريم، وسيأتي حكمه في «المجادلة». وإنما تعدَّى هذا الفعل بـ «من» لأنه تضمَّن (٢) معنى: يتباعدون (٣) منهنَّ.

стр. 1952

﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ الأدعياء جمع دعيّ، وهو الذي يُدْعَى ولدَ فلان وليس بولده. وسببها: أَمْرُ زيد بن حارثة، وذلك أنه كان فتى من كَلْبٍ، فسباه بعض العرب وباعه من خديجة، فوهبته للنبي ﷺ فتبنَّاه؛ فكان يقال له: «زيد بن محمد» حتى أُنزلت هذه الآية. ﴿ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ﴾ الإشارة: إلى نسبة الدعيّ إلى غير أبيه. أو إلى كل ما تقدَّم من المنفيات. وقوله: ﴿بِأَفْوَاهِكُمْ﴾ تأكيد لبطلان القول. ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ الضمير للأدعياء، أي: انسبوهم إلى آبائهم الذين وَلَدوهم. ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ﴾ يقتضي: أن يحبوه ﷺ أكثر مما يحبون أنفسهم، وأن ينصروا دينه أكثر مما ينصرون أنفسهم. ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ جعل الله تعالى لأزواج النبي ﷺ حرمة الأمهات؛ في تحريم نكاحهن ووجوب مبرَّتهن، ولكن أوجب حجبهنَّ عن الرجال. ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ هذا نسخٌ لما كان في صدر الإسلام من التوارث بأخوَّة الإسلام وبالهجرة، وقد تكلمنا عليها في «الأنفال» (١).

стр. 1953

﴿فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ يحتمل أن يريد: القرآن، أو اللوح المحفوظ. ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يحتمل أن يكون: بيانًا لأولي الأرحام. أو يتعلق بـ ﴿أَوْلَى﴾؛ أي: أولو الأرحام أولى بالميراث من المؤمنين الذين ليسوا بذوي أرحام. ﴿إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُم مَعْرُوفًا﴾ يريد: الإحسان إلى الأولياء الذين ليسوا بقرابة، ونفعهم في الحياة، والوصية لهم عند الموت؛ فذلك جائز، ومندوب إليه، وإن لم يكونوا قرابة، وأما الميراث فللقرابة خاصة. واختلف: هل يعني الأولياء المؤمنين خاصة، أو المؤمنين والكافرين؟ ﴿فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ يعني: القرآن، أو اللوح المحفوظ. ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ﴾ هو الميثاق بتبليغ الرسالة والقيام بالشرائع. وقيل: هو الميثاق الذي أخذه حين أخرج بني آدم من صلب آدم كالذر. والأول أرجح؛ لأنه هو المختص بالأنبياء. ﴿وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ قد دخل هؤلاء في جملة النبيين، ولكنه خصَّهم (١) بالذكر تشريفًا لهم، وقدم محمدًا ﷺ تفضيلًا له. ﴿مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ يعني: الميثاق المذكور، وإنما كرَّره: تأكيدًا، وليصفه

стр. 1954

بأنه غليظٌ؛ أي: وثيق ثابت يجب الوفاء به. ﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ﴾ اللام تحتمل أن تكون لام «كي»، أو لام الصيرورة. والصدق هنا يحتمل أن يكون: الصدق في الأقوال. أو الصدق في الأفعال والعزائم. ويحتمل أن يريد بـ ﴿الصَّادِقِينَ﴾: الأنبياء، أو غيرَهم من المؤمنين.

стр. 1955

[﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٩) إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا (١١) وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا (١٢) وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَاأَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا (١٣) وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا (١٤) وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا (١٥) قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٦) قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٧) قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا (١٨) أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (١٩) يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا (٢٠)﴾]. ﴿اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ﴾ هذه الآية وما بعدها نزلت في قصة غزوة الخندق. والجنود المذكورة: هم قريش ومن كان معهم من الكفار، وسمّاهم الله في هذه السورة الأحزاب، وكانوا نحو عشرة آلاف، حصروا المدينة، وحفر رسول الله ﷺ الخندق حولها؛ ليمنعهم من دخولها.

стр. 1956

﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا﴾ أرسل الله عليهم ريح الصَّبا، فأطفأت نيرانهم وأكفأت (١) قدورهم، ولم يُمكنهم معها قرارٌ، فانصرفوا خائبين. ﴿وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ يعني: الملائكة. ﴿إِذْ جَاءُوكُم مِن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ﴾ أي: حصروا المدينة من أعلاها ومن أسفلها. وقيل: معنى ﴿مِن فَوْقِكُمْ﴾ أهل نجد؛ لأن أرضهم فوق المدينة، ﴿وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ﴾ أهل مكة وسائر تهامة. ﴿وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ﴾ أي: مالت عن مواضعها، وذلك عبارةٌ عن شدة الخوف. ﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ جمع حَنْجَرة: وهي الحلق، وبلوغ القلب (٢) إليها مجازٌ وعبارةٌ عن شدَّة الخوف. وقيل: بل هو حقيقة؛ لأن الرئة تنتفخ من شدة الخوف، فتربو ويرتفع القلب بارتفاعها إلى الحنجرة. ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ أي: تظنون أن الكفار يغلبونكم، وقد وعدكم الله بالنصر عليهم. فأما المنافقون فظنوا ظن السَّوء وصرَّحوا به. وأما المؤمنون فربما خطرت لبعضهم خَواطر مما لا يمكن للبشر دفعها،

стр. 1957

ثم استبصروا ووثقوا بوعد الله. وقرأ نافع ﴿الظُّنُونَا﴾ و ﴿الرَّسُولَا﴾ [الأحزاب: ٦٦]، و ﴿السَّبِيلَا﴾ [الأحزاب: ٦٧] بالألف في الوصل وفي الوقف. وقرئ بإسقاطها في الوصل والوقف، وبإثباتها في الوقف دون الوصل. فأما إسقاطها: فهو الأصل. وأما إثباتها: فلتعديل رؤوس الآي؛ لأنها كالقوافي، وتقتضي هذه العلة أن تثبت في الوقف خاصة. وأما من أثبتها في الحالين: فإنه أجرى الوصل مُجْرَى الوقف. ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ أي: اختبروا، أو أصابهم بلاء. والعامل في الظرف: ﴿ابْتُلِيَ﴾. وقيل: ما قبله. ﴿وَزُلْزِلُوا﴾ أصل الزلزلة: شدة التَّحريك، وهو هنا عبارة عن اضطراب القلوب. ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ﴾ روي أنه يعني: مُعَتِّب بن قُشَيْر. ﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ﴾ قال السهيلي: الطائفة تقع على الواحد فما فوقه، والمراد هنا: أوس بن قيظي (١). ﴿يَاأَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا﴾ يثرب: اسم المدينة.

стр. 1958

وقيل: اسم البقعة التي المدينة في طرف منها. و ﴿مَقَامَ﴾ اسم مَوْضع من القيام؛ أي: لا قرار لكم هنا، يعنون مَوْضع القتال. وقرئ بالضم، وهو اسم موضع من الإقامة. وقولهم: ﴿فَارْجِعُوا﴾ أي: إلى منازلكم بالمدينة، ودعوا القتال. ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ﴾ أي: يستأذنه (١) في الانصراف. والمستأذن: أوس بن قيظي وعشيرته. وقيل: بنو حارثة. ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾ أي: منكشفة للعدوّ. وقيل: خالية للسُّراق. فكذَّبهم الله في ذلك. ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِم مِنْ أَقْطَارِهَا﴾ أي: لو دُخلت عليهم المدينة مِّن جهاتها. ﴿ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ﴾ يريد بالفتنة: الكفر أو قتال المسلمين. ﴿لَأَتَوْهَا﴾ قرئ بالقصر بمعنى: جاؤوا إليها. وبالمدّ بمعنى: أعطوها من أنفسهم. ﴿وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا﴾ الضمير للمدينة. ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ﴾ دخلت «قد» على الفعل المضارع لمعنى التهديد.

стр. 1959

وقيل: للتقليل على وجه التهكُّم. ﴿الْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ﴾ أي: الذين يعوِّقون الناس عن الجهاد، ويمنعونهم منه بأقوالهم وأفعالهم. ﴿وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ هم المنافقون الذين قعدوا بالمدينة عن الجهاد، كانوا يقولون لقرابتهم أو للمنافقين مثلهم: «هلمَّ إلى الجلوس معنا بالمدينة وترك (١) القتال». وقد ذُكر ﴿هَلُمَّ﴾ في «الأنعام» (٢). ﴿وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ البأس: القتال. و ﴿قَلِيلًا﴾: صفةٌ لمصدر محذوف تقديره: إلَّا إتيانًا قليلًا. أو مستثنى من فاعل ﴿يَأْتُونَ﴾، أي: إلَّا قليلًا منهم. ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾ ﴿أَشِحَّةً﴾ جمع شحيح: فقيل: معناه: يَشحُّون بأنفسهم فلا يقاتلون. وقيل: يشحون بأموالهم. وقيل: معناه أشحة عليكم في وقت الحرب، أي: يشفقون عليكم أن تُقتَلوا (٣).

стр. 1960

ونَصْبُ ﴿أَشِحَّةً﴾: على الحال من ﴿وَالْقَائِلِينَ﴾، أو ﴿الْمُعَوِّقِينَ﴾، أو من الضمير في ﴿يَأْتُونَ﴾. أو نصْبٌ على الذمّ. ﴿فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ﴾ أي: إذا اشتدَّ الخوف من الأعداء. نظر إليك هؤلاء في تلك الحالة ولاذوا بك من شدَّة خوفهم. ﴿تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ عبارةٌ عن شدة خوفهم. ﴿فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾ السَّلْقُ بالألسنة: عبارةٌ عن الكلام بكلام مستكره (١). ومعنى ﴿حِدَادٍ﴾: فصحاء قادرين على الكلام؛ أي: إذا نصركم الله فزال الخوف رجع المنافقون إلى إذايتكم بالسبِّ وتنقص الشريعة. وقيل: إذا غنمتم طلبوا من الغنائم. ﴿أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ﴾ أي: يشحُّون بفعل الخير. وقيل: يشحُّون بالمغانم. وانتصابه هنا على الحال من الفاعل في ﴿سَلَقُوكُمْ﴾. ﴿لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ﴾ ليس المعنى أنها حبطت بعد ثبوتها، وإنما المعنى: أنها لم تقبل؛ لأن الإيمان شرطٌ في قَبول الأعمال. وقيل: إنهم نافقوا بعد أن آمنوا، فالإحباط على هذا حقيقةٌ.

стр. 1961

﴿يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا﴾ الأحزاب هنا: هم كفار قريش ومن معهم. والمعنى: أن المنافقين من شدَّة جزَعهم يظنون الأحزاب لم ينصرفوا عن المدينة، وهم قد انصرفوا. ﴿وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُم بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ﴾ معنى ﴿يَوَدُّوا﴾: يتمنوا، و ﴿بَادُونَ﴾: خارجون في البادية، و ﴿الْأَعْرَابِ﴾: هم أهل البوادي من العرب. فمعنى الآية: أنه إن أتى الأحزاب إلى المدينة مرةً أخرى؛ تمنَّى هؤلاء المنافقون من شدَّة جزعهم أن يكونوا في البادية مع الأعراب، وأن لا يكونوا في المدينة، بل غائبين عنها يسألون مَنْ ورد عليهم عن أنبائكم.

стр. 1962

[﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١) وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا (٢٢) مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (٢٣) لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٢٤) وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا (٢٥) وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا (٢٦) وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا (٢٧)﴾]. ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ إِسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ أي: قدوة تقتدون به ﷺ في اليقين والصبر وسائر الفضائل. وقرئ ﴿أُسْوَةٌ﴾ بضم الهمزة، والمعنى واحد. ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ قيل: إن هذا الوعد ما أعلمهم به رسول الله ﷺ حين أمر بحفر الخندق؛ من أن الكفار ينزلون عليهم، وأنهم ينصرفون خائبين. وقيل: إنه قول الله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَثَلُ﴾ ﴿الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُم مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ﴾ [البقرة: ٢١٤] الآية، فعلموا أنهم يبتلون ثم يُنصرون (١).

стр. 1963

﴿فَمِنْهُم مَن قَضَى نَحْبَهُ﴾ يعني: من قُتل شهيدًا، قال أنس بن مالك: يعني: عمي أنس بن النَّضر. وقيل: يعني: حمزة بن عبد المطلب. وقضاء النحب عبارةٌ عن الموت عند ابن عباس وغيره. وقيل: ﴿قَضَى نَحْبَهُ﴾: وفَّى العهدَ الذي عاهد الله عليه، ويدلُّ على هذا: ما ورد أن رسول الله ﷺ قال: «طلحة ممن قضى نحبه» (١) وهو لم يُقتل يومئذ. ﴿وَمِنْهُم مَن يَنْتَظِرُ﴾ المفعول محذوفٌ؛ أي: ينتظر أن يقضي نحبه: أي: ينتظر الشهادة في سبيل الله على قول ابن عباس. أو ينتظر الحصول في أعلى مراتب الإيمان والصلاح على القول الآخر. ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾ الصياصي: هي الحصون. ونزلت الآية في يهود بني قريظة، وذلك أنهم كانوا معاهدين لرسول الله ﷺ فنقضوا عهده وصاروا مع قريش، فلما انصرف قريش عن المدينة حصَر رسولُ الله ﷺ بني قريظة، حتى نزلوا على حكم سعد بن معاذ؛ فحكم بأن يُقتل رجالهم وتُسبى نساؤهم وذريتهم. ﴿فَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ يعني: الرجال، وقُتِل منهم يومئذ كل من أَنْبَتَ، وكانوا بين ثمان مئة والتسع مئة.

стр. 1964

﴿وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾ يعني: النساء والذرية. ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ﴾ يعني: أرض بني قريظة، قسمها رسول الله ﷺ بين المهاجرين. ﴿وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا﴾ هذا وعد بفتح أرض لم يكن المسلمون قد وطؤوها حينئذ، وهي مكة واليمن والشام والعراق ومصر، فأورث الله المسلمين جميع ذلك وما وراءها إلى أقصى المغرب والمشرق. ويحتمل عندي أن يريد به: أرض بني قريظة؛ لأنه قال: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ﴾ بالفعل الماضي، وهي التي كانوا قد أخذوها حينئذ، وأمّا غيرها من الأَرَضين، فإنما أخذوها بعد ذلك، فلو أرادها لقال: «يورثكم»، وإنما كرّرها بالعطف؛ ليصفها بقوله: ﴿لَمْ تَطَئُوهَا﴾: أي: لم تدخلوها قبل ذلك.

стр. 1965

[﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٢٨) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا (٢٩) يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٣٠) وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا (٣١) يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٣٢) وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (٣٣) وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا (٣٤)﴾]. ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ الآية؛ سببها: أن أزواج رسول الله ﷺ تغايرن حتى غَمَّه ذلك. وقيل: طلبن منه ملابس ونفقاتٍ كثيرة. وكان أزواجه يومئذٍ تسع نسوة؛ خمسٌ من قريش، وهنَّ: عائشة بنت أبي بكر الصديق، وحفصة بنت عمر بن الخطاب، وسودة بنت زمعة، وأم حبيبة بنت أبي سفيان، وأم سلمة بنت أبي أمية، وأربعٌ من غير قريش، وهنَّ: ميمونة بنت الحارث الهلالية، وصفية بنت حيي من بني إسرائيل، وزينب بنت جحش الأسدية، وجويرية بنت الحارث من بني المصطلق. ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ أصل «تعال»: أن يقوله من كان في موضع مرتفع لمن في موضع منخفض، ثم استعملت بمعنى: «أَقْبِلْ»
следующие страницы →