﴿يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا﴾ الأحزاب هنا: هم كفار قريش ومن معهم.
والمعنى: أن المنافقين من شدَّة جزَعهم يظنون الأحزاب لم ينصرفوا عن المدينة، وهم قد انصرفوا.
﴿وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُم بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ﴾ معنى ﴿يَوَدُّوا﴾: يتمنوا، و ﴿بَادُونَ﴾: خارجون في البادية، و ﴿الْأَعْرَابِ﴾: هم أهل البوادي من العرب.
فمعنى الآية: أنه إن أتى الأحزاب إلى المدينة مرةً أخرى؛ تمنَّى هؤلاء المنافقون من شدَّة جزعهم أن يكونوا في البادية مع الأعراب، وأن لا يكونوا في المدينة، بل غائبين عنها يسألون مَنْ ورد عليهم عن أنبائكم.
﴿فَمِنْهُم مَن قَضَى نَحْبَهُ﴾ يعني: من قُتل شهيدًا، قال أنس بن مالك: يعني: عمي أنس بن النَّضر.
وقيل: يعني: حمزة بن عبد المطلب.
وقضاء النحب عبارةٌ عن الموت عند ابن عباس وغيره.
وقيل: ﴿قَضَى نَحْبَهُ﴾: وفَّى العهدَ الذي عاهد الله عليه، ويدلُّ على هذا: ما ورد أن رسول الله ﷺ قال: «طلحة ممن قضى نحبه» (١) وهو لم يُقتل يومئذ.
﴿وَمِنْهُم مَن يَنْتَظِرُ﴾ المفعول محذوفٌ؛ أي: ينتظر أن يقضي نحبه:
أي: ينتظر الشهادة في سبيل الله على قول ابن عباس.
أو ينتظر الحصول في أعلى مراتب الإيمان والصلاح على القول الآخر.
﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾ الصياصي: هي الحصون.
ونزلت الآية في يهود بني قريظة، وذلك أنهم كانوا معاهدين لرسول الله ﷺ فنقضوا عهده وصاروا مع قريش، فلما انصرف قريش عن المدينة حصَر رسولُ الله ﷺ بني قريظة، حتى نزلوا على حكم سعد بن معاذ؛ فحكم بأن يُقتل رجالهم وتُسبى نساؤهم وذريتهم.
﴿فَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ يعني: الرجال، وقُتِل منهم يومئذ كل من أَنْبَتَ، وكانوا بين ثمان مئة والتسع مئة.
стр. 1964
﴿وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾ يعني: النساء والذرية.
﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ﴾ يعني: أرض بني قريظة، قسمها رسول الله ﷺ بين المهاجرين.
﴿وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا﴾ هذا وعد بفتح أرض لم يكن المسلمون قد وطؤوها حينئذ، وهي مكة واليمن والشام والعراق ومصر، فأورث الله المسلمين جميع ذلك وما وراءها إلى أقصى المغرب والمشرق.
ويحتمل عندي أن يريد به: أرض بني قريظة؛ لأنه قال: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ﴾ بالفعل الماضي، وهي التي كانوا قد أخذوها حينئذ، وأمّا غيرها من الأَرَضين، فإنما أخذوها بعد ذلك، فلو أرادها لقال: «يورثكم»، وإنما كرّرها بالعطف؛ ليصفها بقوله: ﴿لَمْ تَطَئُوهَا﴾: أي: لم تدخلوها قبل ذلك.
стр. 1965
[﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٢٨) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا (٢٩) يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٣٠) وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا (٣١) يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٣٢) وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (٣٣) وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا (٣٤)﴾].
﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ الآية؛ سببها: أن أزواج رسول الله ﷺ تغايرن حتى غَمَّه ذلك.
وقيل: طلبن منه ملابس ونفقاتٍ كثيرة.
وكان أزواجه يومئذٍ تسع نسوة؛ خمسٌ من قريش، وهنَّ: عائشة بنت أبي بكر الصديق، وحفصة بنت عمر بن الخطاب، وسودة بنت زمعة، وأم حبيبة بنت أبي سفيان، وأم سلمة بنت أبي أمية، وأربعٌ من غير قريش، وهنَّ: ميمونة بنت الحارث الهلالية، وصفية بنت حيي من بني إسرائيل، وزينب بنت جحش الأسدية، وجويرية بنت الحارث من بني المصطلق. ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ أصل «تعال»: أن يقوله من كان في موضع مرتفع لمن في موضع منخفض، ثم استعملت بمعنى: «أَقْبِلْ»
стр. 1966
في جميع الأمكنة.
و ﴿أُمَتِّعْكُنَّ﴾: من المتعة، وهي الإحسان إلى المرأة إذا طلقت.
والسراح: الطلاق.
فمعنى الآية: أن الله أمر رسوله ﷺ أن يخيِّر نساءه بين الطلاق والمتعة إن أردن زينة الدنيا، وبين البقاء في عصمته إن أردن الآخرة، فبدأ ﷺ بعائشة فاختارت البقاء في عصمته، ثم تبعها سائرهُنَّ في ذلك، لم يقع طلاقٌ.
قالت عائشة: خيَّرنا رسول الله ﷺ فاخترناه، ولم يعدَّ (١) ذلك طلاقًا.
وإذا اختارت المخيَّرة الطلاق:
فمذهب مالك: أنه ثلاث.
وقيل: طلقة بائنة.
وقيل: طلقة رجعية.
ووصفُ السَّراح بالجميل يحتمل:
أن يريد: أنه دون الثلاث.
أو يريد أنه ثلاث، وجماله: حسن الرَّعْي والثناء وحفظ العهد.
﴿لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ﴾ «من» للبيان، لا للتبعيض؛ لأن جميعهنَّ محسناتٌ.
﴿بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ قيل: يعني: الزنا.
стр. 1967
وقيل: يعني: عصيان زوجهن ﷺ ، أو تكليفه ما يشقُّ عليه.
وقيل: عمومٌ في المعاصي.
﴿يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ أي: يكون عذابها في الآخرة مثل عذاب غيرها مرتين، وإنما ذلك لعلوِّ رتبتهن (١)؛ لأن كلَّ أحد يطالَب على مقدار (٢) حاله.
وقرئ ﴿يُضَاعَفْ﴾:
بالياء ورفع ﴿الْعَذَابُ﴾، على البناء للمفعول.
وبالنون ونصب ﴿الْعَذَابَ﴾، على البناء للفاعل.
﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ قرئ:
بالياء؛ حملًا على لفظ «من».
وبالتاء؛ حملًا على المعنى.
وكذلك ﴿وَتَعْمَلْ﴾.
والقنوت هنا: بمعنى الطاعة.
﴿نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ أي: يضاعف (٣) لهن ثواب الحسنات.
﴿رِزْقًا كَرِيمًا﴾ يعني: في الجنة.
стр. 1968
وقيل: في الدنيا.
والأوّل هو الصحيح.
﴿لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ فضَّلهن الله على النساء بشرط التقوى، وقد حصل لهن التقوى فحصل التَّفضيل على جميع النساء، إلَّا أنه يخرج من هذا العموم: فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، ومريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون؛ لشهادة رسول الله ﷺ لكل واحدة منهن بأنها سيدة نساء عالمها.
﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾ نهيٌ عن الكلام اللَّيِّن الذي يُعجب الرجال ويُميلهم إلى النساء.
﴿فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ أي: فجورٌ وميلٌ للنساء.
وقيل: هو النفاق، وهذا بعيد في هذا الموضع.
﴿وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ هو الصواب من الكلام.
أو (١) الذي ليس فيه شيء مما نهي عنه.
﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ قرئ بكسر القاف، ويحتمل وجهين:
أن يكون من الوقار.
أو من القرار في الموضع، ثم حذفت الراء الواحدة كما حذفت اللام في «ظَلْتُ».
стр. 1969
وأما القراءة بالفتح:
فمن القرار في الموضع، على لغة من يقول: قَرِرت - بالكسر - أَقَرُّ - بالفتح -، والمشهور في اللغة عكس ذلك.
وقيل: هي من: قار يقار: إذا اجتمع.
ومعنى القرار أرجح؛ لأن سودة ﵂ قيل لها: لم لا تحجّين؟ فقالت: أمرنا الله أن نَقَرَّ في بيوتنا.
وكانت عائشة إذا قرأت هذه الآية تبكي على خروجها أيام الجمل، وحينئذ قال لها عمار: إن الله أمرك أن تقَرّي في بيتك.
﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ﴾ التبرُّج: إظهار الزينة.
﴿تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ أي: مثل ما كان نساء الجاهلية يفعلن، من الانكشاف والتعرُّض للنظر.
وجعلها أُولى؛ بالنظر إلى حال الإسلام.
وقيل: الجاهلية الأولى: ما بين آدم ونوح.
وقيل: ما بين موسى وعيسى.
﴿الرِّجْسَ﴾ أصله: النجس، والمراد به هنا: النقائص والعيوب.
﴿أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ منادى، أو منصوبٌ على التخصيص.
وأهل بيت النبي ﷺ هم: أزواجه، وذريته، وأقاربه، كالعباس وَعَلِيٍّ، وكل من حَرُمَت عليه الصدقة.
стр. 1970
وقيل: المراد هنا: أزواجه خاصة، والبيت على هذا: المسكن، وهذا ضَعِيفٌ؛ لأن الخطاب بالتذكير، ولو أراد ذلك لقال: «عَنكُنَّ».
وروي أن النبي ﷺ قال: «نزلت هذه الآية في خمسة: فيَّ وفي عليّ وفاطمة والحسن والحسين» (١).
﴿وَاذْكُرْنَ﴾ خطاب لأزواج النبي ﷺ ، خَصَّهُنَّ به بعد دخولهن مع أهل البيت.
وهذا الذكر يحتمل أن يكون التلاوة، أو التَّذَكُّر بالقلب.
و ﴿آيَاتِ اللَّهِ﴾: هي القرآن، و ﴿وَالْحِكْمَةِ﴾: هي السنة.
أخصَّ لأنه بالقلب خاصة، وهذا هو الأظهر في هذا الموضع.
﴿وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ﴾ يحتمل أن يكون: بمعنى العبادة، أو الطاعة.
﴿وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ﴾ يحتمل أن يكون:
من صدق القول.
أو من صدق العزم.
أو العهد.
﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ﴾ الآية؛ معناها: أنه ليس لمؤمن ولا مؤمنة اختيار مع الله ورسوله، بل يجب عليهم التسليم والانقياد لأمر الله ورسوله.
والضمير في قوله: ﴿مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ راجعٌ إلى الجمع الذي يقتضيه قوله: ﴿لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ﴾؛ لأن معناه العموم في جميع المؤمنين والمؤمنات.
وهذه الآية توطئةٌ (١) للقصة المذكورة بعدها.
وقيل: سببها: أن رسول الله ﷺ خطب امرأة ليزوجها (٢) لمولاه زيد بن حارثة، فكرهت هي وأهلها ذلك، فلما نزلت الآية قالوا: رضينا يا رسول الله.
واختُلِف هل هذه المخطوبة زينب بنت جحش أو غيرها؟
وقد قيل: إنها أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط.
стр. 1973
﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ هو زيد بن حارثة الكلبي، وإنعام الله عليه: بالإسلام وغيره، وإنعام النبي ﷺ : بالعتق.
وكانت عند زيد زينبُ بنت جحش وهي بنت أميمة عمة النبي ﷺ ، فشكا زيد إلى رسول الله ﷺ سوء معاشرتها وتعاظمها عليه، وأراد أن يطلقها، فقال له رسول الله ﷺ : ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ﴾ يعني: فيما وصفها به من سوء المعاشرة.
أو: اتق الله ولا تطلقها، فيكون نهيًا عن الطلاق على وجه التنزيه، كما قال ﷺ : «أبغض المباح إلى الله الطلاق» (١).
﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ الذي أخفاه رسول الله ﷺ في نفسه أمرٌ جائز مباح لا إثم فيه ولا عَتْب (٢)، ولكنه خاف أن يسلط الناس عليه ألسنتهم وينالوا منه، فأخفاه حياءً وحشمة وصيانة لعرضه، وذلك أنه روي أن النبي ﷺ كان حريصًا على أن يطلق زيد زينب ليتزوجها هو ﷺ لقرابتها منه ولحسنها، فقال: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ وهو يخفي الحرص عليها؛ خوفًا من كلام الناس، لئلا يقولوا: تزوج امرأة ابنه؛ إذ كان قد تَبنَّاه، فالذي أخفاه ﷺ : وهو إرادة تزوجها، فأبدى الله ذلك بأن قضى له بتزوُّجها.
قالت عائشة: لو كان رسول الله ﷺ كاتمًا شيئًا من الوحي لكتم هذه الآية؛ لشدَّتِها عليه.
وقيل: إن الله كان قد أوحى إلى رسول الله ﷺ أن يتزوج زينب بعد طلاق
стр. 1974
زيد، فالذي أخفاه رسول الله ﷺ : هو ما أعلمه الله به من ذلك.
﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ لم يُذكر أحد من الصحابة في القرآن باسمه غير زيد بن حارثة.
والوطر: الحاجة.
قال ابن عطية: ويراد به هنا: الجماع (١).
والأحسن أن يكون أعم من ذلك، أي: لما لم يبق لزيد فيها حاجة زوجها الله من نبيه ﷺ .
وأسند الله تزويجها إليه تشريفًا له (٢)، ولذلك كانت زينب تفتخر على نساء النبي ﷺ وتقول: «إن الله زوجني نبيه من فوق سبع سموات».
واستدلَّ بعضهم بقوله: ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾ على أن الأولى: أن يقال في كتاب الصَّداق: «أنكحه إياها» بتقديم ضمير الزوج على ضمير الزوجة كما في الآية.
﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾ المعنى: أن الله زوّج زينب امرأة زيد من رسول الله ﷺ ؛ ليعلم المؤمنون أن تزوُّج نساء أدعيائهم حلالٌ لهم، فإن الأدعياء ليسوا لهم بأبناء حقيقة.
﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾ المعنى: أن تزوُّج النبي ﷺ لزينب بعد زيد حلالٌ لا حرج فيه ولا إثم ولا عتاب، وفي ذلك ردٌّ على
стр. 1975
من تكلَّم في ذلك من المنافقين.
و ﴿فَرَضَ﴾ هنا بمعنى: قسم الله له.
﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾ أي: عادة الله في الأنبياء المتقدمين أن ينالوا ما أحله الله لهم.
وقيل: إن الإشارة بذلك إلى دواد في تزوُّجه للمرأة التي جرى له فيها ما جرى.
والعموم أحسن.
ونصبُ ﴿سُنَّةَ﴾:
على المصدر.
أو على إضمار فعل.
أو على الإغراء.
﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ﴾ صفة لـ ﴿الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾، وهم الأنبياء.
أو رفعٌ على إضمار مبتدإٍ.
أو نصبٌ بإضمار فعل.
﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ هذا ردٌّ على من قال في زيد بن حارثة: زيد بن محمد، فاعترض على النبي ﷺ تزوُّج امرأةِ زيد.
وعموم النفي في الآية لا يعارضه وجود الحسن والحسين؛ لأنه ﷺ ليس أبًا لهما في الحقيقة؛ لأنهما ليسا من صلبه، وإنما كانا ابني بنته، وأما ذكور
стр. 1976
أولاده فماتوا صغارًا؛ فليسوا من الرجال.
﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ أي: آخرهم فلا نبيَّ بعده ﷺ .
وقرئ:
بكسر التاء: بمعنى أنه خَتَمهم فهو خاتِم.
وبالفتح بمعنى أنهم خُتِموا به، فهو كالخاتم والطابع لهم.
فإن قيل: إن عيسى ينزل في آخر الزمان فيكون بعده ﷺ ؟
فالجواب: أن النبوَّة أتت (١) عيسى قبله ﷺ ، وأيضًا فإن عيسى يكون إذا نزل على شريعته ﷺ ، فكأنه واحد من أمته.
﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ قيل: إن ذلك إشارةٌ إلى صلاة الصبح والعصر.
والأظهر أنه أمرٌ بالتسبيح في أول النهار وآخره.
وقال ابن عطية: أراد: في كل الأوقات، فحدَّ النهار بطَرَفَيْه (١).
﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم﴾ هذا خطاب للمؤمنين، وصلاة الله عليهم: رحمته لهم، وصلاة الملائكة عليهم: دعاؤهم لهم، فاستعمل لفظ ﴿يُصَلِّي﴾ في المعنيين على اختلافهما.
وقيل: إنه على حذفِ تقديره: «وملائكته يصلون».
﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾ قيل: يعني: يوم القيامة.
وقيل: في الجنة، وهو الأرجح لقوله: ﴿وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾ [يونس: ١٠].
ويحتمل أن يريد:
تسليم بعضهم على بعض.
أو قول الملائكة لهم: «سلامٌ عليكم».
﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا﴾ أي: يشهد على أمته.
﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ﴾ أي: بأمره وإرساله.
﴿وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ استعارةٌ للنور الذي تضمَّنه الدين.
﴿وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾ يحتمل وجهين:
أحدهما: لا تؤذهم، فالمصدر على هذا: مضاف إلى المفعول، ونُسخ
стр. 1979
من الآية على هذا التأويل ما يخصُّ الكافرين بآية السيف.
والآخر: احتمل إذايتهم لك، وأعرض عن أقوالهم، فالمصدر على هذا: مضاف للفاعل.
﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ الآية؛ معناها: سقوط العدَّة عن المطلقة قبل الدخول.
فالنكاح في الآية: هو العقد، والمس: هو الجماع، و ﴿تَعْتَدُّونَهَا﴾: من العَدَد.
﴿فَمَتِّعُوهُنَّ﴾ هذا يقتضي مُتعة المطلقة قبل الدخول، سواءٌ فُرِضَ لها أو لم يُفرَض لها صداقٌ، وقوله تعالى في «البقرة»: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] يقتضي أن المطلقة قبل الدخول وقد فرض لها: يجب لها نصف الصداق ولا متعة لها.
وقد اختلف هل هذه الآية ناسخة لآية البقرة أو منسوخة بها؟
ويمكن الجمع بينهما: بأن تكون آية البقرة مبينة لهذه، ومخصصة لعمومها.
﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ في معناها قولان: أحدهما: أن المراد: أزواجه اللاتي في عصمته حينئذ، كعائشة وغيرها، وكان قد أعطاهن مهورهن.
والآخر: أن المراد: جميع النساء، فأباح الله له أن يتزوج كل امرأة يعطي مهرها، وهذا أوسع من الأول.
стр. 1980
﴿وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ أباح الله له مع الأزواج السَّراري بملك اليمين.
ويعني بقوله: ﴿أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ﴾: الغنائم.
﴿وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ﴾ يعني: قرابته من جهة أبيه ومن جهة أمه، وكان له ﷺ أعمامٌ وعمات إخوة لأبيه، ولم يكن لأمه ﷺ أخٌ ولا أخت، فإنما (١) يعني بخاله وخالته: عشيرة أمه وهم بنو زُهرة، ولذلك كانوا يقولون: نحن أخوال رسول الله ﷺ .
فمن قال: إن المراد بقوله: ﴿أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾: مَنْ كانت في عصمته: فهذا عطفٌ عليهن، وإباحةٌ لأن يتزوج قرابته زيادةً إلى مَنْ كان في عصمته.
ومن قال: إن المراد: جميع النساء، فهذا تجريدٌ منهنَّ؛ على وجه التشريف بعد دخول هؤلاء في العموم.
﴿اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾ تخصيصٌ تحرَّز به ممن لم يهاجر، كالطلقاء الذين أسلموا يوم فتح مكة.
﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ أباح الله له ﷺ مَنْ وهبت له نفسها من النساء، واختلف هل وقع ذلك أم لا؟
فقال ابن عباس: لم تكن عند النبي ﷺ امرأةٌ إلا بنكاح أو ملك يمين، لا بهبة نفسها، ويؤيد هذا: قراءةُ الجمهور: ﴿إِنْ وَهَبَتْ﴾ - بكسر الهمزة - أي: إن وقع ذلك.
وقيل: قد وقع ذلك، وعلى هذا قرئ: ﴿أَنْ وَهَبَتْ﴾ - بفتح الهمزة -،
стр. 1981
التسهيل لعلوم التنزيل
واختلف على هذا القول فيمن هي التي وهبت نفسها؟
فقيل: ميمونة بنت الحارث.
وقيل: زينب بنت خزيمة أم المساكين.
وقيل: أم شريك الأنصارية.
وقيل: أم شريك العامرية.
﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: هبةُ المرأة نفسَها مزيةٌ خاصةٌ (١) بالنبي ﷺ دون غيره.
وانظر كيف رجع من الغيبة إلى الخطاب؛ ليخصَّ المخاطب وحده.
وقيل: إن ﴿خَالِصَةً﴾ يرجع إلى كل ما تقدَّم، من النساء المباحات له ﷺ ؛ لأن سائر المؤمنين قُصروا على أربع نسوة، وأبيح له ﷺ أكثر من ذلك. ومذهب مالك: أن النكاح بلفظ الهبة لا ينعقد، خلافًا لأبي حنيفة.
وإعراب ﴿خَالِصَةً﴾: مصدر، أو حال، أو صفة لـ ﴿وَامْرَأَةً﴾.
﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ﴾ يعني: أحكامَ النكاح؛ من الصَّداق والوليِّ والاقتصار على أربع وغير ذلك.
﴿لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ﴾ يتعلَّق بالآية التي قبله (٢) أي: قد بيَّنا أحكام النكاح؛ لئلا يكون عليك حرج، أو لئلا يُظنَّ بك أنك فعلت ما لا يجوز.
стр. 1982
وقال الزمخشري: يتعلَّق بقوله: ﴿خَالِصَةً لَكَ﴾ (١).
﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ معنى ﴿تُرْجِي﴾: تؤخِّر وتُبعِد، ومعنى: ﴿وَتُؤْوِي﴾: تضمُّ وتقرِّب.
واختُلف في المراد بهذا الإرجاء والإيواء؟
فقيل: إن ذلك في القسمة بينهنَّ؛ أي: تكثر لمن شئت، وتقلُّ لمن شئت.
وقيل: إنه في الطلاق؛ أي: تمسك مَنْ شئت وتطلق مَنْ شئت.
وقيل: معناه: تتزوج من شئت، وتترك من شئت.
والمعنى على كل قول: توسعةٌ على النبي ﷺ ، وإباحةٌ له أن يفعل ما شاء، وقد اتفق الناقلون على أنه ﷺ كان يعدل في القسمة بين نسائه؛ أخذًا منه بأفضل الأخلاق مع إباحة الله له.
والضمير في قوله: ﴿مِنْهُنَّ﴾ يعود: على أزواجه ﷺ خاصةً، أو على كل ما أحل له؛ على حسَب الخلاف المتقدِّم.
﴿وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ في معناه قولان:
أحدهما: مَنْ كنت عزلته من نسائك فلا جناح عليك في ردِّه بعد عزله.
والآخر: مَنْ ابتغيت ومن عزلت سواءٌ في إباحة ذلك.
في «مِنْ»:
للتبعيض على القول الأول.
стр. 1983
وأما على الثاني فنحو قولك: «مَنْ لقيك ممن لم يلقك سواء».
﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ﴾ أي: إذا عَلِمنَ أن هذا حكمُ الله قرت به أعينهن ورضين به، وزال ما كان بِهِنَّ من الغيرة، فإن سبب نزول هذه الآيات ما وقع لأزواج النبي ﷺ من غيرة بعضهن على بعض.
﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ فيه قولان:
أحدهما: لا يحل لك النساء غير اللاتي في عصمتك الآن ولا تزيد (١) عليهن.
قال ابن عباس: لما خيرهن رسول الله ﷺ فاخترن الله ورسوله جازاهن الله على ذلك، بأن حرم عليه غيرهن (٢) من النساء؛ كرامة لهن.
والقول الثاني: لا يحل لك النساء غير الأصناف التي سُمِّيت، والخلاف هنا يجري على الخلاف في المراد بقوله: ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ أي: لا يحل لك غير مَنْ ذُكِر حسبما تقدَّم.
وقيل: معنى ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ﴾: لا يحل لك اليهوديات ولا النصرانيات من بعد المسلمات المذكورات، وهذا بعيد.
واختلف في حكم هذه الآية؟
فقيل: إنها منسوخة بقوله: ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ على القول بأن المراد به: جميع النساء.
стр. 1984
وقيل: إن هذه الآية ناسخةٌ لتلك على القول بأن المراد: من كان في عصمته، وهذا هو الأظهر؛ لما ذكرنا عن ابن عباس، ولأن التسع في حقه ﷺ كالأربع في حق أمته.
﴿وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ﴾ معناه: لا يحل لك أن تطلق واحدة منهن وتتزوج غيرها بدلًا منها.
وقيل: معناه: ما كانت العرب تفعله من المبادلة في النساء، بأن ينزل الرجل عن زوجته لرجل وينزل الآخر له عن زوجته، وهذا ضعيف.
﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾ في هذا دليلٌ على جواز النظر إلى المرأة إذا أراد الرجل أن يتزوجها.
﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ المعنى: أن الله أباح له الإماء.
والاستثناء:
في موضع رفعٍ على البدل من ﴿النِّسَاءُ﴾.
أو في موضع نصبٍ على الاستثناء من الضمير في ﴿حُسْنُهُنَّ﴾.
стр. 1985
[﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا (٥٣) إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٥٤) لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسَائِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (٥٥) إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦) إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (٥٧) وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٥٨)﴾].
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ﴾ سبب هذه الآية على ما رواه أنس: أن رسول الله ﷺ ، لما تزوج زينب بنت جحش، أولم عليها، فدعا الناس، فلما طعموا قعد نفر في طائفة من البيت، فثقل ذلك على رسول الله ﷺ ، فخرج ليخرجوا بخروجه، ومر على حُجر نسائه، ثم عاد فوجدهم في مكانهم، فانصرف، فخرجوا عن ذلك.
وقال ابن عباس: نزلت في قوم كانوا يتحينون طعام النبي ﷺ ، فيدخلون عليه قبل الطعام فيقعدون إلى أن يُطبَخَ (١)، ثم يأكلون ولا يخرجون، فأمروا أن لا يدخلوا حتى يؤذن لهم، وأن ينصرفوا إذا أكلوا.
стр. 1986
قلت: والقول الأول أشهر، وقول ابن عباس أليق بما (١) في الآية من النهي عن الدخول حتى يؤذن لهم، فلعلَّ (٢) قول ابن عباس: في النهي عن الدخول حتى يؤذن لهم، والقول الأول في النهي عن القعود بعد الأكل؛ فإن الآية تضمنَّت الحكمين.
﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ أي: غير منتظرين لوقت الطعام، والإنى: هو الوقت. وقيل: إنَّى الطعام: نُضْجه وإدراكه، يقال: أَنَى يَأْنِي إنًى.
﴿وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا﴾ أمرٌ بالدخول بعد الدعوة، وفي ذلك تأكيدٌ للنهي عن الدخول قبلها.
﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا﴾ أي: انصرفوا، قال بعضهم: هذا أدبٌ أدَّب الله به الثقلاء.
وقالت عائشة ﵂: حسبُك من الثقلاء أن الله لم يَحْتملهم!.
﴿وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾ معطوف على ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ﴾.
أو تقديره: «ولا تدخلوها مستأنسين».
ومعناه النهي عن:
أن يطلبوا الجلوس للأنس بحديث بعضهم مع بعض.
أو يستأنسوا حديث أهل البيت، واستئناسه: تسمُّعه وتجسُّسه.
﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ﴾ يعني: جلوسهم للحديث، أو دخولهم بغير إذن.
стр. 1987
﴿فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ﴾ تقديره: يستحيي من إخراجكم؛ بدليل قوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ يعني: إن إخراجكم حقٌّ لا يتركه الله.
﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ المتاع: الحاجة من الأثاث وغيره.
وهذه الآية نزلت في احتجاب أزواج النبي ﷺ ، وسببها: ما رواه أنس من قعود القوم يوم الوليمة في بيت زينب.
وقيل: سببها: أنَّ عمر بن الخطاب أشار على رسول الله ﷺ بأن يحجب نساءه، فنزلت الآية موافقةً لقول عمر.
قال بعضهم: لما نزل في أمهات المؤمنين ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ كنَّ لا يجوز للناس كلامهن إلَّا من وراء حجاب، ولا يجوز أن يروهنَّ منتقباتٍ ولا غير منتقبات، خُصِصْنَ (١) بذلك دون سائر النساء.
﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ يريد: أنقى من الخواطر التي تعرض للرجال في أمر النساء، وللنساء في أمر الرجال.
﴿وَلَا أَنْ تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ﴾ سببها: أن بعض الناس قال: لو مات رسول الله ﷺ لتزوَّجتُ عائشة، فحرَّم الله على الناس تزوُّج نسائه بعده؛ كرامةً له ﷺ .
﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ﴾ الآية؛ لما أوجب الله الحجاب أباح لهن الظهور لذوي محارمهن من القرابة، وهم: الآباء، والأبناء، والإخوة، وأولادهم، وأولاد الأخوات.
стр. 1988
﴿وَلَا نِسَائِهِنَّ﴾ قيل: يريد: النساء (١) القرابة والمتصرّفاتُ لهن.
وقيل: يريد نساء جميع المؤمنات.
ويقوي الأولُ: تخصيصُ النساء بالإضافة إليهن.
ويقوي الثاني: أنهن كن لا يحتجبن من النساء على الاطلاق.
﴿وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ اختلف فيمن أبيح لهن الظهور له من ملك اليمين؟
فقيل: الإماء دون العبيد.
وقيل: الإماء والعبيد، وهذا أولى بلفظ الآية، ثم اختلف من ذهب إلى هذا:
فقال قوم: من مَلَكْنَهُ (٢) من العبيد دون من ملكه غيرُهن، وهذا هو الظاهرُ من لفظ الآية.
وقال قوم: بل جميع العبيد، كان في ملكهن أو في ملك غيرهن (٣).
﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ هذه الآية تشريف للنبي ﷺ .
وقد ذكرنا معنى صلاة الله وصلاة الملائكة في قوله: ﴿يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ﴾ [الأحزاب: ٤٣].
﴿صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ الصلاة على النبي ﷺ فرضٌ إسلاميٌ،
стр. 1989
فالأمر به محمولٌ على الوجوب، وأقلُّه مرةٌ في العمر.
وأما حكمها في الصلاة:
فمذهب الشافعي: أنها فرض تبطل الصلاة بتركه.
ومذهب مالك: أنها سنة.
وصفتها: ما ورد في الحديث الصحيح: «اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على (١) إبراهيم إنك حميد مجيد» (٢).
وقد اختلفت الروايات في ذلك اختلافًا كثيرًا.
وأما السلام على النبي ﷺ فيحتمل أن يريد:
السلام عليه في التشهد في الصلاة.
أو السلام عليه حين لقائه.
وأما السلام عليه بعد موته: فقد قال ﷺ : «من سلم عليَّ قريبًا سمعتُه، ومن سلم عليَّ بعيدًا بُلِّغته (٣)؛ فإن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء» (٤).
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ إذايةُ الله: هي بالإشراك به، ونسبة الصاحبة والولد به.
стр. 1990
وليس معنى إذايته أنه يضره الأذى؛ لأنه تعالى لا يضره شيء ولا ينفعه شيء.
وقيل: إنها على حذف مضاف تقديره: يؤذون أولياء الله.
والأول أرجح؛ لأنه ورد في الحديث: «يقول الله تعالى: يشتمني ابن آدم وليس له أن يشتمني، ويكذبني وليس له أن يكذبني، أما شتمه إياي فقوله: إن لي صاحبةً وولدًا، وأما تكذيبه إياي فقوله: لا يعيدني كما بدأني».
وأما إذاية رسول الله ﷺ : فهي التعرُّض له بما يكره من الأقوال أو الأفعال.
وقال ابن عباس: نزلت في الذين طعنوا عليه حين اتخذ (١) صفية بنت حيي.
﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا﴾ الآية في البهتان، وهو ذكر الإنسان بما ليس فيه، وهو أشدُّ من الغيبة، مع أن الغيبة محرمة، وهي ذكره بما فيه مما يكره.
стр. 1991
[﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥٩) لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا (٦٠) مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا (٦١) سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (٦٢) يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا (٦٣) إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٦٥) يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَالَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا (٦٦) وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (٦٧) رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا (٦٨)﴾]
﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ كان نساء العرب يكشفن وجوههن كما تفعل الإماء، وكان ذلك داعيًا إلى نظر الرجال إليهن، فأمرهن الله بإدناء الجلابيب ليسترن بذلك وجوههن، ويقع الفرق بين الحرائر والإماء.
والجلابيب: جمع جلباب، وهو ثوب أكبر من الخمار.
وقيل: هو الرداء.
وصورة إدنائه:
عند ابن عباس: أن تلويه على وجهها حتى لا يظهر منها إلَّا عين واحدة تبصر بها.
وقيل: أن تلويه حتى لا يظهر إلَّا عيناها.
وقيل: أن تغطي نصف وجهها.
стр. 1992
﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ أي: ذلك أقرب إلى أن يعرف الحرائر من الإماء، فإذا عُرف أن المرأة حرَّةٌ لم تُعارض بما تعارض به الأمة.
وليس المعنى: أن تُعرف المرأة حتى يُعلم من هي، إنما المراد: أن يُفرَّق بينها وبين الأمة؛ لأنه كان بالمدينة إماءٌ يُعرَفْنَ بالسوء، وربما تعرَّض لهن السفهاء.
﴿لَئِن لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ﴾ الآية؛ تضمنت وعيد هؤلاء الأصناف إن لم ينتهوا.
فقيل: إنهم لم ينتهوا، ولم يُنْفذ الوعيد عليهم، ففي ذلك دليلٌ على بطلان القول بوجوب إنفاذ الوعيد في الآخرة.
وقيل: إنهم انتهوا وستروا أمرهم، فكفَّ عنهم إنفاذ الوعيد.
و ﴿الْمُنَافِقُونَ﴾: هم الذين يظهرون الإيمان ويخفون الكفر.
و ﴿الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾: قومٌ كان فيهم ضعف إيمان، وقلة ثبات عليه.
وقيل: هم الزناة؛ كقوله: ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب: ٣٢]-.
و ﴿وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ﴾: قومٌ كانوا يُشيعون أخبار السوء ويخوِّفون (١) المسلمين.
فيحتمل أن تكون هذه الأصناف:
متفرقةً.
стр. 1993
أو تكون داخلةً في جملة المنافقين، ثم جَرَّدها بالذكر.
﴿لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾ أي: نسلّطك عليهم، وهذا هو الوعيد.
﴿ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا﴾ ذلك لأنه ينفيهم أو يقتلهم، والضمير المجرور: للمدينة.
﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ يحتمل أن يريد:
إلَّا جوارًا قليلًا.
أو وقتًا قليلًا.
أو عددًا (١) قليلًا منهم.
والإعراب يختلف بحسب هذه الاحتمالات، فـ ﴿قَلِيلًا﴾:
على الاحتمال الأول: مصدر.
وعلى الثاني: ظرف.
وعلى الثالث: منصوب على الاستثناء.
﴿مَلْعُونِينَ﴾ نصبٌ:
على الذم.
أو بدلٌ من ﴿قَلِيلًا﴾ على الوجه الثالث.
أو حالٌ من ضمير الفاعل في ﴿يُجَاوِرُونَكَ﴾ تقديره: سَيُنْفَوْنَ ملعونين.
стр. 1994
﴿أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا﴾ أي: حيثما ظُفِر بهم أُسِروا، والأخذ: الأسر.
﴿سُنَّةَ اللَّهِ﴾ أي: عادته، ونصبهُ على المصدر.
﴿فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾ أي: عادته في المنافقين من الأمم المتقدمة.
وقيل: يعني: كفار بدر؛ لأنهم أسروا وقتلوا.
﴿تَكُونُ قَرِيبًا﴾ إنما قال ﴿قَرِيبًا﴾ بالتذكير، والساعةُ مؤنثةٌ:
على تقدير: شيئًا قريبًا، أو زمانًا قريبًا.
أو لأن تأنيثها غيرُ حقيقي.
﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾ العامل في ﴿يَوْمَ﴾:
قوله: ﴿يَقُولُونَ﴾.
أو: ﴿لَا يَجِدُونَ﴾.
أو محذوفٌ.
وتقليب وجوههم:
تصريفُها في جهات النار، كما تدور البَضْعَةُ (١) في القدر إذا غلت من جهة إلى جهة.
أو تغييرها (٢) عن أحوالها.
стр. 1995
[﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا (٦٩) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١) إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢) لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٣)﴾].
﴿لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾ هم قوم من بني إسرائيل، وإذايتهم لهم: ما ورد في الحديث: أن بني إسرائيل كانوا يغتسلون عراةً، وكان موسى يستتر منهم إذا اغتسل، فقالوا: إنه آدر (١)، فاغتسل موسى يومًا وحده وجعل ثيابه على حجر، ففرَّ الحجر بثيابه، واتَّبعه موسى وهو يقول: «ثوبي حجر!، ثوبي حجر!»، فمرَّ في اتباعه على ملإٍ من بني إسرائيل فرأوه سليمًا ما قالوا، فذلك قوله: ﴿فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا﴾ (٢).
وقيل: إذايتهم له: أنهم رموه بأنه قَتَل أخاه هارون، فبعث الله ملائكةً فحملته حتى رآه بنو إسرائيل ليس فيه أثرٌ، فبرَّأ الله موسى.
وروي أنه حَيِيٌّ فأخبرهم ببراءة موسى.
والقول الأول هو الصحيح؛ لوروده في الحديث الصحيح.
﴿قَوْلًا سَدِيدًا﴾ قيل: يعني: لا إله إلا الله.
стр. 1996
واللفظ أعم من ذلك.
﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾ الأمانة: هي التكاليف الشرعيةِ مِنْ التزامِ الطاعاتِ وتركِ المعاصي.
وقيل: هي الأمانة في الأموال.
وقيل: غُسل الجنابة.
والصحيح العموم في التكاليف.
وعَرْضُها على السموات والأرض والجبال يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون الله خلق لها إدراكًا، فعرضت عليها الأمانة حقيقةً، فأشفقت منها، وامتنعت من حملها.
والثاني: أن تكون على وجه المجاز، والمراد: تعظيم شأن الأمانة، وأنها من الثِّقَل بحيث إنها لو عُرِضت على السموات (١) والأرض والجبال، لأَبَيْنَ من حملها وأشفقن منها، فهذا ضربٌ من المجاز كقولهم: «عرضتُ الحِمْل العظيم على الدابة فأبت أن تحمله»، والمراد أنها لا تقدر على حمله.
﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ﴾ أي: التزم الإنسان القيام بالتكاليف مع شدَّة ذلك، وصعوبته على الأجرام التي هي أعظم منه، ولذلك وصفه الله بأنه ظلوم جهول.
و ﴿الْإِنْسَانُ﴾ هنا: جنس.
стр. 1997
وقيل: يعني: آدم.
وقيل: قابيل الذي قتل أخاه.
﴿لِيُعَذِّبَ﴾ اللام للصيرورة؛ فإن حمل الأمانة كان سبب تعذيب المنافقين والمشركين، ورحمةً للمؤمنين.
الحمد في الدنيا والآخرة، ثم جَرَّدَ منه الحمد في الآخرة، كقوله: ﴿فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨].
ثم إن الحمد في الآخرة يحتمل:
أن يريد به الجنس.
أو يريد به قوله: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠]، أو ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾ [الزمر: ٧٤].
﴿مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: يدخل فيها من المطر والأموات (١) وغير ذلك، ﴿وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾ من النبات وغيره، ﴿وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ﴾ من المطر والملائكة والرحمة والعذاب وغير ذلك، ﴿وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ أي: يصعد ويرتفع من الأعمال وغيرها.
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ﴾ روي: أن قائل هذه المقالة هو أبو سفيان ابن حرب.
﴿لَا يَعْزُبُ﴾ أي: لا يغيب ولا يخفى.
﴿وَلَا أَصْغَرُ﴾ معطوف على ﴿مِثْقَالُ﴾.
وقال الزمخشري: هو مبتدأ؛ لأن حرف الاستثناء يمنع من العطف (٢).
ولا خلاف بين القراء السبعة في رفع ﴿أَصْغَرُ﴾ و ﴿أَكْبَرُ﴾ في هذا الموضع.
стр. 2000
وقد حكى ابن عطية الخلاف فيه عن بعض القراء السبعة (١)، وإنما الخلاف في «يونس».
﴿فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ يعني: اللوح المحفوظ.
﴿لِيَجْزِيَ﴾ يتعلق:
بقوله: ﴿لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾.
أو بقوله: ﴿لَا يَعْزُبُ﴾.
أو بمعنى قوله: ﴿فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾.
﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا﴾ مبتدأ، وخبره الجملة بعده.
وقال ابن عطية: هو معطوف على ﴿الَّذِينَ﴾ الأول (٢).
وقد ذُكر في «الحج» معنى ﴿سَعَوْا﴾، و ﴿مُعَاجِزِينَ﴾ (٣).
﴿أَلِيمٌ﴾ بالرفع: صفة لـ ﴿عَذَابٌ﴾.
وبالخفض: صفة لـ ﴿رِجْزٍ﴾.
﴿وَيَرَى﴾ معطوف على ﴿لِيَجْزِيَ﴾.
أو مستأنفٌ، وهذا أظهر.
﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ هم:
الصحابة.