← Тафсир

Тафсир · id 30186

تفسير ابن جزي التسهيل لعلوم التنزيل - ط طيبة الخضراء

ابن جزي الكلبي

Полный текст (3 030 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.

стр. 1996

واللفظ أعم من ذلك. ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾ الأمانة: هي التكاليف الشرعيةِ مِنْ التزامِ الطاعاتِ وتركِ المعاصي. وقيل: هي الأمانة في الأموال. وقيل: غُسل الجنابة. والصحيح العموم في التكاليف. وعَرْضُها على السموات والأرض والجبال يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون الله خلق لها إدراكًا، فعرضت عليها الأمانة حقيقةً، فأشفقت منها، وامتنعت من حملها. والثاني: أن تكون على وجه المجاز، والمراد: تعظيم شأن الأمانة، وأنها من الثِّقَل بحيث إنها لو عُرِضت على السموات (١) والأرض والجبال، لأَبَيْنَ من حملها وأشفقن منها، فهذا ضربٌ من المجاز كقولهم: «عرضتُ الحِمْل العظيم على الدابة فأبت أن تحمله»، والمراد أنها لا تقدر على حمله. ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ﴾ أي: التزم الإنسان القيام بالتكاليف مع شدَّة ذلك، وصعوبته على الأجرام التي هي أعظم منه، ولذلك وصفه الله بأنه ظلوم جهول. و ﴿الْإِنْسَانُ﴾ هنا: جنس.

стр. 1997

وقيل: يعني: آدم. وقيل: قابيل الذي قتل أخاه. ﴿لِيُعَذِّبَ﴾ اللام للصيرورة؛ فإن حمل الأمانة كان سبب تعذيب المنافقين والمشركين، ورحمةً للمؤمنين.

стр. 1998

(سورة سبأ) [﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١) يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ (٢) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٣) لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (٥) وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٦) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ (٧) أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ (٨) أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٩)﴾]. ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ﴾ يحتمل أن يكون الحمد الأول: في الدنيا، والثاني: في الآخرة. وعلى هذا حمله الزمخشري (١). ويحتمل عندي أن يكون الحمد الأول للعموم والاستغراق، فيجمع

стр. 1999

الحمد في الدنيا والآخرة، ثم جَرَّدَ منه الحمد في الآخرة، كقوله: ﴿فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨]. ثم إن الحمد في الآخرة يحتمل: أن يريد به الجنس. أو يريد به قوله: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠]، أو ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾ [الزمر: ٧٤]. ﴿مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: يدخل فيها من المطر والأموات (١) وغير ذلك، ﴿وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾ من النبات وغيره، ﴿وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ﴾ من المطر والملائكة والرحمة والعذاب وغير ذلك، ﴿وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ أي: يصعد ويرتفع من الأعمال وغيرها. ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ﴾ روي: أن قائل هذه المقالة هو أبو سفيان ابن حرب. ﴿لَا يَعْزُبُ﴾ أي: لا يغيب ولا يخفى. ﴿وَلَا أَصْغَرُ﴾ معطوف على ﴿مِثْقَالُ﴾. وقال الزمخشري: هو مبتدأ؛ لأن حرف الاستثناء يمنع من العطف (٢). ولا خلاف بين القراء السبعة في رفع ﴿أَصْغَرُ﴾ و ﴿أَكْبَرُ﴾ في هذا الموضع.

стр. 2000

وقد حكى ابن عطية الخلاف فيه عن بعض القراء السبعة (١)، وإنما الخلاف في «يونس». ﴿فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ يعني: اللوح المحفوظ. ﴿لِيَجْزِيَ﴾ يتعلق: بقوله: ﴿لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾. أو بقوله: ﴿لَا يَعْزُبُ﴾. أو بمعنى قوله: ﴿فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾. ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا﴾ مبتدأ، وخبره الجملة بعده. وقال ابن عطية: هو معطوف على ﴿الَّذِينَ﴾ الأول (٢). وقد ذُكر في «الحج» معنى ﴿سَعَوْا﴾، و ﴿مُعَاجِزِينَ﴾ (٣). ﴿أَلِيمٌ﴾ بالرفع: صفة لـ ﴿عَذَابٌ﴾. وبالخفض: صفة لـ ﴿رِجْزٍ﴾. ﴿وَيَرَى﴾ معطوف على ﴿لِيَجْزِيَ﴾. أو مستأنفٌ، وهذا أظهر. ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ هم: الصحابة.

стр. 2001

أو من أسلم من أهل الكتاب. أو على العموم. ﴿الْحَقَّ﴾ مفعول ثاني لـ ﴿يَرَى﴾؛ لأن الرؤيا هنا بالقلب بمعنى العلم، والضمير فصلٌ. ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: قال بعضهم لبعض: ﴿هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ﴾ يعنون: محمدًا ﷺ . ﴿يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ معنى ﴿مُزِّقْتُمْ﴾ أي: بليتم في القبور، وتقطَّعت أوصالكم، و ﴿كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾: مصدر. والخلق الجديد: هو الحشر في القيامة. والعامل في ﴿إِذَا﴾: معنى ﴿إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾؛ لأن معناه: تُبعثون إذا مزقتم. وقيل: العامل فيه: فعل مضمر مقدَّر قبلها، وذلك ضعيف. و ﴿إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ معمول ﴿يُنَبِّئُكُمْ﴾، وكسرت «إنَّ»؛ للام التي في خبرها. ومعنى الآية: أن ذلك الرجل يخبركم أنكم تبعثون بعد أن بليتم في الأرض، ومرادهم: استبعاد الحشر. ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ﴾ هذا من جملة كلام الكفار، ودخلت همزة الاستفهام على ألف الوصل، فحُذفت ألف الوصل وبقيت الهمزة مفتوحةً غير ممدودة.

стр. 2002

﴿بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ﴾ هذا ردٌّ عليهم، أي: أنه لم يفتر على الله كذبًا، وليس به جنة، بل هؤلاء الكفار في ضلال وحيرة عن الحق توجب لهم العذاب. ويحتمل أن يريد بالعذاب: عذاب الآخرة. أو العذاب في الدنيا بمعاندة الحق، ومحاولة ظهور الباطل. ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ الضمير في ﴿يَرَوْا﴾ للكفار المنكرين للبعث. وجعل السماء والأرض بين أيديهم وخلفهم؛ لأنهما محيطتان بهم. والمعنى: ألم يروا إلى السماء والأرض فيعلموا (١) أن الذي خلقهما قادرٌ على بعث الناس بعد موتهم؟. ويحتمل أن يكون المعنى تهديدًا لهم، ثم فسَّره بقوله: ﴿إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾؛ أي: أفلم يروا إلى السماء والأرض أنهما محيطتان بهم، فيعملوا (٢) أنهم لا مهرب لهم من الله؟. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾ الإشارة: إلى إحاطة السماء والأرض بهم. أو إلى عظمة خِلْقة السماء والأرض؛ فإن فيها آيةً تدل على البعث.

стр. 2003

[﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (١٠) أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١) وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ (١٢) يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (١٣) فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ (١٤)﴾]. ﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾ تقديره: قلنا يا جبال، والجملة تفسير للفضل. ومعنى ﴿أَوِّبِي﴾: سبحي، وأصله من التأويب، وهو الترجيع؛ لأن كان يرجع التسبيح فترجعه معه. وقيل: هو من التأويب بمعنى: السير بالنهار. وقيل: كان ينوح، فَتُسْعِده (١) الجبال بصدها، والطير بأصواتها. ﴿وَالطَّيْرَ﴾ بِالنَّصْبِ: عطف على موضع: ﴿يَاجِبَالُ﴾. وقيل: مفعول معه. وقيل: معطوف على ﴿فَضْلًا﴾. وقرئ بالرفع عطفا على لفظ: ﴿يَاجِبَالُ﴾.

стр. 2004

﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ أي: جعلناه له لَيِّنًا بغير نار، كالطين والعجين. وقيل: لان له الحديد؛ لشدَّة قوته. ﴿سَابِغَاتٍ﴾ هي الدروع الكاسية. ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ معنى ﴿السَّرْدِ﴾ هنا: نَسْجُ الدروع، وتقديرها: أن لا يَعْمل الحَلْقة صغيرةً فَتَضْعُف، ولا كبيرةً فيُصاب لابسُها من خلالها. وقيل: لا تجعل المسمار رقيقًا ولا غليظًا. ﴿وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ خطاب لداود وأهله. ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ﴾ بالنصب: على تقدير: وسخرنا. وقرئ بالرفع: على الابتداء. ﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ أي: كانت تسير به بالغداة (١) مسيرة شهر، وبالعشيّ مسيرة شهر، فكان يجلس على سريره وكان من خشب، يحمل فيما روي أربعة آلاف فارس، فترفعه الريح ثم تحمله. ﴿وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ﴾ قال ابن عباس: كانت تسيل له باليمن عين من نحاس، يَصنع منها ما أحبّ، والقِطْر: النحاس. وقيل: القِطْر: الحديد والنحاس وما جرى مجرى ذلك، كان يسيل له منه عيون. وقيل: المعنى: أن الله أذاب له النحاس بغير نار كما صنع بالحديد لداود.

стр. 2005

﴿نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ يعني: نار الآخرة. وقيل: كان معه ملك يضربهم بسوط نار (١). ﴿مَحَارِيبَ﴾ هي القصور. وقيل: المساجد. ﴿وَتَمَاثِيلَ﴾ قيل: إنها كانت على غير صور الحيوان. وقيل: على صور الحيوان، وكان ذلك جائزا عندهم. ﴿كَالْجَوَابِ﴾ جمع جابية، وهي البركة التي يجتمع فيها الماء. ﴿رَاسِيَاتٍ﴾ أي: ثابتات في مواضعها، لا يستطيع أحد أن ينقلها لعظمها (٢). ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ حكاية ما قيل لآل داود. وانتصب ﴿شُكْرًا﴾ على أنه: مفعول من أجله. أو مصدر في موضع الحال، تقديره: شاكرين. أو مصدر من المعنى؛ لأن العمل شكر، تقديره: اشكروا شكرا. أو مفعول به. ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ يحتمل أن يكون: مخاطبة لآل داود،

стр. 2006

أو مخاطبة لمحمد ﷺ . ﴿دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ﴾ المنسأة: هي العصا، وقرئت بالهمز وبغير همز. ودابة الأرض: هي الأرضة، وهي السوسة التي تأكل الخشب وغيره. وقَصَصُ الآية: أن سليمان ﵇ دخل قُبَّة من قوارير، وقام يصلي متكئًا على عصاه، فقُبِض روحه وهو متكئ عليها، فبقي كذلك سنة، لم يعلم أحد بموته، حتى وقعت العصا فخرَّ إلى الأرض. واختصرنا كثيرًا مما ذكره الناس في هذه القصة؛ لعدم صحته. ﴿تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ﴾ من تبيَّن الشيءُ: إذا ظهر، وما بعدها بدل من ﴿الْجِنُّ﴾، والمعنى: ظهر للناس أن الجن لا يعلمون الغيب. وقيل: ﴿تَبَيَّنَتِ﴾ بمعنى: علمت، و ﴿أَنْ﴾ وما بعدها: مفعول به على هذا، والمعنى: علمت الجن أنهم لا يعلمون الغيب، وتحققوا ذلك بعد التباس الأمر عليهم. أو علمت الجن أن كبارهم لا يعلمون الغيب، وأنهم كاذبون في دعوة ذلك. ﴿فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ يعني: الخدمة التي كانوا يخدمون سليمان، وتسخيره لهم في أنواع الأعمال، والمعنى: لو كانت الجن تعلم الغيب ما خفي عليهم (١) موت سليمان.

стр. 2007

﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (١٥) فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ (١٦) ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ (١٧) وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ (١٨) فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (١٩) وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٠) وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (٢١)﴾ ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسَاكِنِهِمْ آيَةٌ﴾ سبأ: قبيلة من العرب سميت باسم أبيها الذي تناسلت منه. وقيل: باسم أمها. وقيل: باسم موضعها. والأول أشهر؛ لأنه ورد في الحديث. وكانت مساكنهم بين الشام واليمن. ﴿جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ﴾ كان لهم وادٍ، وكانت الجنات عن يمينه وشماله. و ﴿جَنَّتَانِ﴾: بدل من ﴿آيَةٌ﴾.

стр. 2008

أو مبتدأ. أو خبر مبتدإ محذوف. ﴿كُلُوا﴾ تقديره: قيل لهم: كلوا من رزق ربكم، قالت لهم ذلك الأنبياء. وروي أنهم بعث لهم ثلاثة عشر نبيًا فكذبوهم. ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ﴾ أي: كثيرةُ الأرزاق، طيبة الهواء، سليمةٌ من الهوام. ﴿فَأَعْرَضُوا﴾ أي: أعرضوا عن شكر الله، أو عن طاعة الأنبياء. ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾ كان لهم سدٌّ يُمْسِكُ الماء؛ ليرتفع فتُسقى به الجنات، فأرسل الله على السد الجُرَذَ، وهي دويبة خربته فيبست الجنات. وقيل: لما خَرِبَ السدُّ حمل السيل الجناتِ وكثيرًا من الناس. واختلف في معنى العرم؟ فقيل: هو السد. وقيل: هو اسم ذلك الوادي بعينه. وقيل: معناه: الشديد، فكأنه صفة للسيل، مِنْ العَرَامة. وقيل: هو الجرذ الذي خرب السدَّ. وقيل: المطر الشديد. ﴿أُكْلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ الأُكُل - بضم الهمزة -: المأكول. والخمط: شجر الأراك.

стр. 2009

وقيل: كل شجرة ذات شوك (١). والأثل: شجر يشبه الطَّرْفاء. والسدر: شجر معروف. وإعراب ﴿خَمْطٍ﴾: بدلٌ من ﴿أُكْلٍ﴾. أو عطف بيان. وقرئ بالإضافة. و ﴿أَثْلٍ﴾ عطفٌ على ﴿أُكْلٍ﴾ لا على ﴿خَمْطٍ﴾؛ لأن الأثل لا أُكلَ له. والمعنى: أنهم لما هلكت الجنتان المذكورتان قبلُ أبدلهم الله منهما (٢) جنتين بضد وصفهما في الحسن والأرزاق. ﴿وَهَلْ يُجَازَى إِلَّا الْكَفُورُ﴾ معناه: لا يُناقش ويُجازى بمثل فعله إلَّا الكفور؛ لأن المؤمن قد يسمح الله له، ويتجاوز عنه. ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً﴾ هذه الآية وما بعدها وصفُ حال سبأ قبل مجيء السيل وهلاك جناتهم. ويعني بـ ﴿الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾: الشام، والقرى الظاهرة: قرى متصلة من بلادهم إلى الشام.

стр. 2010

ومعنى ﴿ظَاهِرَةً﴾: يظهر بعضها من بعض؛ لاتصالها. وقيل: مرتفعة في الآكام. وقال ابن عطية: معناه: خارجة عن المدن، كما تقول: بظاهر المدينة أي: خارجها (١). ﴿وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ﴾ أي: قسمنا مراحل السفر، وكانت القرى متصلة، فكان المسافر يبيت في قرية ويصبح في أخرى، ولا يخاف جوعًا ولا عطشًا، ولا يحتاج إلى حَمل زادٍ، ولا يخاف من أحد. ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ قرئ ﴿بَاعِدْ﴾ و ﴿بَعِّدْ﴾ بالتخفيف والتشديد على وجه الطلب. والمعنى: أنهم بَطِروا النعمةَ ومَلُّوا العافية، فطلبوا من الله أن يباعد بين قراهم المتصلة؛ ليمشوا في المفاوز ويتزوَّدوا للأسفار (٢)، فعجَّل الله إجابتهم. وقرئ ﴿بَاعَدَ﴾ بفتح العين على الخبر، والمعنى: أنهم قالوا: إن الله باعد بين قراهم، وذلك كذبٌ وجحد للنعَم. ﴿وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ يعني: بقولهم: ﴿بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾. أو بذنوبهم على الإطلاق.

стр. 2011

﴿وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ أي: فَرَّقناهم في البلاد، حتى ضُرِب المثل بفُرْقتهم فقيل: «تفرقوا أيدي (١) سبأ». وفي الحديث: «إن سبأ أبو عشرة من القبائل، فلما جاء السيل على بلادهم تفرقوا فتيامنَ منهم ستة وتشاءَمَ أربعة» (٢). ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ أي: وجد ظنَّه فيهم صادقًا، يعني: قوله: ﴿لَأُغْوِيَنَّهُمْ﴾ [ص: ٨٢]، وقوله: ﴿وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٧].

стр. 2012

[﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٢٣) قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٤) قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٢٥) قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ (٢٦) قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ كَلَّا بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧) وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢٨) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٩) قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ لَا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ (٣٠)﴾]. ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ تعجيز للمشركين وإقامة حجة عليهم. ويعني بـ ﴿الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾: آلهتهم. ومفعول ﴿زَعَمْتُمْ﴾ محذوف؛ أي: زعمتم أنهم آلهة، أو زعمتم أنهم شفعاء. وروي أن ذلك نزل عند الجوع الذي أصاب قريشًا. ﴿مِنْ شِرْكٍ﴾ أي: نصيب. والظَّهير: المعين. ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ المعنى: لا تنفع الشفاعة عند الله إلا لمن أذن الله له أن يشفع؛ فإنه لا يشفع أحدٌ إلَّا بإذنه.

стр. 2013

وقيل: المعنى: لا تنفع الشفاعة إلَّا لمن أذن الله أن يُشفع فيه. والمراد: أن الشفاعة على كل وجهٍ لا تكون إلَّا بإذن الله، ففي ذلك ردٌّ على المشركين الذين كانوا يقولون: ﴿هَؤُلَاء شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللهِ﴾ [يونس: ١٨]. ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾ تظاهرت الأحاديث عن رسول الله ﷺ أن هذه الآية في الملائكة ﵈؛ فإنهم (١) إذا سمعوا الوحي إلى جبريل يفزعون لذلك فزعًا عظيمًا، فإذا زال الفزع عن قلوبهم قال بعضهم لبعض: ﴿مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾؟ فيقولون: «قال الحق». ومعنى ﴿فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾: زال عنها الفزع. والضمير في ﴿قُلُوبِهِمْ﴾ وفي ﴿قَالُوا﴾: للملائكة. فإن قيل: كيف ذلك ولم يتقدَّم لهم ذكرٌ يعود الضمير عليه؟ فالجواب: أنه قد وقعت إليهم إشارة بقوله: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾؛ لأن بعض العرب كانوا يعبدون الملائكة، ويقولون: «هؤلاء شفعاؤنا عند الله»، فذكْرُ الشفاعة يقتضي ذِكْرَ الشَّافعين، فعاد الضمير على الشفعاء الذين دلَّ عليهم لفظ الشفاعة. فإن قيل: بم اتصل قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾، ولأيِّ شيءٍ وقعت ﴿حَتَّى﴾ غايةً؟ فالجواب: أنه اتصل بما فُهِم من الكلام؛ من أنَّ ثمَّ انتظارًا للإذن، وفزَعًا وتوقُّفًا حتى يزول الفزع بالإذن في الشفاعة، ويقرُب هذا في المعنى من

стр. 2014

قوله: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ [النبأ: ٣٨]. ولم يفهم بعض الناس اتصال هذه الآية بما قبلها، فاضطربوا فيها، حتى قال بعضهم: هي في الكفار بعد الموت، ومعنى ﴿فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾: رأوا الحقيقة، فقيل لهم: ﴿مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾؟ فيقولون: «قال الحق»، فيُقرُّون حيث لا ينفعهم الإقرار. والصحيح: أنها في الملائكة؛ لورود ذلك في الحديث، ولأن القصد الرَّدُّ على الكفار الذين عبدوا الملائكة، بذِكْر شدَّة خوف الملائكة من الله وتعظيمهم له. ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُم﴾ سؤالٌ قُصِد به: إقامةُ الحجة على المشركين. ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ جوابٌ عن السؤال بما لا يمكن المخالفة فيه، فلذلك جاء السؤال والجواب من جهة واحدة. ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ هذه ملاطفة وتنزُّلٌ في المجادلة إلى غاية الإنصاف، كقولك: «الله يعلم أن أحدنا على حق وأن الآخر على باطل»، ولا تُعيِّن بالتصريح أحدهما، ولكن تنبَّه الخصم على النظر؛ حتى يعلم من هو على الحق ومن هو على الباطل. والمقصود من الآية: أن المؤمنين على هدى، وأن الكفار في ضلال مبين. ﴿قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا﴾ إخبارٌ يقتضي مسالمةً نسخها السيف. ﴿يَفْتَحُ بَيْنَنَا﴾ أي: يحكم، و ﴿الْفَتَّاحُ﴾: الحاكم.

стр. 2015

﴿قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُم بِهِ شُرَكَاءَ﴾ إقامةُ حجة على المشركين. والرؤية هنا رؤية قلب، فـ ﴿شُرَكَاءَ﴾ مفعولٌ ثالث، والمعنى: أروني بالدليل والحجة مَنْ هم له شركاء عندكم كيف (١) وجه الشِّرْكة؟. وقيل: هي رؤية بصر، و ﴿شُرَكَاءَ﴾ حال من المفعول في ﴿أَلْحَقْتُم﴾؛ كأنه قال: أين الذين تعبدون من دونه؟ وفي قوله: ﴿أَرُونِي﴾ تحقيرٌ للشركاء وازدراءٌ بهم، وتعجيزٌ للمشركين. وفي قوله: ﴿كَلَّا﴾ ردعٌ لهم عن الإشراك. وفي وصف الله بالعزيز الحكيم ردٌّ عليهم؛ لأن شركاءهم ليسوا كذلك. ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ المعنى: أن الله أرسل محمدًا ﷺ إلى جميع الناس، وهذه إحدى الخصال التي أعطاه الله دون سائر الأنبياء. وإعراب ﴿كَافَّةً﴾: حالٌ من «الناس»، قُدِّمت للاهتمام، هكذا قال ابن عطية (٢). وقال الزمخشري: ذلك خطأ؛ لأن تقدُّم حال المجرور عليه لا يجوز، وتقديره عنده: وما أرسلناك إلَّا رسالةً عامة للناس (٣)، فـ ﴿كَافَّةً﴾ صفةٌ للمصدر المحذوف. وقال الزجَّاج: المعنى: أرسلناك جامعًا للناس في الإنذار والتبشير (٤)،

стр. 2016

فجعله حالًا من الكافّ، والتاء على هذا: للمبالغة، كالتاء في «راوية» و «علّامة». ﴿قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ﴾ يعني: يوم القيامة. أو: نزول العذاب بهم في الدنيا. وهو الذي سألوا عنه على وجه الاستخفاف فقالوا: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾.

стр. 2017

[﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (٣١) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ (٣٢) وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٣٣) وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (٣٤) وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٣٥) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٦)﴾]. ﴿وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ هي: الكتب المتقدمة، كالتوراة والإنجيل. وإنما قال الكفار هذه المقالة حين وقع عليهم الاحتجاج بما في التوراة من ذكر محمد ﷺ . وقيل: الذي بين يديه: يوم القيامة، وهذا خطأ وعكس؛ لأن الذي بين يدي الشيء هو ما يتقدَّم عليه. ﴿وَلَوْ تَرَى﴾ جواب «لو» محذوف، تقديره: لرأيت أمرًا عظيمًا. ﴿يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ﴾ أي: يتكلمون ويجيب بعضهم بعضًا. ﴿بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ﴾ أي: كفرتم باختياركم، لا بأمرنا. ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ المعنى: أن المستضعفين قالوا للمستكبرين: بل مَكْرُكم بنا في الليل والنهار سببُ كفرنا، فإعراب ﴿مَكْرُ﴾:

стр. 2018

مبتدأ، وخبره محذوف. أو خبر ابتداء مضمر. وأضاف ﴿مَكْرُ﴾ إلى ﴿اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ على وجه الاتساع. ويحتمل أن يكون أضافه: إلى المفعول. أو إلى الفاعل على وجه المجاز، كقولهم: «نهاره صائم، وليله قائم»، أي: يُصام فيه ويُقام. ودلَّت الإضافة على كثرة المكر ودوامه بالليل والنهار. فإن قيل: لم أُثبت الواو في قول الذين استضعفوا دون قول الذين كفروا؟ فالجواب: أنه قد تقدَّم كلام الذين استضعفوا قبل ذلك، فعَطَف عليه كلامهم الثاني، ولم يتقدَّم للذين استكبروا كلامٌ آخر فيعطف عليه. ﴿وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ﴾ أي: أخفوها في نفوسهم. وقيل: أظهروها، فهو من الأضداد. والضمير يجمع (١) المستضعفين والمستكبرين. ﴿مُتْرَفُوهَا﴾ يعني: أهل الغنى والتنعُّم في الدنيا، وهم الذين يبادرون إلى تكذيب الأنبياء. والقصد بالآية: تسلية النبي ﷺ على تكذيب أكابر قريش له.

стр. 2019

﴿وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا﴾ الضمير: لقريش، أو للمترفين المتقدمين. قاسوا أمر الدنيا على الآخرة، وظنُّوا أن الله كما أعطاهم الأموال والأولاد في الدنيا لا يعذِّبهم في الآخرة. ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ إخبارٌ يتضمَّن الردَّ عليهم بأن (١) بسط الرزق وقبضه في الدنيا معلَّقٌ بمشيئة الله، فقد يوسِّع الله على الكافر والعاصي، ويضيِّق على المؤمن والمطيع، وبالعكس؛ فليس في الدنيا (٢) دليل على أمر الآخرة.

стр. 2020

[﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ (٣٧) وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (٣٨) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٣٩) وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ (٤١) فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (٤٢) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ وَقَالُوا مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرًى وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (٤٣) وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ (٤٤) وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (٤٥)﴾]. ﴿زُلْفَى﴾ مصدرٌ بمعنى القُرْب، كأنه قال: تقرّبكم قربى. ﴿إِلَّا مَنْ آمَنَ﴾ استثناءٌ من المفعول في ﴿تُقَرِّبُكُمْ﴾، والمعنى: أن الأموال لا تقرّب إلّا المؤمن الصالح الذي ينفقها في سبيل الله. وقيل: الاستثناء منقطع. والأول أحسن. ﴿جَزَاءُ الضِّعْفِ﴾ يعني: تضعيف الحسنات إلى عشر أمثالها فما فوق ذلك. ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ﴾ الآية؛ كُرِّرت هنا لاختلاف القصد، فإن القصد بالأول: ردٌّ على الكفار، والقصد هنا: ترغيبٌ للمؤمنين (١) بالإنفاق.

стр. 2021

﴿فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ الخَلَف قد يكون بالمال، أو بالثواب. ﴿أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ﴾ براءةٌ من أن يكون لهم رضًا بعبادة المشركين لهم، وليس في ذلك نفيٌ لعبادتهم لهم. ﴿بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ﴾ عبادتهم للجن: طاعتهم لهم في الكفر والعصيان. وقيل: كانوا يدخلون في جوف الأصنام فيُعبدون بعبادتها. ويحتمل أن يكون قومٌ قد عبدوا الجن؛ لقوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ﴾ [الأنعام: ١٠٠]. ﴿وَمَا آتَيْنَاهُم مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا﴾ الآية؛ معناها يحتمل وجهين: أحدهما: ليس عندهم كتبٌ تدلُّ على صحة أقوالهم، ولا جاءهم نذيرٌ يشهد بما قالوه، فأقوالهم باطلة؛ إذ لا حجة لهم عليها، فالقصد على هذا: ردٌّ عليهم. والآخر: أنهم ليس عندهم كتب، ولا جاءهم نذير، فيهم محتاجون إلى من يعلّمهم ويُنذرهم؛ فلذلك بعث الله إليهم محمدًا ﷺ ، فالقصد على هذا: إثبات نبوة محمد ﷺ . ﴿وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ﴾ المعشار: العُشر. وقيل: عشر العشر. والأول أصح. والضمير في ﴿بَلَغُوا﴾: لكفار قريش، وفي ﴿آتَيْنَاهُمْ﴾: للكفار

стр. 2022

المتقدمين؛ أي: إن هؤلاء لم يبلغوا عشر ما أعطى الله المتقدمين (١) من القوة والأموال. وقيل: الضمير في ﴿بَلَغُوا﴾: للمتقدمين، وفي ﴿آتَيْنَاهُمْ﴾: لقريش؛ أي: ما بلغ المتقدمون عشر ما أعطى الله هؤلاء من البراهين والأدلة. والأول أصح، وهو نظير قوله: ﴿كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [الروم: ٩]. ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ أي: إنكاري، يعني: عقوبة الكفار المتقدمين، وفي ذلك تهديد لقريش.

стр. 2023

[﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (٤٦) قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٤٧) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (٤٨) قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ (٤٩) قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ (٥٠) وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (٥١) وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (٥٢) وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (٥٣) وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ (٥٤)﴾]. ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ﴾ أي: بقضية واحدة؛ تقريبًا عليكم. ﴿أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ﴾ هذا تفسير القضية الواحدة فـ ﴿أَنْ تَقُومُوا﴾: بدلٌ. أو عطف بيان. أو خبر ابتداء مضمر. ومعناه: أن تقوموا للنظر في أمر محمد ﷺ قيامًا خالصًا لله تعالى، ليس فيه اتباع هوًى ولا ميلٌ. وليس المراد بالقيام هنا: القيام على الرجلين؛ وإنما المراد: القيام بالأمر والجدُّ فيه. ﴿مَثْنَى وَفُرَادَى﴾ حالٌ من الضمير في ﴿تَقُومُوا﴾، والمعنى: أن تقوموا اثنين اثنين؛ للمناظرة في الأمر وطلب التَّحقيق، وتقوموا واحدًا واحدًا؛

стр. 2024

لإحضار الذهن واستجماع الفكرة، ثم تتفكروا في أمر محمد ﷺ فتعلموا أن ما به من جِنَّةٍ؛ لأنه جاء بالحق الواضح، ومع ذلك فإن أقواله وأفعاله تدلُّ على رجاحة عقله ومتانة علمه، وأنه بلغ في الحكمة مبلغًا عظيمًا، فيدلُّ ذلك على أنه ليس بمجنون ولا مفترٍ على الله. ﴿مَا بِصَاحِبِكُمْ مِن جِنَّةٍ﴾ متصل بما قبله على الأصح؛ أي: تتفكروا فتعلموا ما بصاحبكم من جنة. وقيل: هو استئنافٌ. ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ﴾ هذا كما يقول الرجل لصاحبه: «إن أعطيتني شيئًا فخذه»، وهو يعلم أنه لم يعطه شيئًا، ولكنه يريد البراءة من عطائه، فكذلك معنى هذا، فهو كقوله: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ [الفرقان: ٥٧، ص: ٨٦]. ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ﴾ القذف: الرمي، ويستعار للإلقاء، فالمعنى: يلقي الحقَّ إلى أنبيائه. أو يرمي الباطل بالحق فيُذهبهُ. ﴿عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ خبر ابتداء مضمر. أو بدلٌ: من الضمير في ﴿يَقْذِفُ﴾. أو من اسم ﴿إِنَّ﴾، على الموضع. ﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ﴾ يعني: الإسلام.

стр. 2025

﴿وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾ الباطل: الكفر، ونفي الإبداء والإعادة: عبارةٌ عن أنه لا يفعل شيئًا ولا يكون له ظهورٌ. أو عبارة عن ذهابه، كقوله: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾ [الإسراء: ٨١]. وقيل: الباطل: الشيطان. ﴿إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾ يعني: قربَه تعالى بعلمه وإحاطته (١). ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا﴾ جواب «لو» محذوف، تقديره: «لرأيت أمرًا عظيمًا». ومعنى ﴿فَزِعُوا﴾: أسرعوا الهروب (٢)، والفعل ماض بمعنى الاستقبال، وكذلك ما بعده من الأفعال. ووقت الفَزَع: البعث. وقيل: الموت. وقيل: يوم بدر.

стр. 2026

﴿فَلَا فَوْتَ﴾ أي: لا يَفُوتون الله إذا هربوا. ﴿وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾ يعني: من الموقف إلى النار إذا بُعثوا. أو من ظهر الأرض إلى بطنها إذا ماتوا. أو من أرض بدر إلى القليب. والمراد على كل قولٍ: سرعة أخذهم. ﴿وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ﴾ أي: قالوا ذلك عند أخذهم. والضمير المجرور: لله تعالى، أو للنبي ﷺ ، أو للقرآن، أو للإسلام. ﴿وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ التناوش - بالواو -: التناول، إلَّا أن التناوش تناولٌ قريب سهل لشيء قريب. وقرئ بهمز الواو، فيحتمل: أن يكون المعنى واحدًا. أو يكون المهموز بمعنى الطلب. ومعنى الآية: استبعاد وصولهم إلى مرادهم. والمكان البعيد: عبارةٌ عن تعذُّرِ مقصودهم؛ فإنهم يطلبون ما لا يكون، أو يريدون أن يتناولوا ما لا ينالون، وهو رجوعهم إلى الدنيا، أو (١) انتفاعهم بالإيمان حينئذ. ﴿وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ﴾ الضمير يعود على ما عاد عليه في قولهم: ﴿آمَنَّا بِهِ﴾.

стр. 2027

﴿وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ ﴿وَيَقْذِفُونَ﴾ فعل ماض في المعنى معطوف على ﴿كَفَرُوا﴾. ومعناه: أنهم يرمون بظنونهم في الأمور المغيبة فيقولون: لا بعث ولا جنة ولا نار، ويقولون في الرسول ﷺ : إنه ساحر أو شاعر. والمكان البعيد هنا: عبارة عن بطلان ظنونهم، وبُعْد أقوالهم عن الحق. ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ أي: حيل بينهم وبين دخول الجنة. وقيل: حيل بينهم وبين الانتفاع بالإيمان حينئذ. وقيل: حيل بينهم وبين نعيم الدنيا والرجوع إليها. ﴿كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِم مِن قَبْلُ﴾ يعني: الكفار المتقدمين، وجعَلهم أشياعهم؛ لاتفاقهم في مذاهبهم. و ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ يحتمل أن يتعلق: بـ ﴿فُعِلَ﴾. أو بـ ﴿أَشْيَاعِهِم﴾. على حسَب معنى ما قبله (١). ﴿فِي شَكٍّ مُرِيبٍ﴾ هو أقوى الشك وأشدُّه إظلامًا (٢).

стр. 2028

(سورة فاطر) [﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢) يَاأَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٣) وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٤) يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٥) إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (٦) الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (٧)﴾]. ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا﴾ أي: وسائط بين الله وبين الأنبياء، ومتصرّفين في أمر الله. ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ صفاتٌ لـ ﴿أَجْنِحَةٍ﴾، ولم ينصرف للعَدْل والوصف. والمعنى: أن الملائكة منهم من له جناحان، ومنهم من له ثلاثة أجنحة، ومنهم من له أربعة. ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾ قيل: يعني: حُسن الصوت. وقيل: حسن الوجه.

стр. 2029

وقيل: حسن الخطّ. والأظهر: أنه يرجع إلى أجنحة الملائكة. أو يكون على الإطلاق في كل زيادة في المخلوقين. ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾ الفتح: عبارةٌ عن العطاء (١)، والإمساك: عبارةٌ عن المنع. والإرسال: الإطلاق بعد المنع. والرحمة: كل ما يَمُنُّ الله به على عباده من خير الدنيا والآخرة. فمعنى الآية: لا مانع لما أعطى الله، ولا مُعطي لما منع الله. فإن قيل: لم أنَّثَ الضمير في قوله: ﴿فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾ وذكَّره في قوله: ﴿فَلَا مُرْسِلَ لَهُ﴾ وكلاهما يعود على ﴿مَا﴾ الشرطية؟ فالجواب: أنه لما فسر الأوَّل بقوله: ﴿مِنْ رَحْمَةٍ﴾ أنَّثه؛ لتأنيث الرحمة، وترك الآخر على الأصل من التذكير. ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ أي: من بعد إمساكه. ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ رفعُ ﴿غَيْرُ﴾: على الصفة لـ ﴿خَالِقٍ﴾ على الموضع. وخفْضه: صفةٌ على اللفظ.

стр. 2030

ورزق السماء: المطر، ورزق الأرض: النبات. والمعنى: تذكيرٌ بنعم الله، وإقامةُ حجةٍ على المشركين، ولذلك أعقبه بقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾. ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ﴾ الآية؛ تسليةٌ للنبي ﷺ على تكذيب قومه له، كأنه يقول: إن يكذِّبوك (١) فلا تحزن لذلك؛ فإن الله سينصرك عليهم، كما كُذِّبت رسل من قبلك فنصرهم الله. ﴿الْغَرُورُ﴾: الشيطان. وقيل: التَّسويف. * * *

стр. 2031

[﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٨) وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ (٩) مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ (١٠) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (١١) وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢) يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤)﴾]. ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ توقيف، وجوابه محذوف، تقديره: «أفمن زُيّن له سوء عمله كمن لم يُزيّن له؟»، ثم بنى على ذلك ما بعده. فالذي زُيّن له سوء عمله: هو الذي أضلَّه الله، والذي لم يُزيّن له سوء عمله: هو الذي هداه الله. ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ تسليةٌ للنبي ﷺ عن حُزْنه لعدم إيمانهم؛ لأن ذلك بيد الله. ﴿كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ أي الحشر، والمعنى: كما يحيي الله الأرض بالنبات

стр. 2032

كذلك يحيي الموتى. ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ﴾ الآية؛ تحتمل ثلاثة معان: أحدها - وهو الأظهر -: من كان يريد نيل العزة فليطلبها من عند الله؛ فإن العزة كلها لله. والثاني: من كان يريد العزة بمغالبة الإسلام فلله العزة جميعًا، فالمغالب له مغلوب. والثالث: من كان يريد أن يعلم لمن العزة فليعلم أن العزة لله جميعًا. ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ قيل: يعني: لا إله إلا الله. واللفظ يعمُّ ذلك وغيره من الذكر، والدعاء، وتلاوة القرآن، وتعليم العلم، فالعموم أولى. ﴿وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أن ضمير الفاعل في ﴿يَرْفَعُهُ﴾ لله، وضمير المفعول: للعمل الصالح، فالمعنى: أن الله يرفع العمل الصالح؛ أي: يتقبَّلُه ويثيب عليه. والثاني: أن ضمير الفاعل: للكلم الطيب، وضمير المفعول: للعمل الصالح، والمعنى على هذا: أنه لا يُقبل عملٌ صالح إلَّا ممن له كلمٌ طيب. وهذا يصح إن قلنا: إن الكلم الطيب: «لا إله إلا الله»؛ لأنه لا يُقبل العمل إلَّا من موحِّدٍ. والثالث: أن ضمير الفاعل: للعمل الصالح، وضمير المفعول: للكلم الطيب، والمعنى على هذا: أن العمل الصالح هو الذي يرفع الكلم الطيب،

стр. 2033

فلا يقبل الكلم إلا ممن له عمل صالح. روي هذا المعنى عن ابن عباس، واستبعده ابن عطية (١)، وقال: لم يصح عنه؛ لأن اعتقاد أهل السنة أن الله يتقبل من كل مسلم، قال: وقد يستقيم بأن يتأول: أن الله يزيد في رفعه وحسن موقعه. ﴿يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ لا يتعدى «مكر»؛ فتأويله: «يمكرون المكرات السيئات»، فتكون ﴿السَّيِّئَاتِ﴾ مصدرا. أو تضمن (٢) ﴿يَمْكُرُونَ﴾ معنى: يكتسبون، فتكون ﴿السَّيِّئَاتِ﴾ مفعولا. والإشارة هنا: إلى مكر قريش برسول الله ﷺ حين اجتمعوا في دار الندوة، وأرادوا أن يقتلوه أو يحبسوه أو يخرجوه. ﴿وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾ البوار: الهلاك أو (٣) الكساد، ومعناه هنا: أن مكرهم يبطل ولا ينفعهم. ﴿ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا﴾ أي: أصنافا. وقيل: ذكرانا وإناثا، وهذا أظهر. ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ التعمير: طول العمر، والنقص: قصره، والكتاب: اللوح المحفوظ.

стр. 2034

فإن قيل: إن التعمير والنقص لا يجتمعان لشخص واحد، فكيف أعاد الضمير في قوله: ﴿وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ﴾ على الشخص المعمَّر؟ فالجواب من ثلاثة أوجه: الأول - وهو الصحيح -: أن المعنى: ما يعمَّر من أحد ولا ينقص من عمره إلَّا في كتاب، فوضع ﴿مِنْ مُعَمَّرٍ﴾ في موضع: «من أحد»، وليس المراد شخصًا واحدًا، وإنما ذلك كقولك: «لا يعاقب الله عبدًا ولا يثيبه إلَّا بحقٍّ». والثاني: أن المعنى: لا يُزاد في عمر إنسانٍ ولا يُنقص من عمره إلَّا في كتاب، وذلك أن يكتب في اللوح المحفوظ أن فلانًا إن تصدَّق فعمره ستون سنة وإن لم يتصدق فعمره أربعون، وهذا ظاهر قول رسول الله ﷺ : «صلة الرحم تزيد في العمر» (١)، إلَّا أن ذلك مذهب المعتزلة القائلين بالأجلين، وليس مذهب الأشعرية، وقد قال كعبٌ حين طُعن عمر: «لو دعا الله لزاد في أجله»، فأنكر الناس ذلك عليه، فاحتجَّ بهذه الآية (٢). والثالث: أن التعمير هو: كَتْبُ ما يُستقبل من العمر، والنقص هو: كَتْبُ

стр. 2035

ما مضى منه في اللوح المحفوظ، وذلك في حق كل شخص (١). ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ﴾ قد فسرنا البحرين والفرات والأجاج في «الفرقان» (٢)، و ﴿سَائِغٌ﴾ في «النحل» (٣).
следующие страницы →