← Тафсир

Тафсир · id 30186

تفسير ابن جزي التسهيل لعلوم التنزيل - ط طيبة الخضراء

ابن جزي الكلبي

Полный текст (3 030 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.

стр. 2031

[﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٨) وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ (٩) مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ (١٠) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (١١) وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢) يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤)﴾]. ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ توقيف، وجوابه محذوف، تقديره: «أفمن زُيّن له سوء عمله كمن لم يُزيّن له؟»، ثم بنى على ذلك ما بعده. فالذي زُيّن له سوء عمله: هو الذي أضلَّه الله، والذي لم يُزيّن له سوء عمله: هو الذي هداه الله. ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ تسليةٌ للنبي ﷺ عن حُزْنه لعدم إيمانهم؛ لأن ذلك بيد الله. ﴿كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ أي الحشر، والمعنى: كما يحيي الله الأرض بالنبات

стр. 2032

كذلك يحيي الموتى. ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ﴾ الآية؛ تحتمل ثلاثة معان: أحدها - وهو الأظهر -: من كان يريد نيل العزة فليطلبها من عند الله؛ فإن العزة كلها لله. والثاني: من كان يريد العزة بمغالبة الإسلام فلله العزة جميعًا، فالمغالب له مغلوب. والثالث: من كان يريد أن يعلم لمن العزة فليعلم أن العزة لله جميعًا. ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ قيل: يعني: لا إله إلا الله. واللفظ يعمُّ ذلك وغيره من الذكر، والدعاء، وتلاوة القرآن، وتعليم العلم، فالعموم أولى. ﴿وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أن ضمير الفاعل في ﴿يَرْفَعُهُ﴾ لله، وضمير المفعول: للعمل الصالح، فالمعنى: أن الله يرفع العمل الصالح؛ أي: يتقبَّلُه ويثيب عليه. والثاني: أن ضمير الفاعل: للكلم الطيب، وضمير المفعول: للعمل الصالح، والمعنى على هذا: أنه لا يُقبل عملٌ صالح إلَّا ممن له كلمٌ طيب. وهذا يصح إن قلنا: إن الكلم الطيب: «لا إله إلا الله»؛ لأنه لا يُقبل العمل إلَّا من موحِّدٍ. والثالث: أن ضمير الفاعل: للعمل الصالح، وضمير المفعول: للكلم الطيب، والمعنى على هذا: أن العمل الصالح هو الذي يرفع الكلم الطيب،

стр. 2033

فلا يقبل الكلم إلا ممن له عمل صالح. روي هذا المعنى عن ابن عباس، واستبعده ابن عطية (١)، وقال: لم يصح عنه؛ لأن اعتقاد أهل السنة أن الله يتقبل من كل مسلم، قال: وقد يستقيم بأن يتأول: أن الله يزيد في رفعه وحسن موقعه. ﴿يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ لا يتعدى «مكر»؛ فتأويله: «يمكرون المكرات السيئات»، فتكون ﴿السَّيِّئَاتِ﴾ مصدرا. أو تضمن (٢) ﴿يَمْكُرُونَ﴾ معنى: يكتسبون، فتكون ﴿السَّيِّئَاتِ﴾ مفعولا. والإشارة هنا: إلى مكر قريش برسول الله ﷺ حين اجتمعوا في دار الندوة، وأرادوا أن يقتلوه أو يحبسوه أو يخرجوه. ﴿وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾ البوار: الهلاك أو (٣) الكساد، ومعناه هنا: أن مكرهم يبطل ولا ينفعهم. ﴿ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا﴾ أي: أصنافا. وقيل: ذكرانا وإناثا، وهذا أظهر. ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ التعمير: طول العمر، والنقص: قصره، والكتاب: اللوح المحفوظ.

стр. 2034

فإن قيل: إن التعمير والنقص لا يجتمعان لشخص واحد، فكيف أعاد الضمير في قوله: ﴿وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ﴾ على الشخص المعمَّر؟ فالجواب من ثلاثة أوجه: الأول - وهو الصحيح -: أن المعنى: ما يعمَّر من أحد ولا ينقص من عمره إلَّا في كتاب، فوضع ﴿مِنْ مُعَمَّرٍ﴾ في موضع: «من أحد»، وليس المراد شخصًا واحدًا، وإنما ذلك كقولك: «لا يعاقب الله عبدًا ولا يثيبه إلَّا بحقٍّ». والثاني: أن المعنى: لا يُزاد في عمر إنسانٍ ولا يُنقص من عمره إلَّا في كتاب، وذلك أن يكتب في اللوح المحفوظ أن فلانًا إن تصدَّق فعمره ستون سنة وإن لم يتصدق فعمره أربعون، وهذا ظاهر قول رسول الله ﷺ : «صلة الرحم تزيد في العمر» (١)، إلَّا أن ذلك مذهب المعتزلة القائلين بالأجلين، وليس مذهب الأشعرية، وقد قال كعبٌ حين طُعن عمر: «لو دعا الله لزاد في أجله»، فأنكر الناس ذلك عليه، فاحتجَّ بهذه الآية (٢). والثالث: أن التعمير هو: كَتْبُ ما يُستقبل من العمر، والنقص هو: كَتْبُ

стр. 2035

ما مضى منه في اللوح المحفوظ، وذلك في حق كل شخص (١). ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ﴾ قد فسرنا البحرين والفرات والأجاج في «الفرقان» (٢)، و ﴿سَائِغٌ﴾ في «النحل» (٣).

стр. 2036

والقصد بالآية: التنبيه على قدرة الله ووحدانيته وإنعامه على عباده. وقال الزمخشري: المعنى: أن الله ضرب البحرين الملح والعذب مَثَلين للمؤمن والكافر (١)، وهذا بعيد. ﴿لَحْمًا طَرِيًّا﴾ يعني: الحوت. ﴿حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ يعني: الجوهر والمرجان. فإن قيل: إن الحلية لا تخرج إلَّا من البحر المِلْح دون العذب؛ فكيف قال: ﴿وَمِنْ كُلٍّ﴾ أي: من كل واحد منهما؟ فالجواب من ثلاثة أوجه: الأول: أن ذلك تجوُّزٌ في العبارة، كما قال: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٠] والرسل إنما هي من الإنس. الثاني: أن المرجان إنما يوجد في البحر الملح حيث تنصبُّ أنهار الماء العذب، أو ينزل المطر، فلما كانت الأنهار والمطر وهي البحر العذب تنصبُّ (٢) في البحر الملح: كان الإخراج منهما جميعًا. الثالث: زعم قومٌ أنه قد يخرج اللؤلؤ والمرجان من الملح والعذب، وهذا قول يبطله الحسُّ. ﴿مَوَاخِرَ﴾ ذُكر في «النحل» (٣).

стр. 2037

﴿يُولِجُ﴾ ذُكر في «لقمان» (١). ﴿قِطْمِيرٍ﴾ هو القشر الرَّقيق الأبيض الذي على نوى التمر، والمعنى: أن الأصنام لا يملكون أقلَّ الأشياء فكيف أكثرها؟. ﴿يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ أي: بإشراككم، فالمصدر مضاف للفاعل. وكُفْر الأصنام بالشرك يحتمل أن يكون: بكلام يخلقه الله عندها. أو بقرينة الحال. ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ أي: لا يخبرك بالأمر مُخبِرٌ مثل مخبرٍ عالمٍ به، يعني: نفسه تعالى في إخباره أن الأصنام يَكْفُرون يوم القيامة بِمَنْ عبدهم. * * *

стр. 2038

[﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٦) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (١٧) وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (١٨) وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (١٩) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (٢٠) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (٢١) وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢) إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ (٢٣) إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ (٢٤) وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (٢٥) ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (٢٦)﴾]. ﴿أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ خطاب لجميع الناس، وإنما عرَّف ﴿الْفُقَرَاءُ﴾ بالألف واللام؛ ليدلَّ على اختصاص الفقر بجنس الناس، وإن كان غيرهم فقراء، ولكن فقر (١) الناس أعظم، ثم وصف نفسه بأنه الغني في مقابلة وصفهم بالفقر. ووصفُه بأنه الحميد؛ ليدلَّ على جوده وكرمه الذي يوجب أن يَحمَدَه عباده. ﴿وَلَا تَزِرُ﴾ ذُكر في «سبحان» (٢). ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ﴾ الحمل: عبارةٌ عن الذنوب. والمثقلة: الثقيلة الحِمْل؛ أي: النفس الكثيرة الذنوب.

стр. 2039

والمعنى: أنها لو دعت أحدا إلى أن يحمل عنها ذنوبها لم يحمل عنها. وحذف مفعول ﴿وَإِنْ تَدْعُ﴾؛ لدلالة المعنى، وقصد العموم. وهذه الآية بيان وتكميل لمعنى قوله: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾. ﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ المعنى: ولو كان المدعو ذا قربى ممن دعاه إلى حمل ذنوبه لم يحمل عنه شيئا؛ لأن كل أحد يقول: نفسي نفسي. ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ المعنى: أن الإنذار لا ينفع إلا الذين يخشون ربهم، وليس المعنى: اختصاصهم بالإنذار. ﴿بِالْغَيْبِ﴾ في موضع حال من الفاعل في ﴿يَخْشَوْنَ﴾؛ أي: يخشون ربهم، وهم غائبون عن عذابه، أو غائبون عن الناس، فخشيتهم حق لا رياء. ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (١٩)﴾ تمثيل للكافر والمؤمن. ﴿وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (٢٠)﴾ تمثيل للكفر والإيمان. ﴿وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (٢١)﴾ تمثيل للثواب والعقاب. وقيل: ﴿الظِّلُّ﴾: الجنة، و ﴿الْحَرُورُ﴾: النار. (والحرور في اللغة: شدة الحر بالنهار والليل، والسموم: بالنهار خاصة) (١). ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ تمثيل لمن آمن فهو كالحي، ومن لم يؤمن فهو كالميت.

стр. 2040

﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ﴾ عبارة عن هداية الله لمن يشاء. ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ عبارة عن عدم سمع الكفار للبراهين والمواعظ، فشبههم بالموتى في عدم إحساسهم. وقيل: المعنى: أن أهل القبور - وهم الموتى حقيقة - لا يسمعون، فليس عليك أن تسمعهم، وإنما بعثت إلى الأحياء. وقد استدلت عائشة بالآية على أن الموتى لا يسمعون، وأنكرت ما ورد من خطاب النبي ﷺ لقتلى بدر حين جعلوا في القليب. ولكن يمكن الجمع بين قولها وبين الحديث: بأن الموتى في القبور إذا ردت إليهم أرواحهم سمعوا، وإن لم ترد إلى أجسادهم لم يسمعوا. ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ معناه: أن الله قد بعث إلى كل أمة نبيا يقيم عليهم الحجة. فإن قيل: كيف ذلك وقد كان بين الأنبياء فترات وأزمنة طويلة؟ ألا ترى أن بين عيسى ومحمدا صلى الله عليهما وسلم ست مئة سنة لم يبعث فيها نبي؟ فالجواب: أن دعوة عيسى ومن تقدمه من الأنبياء كانت قد بلغتهم فقامت عليهم الحجة. فإن قيل: كيف الجمع بين هذه الآية وبين قوله: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [السجدة: ٣]؟ فالجواب: أنهم لم يأتهم نذير معاصر لهم، فلا يعارض ذلك من تقدم قبل عصرهم، وأيضا فإن المراد بقوله: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ أن نبوة

стр. 2041

محمد ﷺ ليست بِبِدْعٍ، فلا ينبغي أن تنكر؛ لأن الله أرسله كما أرسل مَنْ قبله، والمراد بقوله: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ أنهم محتاجون إلى الإنذار؛ لكونهم لم يتقدَّم مَنْ يُنذرهم، فاختلف سياق الكلام فلا تعارض بينهما. ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ﴾ الآية؛ تسليةٌ بالتأسي. ﴿نَكِيرِ﴾ ذكر في «سبأ» (١). * * *

стр. 2042

[﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ (٢٧) وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨) إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (٢٩) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ (٣٠) وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ (٣١) ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (٣٣) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤) الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ (٣٥) وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (٣٦) وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٣٧)﴾]. ﴿ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا﴾ يريد: الصفرة والحمرة وغير ذلك من الألوان. وقيل: يريد الأنواع. والأول أظهر؛ لذكره البيض والحمر والسُّود بعد ذلك. وفي الوجهين دليلٌ على أن الله تعالى فاعل مختار، يخلق ما يشاء ويختار.

стр. 2043

وفيه ردٌّ على الطبائعيين؛ لأن الطبيعة لا يصدر عنها إلَّا نوع واحد. ﴿جُدَدٌ﴾ جمع جُدَّةٍ، وهي الخِطط والطرائق في الجبال. ﴿وَغَرَابِيبُ﴾ جمع غِرْبيب، وهو الشديد السواد. وقدَّم الوصف الأبلغ، وكان حقه أن يتأخَّر؛ لقصد التأكيد، ولأن (١) ذلك كثيرًا ما يأتي في كلام العرب. ﴿كَذَلِكَ﴾ يتعلَّق بما قبله فيتمُّ الوقف عليه، والمعنى: أن من الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه، مثل الجبال المختلف ألوانها، والثمرات المختلف ألوانها، وذلك كله استدلالٌ على قدرة الله وإرادته. ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ يعني: العلماء بالله وصفاته وشرائعه علمًا يوجب لهم الخشية من عذابه، وفي الحديث: «أعلمكم بالله أشدُّكم له خشيةً» (٢)؛ لأن العبد إذا عرف الله خاف من عقابه، وإذا لم يعرفه لم يخف منه؛ فلذلك خصَّ العلماء بالخشية. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ﴾ أي: يقرؤون القرآن. وقيل: معنى ﴿يَتْلُونَ﴾: يتبعون. والأول أظهر.

стр. 2044

والخبر: ﴿يَرْجُونَ تِجَارَةً﴾. أو محذوف. ﴿لَنْ تَبُورَ﴾ أي: لن تكسد، ويعني بالتجارة: طلب الثواب. ﴿وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ توفية الأجور: هي ما يستحقه المطيع من الثواب، والزيادة: التضعيف فوق ذلك. وقيل: الزيادة: النظر إلى وجه الله. ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ ذُكر في «البقرة» (١). ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا﴾ يعني: أمة محمد ﷺ ، والتوريث: عبارةٌ عن أن الله أعطاهم الكتاب بعد غيرهم من الأمم. ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ قال عمر وابن مسعود وابن عباس وكعب وعائشة وأكثر المفسرين: هذه الأصناف الثلاثة في أمة محمد ﷺ ، فالظالم لنفسه: العاصي، والسابق: التقيُّ (٢)، والمقتصد: بينهما. وقال الحسن: السابق: من رجحت حسناته على سيئاته، والظالم لنفسه: من رجحت سيئاته (على حسناته) (٣)، والمقتصد: من استوت حسناته

стр. 2045

وسيِّئاته، وجميعهم يدخلون الجنة. وروي أن رسول الله ﷺ قال: «سابقنا سابق، ومقتصدنا ناجٍ، وظالمنا مغفور له» (١). وقيل: الظالم: الكافر، والمقتصد: المؤمن العاصي، والسابق: التقي. فالضمير في ﴿مِنْهُمْ﴾ على هذا: يعود على العباد. وأما على القول الأول: فيعود على ﴿الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا﴾، وهو أرجح وأصح؛ لوروده في الحديث، وجلالة القائلين به. فإن قيل: لم قدَّم الظالم ووسَّط المقتصد وأخَّر السابق؟ فالجواب: أنه قدَّم الظالم لنفسه رفقًا به؛ لئلا ييئس، وأخَّر السابق لئلا يُعجب بنفسه. وقال الزمخشري: قدَّم الظالم لكثرة الظالمين، وأخَّر السابق لقلة السابقين (٢). ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ الإشارة إلى الاصطفاء. ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ بدلٌ من ﴿الْفَضْلُ﴾. أو خبر مبتدإ تقديره: «ثوابهم (٣) جنات عدن». أو مبتدأ تقديره: «لهم جنات عدن».

стр. 2046

﴿يَدْخُلُونَهَا﴾ ضمير الفاعل يعود على الظالم، والمقتصد، والسابق، على القول بأن الآية في هذه الأمة. وأما على القول بأن الظالم هو الكافر فيعود على المقتصد والسابق خاصةً. وقال الزمخشري: إنه يعود على السابق خاصةً (١)، وذلك على قول المعتزلة في الوعيد. ﴿أَسَاوِرَ﴾ ذُكر في «الحج» (٢). ﴿أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ قيل: هو عذاب النار. وقيل: أهوال القيامة. وقيل: الموت. وقيل: هموم الدنيا. والصواب: العموم في ذلك كلِّه. ﴿دَارَ الْمُقَامَةِ﴾ هي الجنة، و ﴿الْمُقَامَةِ﴾: هي الإقامة في الموضع، وإنما سمِّيت الجنة دار المقامة؛ لأنَّهم يقيمون فيها، ولا يخرجون منها. ﴿نَصَبٌ﴾ النصب: تعب البدن، واللغوب: تعب النفس اللازم عن تعب البدن.

стр. 2047

﴿يَصْطَرِخُونَ﴾ يَفتعلون من الصُّرَاخِ؛ أي: يستغيثون فيقولون: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا﴾. وفي قولهم: ﴿غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ اعترافٌ (١) بسوء عملهم وتندُّمٌ عليه. ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم﴾ الآية؛ توبيخٌ لهم وحجةٌ عليهم. وقيل إن مدة التَّذكير: ستون سنة. وقيل: أربعون. وقيل: البلوغ. والأول أرجح؛ لقول رسول الله ﷺ : «من عَمَّرهُ اللهُ ستِّين فقد أعذر إليه في العمر» (٢). ﴿وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ يعني: النبي ﷺ . وقيل: يعني: الشيب؛ لأنه نذيرٌ بالموت. والأول أظهر (٣). * * *

стр. 2048

[﴿إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٣٨) هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا (٣٩) قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَتٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا (٤٠) إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤١) وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا (٤٢) اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا (٤٣) أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا (٤٤) وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا (٤٥)﴾]. ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ أي: بما تُضْمِره الصدور وتعتقده. قال الزمخشري: «ذات» هنا: تأنيث «ذو» بمعنى صاحب؛ لأن المضمرات تصحب الصدور (١). ﴿خَلَائِفَ﴾ ذكر في «الأنعام» (٢).

стр. 2049

﴿مَقْتًا﴾ المقت: احتقارك (١) الإنسان وبغضه من أجل عيوبه أو ذنوبه. ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ﴾ الآية؛ احتجاجٌ على المشركين وإبطالٌ لمذهبهم. ﴿أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ﴾ أي: نصيبٌ. ﴿عَلَى بَيِّنَتٍ﴾ أي: على أمرٍ جليٍّ. والضمير في ﴿آتَيْنَاهُمْ﴾ يحتمل أن يكون: للأصنام. أو للمشركين، وهذا أظهر في المعنى. والأول أليق بما قبله من الضمائر. ﴿أَنْ تَزُولَا﴾ في موضع مفعول من أجله، تقديره: كراهة أن تزولا. أو مفعول به؛ لأن ﴿يُمْسِكُ﴾ بمعنى: يمنع. ﴿وَلَئِنْ زَالَتَا﴾ أي: لو فُرِضَ زوالهما لم يمسكهما أحدٌ. وقيل: أراد: زوالهما يوم القيامة عند طيّ السماء وتبديل الأرض ونسف الجبال. ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ أي: من بعد ترك (٢) الإمساك. ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ﴾ الضمير لقريش، وذلك أنهم قالوا: لعن الله اليهود

стр. 2050

والنصارى؛ جاءتهم الرسل فكذبوهم، والله لئن جاءنا رسول لنكونن أهدى منهم. ﴿إِحْدَى الْأُمَمِ﴾ يعني: اليهود والنصارى. ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ﴾ يعني: محمدا ﷺ . ﴿اسْتِكْبَارًا﴾ بدل من ﴿نُفُورًا﴾. أو مفعول من أجله. ﴿وَمَكْرَ السَّيِّئِ﴾ هذا من إضافة الصفة إلى الموصوف (١)، كقولك: "مسجد الجامع"، و"جانب الغربي"، والأصل أن يقال: المكر السيئ. ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ أي: لا يحيط وبال المكر السيئ إلا بمن مكره ودبره. وقال كعب لابن عباس: إن في التوراة: "من حفر حفرة لأخيه وقع فيها"، فقال ابن عباس: أنا أجد هذا (٢) في كتاب الله: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾. ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ﴾ أي: هل ينتظرون إلا عادة الأمم المتقدمة في أخذ الله لهم وإهلاكهم بتكذيب الرسل.

стр. 2051

﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ أي: لا يَفُوتُه شيءٌ، ولا يصعب عليه. ﴿مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ الضمير للأرض، والدابة: عمومٌ في كل ما يَدِبُّ وقيل: أراد بني آدم خاصة. ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ يعني: يوم القيامة وباقي الآية وعدٌ ووعيد. * * *

стр. 2052

(سورة يس) [﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤) تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٥) لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ (٦) لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٧) إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (٨) وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (٩) وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠) إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (١١) إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (١٢)﴾]. قد تكلَّمنا في «البقرة» (١) على حروف الهجاء. وقيل: في ﴿يس﴾ إنه من أسماء النبي ﷺ . وقيل: معناه: «يا إنسان». ﴿تَنْزِيلَ﴾ بالرفع خبر ابتداء مضمر. وبالنصب: مصدر. أو مفعول بفعل مضمر.

стр. 2053

﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا﴾ هم قريش، ويحتمل أن يدخل معهم سائر العرب وسائر الناس. ﴿مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ﴾ ﴿مَا﴾ نافية، والمعنى: لم يرسل إليهم ولا لآبائهم رسول ينذرهم. وقيل: المعنى: لتنذر قومًا مثل ما أنذر آباؤهم، فـ ﴿مَا﴾ على هذا: موصولة بمعنى «الذي»، أو مصدرية. والأول أرجح؛ لقوله: ﴿فَهُمْ غَافِلُونَ﴾، يعني: أن غفلتهم بسبب عدم إنذارهم، ويكون (١) بمعنى قولهم: ﴿مَا أَتَاهُم مِن نَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ﴾ [السجدة: ٣] ولا يعارض هذا بعث الأنبياء المتقدّمين؛ فإن هؤلاء القوم لم يدركوهم هم (٢) ولا آباؤهم الأقربون. ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ﴾ أي: سبق القضاء. ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا﴾ الآية؛ فيها ثلاثة أقوال: الأول: أنها عبارة عن تماديهم على الكفر، ومنع الله لهم من الإيمان، فشبههم بمن جُعل في عنقه غُلٌّ يمنعه من الالتفات، وغُطي على بصره فصار لا يرى. والثاني: أنها عبارة عن كفِّهم عن إذاية النبي ﷺ حين أراد أبو جهل أن يرميه بحجر، فرجع عنه فَزِعًا مرعوبًا.

стр. 2054

والثالث: أن ذلك حقيقة في حالهم في جهنم. والأول أظهر وأرجح؛ لقوله قبلها: ﴿فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ وقوله بعدها ﴿وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠)﴾. ﴿فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ﴾ الذَّقَن: هو طرف الوجه حيث تنبت اللحية. والضمير للأغلال، وذلك أن الغل حلقة في العنق، فإذا كان واسعا عريضا وصل إلى الذقن فكان أشد على المغلول. وقيل: الضمير للأيدي، على أنها لم يتقدم لها ذكر، ولكنها تفهم من سياق الكلام؛ لأن المغلول تضم يداه (١) في الغل إلى عنقه، وفي مصحف ابن مسعود: «إنا جعلنا في أيديهم أغلالا فهي إلى الأذقان»، وهذه القراءة تدل على هذا المعنى، وقد أنكره الزمخشري (٢). ﴿فَهُمْ مُقْمَحُونَ﴾ يقال: قمح البعير: إذا رفع رأسه، وأقمحه غيره: إذا فعل به ذلك. والمعنى: أنهم لما اشتدت الأغلال حتى وصلت إلى أذقانهم اضطرت رؤوسهم إلى الارتفاع. وقيل: معنى ﴿مُقْمَحُونَ﴾: ممنوعون من كل خير. ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا﴾ الآية؛ السد: الحائل بين الشيئين، وذلك عبارة عن منعهم من الإيمان.

стр. 2055

﴿فَأَغْشَيْنَاهُمْ﴾ أي: غطينا على أبصارهم، وذلك أيضا مجاز يراد به: إضلالهم. ﴿وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ﴾ الآية؛ ذكرنا معناها وإعرابها في «البقرة» (١). ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾ المعنى: أن الإنذار لا ينفع إلا من اتبع الذكر، وهو القرآن. ﴿وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ معناه كقوله: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ﴾ [فاطر: ١٨]، وقد ذكرناه في «فاطر» (٢). ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى﴾ أي: نبعثهم يوم القيامة. وقيل: إحياؤهم: إخراجهم من الشرك إلى الإيمان. والأول أظهر. ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ أي: ما قدموا من أعمالهم، وما تركوه بعدهم، كعلم علموه أو تحبيس حبسوه. وقيل: الآثار هنا: الخطا إلى المساجد، وجاء ذلك في الحديث (٣).

стр. 2056

﴿إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ أي: في كتابٍ، وهو اللوح المحفوظ، أو صحائف الأعمال. * * *

стр. 2057

[﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (١٣) إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (١٤) قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ (١٥) قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (١٦) وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (١٧) قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٨) قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (١٩) وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٢١) وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٢) أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ (٢٣) إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٤) إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (٢٥) قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (٢٧) وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ (٢٨) إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ (٢٩) يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٣٠) أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ (٣١) وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (٣٢)﴾]. ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا﴾ الضمير لقريش، و ﴿مَثَلًا﴾ و ﴿أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ﴾ مفعولان بـ ﴿اضْرِب﴾ على القول بأنها تتعدى إلى مفعولين، وهو الصحيح. والقرية: أنطاكية. ﴿إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ هم من الحواريين الذين أرسلهم عيسى ﵇ يدعون الناس إلى عبادة الله. وقيل: بل هم رسل أرسلهم الله، ويدلُّ على هذا: قولُ قومهم: ﴿مَا أَنتُمْ

стр. 2058

إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾، فإن هذا إنما يقال لمن ادعى أن الله أرسله. ﴿فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ أي: قوينا الاثنين برسول ثالث، وقيل: اسمه شمعون. ﴿رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ﴾ إنما أكدوا الخبر هنا باللام؛ لأنه جواب للمنكرين، بخلاف الموضع الأول؛ فإنه إخبار مجرد. ﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ﴾ أي: تشاءمنا، وأصل اللفظة: من زجر الطير؛ ليستدل على ما يكون من خير أو شر، وإنما تشاءموا بهم؛ لأنهم جاؤوا بدين غير دينهم. وقيل: وقع فيهم الجذام لما كفروا. وقيل: قحطوا. ﴿قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾ أي: قال الرسل لأهل القرية: شؤمكم معكم؛ أي: إنما الشؤم الذي أصابكم بسبب كفركم، لا بسببنا. ﴿أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ﴾ دخلت همزة الاستفهام على حرف الشرط، وفي الكلام حذف تقديره: أتتطيرون إن ذكرتم؟. ﴿يَسْعَى﴾ أي: يسرع؛ لجده (١) ونصيحته. وقيل: اسمه: حبيب النجار. ﴿اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٢١)﴾ أي: هؤلاء المرسلون لا يسألونكم أجرة على الإيمان، فلا تخسرون معهم شيئا من دنياكم،

стр. 2059

وتربحون معهم الاهتداء في دينكم. ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ المعنى: أي شيء يمنعني من عبادة ربي؟، وهذا توقيف وإخبار عن نفسه قصد به البيان لقومه، ولذلك قال: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ فخاطبهم. ﴿إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ﴾ هذا وصف للآلهة، والمعنى: كيف أتخذ من دون الله آلهة لا يشفعون، ولا ينقذونني من الضر. ﴿إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٤)﴾ أي: إن اتخذت آلهة غير الله فإني لفي ضلال مبين. ﴿إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (٢٥)﴾ خطاب لقومه؛ أي: اسمعوا قولي واعملوا بنصيحتي. وقيل: خطاب للرسل؛ ليشهدوا له. ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ﴾ قبل هذا محذوف يدل عليه الكلام، وروي في الأثر؛ وهو أن الرجل لما نصح قومه قتلوه، فلما مات قيل له: ادخل الجنة. واختلف هل دخلها حين موته كالشهداء؟ أو هل ذلك بمعنى البشارة بالجنة ورؤيته لمقعده منها؟ ﴿قَالَ يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي﴾ تمنى أن يعلم قومه بغفران الله له على إيمانه فيؤمنوا، ولذلك ورد في الحديث: «أنه نصح لهم حيا وميتا» (١). وقيل: أراد أن يعلموا ذلك فيندموا على فعلهم معه، ويحزنهم ذلك.

стр. 2060

﴿وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُندٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ المعنى: أن الله أهلكهم بصيحة صاحها جبريل، ولم يحتج في تعذيبهم إلى إنزال جند من السماء؛ لأنهم أهون من ذلك. وقيل: المعنى: ما أنزل الله على قومه ملائكة رسلا كما قالت قريش: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ٧]. ولفظ الجند أليق بالمعنى الأول، وكذلك ذكر الصيحة بعد ذلك. ﴿وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ﴾ ما كنا لننزل جندا من السماء على أحد. ﴿فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾ أي: ساكنون لا يتحركون ولا ينطقون. ﴿يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ﴾ نداء للحسرة، كأنه قيل (١): «يا حسرة احضري فهذا وقتك»، وهذا التفجع عليهم استعارة في معنى التهويل والتعظيم لما فعلوا من استهزائهم بالرسل. ويحتمل أن يكون من كلام: الملائكة، أو المؤمنين من الناس. وقيل: المعنى: يا حسرة العباد على أنفسهم. ﴿أَلَمْ يَرَوْا﴾ الضمير: لقريش، أو للعباد على الإطلاق، والرؤية هنا: بمعنى العلم. ﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (٣٢)﴾ قرئ ﴿لَمَّا﴾ بالتخفيف، وهي لام التأكيد دخلت على «ما» الزائدة، و ﴿إِنْ﴾ على هذا: مخففة من الثقيلة. وقرئ بالتشديد، وهي بمعنى «إلا»، و ﴿إِنْ﴾ على هذا نافية.

стр. 2061

[﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (٣٣) وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (٣٤) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (٣٥) سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ (٣٦) وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (٣٧) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠) وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (٤١) وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ (٤٢) وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ (٤٣) إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (٤٤) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٤٥) وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (٤٦) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٤٧) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٨) مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (٤٩) فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ (٥٠)﴾] ﴿وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ﴾ ﴿مَا﴾ معطوفة على ﴿ثَمَرِهِ﴾؛ أي: ليأكلوا من الثمر ومما (١) عملته أيديهم بالحرث والزراعة والغراسة. وقيل: ﴿مَا﴾ نافية. وقرئ ﴿مَا عَمِلَتْ﴾ بغير هاء و ﴿مَا﴾ على هذا: معطوفة. ﴿الْأَزْوَاجَ﴾ يعني: أصناف المخلوقات، ثم فسّرها بقوله: ﴿مِمَّا تُنْبِتُ

стр. 2062

الْأَرْضُ﴾ وما بعده، فـ «من» في المواضع الثلاثة للبيان. ﴿وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ﴾ يعني: أشياء لا يعلمها بنو آدم كقوله: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٨]. ﴿نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾ أن نجرده منه، وهي استعارة. ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ أي: لحد وقت تنتهي إليه من فلكها، وهي نهاية جريها إلى أن ترجع في المنقلبين: الشتوي والصيفي. وقيل: مستقرها: وقوفها كل يوم وقت الزوال، بدليل وقوف الظل حينئذ. وقيل: مستقرها: يوم القيامة حين تكور. وفي الحديث: «مستقرها تحت العرش تسجد فيه كل ليلة بعد غروبها» (١) وهذا أصح الأقوال؛ لوروده عن النبي ﷺ في الحديث الصحيح. وقرئ ﴿لَا مُسْتَقَرَّ لَهَا﴾؛ أي: لا تستقر عن جريها. ﴿وَالْقَمَرُ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ قرئ بالرفع: على الابتداء. أو عطف على ﴿اللَّيْلُ﴾. وبالنصب: على إضمار فعل. ولا بد في ﴿قَدَّرْنَاهُ﴾ من حذف، تقديره: قدرنا سيره منازل.

стр. 2063

ومنازل القمر ثمانية وعشرون، ينزل القمر كل ليلة واحدة منها من أول الشهر، ثم يستتر (١) في آخر الشهر ليلة أو ليلتين. قال الزمخشري: «وهذه المنازل هي مواقع النجوم؛ وهي: الشرطان (٢)، البطين، الثريا، الدبران، الهقعة، الهنعة، الذراع، النثرة، الطرف، الجبهة، الزبرة، الصرفة، العوا، السماك، الغفر، الزبانى، الإكليل، القلب، الشولة، النعائم، البلدة، سعد الذابح، سعد بلع، سعد السعود، سعد الأخبية، فرغ الدلو المقدم، فرغ الدلو المؤخر، الرشاء (٣)» (٤). ﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ العرجون: هو غصن النخلة، شبه القمر به إذا تناهى في نقصانه. والتشبيه في ثلاثة أوصاف؛ وهي: الرقة، والانحناء، والصفرة.

стр. 2064

ووصفه بالقديم؛ لأنه حينئذ تكون له هذه الأوصاف. ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾ المعنى: لا يمكن الشمس أن تجتمع مع القمر بالليل فتمحو نوره، هكذا قال بعضهم. ويحتمل أن يريد: أن سير الشمس في الفلك بطيء، فإنها تقطع الفلك في سنة، وسير القمر سريع، فإنه يقطع الفلك في شهر، والبطيء لا يدرك السريع. ﴿وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ يعني: أن كل واحد منهما جعل الله له وقتا موقتا، وحدا معلوما لا يتعداه، فلا يأتي الليل حتى ينفصل النهار، كما لا يأتي النهار حتى ينفصل الليل. ويحتمل أن يريد: أن آية الليل وهي القمر لا تسبق آية النهار وهي الشمس؛ أي: لا تجتمع معه، فيكون المعنى كالذي قيل (١) في قوله: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾ فحصل من ذلك: أن الشمس لا تجتمع مع القمر، وأن القمر لا يجتمع مع الشمس. ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ ذكر في «الأنبياء» (٢). ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّاتِهِمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (٤١)﴾ معنى ﴿الْمَشْحُونِ﴾: المملوء.

стр. 2065

و ﴿الْفُلْكِ﴾ هنا يحتمل أن يريد به: جنس السفن. أو سفينة نوح ﵇. وأما الذرية: فقيل: إنه يعني الآباء الذين حملهم الله في سفينة نوح ﵇، وسمَّى الآباء ذريةً؛ لأن الذرية تناسلت (١) منهم، وأنكر ابن عطية ذلك (٢). وقيل: يعني: النساء، وذلك بعيد. والأظهر: أنه إن أراد بالفلك جنس السفن: فيعني جنس بني آدم، وإنما خصَّ ذريتهم بالذكر؛ لأنه أبلغُ في الامتنان عليهم، ولأن فيه إشارةً إلى حمل أعقابهم إلى يوم القيامة. وإن أراد بالفلك سفينة نوح: فيعني بالذرية: مَنْ كان في السفينة، وسمَّاهم ذرية؛ لأنهم ذرية آدم ونوح، فالضمير في ﴿ذُرِّيَّاتِهِمْ﴾ على هذا: لنوع (٣) بني آدم، كأنه يقول: الذرية منهم. و ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِن مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ (٤٢)﴾ إن أراد بالفلك سفينة نوح: فيعني بقوله: ﴿مِن مِثْلِهِ﴾ سائر السفن التي يركبها الناس. وإن أراد بالفلك جنس السفن: فيعني بقوله: ﴿مِن مِثْلِهِ﴾ الإبل وسائر المركوبات، فتكون المماثلة على هذا في أنه مركوبٌ لا غيرُ.

стр. 2066

والأول أظهر؛ لقوله: ﴿وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ﴾، ولا يتصور هذا في المركوبات غير السفن. ﴿فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ﴾ أي: لا مغيث، ولا منقذ لهم من الغرق. ﴿إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا﴾ قال الكسائي: نصب ﴿رَحْمَةً﴾ على الاستثناء، كأنه قال: إلا أن نرحمهم. وقال الزجاج: نصب ﴿رَحْمَةً﴾ على المفعول من أجله، كأنه قال: إلا لأجل رحمتنا إياهم. ﴿وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ يعني: آجالهم. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ﴾ الضمير لقريش، وجواب ﴿وَإِذَا﴾ محذوف، تقديره: «أعرضوا»، ويدل عليه: ﴿إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾. والمراد بما بين أيديهم وما خلفهم: ذنوبهم المتقدمة والمتأخرة. وقيل: ما بين أيديهم: عذاب الأمم المتقدمة، وما خلفهم: عذاب الآخرة. ﴿قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾ كان النبي ﷺ والمؤمنون يحضون على الصدقات وإطعام المساكين فيجيبهم الكفار بهذا الجواب، وفي معناه قولان: أحدهما: أنهم قالوا: كيف نطعم المساكين ولو شاء الله أن يطعمهم لأطعمهم، فمنذ حرمهم الله نحرمهم نحن، وهذا كقولهم: «كن مع الله على المدبر».

стр. 2067

والآخر: أن قولهم ردٌّ على المؤمنين، وذلك أن المؤمنين كانوا يقولون: الأمور كلها بيد الله، فكان الكفارُ يقولون لهم: لو كان كما تزعمون لأطعم الله هؤلاء؛ فما بالكم تطلبون إطعامهم منا؟. ومقصدهم (١) في الوجهين: احتجاجٌ لبخلهم ومنعِهم الصدقات، واستهزاء بمن حضَّهم على الصدقة (٢). ﴿إِنْ أَنتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ يحتمل أن يكون: من بقية كلامهم خطابًا للمؤمنين. أو يكون من كلام الله خطابًا للكافرين. ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾ يعنون: يوم القيامة، أو نزول العذاب بهم. ﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ أي ما ينتظرون إلَّا صيحة واحدة، يعني: النفخة الأولى في الصور، وهي نفخة الصَّعْق. ﴿تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾ أي: تأخذهم بغتةً وهم يختصمون؛ أي: يتكلمون في أمورهم. وأصل ﴿يَخِصِّمُونَ﴾: يختصمون، ثم أدغم. وقرئ بفتح الخاء، وبكسرها، واختلاس حركتها. ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً﴾ أي: لا يقدرون أن يوصوا بما لهم وما عليهم؛ لسرعة الأمر.

стр. 2068

﴿وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ أي: لا يستطيعون أن يرجعوا إلى منازلهم؛ لسرعة الأمر. * * *

стр. 2069

[﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (٥١) قَالُوا يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (٥٢) إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (٥٣) فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٥٤) إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ (٥٥) هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ (٥٦) لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ (٥٧) سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (٥٨) وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (٥٩) أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢) هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٦٣) اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٦٤) الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٦٥) وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ (٦٦) وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ (٦٧) وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلَا يَعْقِلُونَ (٦٨)﴾]. ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (٥١)﴾ هذه النفخة الثانية، وهي نفخة القيام من القبور. و ﴿الْأَجْدَاثِ﴾: هي القبور. و ﴿يَنْسِلُونَ﴾: يسرعون المشي. وقيل: يخرجون. ﴿قَالُوا يَاوَيْلَنَا﴾ الويل: منادى، أو مصدر.

стр. 2070

﴿مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ المرقد: يحتمل أن يكون: اسم مصدر، أو اسم مكان. قال أبي بن كعب ومجاهد: إن البشر ينامون نومةً قبل الحشر. قال ابن عطية: وهذا غير صحيح الإسناد، وإنما الوجه في معنى قولهم: ﴿مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ أنها استعارة وتشبيه به (١)، يعني: أن قبورهم شبهت بالمضاجع، لكونهم فيها على هيئة الراقد (٢)، وإن لم يكن رقادٌ (٣) في الحقيقة. ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ ﴿هَذَا﴾: مبتدأ، وما بعده: خبره. وقيل: إن ﴿هَذَا﴾ صفة لـ ﴿مَرْقَدِنَا﴾، و ﴿مَا وَعَدَ﴾ مبتدأ محذوف الخبر، وهذا ضعيف. ويحتمل أن يكون هذا الكلام: من بقية كلامهم. أو يكون من كلام الله تعالى. أو من كلام الملائكة. أو المؤمنين، يقولونها (٤) للكفار على وجه التقريع.
следующие страницы →