← Тафсир

Тафсир · id 30186

تفسير ابن جزي التسهيل لعلوم التنزيل - ط طيبة الخضراء

ابن جزي الكلبي

Полный текст (3 030 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.

стр. 2066

والأول أظهر؛ لقوله: ﴿وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ﴾، ولا يتصور هذا في المركوبات غير السفن. ﴿فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ﴾ أي: لا مغيث، ولا منقذ لهم من الغرق. ﴿إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا﴾ قال الكسائي: نصب ﴿رَحْمَةً﴾ على الاستثناء، كأنه قال: إلا أن نرحمهم. وقال الزجاج: نصب ﴿رَحْمَةً﴾ على المفعول من أجله، كأنه قال: إلا لأجل رحمتنا إياهم. ﴿وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ يعني: آجالهم. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ﴾ الضمير لقريش، وجواب ﴿وَإِذَا﴾ محذوف، تقديره: «أعرضوا»، ويدل عليه: ﴿إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾. والمراد بما بين أيديهم وما خلفهم: ذنوبهم المتقدمة والمتأخرة. وقيل: ما بين أيديهم: عذاب الأمم المتقدمة، وما خلفهم: عذاب الآخرة. ﴿قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾ كان النبي ﷺ والمؤمنون يحضون على الصدقات وإطعام المساكين فيجيبهم الكفار بهذا الجواب، وفي معناه قولان: أحدهما: أنهم قالوا: كيف نطعم المساكين ولو شاء الله أن يطعمهم لأطعمهم، فمنذ حرمهم الله نحرمهم نحن، وهذا كقولهم: «كن مع الله على المدبر».

стр. 2067

والآخر: أن قولهم ردٌّ على المؤمنين، وذلك أن المؤمنين كانوا يقولون: الأمور كلها بيد الله، فكان الكفارُ يقولون لهم: لو كان كما تزعمون لأطعم الله هؤلاء؛ فما بالكم تطلبون إطعامهم منا؟. ومقصدهم (١) في الوجهين: احتجاجٌ لبخلهم ومنعِهم الصدقات، واستهزاء بمن حضَّهم على الصدقة (٢). ﴿إِنْ أَنتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ يحتمل أن يكون: من بقية كلامهم خطابًا للمؤمنين. أو يكون من كلام الله خطابًا للكافرين. ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾ يعنون: يوم القيامة، أو نزول العذاب بهم. ﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ أي ما ينتظرون إلَّا صيحة واحدة، يعني: النفخة الأولى في الصور، وهي نفخة الصَّعْق. ﴿تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾ أي: تأخذهم بغتةً وهم يختصمون؛ أي: يتكلمون في أمورهم. وأصل ﴿يَخِصِّمُونَ﴾: يختصمون، ثم أدغم. وقرئ بفتح الخاء، وبكسرها، واختلاس حركتها. ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً﴾ أي: لا يقدرون أن يوصوا بما لهم وما عليهم؛ لسرعة الأمر.

стр. 2068

﴿وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ أي: لا يستطيعون أن يرجعوا إلى منازلهم؛ لسرعة الأمر. * * *

стр. 2069

[﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (٥١) قَالُوا يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (٥٢) إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (٥٣) فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٥٤) إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ (٥٥) هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ (٥٦) لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ (٥٧) سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (٥٨) وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (٥٩) أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢) هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٦٣) اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٦٤) الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٦٥) وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ (٦٦) وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ (٦٧) وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلَا يَعْقِلُونَ (٦٨)﴾]. ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (٥١)﴾ هذه النفخة الثانية، وهي نفخة القيام من القبور. و ﴿الْأَجْدَاثِ﴾: هي القبور. و ﴿يَنْسِلُونَ﴾: يسرعون المشي. وقيل: يخرجون. ﴿قَالُوا يَاوَيْلَنَا﴾ الويل: منادى، أو مصدر.

стр. 2070

﴿مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ المرقد: يحتمل أن يكون: اسم مصدر، أو اسم مكان. قال أبي بن كعب ومجاهد: إن البشر ينامون نومةً قبل الحشر. قال ابن عطية: وهذا غير صحيح الإسناد، وإنما الوجه في معنى قولهم: ﴿مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ أنها استعارة وتشبيه به (١)، يعني: أن قبورهم شبهت بالمضاجع، لكونهم فيها على هيئة الراقد (٢)، وإن لم يكن رقادٌ (٣) في الحقيقة. ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ ﴿هَذَا﴾: مبتدأ، وما بعده: خبره. وقيل: إن ﴿هَذَا﴾ صفة لـ ﴿مَرْقَدِنَا﴾، و ﴿مَا وَعَدَ﴾ مبتدأ محذوف الخبر، وهذا ضعيف. ويحتمل أن يكون هذا الكلام: من بقية كلامهم. أو يكون من كلام الله تعالى. أو من كلام الملائكة. أو المؤمنين، يقولونها (٤) للكفار على وجه التقريع.

стр. 2071

﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ يعني: النفخة الثانية، وهي نفخة القيام. ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ﴾ قيل: هو افتضاض الأبكار. وقيل: سماع الأوتار. والأظهر: أنه عام في الاشتغال بالنعيم (١) واللذات. ﴿فَاكِهُونَ﴾ قرئ: بالألف، ومعناه: أصحاب فاكهة. وبغير ألف، وهو في الفكاهة بمعنى الراحة والسرور. ﴿فِي ظِلَالٍ﴾ جمع ظلٍّ. وقرئ بالضم، جمع ظُلَّةٍ. ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ﴾ جمع أريكة، وهي السرير. ﴿وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ﴾ أي: ما يتمنَّون. وقيل: معناه: أن ما يدعون به يأتيهم. ﴿سَلَامٌ﴾ مبتدأ. وقيل: بدلٌ من ﴿مَا يَدَّعُونَ﴾. ﴿قَوْلًا﴾ مصدر مؤكَّد، والمعنى: أن السلام عليهم قولٌ من الله، بواسطة الملائكة، أو بغير واسطة.

стр. 2072

﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (٥٩)﴾ أي: انفردوا عن المؤمنين، وكونوا على حِدَةٍ. ﴿جِبِلًّا كَثِيرًا﴾ الجِبِلُّ: الأمة العظيمة. وقال الضحاك: أقلها عشرة آلاف ولا نهاية لأكثرها. وقرئ: بكسر الجيم والباء وتشديد اللام. وبضمهما مع التخفيف. وبضم الجيم وإسكان الباء. وهي لغات بمعنى واحد. ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ﴾ أي: نمنعهم من الكلام، فتنطق أعضاؤهم يوم القيامة. ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ﴾ هذا تهديد لقريش. والطمس على الأعين: هو العمى، و ﴿الصِّرَاطَ﴾: الطريق، و ﴿أَنَّى﴾: استفهام يراد به النفي. فمعنى الآية: لو نشاء لأعميناهم؛ فلو راموا أن يمشوا على الطريق لم يبصروه. وقيل: يعني: عَمَى البصائر؛ أي: لو نشاء لختمنا على قلوبهم، والطريق على هذا استعارةٌ بمعنى الإيمان والخير.

стр. 2073

﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ﴾ هذا تهديدٌ بالمسخ. فقيل: معناه: المسخ قردةً وخنازير، أو حجارة. وقيل: معناه: لو نشاء لجعلناهم مقعدين مبطولين لا يستطيعون تصرُّفًا. وقيل: إن هذا التهديد كلّه بما (١) يكون يوم القيامة. والأظهر أنه في الدنيا. ﴿عَلَى مَكَانَتِهِمْ﴾ المكانة: المكان، والمعنى: لو نشاء لمسخناهم مسخًا يُقعدهم في مكانهم. ﴿فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ﴾ أي: إذا مُسخوا في مكانهم لم يقدروا أن يذهبوا ولا أن يرجعوا. ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ﴾ أي: نحوّل خِلْقته من القوة إلى الضعف، ومن الفَهْم إلى البَلَه، وشبه ذلك، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾ [الروم: ٥٤]. وإنما قصد بذكر ذلك هنا: الاستدلال على قدرته تعالى على مسخ الكفار، كما قَدَر على تنكيس الإنسان إذا هَرِمَ. * * *

стр. 2074

[﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (٦٩) لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ (٧٠) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (٧١) وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ (٧٢) وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (٧٣) وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (٧٤) لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ (٧٥) فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (٧٦) أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (٨٠) أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨١) إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)﴾]. ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ الضميران (١) لمحمد ﷺ ، وذلك ردٌّ على الكفار في قولهم: إنه شاعر، وكان ﷺ لا يَنظِم الشعر ولا يزنه، وإذا ذكر بيت شعر كسر وزنه. فإن قيل: قد روي عنه ﷺ أنه قال: أنا النَّبِي لَا كَذِب … أنا ابنُ عَبدِ المُطَّلِب وروي عنه أيضًا ﷺ : هل أنتَ إِلَّا إِصْبَعٌ دَمِيتِ … وفي سبيلِ الله ما لقيتِ وهذا كلامٌ على وزن الشعر.

стр. 2075

فالجواب: أنه ليس بشعر؛ لأنه (١) لم يقصد به الشعر، وإنما جاء موزونًا بالاتفاق لا بالقصد، فهو كالكلام المنثور، ومثل هذا يقال فيما جاء في القرآن من الكلام الموزون. ويقتضي قوله: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ تنزيه النبي ﷺ عن الشعر؛ لما فيه من الأباطيل وإفراط التجوز (٢)، حتى يقال: «إن الشعر أطيبه أكذبه»، وليس كلُ الشعر كذلك؛ فقد قال ﷺ : «إن من الشعر لحكمة» (٣). وقد أكثر الناس في ذمّ الشعر ومدحه، وإنما الإنصاف قول الشافعي: الشعر كلامٌ، والكلام منه حسنٌ ومنه قبيح. ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ﴾ الضمير للقرآن؛ يعني: أنه ذكرٌ لله. أو تذكير للناس. أو شرفٌ لهم. ﴿لِيُنذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا﴾ أي: حيّ القلب والبصيرة. ﴿وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ أي: يجب عليهم العذاب. ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾ مقصد الآية: تعديدُ نعمةٍ (٤) وإقامة حجة.

стр. 2076

والأيدي هنا: عند أهل التأويل: عبارةٌ عن القدرة. وهي عند أهل التسليم: من المتشابه الذي يجب الإيمان به، وعلمه عند الله (١). ﴿فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ﴾ الرَّكوب -بفتح الراء-: هو المركوب. ﴿وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ﴾ يعني: الأكلَ منها والحَمْلَ عليها، والانتفاعَ بالجلود والصوف وغيره. ﴿وَمَشَارِبُ﴾ يعني: الألبان. ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ﴾ الضمير في ﴿يَسْتَطِيعُونَ﴾ للأصنام، وفي ﴿نَصْرَهُمْ﴾ للمشركين. ويحتمل العكس. ولكنَّ الأول أرجح؛ فإنه لما ذكر أن المشركين اتخذوا الأصنام لعلهم يُنصرون: أخبر أن الأصنام لا يستطيعون نصرهم، فخاب أملهم. ﴿وَهُمْ لَهُمْ جُندٌ مُحْضَرُونَ﴾ الضمير الأول: للمشركين، والثاني: للأصنام يعني: أن المشركين يخدمون الأصنام ويتعصَّبون لهم؛ حتى إنهم لهم كالجند. وقيل: بالعكس؛ بمعنى: أن الأصنام جندٌ محضرون لعذاب المشركين في الآخرة.

стр. 2077

والأول أرجح؛ لأنه تقبيح لحال المشركين. ﴿فَلَا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ﴾ تسليةٌ للنبي ﷺ ، معلَّلةٌ بما بعدها. ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ هذه الآية وما بعدها إلى آخر السورة براهينُ على الحشر يوم القيامة، وردٌّ على من أنكر ذلك. والنطفة: هي نقطة (١) المنيِّ التي خلق الإنسان منها، ولا شكَّ أن الإله الذي قدَرَ على خِلْقته من نطفة قادرٌ على أن يخلقه مرة أخرى عند البعث. وسبب الآية: أن العاصي بن وائل جاء إلى النبي ﷺ بعظم رميم فقال: يا محمد من يحيي هذا؟ وقيل: إن الذي جاء بالعظم أمية بن خلف. وقيل: أبيُّ بن خلف. فقال له رسول الله ﷺ : «الله يحييه ويميتك ثم يحييك ويدخلك جهنم» (٢). ﴿فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ أي: متكلِّمٌ قادر على الخصام، يُبين ما في نفسه بلسانه. ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا﴾ إشارةٌ إلى قول الكافر: من يحيي هذا العظم؟. ﴿وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ أي: نسي الاستدلالَ بخِلْقته الأولى على بعثه. والنسيان هنا يحتمل أن يكون بمعنى الذهول، أو الترك.

стр. 2078

﴿وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ أي: بالية متفتتة. ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ استدلال بالخلقة الأولى على البعث. ﴿وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ أي: يعلم كيف يخلق كل شيء، فلا يصعب عليه بعث الأجساد بعد فنائها. والخلق هنا يحتمل أن يكون مصدرا، أو بمعنى المخلوق. ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا﴾ هذا دليل آخر على إمكان البعث، وذلك أن الذين أنكروه من الكفار والطبائعيين قالوا: طبع الموت يضاد طبع الحياة فكيف تصير العظام حية؟ فأقام الله عليهم الدليل بخروج النار من الشجر الأخضر الممتلئ ماء، مع مضادة طبع الماء للنار. ويعني بـ ﴿الشَّجَرِ﴾: زناد العرب، وهو شجر المرخ والعفار، فإنه يقطع من كل واحد منهما غصنا أخضر يقطر منه الماء، فيسحق المرخ على العفار، فينقدح (١) النار بينهما. قال ابن عباس: ليس من شجرة إلا وفيها نار إلا العناب، ولكنه في المرخ والعفار أكثر. ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُم﴾ هذا دليل آخر على البعث، فإن الإله الذي قدر على خلقة السموات والأرض على عظمتها وكبر أجرامها (٢) قادر على أن يخلق أجساد بني آدم بعد فنائها.

стр. 2079

والضمير في ﴿مِثْلَهُمْ﴾ يعود على الناس. ﴿وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ في ذِكْر هذه الاسمين أيضًا استدلالٌ على البعث، وكذلك في قوله: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾؛ لأن هذه (١) عبارة عَنْ قدرته على جميع الأشياء، ولا شكَّ أن الخلاق العليم القدير (٢) لا يصعب عليه إعادة الأجساد. ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ في هذا استدلالٌ على البعث، وتنزيهٌ لله عما نسبه (٣) الكفار إليه من العجز عن البعث، وإنهم (٤) ما قدروا الله حق قدره، وكلُّ من أنكر البعث فإنما أنكره لجهله بقدرة الله سبحانه. * * *

стр. 2080

(سورة الصافات) [﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (١) فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا (٢) فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا (٣) إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ (٤) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ (٥) إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (٦) وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ (٧) لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (٨) دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ (٩) إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ (١٠) فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ (١١) بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ (١٢) وَإِذَا ذُكِّرُوا لَا يَذْكُرُونَ (١٣) وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ (١٤) وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٥) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (١٦) أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ (١٧) قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ (١٨) فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ (١٩) وَقَالُوا يَاوَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ (٢٠) هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢١)﴾]. ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (١)﴾ تقديره: والجماعات الصافات. ثم اختلف فيها: فقيل: هي الملائكة التي تصفُّ في السماء صفوفًا لعبادة الله. وقيل: هي مَنْ يصفُّ من بني آدم في الصلوات والجهاد. والأول أرجح؛ لقوله حكايةً عن الملائكة: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥)﴾. ﴿فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا (٢)﴾ هي الملائكة تزجر السحاب وغيرها.

стр. 2081

وقيل: الزاجرون بالمواعظ من بني آدم. وقيل: هي آيات القرآن المتضمّنة الزّجرَ عن المعاصي. ﴿فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا﴾ ¶٣٧¶٣ ﴿فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا (٣)﴾ هي الملائكة تتلو القرآن والذكر. وقيل: هم التالون للقرآن والذكر من بني آدم. وهي كلُّها أشياءُ أقسم الله بها على أنه واحدٌ. ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ﴾ ¶٣٧¶٥ ﴿وَرَبُّ الْمَشَارِقِ﴾ يعني: مشارق الشمس، وهي ثلاث مئة وستون مَشرِقًا، وكذلك المغارب فإنها تشرُقُ كلَّ يوم من أيام السنة في مشرق منها، وتغرب في مغرب. واستغنى بذكر المشارق عن ذكر المغارب؛ لأنها مُعادِلةٌ لها، فتُفهم من ذكرها. ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ﴾ ¶٣٧¶٦ ﴿بِزِينَةِ الْكَوَاكِبِ﴾ قرئ بإضافة الزينة إلى الكواكب، والزينة تكون: مصدرًا واسمًا لما يُزان به. فإن كان مصدرًا فهو: مضافٌ إلى الفاعل، تقديره: «بأنْ زَيَّنَت الكواكبُ السماءَ». أو مضاف إلى المفعول، تقديره: «بأنْ زِيَّنَّا الكواكبَ». وإن كانت اسمًا: فالإضافة بيانٌ للزينة. وقرئ بتنوين ﴿بِزِينَةٍ﴾: وخفض ﴿الْكَوَاكِبِ﴾: على البدل.

стр. 2082

وبنصب ﴿الْكَوَاكِبِ﴾: على أنها: مفعولٌ بـ ﴿زِينَةٍ﴾. أو بدلٌ من موضع ﴿زِينَةٍ﴾. ﴿وَحِفْظًا﴾ منصوبٌ: على المصدر، تقديره: وحفظناها حفظًا. أو مفعولٌ من أجله، والواو زائدة. أو محمول على المعنى؛ لأن المعنى: إنا جعلنا الكواكب زينةً للسماء وحفظًا. ﴿مَارِدٍ﴾ أي: شديد الشرّ. ﴿لَا يَسْمَعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى﴾ الضمير في ﴿يَسْمَعُونَ﴾ للشياطين، و ﴿الْمَلَإِ الْأَعْلَى﴾ هم الملائكة الذين يسكنون في السماء. والمعنى: أن الشياطين مُنِعت من سَمْع أحاديث الملائكة. وقرئ ﴿يَسَّمَّعُونَ﴾ بتشديد السين والميم، ووزنه يتَفَعَّلون، والتَّسَمُّعُ: طلب السماع. فنفى السَّماع على القراءة الأولى، ونفى طلبَه على القراءة بالتشديد. والأول أرجح؛ لقوله: ﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (٢١٢)﴾ [الشعراء: ٢١٢]، ولأن ظاهر الأحاديث أنهم يستمعون، لكنه لا يسمعون شيئًا منذ بعث محمد ﷺ ؛ لأنهم يُرْمَون بالكواكب.

стр. 2083

﴿وَيُقْذَفُونَ﴾ أي: يُرجَمون، يعني: بالكواكب، وهي التي يراها الناس تنقضُّ. قال النقاش ومكي: ليست الكواكبُ الراجمةُ للشياطين بالكواكب الجارية في السماء؛ لأن تلك لا تُرَى حركتها، وهذه الرَّاجِمة تُرَى حركتها؛ لقربها منا (١). قال ابن عطية: وفي هذا نظر (٢). ﴿دُحُورًا﴾ أي: طَرْدًا وإبعادًا وإهانةً؛ لأن الدَّحْر: الدفعُ بعنف. وإعرابه: مفعول من أجله. أو مصدر من ﴿وَيُقْذَفُونَ﴾ على المعنى. أو مصدر في موضع الحال، تقديره: مدحورين. ﴿عَذَابٌ وَاصِبٌ﴾ أي: دائم؛ لأنهم يُرجمون بالنجوم في الدنيا، ثم يعذَّبون بجهنم. ﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ﴾ ﴿مَنْ﴾ في موضع رفع، بدلٌ من الضمير في قو ﴿لَا يَسَّمَّعُونَ﴾. والمعنى: لا تسمع الشياطين أخبار السماء إِلَّا الشيطان الذي خطف الخطفة.

стр. 2084

﴿شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ أي: شديد الإضاءة. ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا﴾ الضمير لكفار قريش، والاستفتاء: نوع من السؤال، وكأنه سؤال من يعتبر قوله ويجعل حجة؛ لأن جوابهم عن السؤال مما تقوم عليهم به الحجة. و ﴿مَنْ خَلَقْنَا﴾ يراد به: ما تقدم ذكره من الملائكة والسموات والأرض والمشارق والكواكب. وقيل: يراد به: من تقدم من الأمم. والأول أرجح؛ لقراءة ابن مسعود: «أم من عددنا». ومقصد الآية: إقامة الحجة عليهم في إنكارهم البعث في الآخرة، كأنه يقول: هذه المخلوقات أشد خلقا منكم، فكما قدرنا على خلقتهم (١) كذلك نقدر على إعادتكم بعد فنائكم. ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِن طِينٍ لَازِبٍ﴾ اللازب: اللازم؛ أي: يلزم ما جاوره ويلصق به، ووصفه بذلك يراد به ضعف خلقة بني آدم. ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾ أي: عجبت يا محمد من ضلالهم (٢) وإعراضهم عن الحق. أو عجبت من قدرة الله على هذه المخلوقات العظام المذكورة. وقرئ ﴿عَجِبْتُ﴾ بضم التاء، وأشكل ذلك على من يقول: إن التعجب

стр. 2085

مستحيلٌ على الله فتأوَّله (١) بمعنى: أنه جعله على حالٍ تعجَّب منها (٢) الناس. وقيل: تقديره: «قل يا محمد: عجبتُ». وقد جاء التعجُّب من الله في القرآن والحديث، كقوله ﷺ : «يعجب ربك من الشاب ليس له صبوة» (٣)، وهو صفة فعل، وإنما جعلوه مستحيلًا على الله؛ لأنهم قالوا إن التعجب استعظامُ خَفِيَّ سببهُ، والصواب: أنه لا يلزم أن يكون خفيَّ السبب، بل هو لمجرَّد الاستعظام؛ فعلى هذا: لا يستحيل على الله (٤).

стр. 2086

﴿وَيَسْخَرُونَ﴾ تقديره: وهم يسخرون منك، أو من العبث. ﴿وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ (١٤)﴾ الآية هنا: العلامة، كانشقاق القمر ونحوه. وروي أنها نزلت في مشرك اسمه رُكانة، أراه النبي ﷺ آياتٍ فلم يؤمن. و ﴿يَسْتَسْخِرُونَ﴾ معناه: يسخرون، فيكون «فَعَلَ» و «استفْعَلَ» بمعنى واحد. وقيل: معناه: يستدعي بعضهم بعضًا لأن يسخر. وقيل: يبالغون في السُّخرية. ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا﴾ الآية؛ معناها: استبعادهم للبعث. وقد تقدَّم الكلام على الاستفهامين في «الرعد» (١). ﴿أَوَآبَاؤُنَا﴾ بفتح الواو، دخلت (٢) همزة الإنكار على واو العطف. وقرئ بالإسكان عطفًا بـ «أو». ﴿قُلْ نَعَمْ وَأَنتُمْ دَاخِرُونَ (١٨)﴾ أي: قل: تبعثون. والدَّاخر: الصَّاغر الذَّليل. ﴿زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ هي النفخة في الصور للقيام من القبور. ﴿فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ﴾ يحتمل أن يكون: من النظر بالأبصار. أو من الانتظار؛ أي: ينتظرون ما يُفعل بهم.

стр. 2087

﴿هَذَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ يَحتمل أن يكون: من كلامهم، مثل الذي قبله. أو مما يقال لهم، مثل الذي بعده. * * *

стр. 2088

[﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ (٢٣) وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (٢٤) مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ (٢٥) بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ (٢٦) وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٢٧) قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ (٢٨) قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٢٩) وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ (٣٠) فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ (٣١) فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ (٣٢) فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٣) إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (٣٤) إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥) وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ (٣٦) بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ (٣٧) إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ (٣٨) وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٩) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (٤٠) أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ (٤١) فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ (٤٢) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٤٣) عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (٤٤) يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (٤٥) بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ (٤٦) لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ (٤٧) وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ (٤٨) كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (٤٩) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٥٠) قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (٥١) يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (٥٢) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ (٥٣) قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ (٥٤) فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٥٥) قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (٥٦) وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٥٧) أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (٥٨) إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٥٩) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٠) لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ (٦١) أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (٦٢) إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (٦٣) إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤) طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (٦٥) فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٦٦) ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ (٦٧) ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ (٦٨) إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ (٦٩) فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ (٧٠) وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ (٧١) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ (٧٢) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (٧٣) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (٧٤)﴾].

стр. 2089

﴿احْشُرُوا﴾ الآية؛ خطابٌ للملائكة، خاطبهم به الله تعالى، أو خاطب به بعضهم بعضًا. ﴿وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ يعني: نساءَهم المشركات. وقيل: يعني: أصنافهم وقرناءهم من الجن والإنس. ﴿وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ يعني: الأصنام والآدميين الذي كانوا يرضون بذلك. ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ أي: دلوهم على طريق (١) جهنم ليدخلوها. ﴿إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ يعني: إنهم يُسألون عن أعمالهم، توبيخًا لهم. وقيل: يسألون عن قول: «لا إله إلا الله». والأول أرجح؛ لأنه أعم. ويحتمل أن يُسألوا عن عدم تناصرهم، على وجه التهكم بهم، فيكون ﴿مَسْئُولُونَ﴾ عاملًا فيما بعده، والتقدير: يقال لهم: ما لكم لا ينصر بعضكم بعضًا وقد كنتم في الدنيا تقولون: نحن جميع منتصرٌ؟. ﴿مُسْتَسْلِمُونَ﴾ أي: منقادون عاجزون عن الانتصار. ﴿إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ﴾ الضمير في ﴿قَالُوا﴾: للضعفاء من الكفار خاطبوا الكبراء منهم في جهنم. أو للإنس خاطبوا الجنَّ.

стр. 2090

و ﴿الْيَمِينِ﴾ هنا يحتمل ثلاثة معان: الأول: أن يراد بها: طريق الخير والصواب، وجاءت العبارة عن ذلك بلفظ اليمين، كما أن العبارة عن الشر بالشمال، والمعنى: أنهم قالوا لهم: إنكم كنتم تأتوننا عن طريق الخير فتصدوننا عنه. والثاني: أن يراد بها: القوة، والمعنى على هذا: إنكم كنتم تأتوننا بقوتكم وسلطانكم فتأمروننا بالكفر وتمنعوننا من الإيمان. والثالث: أن يراد بها: اليمين التي يحلف بها؛ أي: كنتم تأتوننا بأن تحلفوا لنا أنكم على الحق فنصدقكم في ذلك ونتبعكم. ﴿قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٢٩)﴾ الضمير في ﴿قَالُوا﴾: للكبراء من الكفار. أو للشياطين. والمعنى: أنهم قالوا لأتباعهم: ليس الأمر كما ذكرتم، بل كفرتم باختياركم. ﴿فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ (٣١)﴾ أي: وجب العذاب علينا وعليكم. و ﴿إِنَّا لَذَائِقُونَ﴾ معمول القول، وحذف معمول ﴿لَذَائِقُونَ﴾ تقديره: وجب القول بأنا ذائقون العذاب. ﴿فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ (٣٢)﴾ أي: دعوناكم إلى الغي؛ لأنا كنا على غي. ﴿فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٣)﴾ أي: إن المتبوعين والأتباع مشتركون في عذاب النار.

стр. 2091

﴿وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ (٣٦)﴾ الضمير في ﴿يَقُولُونَ﴾ لكفار قريش، ويعنون بـ ﴿شَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾: محمدا ﷺ ، فرد الله عليهم بقوله: ﴿بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ﴾ أي: جاء بالتوحيد والإسلام، وهو الحق، ﴿وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ﴾ الذين قبله؛ لأنه جاء بمثل ما جاؤوا به. ويحتمل أن يكون صدقهم؛ لأنهم أخبروا بنبوته فظهر صدقهم لما بعث ﷺ . ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (٤٠)﴾ استثناء منقطع بمعنى «لكن». وقرئ ﴿الْمُخْلَصِينَ﴾ بفتح اللام وكسرها في كل موضع، وقد تقدم تفسيره (١). ﴿عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ السرر: جمع سرير، وتقابلهم في بعض الأحيان؛ للسرور بالأنس، وفي بعض الأحيان ينفرد كل واحد في قصره (٢). ﴿يُطَافُ عَلَيْهِم بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (٤٥)﴾ الذين يطوفون عليهم: الولدان، حسبما ورد في الآية الأخرى (٣). والكأس: الإناء الذي فيه خمر. قاله ابن عباس. وقيل: الكأس: إناء واسع الفم، ليس له مقبض، سواء كان فيه خمر أم لا.

стр. 2092

والمعين: الجاري الكثير؛ ووزنه فَعيل، والميم فيه أصلية. وقيل: هو مشتقٌّ من العين، فالميم زائدة، ووزنه: مفعول. ﴿لَذَّةٍ﴾ أي: ذات لذة، فوصفها بالمصدر اتساعًا. ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ﴾ الغول: اسم عامٌّ في الأذى والضرِّ، ومنه يقال: غاله يغوله: إذا أهلكه. وقيل: الغول: وجعٌ في البطن. وقيل: صداعٌ في الرأس. وإنما قدَّم المجرور هنا؛ تعريضًا بخمر (١) الدنيا لأن الغول فيها. ﴿وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾ أي: لا يسكرون من خمر الجنة، ومنه النَّزِيف، وهو السكران. و «عن» هنا سببية، كقولك: «فعلته عن أمرك»، أي: لا يُنزَفون بسبب شربها. ﴿قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ معناه: أنهن قصرْنَ أعينهن على النظر إلى أزواجهن، فلا ينظرن إلى غيرهم. ﴿عِينٌ﴾ جمع عَيْناءَ، وهي الكبيرة العينين في جمالٍ. ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (٤٩)﴾ قيل: شبَّههن في اللون ببيض النعام؛ لأنه

стр. 2093

بياض خالطه (١) صفرة حسنةٌ، ولذلك قال امرؤ القيس: كبِكْرِ مُقاناةِ البياضِ بصُفْرَةٍ (٢) وقيل: إنما التشبيه بلون قشر البيضة الداخلي الرقيق، وهو المكنون المصون تحت القشر الأول (٣). وقيل: أراد الجوهر المصون. ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٥٠)﴾ هذا إخبارٌ عن تحدُّث أهل الجنة. قال الزمخشري: هذه الجملة معطوفة على ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ﴾، والمعنى: أنهم يشربون فيتحادثون على الشراب بما جرى لهم في الدنيا (٤). ﴿إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ﴾ قيل: إن هذا القائل وقرينه من البشر، مؤمنٌ وكافرٌ. وقيل: كان قرينه من الجن. ﴿يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (٥٢)﴾ معناه: أنه كان يقول له على وجه الإنكار: أتصدِّق بالدين والآخرة؟ ﴿لَمَدِينُونَ﴾ أي: مجازَون ومحاسَبون على الأعمال، ووزنه: مفعول، وهو من الدِّين، بمعنى الجزاء والحساب.

стр. 2094

﴿قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ أي: قال ذلك القائل لرفقائه في الجنة، أو للملائكة، أو لخدّامه: هل أنتم مطّلعون على النار لأريكم ذلك القرين فيها؟ وروي أن في الجنة كوىً ينظرُ منها أهلُها إلى النار. ﴿فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ أي: في وسطها. ﴿قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (٥٦)﴾ أي: تهلكني بإغوائك، والرَّدى: الهلاك، وهذا خطابٌ خاطب به المؤمن قرينه الذي في النار. ﴿الْمُحْضَرِينَ﴾ أي: من المحضرين في العذاب. ﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (٥٨)﴾ هذا من كلام المؤمن: خطابًا لقرينه. أو خطابًا لرفقائه في الجنة، ولهذا قال: ﴿نَحْنُ﴾، فأخبر عن نفسه وعنهم. ويحتمل أن يكون من كلامه وكلامهم جميعًا. ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٠)﴾ يحتمل أن يكون: من كلام المؤمن. أو من كلامه وكلام رفقائه في الجنة. أو من كلام الله تعالى. وكذلك يحتمل (١) هذه الوجوه في قوله: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾.

стр. 2095

والأرجح فيه: أن يكون من كلام الله تعالى؛ لأن الذي بعده من كلام الله فيكون متصلًا به، ولأن الأمر بالعمل إنما هو حقيقةٌ في الدنيا ففيه تحريضٌ على العمل الصالح. ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (٦٢)﴾ الإشارة بـ ﴿ذَلِكَ﴾ إلى نعيم الجنة وكلِّ ما ذكر من وصفها. وقال الزمخشري: الإشارة إلى قوله: ﴿رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾ (١). والنُّزُل: الضيافة. وقيل: الرزق الكثير. وجاء التفضيل هنا بين شيئين ليس بينهما اشتراكٌ؛ لأن الكلام تقريرٌ وتوبيخ. ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (٦٣)﴾ قيل (٢): سببها: أن أبا جهل وغيره لما سمعوا ذكر شجرة الزقوم، قالوا: كيف يكون في النار شجرة، والنار تحرق الشجر؟ فالفتنة على هذا: الابتلاء في الدنيا. وقيل: معناه: عذاب الظالمين في الآخرة. والمراد بالظالمين هنا: الكفار. ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾ أي: تنبت في قَعْر جهنم، وترتفع

стр. 2096

أغصانها إلى دركاتها. ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (٦٥)﴾ الطلع: ثمر النخلة، فاستعير لشجرة الزقوم، وشُبِّه برؤوس الشياطين؛ مبالغةً في قبحه وكراهته؛ لأنه قد تقرَّر في نفوس الناس كراهتها وإن لم يروها، ولذلك يقال للقبيح المنظر: وجه شيطان. وقيل: رؤوس الشياطين: شجرة معروفة باليمن. وقيل: هو صنف من الحيات. ﴿لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ﴾ أي: مزاجًا من ماء حار. فإن قيل: لم عطف هذه الجملة بـ ﴿ثُمَّ﴾؟ فالجواب: من وجهين: أحدهما: أنه لترتيب تلك الأحوال في الزمان، فالمعنى: أنهم يملؤون البطون من شجرة الزقوم، وبعد ذلك يشربون الحميم. والثاني: أنه لترتيب مضاعفة العذاب، فالمعنى: أن شُربهم للحميم أشدُّ مما ذُكر قبله. ﴿يُهْرَعُونَ﴾ الإهراع: الإسراع الشديد. * * *

стр. 2097

[﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (٧٥) وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦) وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (٧٧) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (٧٨) سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (٧٩) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٠) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (٨١) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٨٢) وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ (٨٣) إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٤) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ (٨٥) أَإِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦) فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٨٧) فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ (٨٩) فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ (٩٠) فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (٩١) مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ (٩٢) فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ (٩٣) فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ (٩٤) قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦) قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (٩٧) فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ (٩٨) وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (٩٩) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠٠) فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (١٠١) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (١٠٢) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (١٠٦) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٠٨) سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (١٠٩) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١١٠) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١١١) وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٢) وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ (١١٣)﴾]. ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ﴾ أي: دعانا، يعني: دعاءه بإهلاك قومه ونصرته عليهم. ﴿مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ يعني: الغرق. ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (٧٧)﴾ أهل الأرض كلهم من ذرية نوح؛ لأنه لما غرق الناس في الطوفان ونجا نوح ومن كان معه في السفينة، تناسل الناس من أولاده الثلاثة: سام وحام ويافث.

стр. 2098

﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (٧٨)﴾ معناه: أبقينا له ثناءً جميلًا في الناس إلى يوم القيامة. ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (٧٩)﴾ هذا تسليمٌ من الله على نوح ﵇. وقيل: إن هذه الجملة هي مفعول ﴿وَتَرَكْنَا﴾، وهي محكيةٌ؛ أي: تركنا هذه الكلمة تقال له، يعني: أن الخلق يسلّمون عليه. فيُبتدأ بـ ﴿سَلَامٌ﴾ على القول الأول، لا على الثاني. والأول أظهر. ومعنى ﴿فِي الْعَالَمِينَ﴾: على القول الأول: تخصيصه بالسلام عليه من بين العالمين، كما تقول: أُحبُّ فلانًا في الناس، أي: أحبه خصوصًا من بين الناس. ومعناه على القول الثاني: أن السلام عليه ثابتٌ في العالمين. وهذا الخلاف يجري حيثما ذُكِر ذلك في هذه السورة. ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ﴾ الشِّيعة: الصنف المتفق، فمعنى ﴿مِنْ شِيعَتِهِ﴾: على دينه في التوحيد. والضمير يعود: على نوح. وقيل: على محمد ﷺ . والأول أظهر. ﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ﴾ عبارةٌ عن إخلاصه، وإقباله بكليَّته على الله تعالى، وليس

стр. 2099

المراد المجيء بالجسد. ﴿بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ أي: سليمٍ من الشرك والشك وجميع العيوب. ﴿أَإِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦)﴾ الإفك: الباطل، وإعرابه هنا: مفعول من أجله، و ﴿آلِهَةً﴾: مفعول به. وقيل: ﴿أَإِفْكًا﴾: مفعول به، و ﴿آلِهَةً﴾: بدل منه. وقيل: ﴿أَإِفْكًا﴾: مصدر في موضع الحال، تقديره: «آفكين»؛ أي: كاذبين. والأول أحسن. ﴿فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٨٧)﴾ المعنى: أيُّ شيء تظنون برب العالمين أن يعاقبكم به، وقد عبدتم غيره؟ أو أي: شيء تظنون أنه هو حتى عبدتم غيره؟، كما تقول: «ما ظنك بفلان؟» إذا قصدتَ تعظيمه. فالمقصد على المعنى الأول: تهديدٌ، وعلى الثاني: تعظيمٌ لله وتوبيخ لهم. ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ (٨٩)﴾ روي أن قومه كان لهم عيد يخرجون إليه، فدعوه إلى الخروج معهم، فحينئذ قال: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾؛ ليمتنع عن الخروج معهم، فيكسرَ أصنامهم إذا خرجوا لعيدهم. وفي تأويل ذلك ثلاثة أقوال: الأول: أنها كانت تأخذه الحمَّى في وقت معلوم، فنظر في النجوم ليرى

стр. 2100

وقت الحمى، واعتذر عن الخروج بأنه سقيم من الحمى. والثاني: أن قومه كانوا منجمين وكان هو يعلم أحكام النجوم، فأوهمهم أنه استدلَّ بالنظر في علم النجوم أنه يَسقَم، فاعتذر بما يخاف من السُّقْم عن الخروج معهم. والثالث: أن معنى نظر في النجوم: أنه نظر وفكَّر فيما يكون من أمره معهم فقال: إني سقيم، والنجوم على هذا: ما يَنْجُم من حاله معهم، وليست نجوم السماء، وهذا بعيد. وقوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ على حسَب هذه الأقوال: [أ -] يَحتمل أن يكون حقًّا لا كذبَ فيه ولا تجوُّز أصلًا، ويعارض هذا ما ورد عن النبي ﷺ : «أن إبراهيم كَذَب ثلاث كذبات، أحدها (١): ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾» (٢). [ب -] ويحتمل أن يكون كذِبًا صُرَاحًا، وجاز له ذلك على هذا الاحتمال؛ لأنه فعل ذلك من أجل الله؛ إذ قصد كسر الأصنام. [ج -] ويحتمل أن يكون من المعاريض: فأراد أنه سقيم فيما يُستقبل؛ لأن كل إنسان لا بدَّ أن يمرض. أو أراد أنه سقيمُ النفس من كفرهم وتكذيبهم له. وهذا التأويل أولى؛ لأن نفي الكذب بالجملة يُعارض الحديث، والكذب

стр. 2101

الصراح لا يجوز على الأنبياء، عند أهل التحقيق، أما المعاريض فهي جائزة. ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ (٩٠)﴾ أي: تركوه إعراضًا عنه، وخرجوا إلى عيدهم. وقيل: إنه أراد بالسُّقْم الطاعون وهو داءٌ يعدي، فخافوا منه وتباعدوا عنه؛ مخافة العدوى. ﴿فَرَاغَ﴾ أي: مال. ﴿فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ﴾ إنما قال ذلك على وجه الاستهزاء بالذين يعبدون تلك الأصنام. ﴿ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾ أي: بِيمنى يديه. وقيل: بالقوة. وقيل: بالحَلِف، وهو قوله: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم﴾ [الأنبياء: ٥٧]. والأول أظهر وأليق بالضرب. و ﴿ضَرْبًا﴾ مصدر في موضع الحال. ﴿يَزِفُّونَ﴾ أي: يسرعون. ﴿قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥)﴾ أي: تَنْجرون، والنحت: النَّجارة، إشارةٌ إلى صنعهم (١) للأصنام من الحجارة أو الخشب. ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ ذهب قوم إلى ﴿مَا﴾ مصدرية، والمعنى:

стр. 2102

الله خلقكم وأعمالكم، وهذه الآية عندهم قاعدة في خلق أفعال العباد. وقيل: إنها موصولة بمعنى «الذي»، والمعنى: الله خلقكم وخلق أصنامكم التي تعملونها، وهذا أليق بسياق الكلام، وأقوى في قصد الاحتجاج على الذين عبدوا الأصنام. وقيل: إنها نافية. وقيل: إنها استفهامية. وكلاهما باطل. ﴿قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا﴾ قيل: البنيان: في موضع النار. وقيل: بل كان للمنجنيق، الذي رُمِي عنه. ﴿فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا﴾ يعني: حَرَّقَه بالنار. ﴿فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ﴾ أي: المغلوبين. ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (٩٩)﴾ قيل: إنه قال هذا بعد خروجه من النار، وأراد: أنه ذاهب؛ أي: مهاجر إلى الله، فهاجر إلى أرض الشام. وقيل: إنه قال ذلك قبل أن يُطرح في النار، وأراد: أنه ذاهب إلى ربه بالموت؛ لأنه ظن أن النار تحرقه. و ﴿سَيَهْدِينِ﴾: على القول الأول: يعني الهدى إلى صلاح (١) الدين والدنيا.

стр. 2103

وعلى القول الثاني: إلى الجنة. وقالت المتصوفة: معناه: إني ذاهب إلى ربي بقلبي، أي: مقبلٌ على الله بكليته، تاركٌ لما سواه. ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ يعني: ولدًا من الصالحين. ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ أي: عاقل. واختلف الناس في هذا الغلام المبشَّر به في هذا الموضع وهو الذبيح، هل هو إسماعيل أو إسحاق؟ فقال ابن عباس وابن عمر وجماعة من التابعين: هو إسماعيل، وحجتهم من ثلاثة أوجه: الأول: أن رسول الله ﷺ قال: «أنا ابن الذبيحين» (١) يعني: إسماعيل ﵇، ووالده عبد الله، حين نذر والده عبد المطلب أن ينحره إن يسَّر الله له أمر زمزم، ففداه بمئة من الإبل. والثاني: أن الله تعالى قال بعد تمام قصة الذبيح: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ﴾، فدلَّ ذلك على أن الذبيح غيره. والثالث: أنه روي أنه إبراهيم جرت له قصة الذبح بمكة، وإنما كان معه بمكة إسماعيل. وذهب عليُّ بن أبي طالب وابن مسعود وجماعة من التابعين: إلى أن

стр. 2104

الذبيح إسحاق، وحجتهم من وجهين: الأول: أن البشارة المعروفة لإبراهيم بالولد إنما كانت بإسحاق؛ لقوله: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١]. والثاني: أنه روي أن يعقوب كان يكتب: من يعقوب إسرائيل (١) ابن إسحاق ذبيح الله. ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ يريد بالسعي هنا: العمل والعبادة. وقيل: المشي، وكان حينئذ ابن ثلاث عشرة سنة. ﴿قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ ﴿قال إني أرى في المنام أني أذبحك﴾ يحتمل أن يكون: رأى في المنام الذَّبح، وهو الفعل. أو أُمِر في المنام أن يذبحه. والأول أظهر في اللفظ هنا، والثاني أظهر في قوله: ﴿افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾. ورؤيا الأنبياء وحيٌ، فوجب (٢) عليهم الامتثال على الوجهين.

стр. 2105

﴿فَانظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ إن قيل: لم شاوره في أمرٍ هو محتَّمٌ (١) من الله؟ فالجواب: أنه لم يشاوره ليَرجعَ إلى رأيه، ولكن ليَعلم ما عنده فيثبت قلبه ويوطّن نفسه على الصبر، فأجابه بأحسن جواب. ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا﴾ أي: استسلما وانقادا لأمر الله. ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ أي: صَرَعه بالأرض على جبينه، وللإنسان جبينان حول الجبهة. وجواب ﴿فَلَمَّا﴾: محذوف عند البصريين، تقديره: فلما أسلما كان ما كان من الأمر العظيم. وقال الكوفيون: جوابها: ﴿تَلَّهُ﴾ والواو زائدة. وقال بعضهم: جوابها: ﴿نَادَيْنَاهُ﴾ والواو زائدة. ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ يحتمل أنه يريد: بقلبك، أي: كانت عندك رؤيا صادقةً فعملتَ بحسبها. ويحتمل أن يريد: بعملك؛ أي: وفَّيت حقَّها من العمل. فإن قيل: إنه أُمر بالذبح ولم يَذْبَح، فكيف قيل له: ﴿صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾؟ فالجواب: أنه قد بذل جهده؛ إذ عزم على الذَّبح ولو لم يَفْدِه الله لذَبحه، ولكن الله هو الذي منعه من ذبحه لما فداه، فامتناعُ ذبح الولد إنما كان من الله وبأمر الله، وقد قَضَى إبراهيم ما عليه.
следующие страницы →