الصراح لا يجوز على الأنبياء، عند أهل التحقيق، أما المعاريض فهي جائزة.
﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ (٩٠)﴾ أي: تركوه إعراضًا عنه، وخرجوا إلى عيدهم.
وقيل: إنه أراد بالسُّقْم الطاعون وهو داءٌ يعدي، فخافوا منه وتباعدوا عنه؛ مخافة العدوى.
﴿فَرَاغَ﴾ أي: مال.
﴿فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ﴾ إنما قال ذلك على وجه الاستهزاء بالذين يعبدون تلك الأصنام.
﴿ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾ أي: بِيمنى يديه.
وقيل: بالقوة.
وقيل: بالحَلِف، وهو قوله: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم﴾ [الأنبياء: ٥٧].
والأول أظهر وأليق بالضرب.
و ﴿ضَرْبًا﴾ مصدر في موضع الحال.
﴿يَزِفُّونَ﴾ أي: يسرعون.
﴿قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥)﴾ أي: تَنْجرون، والنحت: النَّجارة، إشارةٌ إلى صنعهم (١) للأصنام من الحجارة أو الخشب.
﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ ذهب قوم إلى ﴿مَا﴾ مصدرية، والمعنى:
стр. 2102
الله خلقكم وأعمالكم، وهذه الآية عندهم قاعدة في خلق أفعال العباد.
وقيل: إنها موصولة بمعنى «الذي»، والمعنى: الله خلقكم وخلق أصنامكم التي تعملونها، وهذا أليق بسياق الكلام، وأقوى في قصد الاحتجاج على الذين عبدوا الأصنام.
وقيل: إنها نافية.
وقيل: إنها استفهامية.
وكلاهما باطل.
﴿قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا﴾ قيل: البنيان: في موضع النار.
وقيل: بل كان للمنجنيق، الذي رُمِي عنه.
﴿فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا﴾ يعني: حَرَّقَه بالنار.
﴿فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ﴾ أي: المغلوبين.
﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (٩٩)﴾ قيل: إنه قال هذا بعد خروجه من النار، وأراد: أنه ذاهب؛ أي: مهاجر إلى الله، فهاجر إلى أرض الشام.
وقيل: إنه قال ذلك قبل أن يُطرح في النار، وأراد: أنه ذاهب إلى ربه بالموت؛ لأنه ظن أن النار تحرقه.
و ﴿سَيَهْدِينِ﴾:
على القول الأول: يعني الهدى إلى صلاح (١) الدين والدنيا.
стр. 2103
وعلى القول الثاني: إلى الجنة.
وقالت المتصوفة: معناه: إني ذاهب إلى ربي بقلبي، أي: مقبلٌ على الله بكليته، تاركٌ لما سواه.
﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ يعني: ولدًا من الصالحين.
﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ أي: عاقل.
واختلف الناس في هذا الغلام المبشَّر به في هذا الموضع وهو الذبيح، هل هو إسماعيل أو إسحاق؟
فقال ابن عباس وابن عمر وجماعة من التابعين: هو إسماعيل، وحجتهم من ثلاثة أوجه:
الأول: أن رسول الله ﷺ قال: «أنا ابن الذبيحين» (١) يعني: إسماعيل ﵇، ووالده عبد الله، حين نذر والده عبد المطلب أن ينحره إن يسَّر الله له أمر زمزم، ففداه بمئة من الإبل.
والثاني: أن الله تعالى قال بعد تمام قصة الذبيح: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ﴾، فدلَّ ذلك على أن الذبيح غيره.
والثالث: أنه روي أنه إبراهيم جرت له قصة الذبح بمكة، وإنما كان معه بمكة إسماعيل.
وذهب عليُّ بن أبي طالب وابن مسعود وجماعة من التابعين: إلى أن
стр. 2104
الذبيح إسحاق، وحجتهم من وجهين:
الأول: أن البشارة المعروفة لإبراهيم بالولد إنما كانت بإسحاق؛ لقوله: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١].
والثاني: أنه روي أن يعقوب كان يكتب: من يعقوب إسرائيل (١) ابن إسحاق ذبيح الله.
﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ يريد بالسعي هنا: العمل والعبادة.
وقيل: المشي، وكان حينئذ ابن ثلاث عشرة سنة.
﴿قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ ﴿قال إني أرى في المنام أني أذبحك﴾ يحتمل أن يكون:
رأى في المنام الذَّبح، وهو الفعل.
أو أُمِر في المنام أن يذبحه.
والأول أظهر في اللفظ هنا، والثاني أظهر في قوله: ﴿افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾.
ورؤيا الأنبياء وحيٌ، فوجب (٢) عليهم الامتثال على الوجهين.
стр. 2105
﴿فَانظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ إن قيل: لم شاوره في أمرٍ هو محتَّمٌ (١) من الله؟
فالجواب: أنه لم يشاوره ليَرجعَ إلى رأيه، ولكن ليَعلم ما عنده فيثبت قلبه ويوطّن نفسه على الصبر، فأجابه بأحسن جواب.
﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا﴾ أي: استسلما وانقادا لأمر الله.
﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ أي: صَرَعه بالأرض على جبينه، وللإنسان جبينان حول الجبهة.
وجواب ﴿فَلَمَّا﴾:
محذوف عند البصريين، تقديره: فلما أسلما كان ما كان من الأمر العظيم.
وقال الكوفيون: جوابها: ﴿تَلَّهُ﴾ والواو زائدة.
وقال بعضهم: جوابها: ﴿نَادَيْنَاهُ﴾ والواو زائدة.
﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ يحتمل أنه يريد:
بقلبك، أي: كانت عندك رؤيا صادقةً فعملتَ بحسبها.
ويحتمل أن يريد: بعملك؛ أي: وفَّيت حقَّها من العمل.
فإن قيل: إنه أُمر بالذبح ولم يَذْبَح، فكيف قيل له: ﴿صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾؟
فالجواب: أنه قد بذل جهده؛ إذ عزم على الذَّبح ولو لم يَفْدِه الله لذَبحه، ولكن الله هو الذي منعه من ذبحه لما فداه، فامتناعُ ذبح الولد إنما كان من الله وبأمر الله، وقد قَضَى إبراهيم ما عليه.
стр. 2106
﴿الْبَلَاءُ الْمُبِينُ﴾ أي الاختبار البين، الذي تظهر (١) به طاعة الله.
أو المحنة البينة الصعوبة.
﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧)﴾ الذبح: اسم لما يذبح، وأراد به هنا: الكبش الذي فداه به، وروي أنه من كباش الجنة.
وقيل: إنه الكبش الذي قرب به ولد آدم، ووصفه بـ ﴿عَظِيمٍ﴾ لذلك، أو لأنه من عند الله، أو لأنه متقبل.
وروي في القصص: أن الذبيح قال لإبراهيم: «اشدد رباطي لئلا أضطرب واصرف بصرك عني لئلا ترحمني»، وأنه أمر الشفرة على حلقه فلم تقطع، فحينئذ جاءه الكبش من عند الله.
وقد أكثر الناس في قصص هذه الآية، وتركناه لعدم صحته.
﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ إن قيل: لم قال هنا في قصة إبراهيم ﴿كَذَلِكَ﴾ دون قوله: «إِنَّا»، وقال في غيرها: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ﴾؟
فالجواب: أنه قد تقدم في قصة إبراهيم نفسها: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ﴾ فأغنى عن تكرار «إِنَّا» هنا.
* * *
﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣)﴾ إلياس: من ذرية هارون.
وقيل: إنه إدريس.
وقد أخطأ من قال: إنه إلياس المذكور في أجداد النبي ﷺ .
﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا﴾ البَعْل: الربُّ بلغة اليمن.
وقيل: بعل: اسم صنم كان لهم يقال له: بعلبك.
﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ﴾ ﴿إِلْ﴾ هنا - على هذه القراءة -: بمعنى أهل، و ﴿يَاسِينَ﴾ اسم لإلياس.
وقيل: لأبيه.
وقيل: اسم لمحمد ﷺ .
وقرئ ﴿إِلْ يَاسِينَ﴾ بكسر الهمزة ووصل اللام ساكنة، وهو على هذا جمع إلياسيّ؛ أي: منسوب لإلياس، حذفت منه الياء كما حذفت من «أعجمين».
وقيل: سمَّى كل واحد من آل إلياس بإلياس، ثم جمعهم.
وقيل: هي لغة في «إلياس».
﴿عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ﴾ قد ذُكِرَ (١).
* * *
وسبب هروبه: غضبه على قومه حين لم يؤمنوا.
وقيل: إنه أخبرهم أن العذاب يأتيهم في يوم معين حسبما أعلمه الله، فلما رأى قومه مخايل العذاب آمنوا، فرفع الله عنهم العذاب، فخاف أن ينسبوه إلى الكذب فهرب.
﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ معنى ﴿سَاهَمَ﴾: ضرب القرعة، والسُّهمة: هي القرعة، والمدحض: المغلوب في القرعة والمحاجَّة.
وسبب مقارعته (١): أنه لما ركب السفينة، وقفت ولم تَجْرِ، فقالوا: إنما وقفت من حدثٍ أحدثه أحدنا، فنقترع لنرى على من تخرج القرعة فنطرحه، فاقترعوا فخرجت القرعة على يونس فطرحوه في البحر فالتقمه الحوت.
﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ أي: فعل ما يلام عليه، وذلك خروجه بغير أن يأمره الله بالخروج.
﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣)﴾ تسبيحه: هو قوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]، حسبما حكى الله عنه في «الأنبياء».
وقيل: هو قوله: «سبحان الله».
وقيل: هو الصلاة، واختُلف على هذا: هل يعني صلاته في بطن الحوت، أو قبل ذلك.
стр. 2111
واختُلف في مدة بقائه في بطن الحوت:
فقيل: ساعة.
وقيل: ثلاثة أيام.
وقيل: سبعة أيام.
وقيل: أربعون يومًا.
﴿فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ﴾ العراء: الأرض الفضاء التي لا شجر فيها، ولا ظل.
وقيل: يعني: الساحل.
﴿وَهُوَ سَقِيمٌ﴾ روي أنه كان كالطفل المولود بضعة لحم.
﴿وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ (١٤٦)﴾ أي: أنبتناها فوقه؛ لتُظلَّه وتقيه حرَّ الشمس.
واليقطين: القَرع، وإنما خصَّه الله به؛ لأنه يجمع برد الظل، ولين الملمس، وكبَر الورق، وأن الذباب لا يقربه؛ فإن لحم يونس لما خرج من البحر كان لا يحتمل الذباب.
وقيل: اليقطين: كل شجرة لا ساق لها، كالبقول، والقرع، والبطيخ.
والأول أشهر.
﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ﴾ يعني: رسالته الأولى التي أبَقَ بعدها.
وقيل: هذه رسالةٌ ثانية بعد خروجه من بطن الحوت.
والأول أشهر.
стр. 2112
﴿أَوْ يَزِيدُونَ﴾ قيل: ﴿أَوْ﴾ هنا: بمعنى «بل»، وقرأ ابن عباس: «بل يزيدون».
وقيل: هي بمعنى الواو.
وقيل: هي للإبهام.
وقيل: المعنى: أن البشر إذا نظر إليهم يتردَّد فيقول: هم مائة ألف أو يزيدون.
واختُلف في عددهم:
فقيل: مئة وعشرون ألفًا.
وقيل: مئة وثلاثون ألفًا.
وقيل: مئة وأربعون ألفًا.
وقيل: مئة وسبعون ألفًا.
﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ روي أنهم خرجوا بالأطفال وأولاد البهائم، وفرقوا بينها (١) وبين الأمهات، وناحوا وتضرعوا إلى الله وأخلصوا، فرفع الله العذاب عنهم.
و ﴿إِلَى حِينٍ﴾ يعني: إلى آجالهم (٢).
وقد ذكر الناس في قصة يونس أشياء كثيرة أسقطناها؛ لضعف صحتها.
стр. 2113
﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ﴾ قال الزمخشري: إن هذا معطوف على قوله: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ﴾ الذي في أول السورة وإن تباعد ما بينهما (١).
والضمير المفعول: لقريش وسائر الكفار، أي: اسألهم على وجه التقرير والتوبيخ عما زعموا من أن الملائكة بنات الله، فجعلوا لله الإناث ولأنفسهم الذكور، وتلك قسمة ضيزى، ثم قرَّرهم على ما زعموا من أن الملائكة إناثٌ (٢) وردَّ عليهم بقوله: ﴿وَهُمْ شَاهِدُونَ﴾.
ويحتمل أن يكون:
بمعنى الشهادة.
أو بمعنى الحضور؛ أي: أنهم لم يحضروا على ذلك ولم يعلموه.
ثم أخبر عن كذبهم في قولهم: ﴿وَلَدَ اللَّهُ﴾، ثم قرَّرهم على ما زعموا من أن الله اصطفى لنفسه البنات، وذلك كله ردٌّ عليهم وتوبيخ لهم، تعالى الله عن أقوالهم علوًّا كبيرًا.
﴿أَصْطَفَى﴾ دخلت همزة التقرير والتوبيخ على ألف الوصل، فحذفت ألف الوصل.
﴿مَا لَكُمْ﴾ ﴿مَا﴾ استفهامية معناها: التوبيخ، وهي في موضع رفع بالابتداء، والمجرور بعدها خبرها، فينبغي الوقف على قوله: ﴿مَا لَكُمْ﴾.
стр. 2114
﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ (١٥٦)﴾ أي: برهان بيِّنٌ.
﴿فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ﴾ تعجيز لهم؛ لأنهم ليس لهم كتاب يحتجُّون به.
﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ الضمير في ﴿جَعَلُوا﴾ لكفار العرب، وفي معنى الآية قولان:
أحدهما: أن الجِنَّةَ هنا: الملائكة، وسميت بهذا الاسم؛ لأنه مشتقٌ من الاجتنان وهو الاستتار، والملائكة مستورون عن أعين بني آدم كالجن، والنسب الذين جعلوا بين الله وبينهم: قولهم: إنهم بنات الله.
والقول الثاني: أن الجن هنا الشياطين (١)، وفي النسب الذي جعلوا بينه وبينهم قولان:
أحدهما: أن بعض الكفار قالوا: إن الله والشيطان (٢) أخوان، تعالى الله عن ذلك.
والآخر: أن بعضهم قال: إن الله نَكَح في الجن فولدت له الملائكة عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا
﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ من قال: إن الجن الملائكة: فالضمير في قوله: ﴿إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ يعود على الكفار؛ أي: قد علمت الملائكة أن الكفار محضرون في العذاب.
ومن قال: إن الجن الشياطين: فالضمير يعود عليهم؛ أي: قد علمت
стр. 2115
الشياطين إنهم محضرون في العذاب.
﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (٤٠)﴾ استثناء منقطع: من المحضرين، أو من الفاعل في ﴿يَصِفُونَ﴾.
والمعنى:
لكن عباد الله المخلصين لا يحضرون في العذاب.
أو لكن عباد الله المخلصين يصفونه بما هو أهله.
﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ (١٦١) مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (١٦٢) إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ (١٦٣)﴾ هذا خطاب للكفار والمراد بـ ﴿مَا تَعْبُدُونَ﴾: الأصنام وغيرها.
و ﴿مَا تَعْبُدُونَ﴾ عطف على الضمير في ﴿إِنَّكُمْ﴾، ويجوز أن تكون الواو بمعنى «مع».
ومعنى ﴿بِفَاتِنِينَ﴾: مضلين.
والضمير في ﴿عَلَيْهِ﴾ يعود على ﴿مَا تَعْبُدُونَ﴾، و «على» سببية معناها التعليل، و ﴿مَنْ هُوَ﴾: مفعول بـ ﴿بِفَاتِنِينَ﴾.
والمعنى: إنكم أيها الكفار وكل ما تعبدونه لا تضلون أحدا إلا من قضى الله أن يصلى الجحيم؛ أي: لا تقدرون على إغواء الناس إلا بقضاء الله.
وقال الزمخشري: الضمير في ﴿عَلَيْهِ﴾ يعود على الله تعالى (١).
стр. 2116
﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤)﴾ هذا حكايةُ كلام الملائكة ﵈، وتقديره: ما منا مَلَكٌ إلَّا وله مقام معلوم، فحذف الموصوف لفهم الكلام.
والمقام المعلوم:
يحتمل أن يراد به الموضع الذي يقومون فيه؛ لأن منهم من هو في السماء الدنيا وفي الثانية وفي السموات وحيث شاء الله.
ويحتمل أن يراد به: المنزلة من العبادة والتقريب والتشريف.
﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥)﴾ أي: الواقفون صفوفًا في العبادة، ولذلك أمر المسلمون بتسوية الصفوف في صلاتهم؛ ليقتدوا بالملائكة، وليس أحدٌ من أهل الملل يصلُّون صفوفًا إلَّا المسلمون.
﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (١٦٦)﴾ قيل: معناه: المصلون؛ لأن الصلاة يقال لها:
تسبيحٌ.
وقيل: معناه: القائلون «سبحان الله».
وفي هذا الكلام الذي قالته الملائكة ردٌّ على من قال: إنهم بنات الله أو شركاء له؛ لأنهم اعترفوا على أنفسهم بالعبودية والطاعة لله والتنزيه له.
ويدلُّ هذا الكلام أيضًا على أن المراد بالجن قبلَ هذا: الملائكة.
وقيل: إن هذا كلَّه من كلام محمد ﷺ وكلام المسلمين.
والأول أشهر.
﴿وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ (١٦٧) لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٦٨)﴾ الضمير: لكفار قريش وسائر العرب.
стр. 2117
والمعنى: أنهم كانوا قبل بعث محمد ﷺ يقولون: لو أرسل الله إلينا رسولا أو أنزل علينا كتابا لكنا عباد الله المخلصين.
﴿فَكَفَرُوا بِهِ﴾ الضمير:
للذكر.
أو لمحمد ﷺ ؛ لأن المعنى يقتضي ذلك وإن لم يتقدم ذكره.
﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ تهديد ووعيد على كفرهم.
﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ (١٧٢)﴾ المعنى: سبق القضاء بأن المرسلين منصورون على أعدائهم، وأن جند الله غالبون.
وهذا النصر والغلبة: بظهور الحجة والبرهان، وبهزيمة الأعداء في القتال، وبالسعادة في الآخرة.
﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٤)﴾ أي: أعرض عنهم، وذلك موادعة منسوخة بالسيف.
والحين هنا يراد به: يوم بدر.
وقيل: حضور آجالهم (١).
وقيل: يوم القيامة.
﴿وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٥)﴾ هذا وعد للنبي ﷺ ، ووعيد لهم.
﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (١٧٦)﴾ إشارة إلى قولهم: «متى هذا الوعد؟» و «أمطر
стр. 2118
علينا حجارة من السماء»، وشبه ذلك.
﴿فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ﴾ السَّاحة: الفناء حول الدار، والعرب تستعمل هذه اللفظة فيما يرد على الإنسان من محذور.
وسوء الصباح: مستعمل في ورود الغارات والرزايا.
ومقصد الآية: التهديد بعذاب يحلُّ بهم بعد أن أُنذروا فلم ينفعهم الإنذار، وذلك تمثيلٌ بقوم أنذرهم ناصحٌ بأن جيشًا يحلُّ بهم فلم يقبلوا نصحه، حتى جاءهم الجيش فأهلكهم.
﴿وَأَبْصِرْ﴾ كرَّر الأمر بالتولِّي عنهم والوعدَ والوعيدَ على وجه التأكيد.
وقيل: أراد بالوعيد الأول: عذاب الدنيا، وبالثاني: عذاب الآخرة.
فإن قيل: لم قال أوَّلًا ﴿وَأَبْصِرْهُمْ﴾، وقال هنا: ﴿وَأَبْصِرْ﴾، فحذف الضمير المفعول؟
فالجواب: من وجهين:
أحدهما: أنه اكتفى بذكره أوَّلًا عن ذكره ثانيًا، فحذفه اختصارًا.
والآخر: أنه حذفه ليفيد العموم فيمن تقدَّم وغيرهم، كأنه قال: «أبصر جميع الكفار»، بخلاف الأول، فإنه في قريش خاصةً.
﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠)﴾ نزَّه اللهُ تعالى نفسه عما وصفه به الكفار مما لا يليق به، فإنه حكى عنهم في هذه السورة أقوالًا كثيرةً شنيعةً.
стр. 2119
و ﴿الْعِزَّةِ﴾:
إن أراد بها: عزة الله فمعنى ﴿رَبِّ الْعِزَّةِ﴾: ذو العزة، وأضافها إليه لاختصاصه بها.
وإن أراد بها: عزة الأنبياء والمؤمنين فمعنى ﴿رَبِّ الْعِزَّةِ﴾: مالكها وخالقها.
ومن هذا قال محمد بن سُحنون (١): من حلف بعزة الله؛ فإن أراد صفة الله فهي يمين، وإن أراد العزة التي أعطى عباده فليست بيمين (٢).
ثم ختم الله هذه السورة بالسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
فأما السلام على المرسلين: فيحتمل أن يريد به:
التحية.
أو سلامتهم من أعدائهم، ويكون ذلك تكميلًا لقوله: ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ﴾.
وأما الحمد فيحتمل أن يريد به:
الحمدُ على ما ذكر في هذه السورة من تنزيه الله ونصرة الأنبياء وغير ذلك.
﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ هذا قسم، جوابه محذوف تقديره: إن القرآن من عند الله، أو إن محمدا ﷺ لصادق وشبه ذلك.
وقيل: جوابه في قوله ﴿ص﴾؛ إذ هو بمعنى: صدق محمد.
وقيل: جوابه: ﴿إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾، وهذا بعيد.
وقيل: جوابه: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ (٦٤)﴾ وهذا أبعد.
ومعنى ﴿ذِي الذِّكْرِ﴾:
ذي الشرف.
أو الذكرى بمعنى الموعظة.
أو ذكر الله وما يحتاج إليه من الشريعة.
﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني: قريشا، و ﴿بَلْ﴾ للإضراب عن كلام محذوف، وهو جواب القسم، أي: إن كفرهم ليس ببرهان بل هو بسبب العزة والشقاق.
والعزة هي: التكبر، والشقاق: العداوة وقصد المخالفة، وتنكيرهما للدلالة على شدتهما، وتفاقم الكفار فيهما.
﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِم مِن قَرْنٍ﴾ إخبار يتضمن تهديدا لقريش.
﴿فَنَادَوا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ المعنى: أن القرون الذين هلكوا دعوا واستغاثوا حين لم ينفعهم ذلك.
و ﴿لَاتَ﴾ بمعنى: ليس، وهي «لا» النافية زيدت عليها علامة التأنيث،
стр. 2123
كما زيدت في «رُبَّت» و «ثَمَّت»، ولا تدخل «لات» إلَّا على الأزمان، واسمها مضمر، و ﴿حِينَ مَنَاصٍ﴾ خبرها، والتقدير: وليس الحينُ الذين دعوا فيه حينَ مناص.
والمناصُ: المفرُّ والنجاة، من قولك: ناص ينوص إذا فرَّ.
﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُم مُنذِرٌ مِنْهُمْ﴾ الضمير لقريش، والمنذر: محمد ﷺ ؛ أي: استبعدوا أن بعث الله رسولًا منهم.
ويحتمل:
أن يريد من قبيلتهم.
أو يريد من البشر مثلهم.
﴿وَقَالَ الْكَافِرُونَ﴾ كان الأصل: «وقالوا»، ولكن وضع هذا الظاهر موضع المضمر؛ إظهارًا للغضب، وقصدًا لوصفهم بالكفر.
﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ هذا إنكارٌ منهم للتوحيد.
وسبب نزول هذه الآيات: أن قريشًا اجتمعوا وقالوا لأبي طالب: كُفَّ ابن أخيك عنَّا، فإنه يعيب ديننا ويذمُّ آلهتنا، ويُسفِّه أحلامنا، فكلَّمه أبو طالب في ذلك، فقال: ﷺ : «إنما أريد منهم كلمة واحدة يملكون بها العجم، وتدين لهم بها العرب»، فقالوا: نعم، وعشر كلمات معها. فقال: «قولوا لا إله إلا الله»، فقاموا وأنكروا ذلك وقالوا: أجعل الآلهة إلها واحدًا (١).
стр. 2124
﴿وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا﴾ ﴿وَانطَلَقَ الْمَلَأُ﴾: عبارةٌ عن خروجهم عن أبي طالب.
وقيل: عبارةٌ عن تفرُّقهم في طرق مكة وإشاعتهم للكفر.
و ﴿أَنِ امْشُوا﴾ معناه: يقول بعضهم لبعض: امشوا واصبروا على عبادة آلهتكم، ولا تطيعوا محمدًا فيما يدعوا إليه من عبادة الله وحده.
﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ هذا أيضًا مما حكى الله من كلام قريش، وفي معناه وجهان:
أحدهما: إن الإشارة إلى الإسلام والتوحيد؛ أي: إن هذا التوحيد شيءٌ يراد به الانقيادُ إليه.
والآخر: أن الإشارة إلى الشرك والصبر على آلهتهم؛ أي:
إن هذا شيءٌ ينبغي أن يُراد ويُتمسَّك به.
أو إن هذا شيء يريده الله منا لما قضي علينا به.
والأول أرجح؛ لأن الإشارة فيما بعد ذلك إليه، فيكون الكلام على نَسَقٍ واحد.
﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ﴾ هذا أيضًا مما حُكِي من كلامهم، أي: ما سمعنا بالتوحيد في الملة الآخرة.
والمراد بـ ﴿الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ﴾: ملةُ النصارى؛ لأنها بعد ملة موسى وغيره، وهم يقولون بالتثليث لا بالتوحيد.
стр. 2125
وقيل: المراد: ملة قريش؛ أي: ما سمعنا بهذا في الملة التي أدركنا عليها آباءنا.
وقيل: المراد: الملة المنتظرة؛ إذ كانوا يسمعون من الأحبار والكهان أن رسولًا يبعث يكون آخر الأنبياء.
﴿إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾ هذا أيضًا مما حُكي من كلامهم، والإشارة إلى التوحيد والإسلام.
ومعنى الاختلاق: الكذب.
﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا﴾ الهمزة للإنكار، والمعنى: أنهم أنكروا أن يخصَّ الله محمدًا ﷺ بإنزال القرآن عليه دونهم.
﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِن ذِكْرِي﴾ هذا ردٌّ عليهم، والمعنى: أنهم ليست لهم حجة ولا برهان، بل هم في شكٍّ من معرفة الله وتوحيده، فلذلك كفروا.
ويحتمل أن يريد بـ ﴿ذِكْرِي﴾: القرآن.
﴿بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ هذا وعيدٌ لهم وتهديد، والمعنى: أنهم إنما حملهم على الكفر كونهم لم يذوقوا العذاب، فإذا ذاقوه زال عنهم الشكُّ، وأذعنوا للحقِّ.
﴿أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ﴾ هذا ردٌّ عليهم فيما أنكروا من اختصاص محمد ﷺ بالنبوة.
والمعنى: أنهم ليس عندهم خزائن رحمة الله حتى يعطوا النبوة من شاؤوا ويمنعوها ممن شاؤوا، بل يعطيها الله لمن يشاء.
стр. 2126
ثم وصف نفسه بـ ﴿الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ﴾؛ لأن العزيز يفعل ما يشاء، والوهاب يُنعم على من يشاء، فلا حجة لهم فيما أنكروا.
﴿أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ هذا أيضًا ردٌّ عليهم، والمعنى: أم لهم الملك فيتصرفوا فيه كيف شاؤوا؟، بل مالك الملك يفعل في ملكه ما يشاء.
و ﴿أَمْ﴾ الأولى: منقطعة بمعنى «بل» وهمزة الإنكار.
وأما الثانية: فيحتمل:
أن تكون كذلك.
أو تكون عاطفةً معادلة لما قبلها.
﴿فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ﴾ هذا تعجيزٌ لهم، وتهكُّمٌ بهم.
ومعنى ﴿يَرْتَقُوا﴾ يَصعَدوا، و ﴿الْأَسْبَابِ﴾ هنا: السلاليم (١) والطرق، وشبه ذلك مما يوصل به إلى العلو.
وقيل: هي أبواب السماء.
والمعنى: إن كان لهم ملك السموات والأرض فليصعدوا إلى العرش ويدبّروا الملك.
﴿جُندٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ (١١)﴾ هذا وعيدٌ بهزيمتهم في القتال، وقد هُزِموا يوم بدر وغيره.
стр. 2127
و ﴿مَا﴾ هنا: صِفَةٌ لـ ﴿جُندٌ﴾، وفيها معنى التحقير لهم.
والإشارة بـ ﴿هُنَالِكَ﴾: إلى حيث وضعوا أنفسهم من الكفر والاستهزاء.
وقيل: الإشارة إلى الارتقاء في الأسباب، وهذا بعيد.
وقيل: الإشارة إلى موضع بدر.
و ﴿مِنَ الْأَحْزَابِ﴾ معناه: من جملة الأحزاب الذين تعصَّبوا للباطل فهلكوا.
﴿وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ﴾ قال ابن عباس: كانت له أوتادٌ وخشب يلعب بها وعليها.
وقيل: كان له أوتادٌ يُسمِّرها في الناس لقتلهم.
وقيل: أراد المباني العظام الثابتة، ورجحه ابن عطية (١).
وقال الزمخشري: إن ذلك استعارةٌ في ثبات الملك كقول القائل:
. . . . . . . . . . . . . . . . . … في ظِلِّ مُلْكٍ ثابِتِ الأَوْتَادِ (٢)
﴿وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ﴾ قد ذُكِر (٣).
* * *
هذا مشتقٌّ من الإفاقة.
الثاني: ما لها من تَرِداد؛ أي: إنما هي واحدةٌ لا ثانية لها.
الثالث: ما لها من تأخيرٍ ولا توقُّفٍ مقدارَ فُوَاقِ ناقةٍ، وهي ما بين حَلْبَتَي اللبن.
وهذا القول الثالث إنما يجري على قراءة ﴿فُوَاقٍ﴾ بالضم؛ لأن فُواق الناقة بالضم، والقولان الأولان على الفتح والضم.
﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا﴾ القِطُّ في اللغة له معنيان:
أحدها: الكتاب.
والآخر: النصيب.
وفي معناه هنا ثلاثة أقوال:
أحدهما: نصيبنا من الخير؛ أي: دعوا أن يعجّله الله لهم في الدنيا.
والآخر: نصيبهم من العذاب، فهو كقولهم: «أمطر علينا حجارة من السماء».
والثالث: صحائف أعمالنا.
﴿اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (١٧)﴾ الأيدُ: القوة،
وكان داود جمع قوةَ البدن والقوةَ في الدين، والملك والجنود.
والأوّاب: الرّجّاع إلى الله.
فإن قيل: ما المناسبة بين أمر الله لمحمد ﷺ بالصبر على أقوال الكفار
стр. 2130
وبين أمره له بذكر داود؟
فالجواب عندي: أن ذِكْرَ داود ومن ذُكِر بعده من الأنبياء في هذه السورة فيه تسليةٌ للنبي ﷺ عن أقوال الكفار، ووعدٌ له بالنصر وتفريج الكُرَب، وإعانةٌ له على ما أُمِر به من الصبر، وذلك أن الله ذكر ما أنعم به على داود من تسخير الطير والجبال، وشدَّة ملكه، وإعطائه الحكمة وفصل الخطاب، ثم الخاتمة له في الآخرة بالزلفى وحسن المآب، فكأنه (١) يقول: يا محمد كما أنعمنا على داود بهذه النعم؛ كذلك ننعم عليك، فاصبر ولا تحزن على ما يقولون، ثم ذكر ما أعطى سليمان من الملك العظيم، وتسخير الريح والجن والخاتمة بالزلفى وحسن المآب، ثم ذَكَر مَنْ ذَكَر بعد ذلك من الأنبياء.
والمقصد: ذكر الإنعام عليهم؛ لتقوية قلب النبي ﷺ .
وأيضًا فإن داود وسليمان وأيوب أصابتهم شدائد ثم فرَّجها الله عنهم، وأعقبها بالخير العظيم، فأمر محمدًا ﷺ بذكرهم؛ ليُعلمه أنه يفرِّج عنه ما يلقى من إذاية قومه، ويُعقِّبها بالنصر والظهور عليهم، فالمناسبة في ذلك ظاهرة.
وقال ابن عطية: المعنى: واذكر داود ذا الأيد في الدين؛ فتأسَّ به وتأيَّدْ كما تأيَّدَ (٢).
وأجاب الزمخشري عن السؤال بأن قال: كأن الله قال لنبيه ﷺ : اصبر على ما يقولون، وعظّمْ أمر المعصية في أعين الكفار بذِكر قصة داود،
стр. 2131
وذلك أنه نبيّ كريم عند الله ثم زلّ زلة فوبّخه الله عليها فاستغفر وأناب، فما الظن بكم مع كفركم ومعاصيكم؟ (١).
وهذا الجواب لا يخفى ما فيه من سوء الأدب مع داود ﵇؛ حيث جعله مثالًا يهدّد الله به الكفار، وصرّح بأنه زلّ وأن الله وبّخه على زلته، ومعاذ الله مِنْ ذِكْرِ الأنبياء بمثل هذا!.
﴿وَالْإِشْرَاقِ﴾ يعني: وقت الإشراق وهو حين تُشرق الشمس؛ أي: تضيء ويصفو شعاعها وهو وقت الضحى، وأما شروقها: فطلوعها.
﴿مَحْشُورَةً﴾ أي: مجموعة.
﴿كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾ أي: كلُّ مسبّح لأجل تسبيح داود.
ويحتمل أن يكون ﴿أَوَّابٌ﴾ هنا بمعنى: رجّاع؛ أي: يرجع إلى أمره.
﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ﴾ قيل: يعني: النبوة.
وقيل: العلم والفهم.
وقيل: الزبور.
﴿وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ ابن عباس: هو فصل القضاء بين الناس بالحق.
عليّ بن أبي طالب: هو إيجاب اليمين على المدّعى عليه، والبينة على المدّعي.
وقيل: أراد قول: «أما بعد» فإنه أول من قالها.
стр. 2132
وقال الزمخشري: معنى فصل الخطاب: البيِّن من الكلام الذي يفهمه مَنْ يُخاطب به (١).
وهذا المعنى اختار (٢) ابنُ عطية، وجعله من قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ [الطارق: ١٣] (٣).
﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ جاءت هذه القصة بلفظ الاستفهام؛ تنبيهًا للمخاطب ودلالةً على أنها من الأخبار العجيبة، التي ينبغي أن يُلقى البالُ لها.
والخصم: يقع على الواحد والاثنين والجماعة، كقولك: عَدْلٌ وزَوْرٌ.
واتفق الناس على أن هؤلاء الخصم كانوا ملائكة، وروي أنهما جبريل وميكائيل، بعثهم الله؛ ليضرب بهم المثل لداود في نازلةٍ وقع هو في مثلها، فأفتى بفتيا هي واقعةٌ عليه في نازلته، ولما شعر وفهم المراد أناب واستغفر، وسنذكر القصة بعد هذا.
ومعنى ﴿تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ عَلَوْا على سُوره ودخلوه.
والمحراب: الموضع الأرفع من القصر، أو المسجد، وهو موضع التعبد.
ويحتمل أن يكون المتسورُ للمحراب اثنين فقط؛ لأن نفس الخصومة
стр. 2133
إنما كانت بين اثنين، فتجيء الضمائر في ﴿تَسَوَّرُوا﴾، و ﴿دَخَلُوا﴾، و ﴿فَزِعَ منهم﴾: على وجه التجوز والعبارةِ عن الاثنين بلفظ الجماعة، وذلك جائزٌ على مذهب من يرى أن أقل الجمع اثنان.
ويحتمل أنه جاءه مع كل واحد من الخصمين جماعةٌ فيقع على جميعهم خصمٌ، وتجيء الضمائر المجموعة حقيقةً، وعلى هذا عوَّل الزمخشري (١).
﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ﴾ العامل في ﴿إِذْ﴾ هنا: ﴿تَسَوَّرُوا﴾.
وقيل: هي بدلٌ من الأولى.
وأما ﴿إِذْ﴾ الأولى: فالعامل فيها: ﴿أَتَاكَ﴾، أو ﴿نَبَأُ﴾.
وردَّ الزمخشري ذلك، وقال: إن العامل فيها محذوفٌ، تقديره: هل أتاك نبأ تحاكم الخصم إذ تسوروا (٢).
وإنما فزع داود منهم؛ لأنهم دخلوا عليه بغير إذن، ودخلوا من غير الباب.
وقيل: إن ذلك كان ليلًا.
﴿خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ﴾ تقديره: نحن خصمان، ومعنى ﴿بَغَى﴾: تعدَّى.
﴿وَلَا تُشْطِطْ﴾ أي: لا تَجُرْ علينا في الحكم، يقال: أَشَطَّ الحاكم: إذا جارَ وقرئ في الشاذ: ﴿لَا تَشْطُطْ﴾ بفتح التاء؛ أي: لا تبعد عن الحق، يقال: شَطَّ إذا بَعُدَ.
стр. 2134
﴿سَوَاءِ الصِّرَاطِ﴾ أي: وسَط الطريق، ويعني: القصد والحق الواضح.
﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ هذا حكاية كلام أحد الخصمين، والأخوَّة هنا: أخوَّة الدين.
والنعجة في اللغة: تقع على أنثى بقر الوحش وعلى أنثى الضأن، وهي هنا عبارةٌ عن المرأة، ومعنى ﴿أَكْفِلْنِيهَا﴾: مَلِّكُها لي، وأصله: اجعلها في كفالتي.
وقيل: اجعلها كِفْلي؛ أي: نصيبي.
ومعنى ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ أي: غلبني في الكلام والمحاورة، يقال: عزَّ فلانٌ فلانًا: إذا غلبه.
وهذا الكلام تمثيلٌ للقصة التي وقع داود فيها، وقد اختلف الناس فيها وأكثروا القول فيها قديمًا وحديثًا، حتى قال عليُّ بن أبي طالب ﵁: «من حدَّث بما يقول هؤلاء القُصَّاص في أمر داود ﵇ جلدته حدَّين لما ارتكب من حرمة مَنْ رفع الله محلَّه».
ونحن نذكر من ذلك ما هو أشهر وأقرب إلى تنزيه (١) داود ﵇.
روي أن أهل زمان داود ﵇ كان يسأل بعضهم بعضًا أن ينزل له عن امرأته فيتزوجها إذا أعجبته، وكانت (٢) لهم عادة في ذلك لا ينكرونها، وقد جاء عن الأنصار في أول الإسلام شيء من ذلك، فاتفق أن وقعت عين داود على امرأة
стр. 2135
رجل فأعجبته، فسأله النزول عنها ففعل، وتزوَّجها داود ﵇ فوُلد له منها سليمان ﵇، وكان لداود تسع وتسعون امرأةً، فبعث الله إليه الملائكة مثالًا لقصته، فقال أحدهما: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ إشارةً إلى التسع والتسعين امرأة التي كانت لداود، ﴿وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ إشارةً إلى أن ذلك الرجل لم تكن له إلَّا تلك المرأة الواحدة، ﴿فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا﴾ إشارةً إلى سؤال داود من الرجل النزول عن امرأته.
فأجابهم داود ﵇ بقوله: ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ﴾، فقامت الحجة عليه بذلك، فتبسَّم المَلَكان عند ذلك وذهبا ولم يرهما، فشعر أن ذلك عتابٌ من الله له على ما وقع فيه، ﴿فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾.
ولا تقتضي هذه القصة على هذه الراوية أن داود ﵇ وقع فيما لا يجوز شرعًا، وإنما عوتب على أمر جائز، كان ينبغي له أن يتنزَّه عنه؛ لعلوِّ مرتبته ومتانة دينه، فإنه قد يُعاتَب الفضلاءُ على ما لا يُعاتَب عليه غيرهم، كما قيل: «حسنات الأبرار سيئات المقربين».
وأيضًا؛ فإنه كان له تسع وتسعون امرأةً، كان غنيًّا عن هذه المرأة، فوقع العتاب على الاستكثار من النساء، وإن كان جائزًا.
وروي هذا الخبر على وجه آخر، وهو أن داود ﵇ انفرد يومًا في محرابه للتعبد، فدخل عليه طائرٌ من كُوَّةٍ، فوقع بين يديه فأعجبه، فمدَّ يده ليأخذه فطار على الكوة، فصعد داود ليأخذه، فرأى من الكوة امرأةً تغتسل عريانة فأعجبته، ثم انصرف فسأل عنها فأُخبر أنها امرأة رجل من جنده، وأنه خرج للجهاد مع الجند، فكتب داود إلى أمير تلك الحرب أن يقدّم ذلك الرجل
стр. 2136
يقاتل عند التابوت، وهو موضع قلَّما يخلُص أحدٌ منه، فتقدَّم ذلك الرجل فقاتل (١) حتى قتل شهيدًا، فتزوج داود امرأته بعده، فعوتب على تعريضه ذلك الرجل للقتل، وتزوُّجه امرأته بعده، مع أنه كان له تسع وتسعون امرأةً سواها.
وقيل: إن داود همَّ بذلك كله ولم يفعله، وإنما وقعت المعاتبة على همِّه بذلك.
وروي أن السبب فيما جرى له مثل ذلك: أنه أُعجب بعلمه (٢)، وظهر منه ما يقتضي أنه لا يخاف الفتنة على نفسه، ففتن بتلك القصة.
وروي أيضًا أن السبب في ذلك: أنه تمنَّى منزلة آبائه إبراهيم وإسحاق ويعقوب، والتزم أن يُبتلى كما ابتلوا، فابتلاه الله بما جرى له في تلك القصة.
﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ﴾ ﴿سُؤَالِ﴾ مصدرٌ مضاف إلى المفعول، وإنما تعدى بـ «إلى»؛ لأنه تضمن معنى الإضافة، كأنه قال: بسؤال نعجتك مضافةً أو مضمومة إلى نعاجه.
فإن قيل: كيف قال له داود: ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ﴾ قبل أن يثبت عنده ذلك؟ فالجواب: أنه روي أن الآخر اعترف بذلك، وحُذف ذكر اعترافه اختصارًا.
стр. 2137
ويحتمل أن يكون قوله: ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ﴾ على تقدير صحة قوله.
وقد قيل: إن قوله لأحد الخصمين: ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ﴾ قبل أن يسمع حجة الآخر كانت خطيئته التي استغفر منها وأناب.
﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ الْخُلَطَاء: هم الشركاء في الأموال، ولكن الخُلْطة أعمُّ من الشركة، ألا ترى أن الخلطة في المواشي ليست بشركة في رقابها.
وقَصَد داود بهذا الكلام الوعظ للخصم الذي بَغَى، والتسلية بالتأسِّي للخصم الذي بُغِيَ عليه.
﴿وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ ﴿مَا﴾ زائدة للتأكيد.
﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾ ظن هنا: بمعنى شَعَر بالأمر.
وقيل: بمعنى أيقن.
و ﴿فَتَنَّاهُ﴾ معناه: اختبرناه.
﴿وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ معنى ﴿خَرَّ﴾: ألقى بنفسه إلى الأرض، وإنما حقيقة ذلك في السجود:
فقيل: إن الركوع هنا: بمعنى السجود.
وقيل: خرَّ من ركوعه ساجدًا بعد أن ركع.
ومعنى ﴿أَنَابَ﴾: تاب.
وروي أنه بقي ساجدًا أربعين يومًا يبكي حتى نبت البقل من دموعه.
стр. 2138
وهذا الموضع فيه سجدة عند مالك، خلافًا للشافعي، إلَّا أنه اختلف في مذهب مالك هل يسجد عند قوله: ﴿وَأَنَابَ﴾، أو عند قوله: ﴿وَحُسْنَ مَآبٍ﴾؟.
﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ الزُّلفى: القُربة والمكانة الرفيعة.
والمآب: المرجع في الآخِرة.
﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ﴾ تقديره: قال الله يا داود.
وخلافة داود: بالنبوة والملك.
قال ابن عطية: لا يقال «خليفةُ الله» إلَّا لنبي، وأما الملوك والخلفاء فكل واحد منهم خليفةُ الذي قبله، وقول الناس فيهم: «خليفة الله» تجوزُ (١).
стр. 2139
[﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (٢٧) أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (٢٨) كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩) وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٣٠) إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ (٣١) فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (٣٢) رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ (٣٣) وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ (٣٤) قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٣٥) فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (٣٦) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٣٨) هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٩) وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (٤٠)﴾].
﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا﴾ أي: عبثًا، بل خلقها الله بالحق؛ للاعتبار بها والاستدلال على خالقها.
﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ المعنى: أن الكفار لما أنكروا الحشر والجزاء كانت خلْقَة السموات والأرض عندهم باطلًا لغير الحكمة؛ فإن الحكمة في ذلك إنما تظهر في الجزاء الأخراوي (١).
﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ ﴿أَمْ﴾ هنا استفهاميةٌ يراد بها الإنكار، أي: إن الله لا يجعل المؤمنين والمتقين كالمفسدين والفجار، بل يجازي كل أحد بعمله؛ لتظهر حكمة الله في الجزاء، ففي ذلك استدلالٌ على الحشر والجزاء، وفيه أيضًا وعد (٢) ووعيد.
стр. 2140
﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ (٣١)﴾ ﴿الصَّافِنَاتُ﴾: جمع صافن، وهو الفرس الذي يرفع إحدى يديه أو رجليه، ويقف على طرف الأخرى.
وقيل: الصافن: هو الذي يسوِّي يديه.
والصَّفن علامةٌ على فراهة الفرس.
و ﴿الْجِيَادُ﴾: السريعة الجري.
واختلف الناس في قصص هذه الآية:
فقال الجمهور: إن سليمان ﵇ عُرِضت عليه خيل كان ورثها عن أبيه، وقيل: أخرجتها له الشياطين من البحر، وكانت ذوات أجنحة، وكانت ألف فرس، وقيل: أكثر، فتشاغل بالنظر إليها حتى غربت الشمس وفاتته صلاة العشي، وقيل: العصر، فأسِف لذلك، وقال: ردوا عليَّ الخيل، فطفق يضرب أعناقها وعراقيبها بالسيف حتى عقرها؛ لما كانت سبب فوْت الصلاة، ولم يترك منها إلَّا اليسير، فأبدله الله أسرع منها، وهي الريح.
وأنكر بعض العلماء هذه الرواية، وقال: تفويت الصلاة ذنبٌ لا يفعله
سليمان، وعَقْرُ الخيل لغير فائدة لا يجوز، فكيف يفعله سليمان ﵇؟ وأيُّ ذنب للخيل في تفويت الصلاة.
فقال بعضهم: إنما عقرها ليأكلها الناس، وكان زمانهم زمان مجاعةٍ، فعقرها تقربًا إلى الله.
وقال بعضهم: لم تفته صلاةٌ، ولا عَقَر الخيلَ، بل كان يصلي فعُرضت عليه الخيل، فأشار إليهم فأزالوها حتى دخلت اصطبلاتها، فلما فرَغ من الصلاة قال: «ردُّوها عليَّ» فطفق يمسح عليها بيده كرامةً لها ومحبة.