← Тафсир

Тафсир · id 30186

تفسير ابن جزي التسهيل لعلوم التنزيل - ط طيبة الخضراء

ابن جزي الكلبي

Полный текст (3 030 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.

стр. 2136

يقاتل عند التابوت، وهو موضع قلَّما يخلُص أحدٌ منه، فتقدَّم ذلك الرجل فقاتل (١) حتى قتل شهيدًا، فتزوج داود امرأته بعده، فعوتب على تعريضه ذلك الرجل للقتل، وتزوُّجه امرأته بعده، مع أنه كان له تسع وتسعون امرأةً سواها. وقيل: إن داود همَّ بذلك كله ولم يفعله، وإنما وقعت المعاتبة على همِّه بذلك. وروي أن السبب فيما جرى له مثل ذلك: أنه أُعجب بعلمه (٢)، وظهر منه ما يقتضي أنه لا يخاف الفتنة على نفسه، ففتن بتلك القصة. وروي أيضًا أن السبب في ذلك: أنه تمنَّى منزلة آبائه إبراهيم وإسحاق ويعقوب، والتزم أن يُبتلى كما ابتلوا، فابتلاه الله بما جرى له في تلك القصة. ﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ﴾ ﴿سُؤَالِ﴾ مصدرٌ مضاف إلى المفعول، وإنما تعدى بـ «إلى»؛ لأنه تضمن معنى الإضافة، كأنه قال: بسؤال نعجتك مضافةً أو مضمومة إلى نعاجه. فإن قيل: كيف قال له داود: ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ﴾ قبل أن يثبت عنده ذلك؟ فالجواب: أنه روي أن الآخر اعترف بذلك، وحُذف ذكر اعترافه اختصارًا.

стр. 2137

ويحتمل أن يكون قوله: ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ﴾ على تقدير صحة قوله. وقد قيل: إن قوله لأحد الخصمين: ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ﴾ قبل أن يسمع حجة الآخر كانت خطيئته التي استغفر منها وأناب. ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ الْخُلَطَاء: هم الشركاء في الأموال، ولكن الخُلْطة أعمُّ من الشركة، ألا ترى أن الخلطة في المواشي ليست بشركة في رقابها. وقَصَد داود بهذا الكلام الوعظ للخصم الذي بَغَى، والتسلية بالتأسِّي للخصم الذي بُغِيَ عليه. ﴿وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ ﴿مَا﴾ زائدة للتأكيد. ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾ ظن هنا: بمعنى شَعَر بالأمر. وقيل: بمعنى أيقن. و ﴿فَتَنَّاهُ﴾ معناه: اختبرناه. ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ معنى ﴿خَرَّ﴾: ألقى بنفسه إلى الأرض، وإنما حقيقة ذلك في السجود: فقيل: إن الركوع هنا: بمعنى السجود. وقيل: خرَّ من ركوعه ساجدًا بعد أن ركع. ومعنى ﴿أَنَابَ﴾: تاب. وروي أنه بقي ساجدًا أربعين يومًا يبكي حتى نبت البقل من دموعه.

стр. 2138

وهذا الموضع فيه سجدة عند مالك، خلافًا للشافعي، إلَّا أنه اختلف في مذهب مالك هل يسجد عند قوله: ﴿وَأَنَابَ﴾، أو عند قوله: ﴿وَحُسْنَ مَآبٍ﴾؟. ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ الزُّلفى: القُربة والمكانة الرفيعة. والمآب: المرجع في الآخِرة. ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ﴾ تقديره: قال الله يا داود. وخلافة داود: بالنبوة والملك. قال ابن عطية: لا يقال «خليفةُ الله» إلَّا لنبي، وأما الملوك والخلفاء فكل واحد منهم خليفةُ الذي قبله، وقول الناس فيهم: «خليفة الله» تجوزُ (١).

стр. 2139

[﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (٢٧) أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (٢٨) كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩) وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٣٠) إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ (٣١) فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (٣٢) رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ (٣٣) وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ (٣٤) قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٣٥) فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (٣٦) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٣٨) هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٩) وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (٤٠)﴾]. ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا﴾ أي: عبثًا، بل خلقها الله بالحق؛ للاعتبار بها والاستدلال على خالقها. ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ المعنى: أن الكفار لما أنكروا الحشر والجزاء كانت خلْقَة السموات والأرض عندهم باطلًا لغير الحكمة؛ فإن الحكمة في ذلك إنما تظهر في الجزاء الأخراوي (١). ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ ﴿أَمْ﴾ هنا استفهاميةٌ يراد بها الإنكار، أي: إن الله لا يجعل المؤمنين والمتقين كالمفسدين والفجار، بل يجازي كل أحد بعمله؛ لتظهر حكمة الله في الجزاء، ففي ذلك استدلالٌ على الحشر والجزاء، وفيه أيضًا وعد (٢) ووعيد.

стр. 2140

﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ (٣١)﴾ ﴿الصَّافِنَاتُ﴾: جمع صافن، وهو الفرس الذي يرفع إحدى يديه أو رجليه، ويقف على طرف الأخرى. وقيل: الصافن: هو الذي يسوِّي يديه. والصَّفن علامةٌ على فراهة الفرس. و ﴿الْجِيَادُ﴾: السريعة الجري. واختلف الناس في قصص هذه الآية: فقال الجمهور: إن سليمان ﵇ عُرِضت عليه خيل كان ورثها عن أبيه، وقيل: أخرجتها له الشياطين من البحر، وكانت ذوات أجنحة، وكانت ألف فرس، وقيل: أكثر، فتشاغل بالنظر إليها حتى غربت الشمس وفاتته صلاة العشي، وقيل: العصر، فأسِف لذلك، وقال: ردوا عليَّ الخيل، فطفق يضرب أعناقها وعراقيبها بالسيف حتى عقرها؛ لما كانت سبب فوْت الصلاة، ولم يترك منها إلَّا اليسير، فأبدله الله أسرع منها، وهي الريح. وأنكر بعض العلماء هذه الرواية، وقال: تفويت الصلاة ذنبٌ لا يفعله سليمان، وعَقْرُ الخيل لغير فائدة لا يجوز، فكيف يفعله سليمان ﵇؟ وأيُّ ذنب للخيل في تفويت الصلاة. فقال بعضهم: إنما عقرها ليأكلها الناس، وكان زمانهم زمان مجاعةٍ، فعقرها تقربًا إلى الله. وقال بعضهم: لم تفته صلاةٌ، ولا عَقَر الخيلَ، بل كان يصلي فعُرضت عليه الخيل، فأشار إليهم فأزالوها حتى دخلت اصطبلاتها، فلما فرَغ من الصلاة قال: «ردُّوها عليَّ» فطفق يمسح عليها بيده كرامةً لها ومحبة.

стр. 2141

وقيل: إن المسح عليها كان وسمًا في سُوقها وأعناقها بوسم: «حَبْسٌ في سبيل الله». ﴿فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ معنى هذا يختلف على حسب الاختلاف في القصة: فأما الذين قالوا: إن سليمان عقر الخيل لما اشتغل بها حتى فاتته الصلاة: فاختلفوا في هذا على ثلاثة أقوال: أحدها: أن الخير هنا: يراد به الخيل، وزعموا أنه يقال للخيل خيرٌ، و ﴿أَحْبَبْتُ﴾ بمعنى: آثرتُ، أو بمعنى فعلٍ يتعدّى بـ «عن»؛ كأنه قال: آثرت حب الخيل فشغلني عن ذكر ربي. والآخر: أن الخير هنا: يراد به المال؛ لأن الخيل وغيرها مالٌ، فهو كقوله تعالى: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٨٠] أي: مالًا. والثالث: أن المفعول محذوفٌ، و ﴿حُبَّ الْخَيْرِ﴾ مصدرٌ، والتقدير: أحببت هذه الخيل مثل حب الخير، فشغلني عن ذكر ربي. وأما الذين قالوا: كان يصلي فعرضت عليه الخيل فأشار بإزالتها؛ فالمعنى: أنه قال: إني أحببت حب الخير الذي عند الله في الآخرة بسبب ذكر ربي، فشغلني ذلك عن النظر إلى الخيل. ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ الضمير للشمس وإن لم يتقدّم ذكرُها، ولكنها تفهم من سياق الكلام، وذِكر العشيِّ يقتضيها، والمعنى: حتى غابت الشمس. وقيل: الضمير للخيل، ومعنى ﴿تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾: دخلت اصطبلاتها.

стр. 2142

والأول أشهر وأظهر. ﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ﴾ أي: قال سليمان: ردوا عليَّ الخيل. ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ﴾ السُّوق: جمع ساق، يعني: سوق الخيل وأعناقها؛ أي: جعل يمسحها مسحًا. وهذا المسح مختلف على حسب الاختلاف المتقدِّم: هل هو قَطْعُها وعقرها؟ أو مَسْحُها باليد محبةً لها؟، أو وَسْمُها بالتحبيس (١). ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ (٣٤)﴾ تفسير هذه الآية يختلف على حسب الاختلاف في قصَّتها، وفي ذلك أربعة أقوال: الأول: أن سليمان كان له خاتم مُلْكِه، وكان فيه اسم الله (٢)، فكان ينزعه إذا دخل الخلاء؛ توقيرًا لاسم الله تعالى، فنزعه يومًا ودفعه إلى جاريته، فتمثَّل لها جنيٌّ في صورة سليمان وطلب منها الخاتم فدفعته له، وروي أن اسمه صخر، فقعد على كرسيِّ سليمان يأمر وينهى، والناس يظنون أنه سليمان، وخرج سليمان فارًّا بنفسه فأصابه الجوع فطلب حوتًا ففتح بطنه فوجد فيه خاتمه، وكان الجنيُّ قد رماه في البحر، فلبس سليمان الخاتم وعاد إلى ملكه. ففتنة سليمان على هذا: هي ما جرى له من سَلْب ملكه. والجسد الذي أُلقي على كرسيه: هو الجنيُّ الذي قعد عليه، وسماه

стр. 2143

جسدًا؛ لأنه تصوَّر في صورة إنسان. ومعنى ﴿أَنَابَ﴾: رجع إلى الله بالاستغفار والدعاء. أو رجع إلى ملكه. والقول الثاني: أن سليمان كانت له امرأة يحبها، وكان أبوها ملكًا كافرًا قد قتله سليمان، فسألته أن يصنع لها صورة أبيها، فأطاعها في ذلك فكانت تسجد للصورة ويسجد معها جواريها، وصار صنمًا معبودًا في داره، وسليمان لا يعلم حتى مضت أربعون يومًا، فلما علم به كسره. فالفتنة على هذا: عمل الصورة. والجسد: هو الصورة. والقول الثالث: أن سليمان كان له ولد، وكان يحبه حبًّا شديدًا، فقالت الجن: إن عاش هذا الولد ورث ملك أبيه فبقينا في السُّخْرة أبدًا، فلم يشعر إلَّا وولده ميت على كرسيِّه. فالفتنة على هذا: حبُّه في الولد. والجسد: هو الولد لما مات، وسمي جسدًا؛ لأنه جسد بلا روح. والقول الرابع: أنه قال: «لأطوفن الليلة على مئة امرأة، تأتي كل واحدة منهن بفارس يجاهد في سبيل الله»، ولم يقل: «إن شاء الله»، فلم تحمل واحدةٌ منهنَّ إلَّا واحدة جاءت بشقّ إنسان. فالفتنة على هذا: كونه لم يقل: «إن شاء الله».

стр. 2144

والجسد: هو شِقُّ الإنسان الذي وُلد له. فأما القول الأول: فضعيفٌ من طريق النقل، مع أنه يبعد ما ذُكر فيه من سلب الملك عن سليمان وتسليط الشياطين عليه. وأما القول الثاني: فضعيفٌ أيضًا، مع أنه يبعد أن يُعْبَد صنمٌ في بيت نبيّ، أو يأمر نبي بعمل صنم. وأما القول الثالث: فضعيفٌ أيضًا. وأما القول الرابع: فقد روي في الحديث الصحيح عن رسول الله ﷺ (١) لكنه لم يذكر في الحديث أن ذلك تفسير لمعنى الآية. ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ قدَّم الاستغفار على طلب الملك؛ لأن أمور الدين كانت عنده أهمَّ من الدنيا، فقدَّم الأولى والأهمَّ. فإن قيل: لأيِّ شيءٍ قال: ﴿لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾، وظاهر هذا طلب الانفراد به حتى قال فيه الحَجَّاج: إنه كان حسودًا (٢)؟ فالجواب: من وجهين: أحدهما: أنه إنما قال ذلك لئلا يجري عليه مثل ما جرى من أخذ الجني لملكه، فقصد أن لا يُسلَب ملكه عنه في حياته ويصير إلى غيره.

стр. 2145

والآخر: أنه طلب ذلك لتكون (١) معجزة، دلالة على نبوته. ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾ معنى ﴿رُخَاءً﴾: لينة طيبة. وقيل: مطيعة (٢) له. وقد ذكرنا الجمع بين هذا وبين قوله: ﴿عَاصِفَةً﴾ [الأنبياء: ٨١] في «الأنبياء» (٣). و ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾ أي: حيث قصد وأراد. ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ﴾ ﴿الشَّيَاطِينَ﴾ معطوف على ﴿الرِّيحَ﴾، و ﴿كُلَّ بَنَّاءٍ﴾ بدلٌ من ﴿الشَّيَاطِينَ﴾. أي: سخَّرنا له الريح والشياطين من يبني منهم ومن يغوص في البحر. ﴿وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ﴾ أي: آخرين من الجنِّ مُوثَقين في القيود والأغلال. ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ﴾ الإشارةُ إلى الملك الذي أعطاه الله، والمعنى: أن الله قال له: أعط من شئت وامنع من شئت. وقيل: المعنى: امنن على من شئت من الجنِّ بالإطلاق (٤) من القيود، وأمسك من شئت منهم في القيود.

стр. 2146

والأوَّل أحسن، وهو قول ابن عباس. ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ يَحتمل ثلاثة معان: أحدها: أنه لا يُحاسَب في الآخرة على ما فَعَل. والآخر: بغير تضييق عليه (١) في الملك. والثالث: بغير حساب ولا عدد، بل خارج عن الحصر. ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ قد ذُكر في قصة داود.

стр. 2147

[﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (٤١) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (٤٢) وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (٤٣) وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٤٤) وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ (٤٥) إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (٤٦) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ (٤٧) وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ (٤٨) هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ (٤٩) جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ (٥٠) مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ (٥١) وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ (٥٢) هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ (٥٣) إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ (٥٤) هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ (٥٥) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ (٥٦) هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (٥٧) وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ (٥٨) هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لَا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُو النَّارِ (٥٩) قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ الْقَرَارُ (٦٠) قَالُوا رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ (٦١) وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ (٦٢) أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ (٦٣) إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ (٦٤)﴾]. ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (٤١)﴾ قد ذكرنا قصة أيوب ﵇ في «الأنبياء» (١). والنُّصْبُ: يقال بضم النون وإسكان الصاد، وبفتح النون وإسكان الصاد، وبضم النون والصاد، وبفتحهما، ومعناه واحد: وهو المشقة. فإن قيل: لم نَسب ما أصابه من البلاء إلى الشيطان؟

стр. 2148

فالجواب: من أربعة أوجه: أحدها: أن سبب ذلك كان من الشيطان، فإنه روي أنه دخل على بعض الملوك فرأى منكرًا فلم يغيره. وقيل: إنه كانت له شاة فذبحها وطبخها، وكان له جار جائع فلم يعط جاره منها شيئًا. والثاني: أنه أراد: ما وسوس له الشيطان في مرضه من الجزع وكراهة البلاء، فدعا إلى الله أن يدفع (١) عنه وسوسة الشيطان بذلك. والثالث: أنه روي أن الله سلط الشيطان عليه ليفتنه، فأهلك ماله فصبر، وأهلك أولاده فصبر، وأصابه الجذام والمرض الشديد فصبر، فنسب ذلك إلى الشيطان؛ لتسليط الشيطان عليه. والرابع: روي أن الشيطان لقي امرأته فقال لها: قولي لزوجك إن سجد لي سجدةً أذهبتُ ما به من المرض، فذكرت المرأة ذلك لأيوب، فقال لها: «ذلك عدوُّ الله الشيطان»، وحينئذ دعا. ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ التقدير: «قلنا له: اركض برجلك»، فضرَبَ الأرض برجله فنبعت له عينُ ماءٍ صافيةٍ باردة، فشرب منها فذهب (٢) كلُّ مرض كان داخل جسده، واغتسل منها فذهب ما كان في ظاهر جسده. وروي أنه ركض الأرض مرتين فنبع له عينان، فشرب من أحدهما،

стр. 2149

واغتسل من الأخرى. ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ﴾ ذُكر في «الأنبياء» (١). ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِب بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ الضِّغْثُ: القبضة من القُضبان. وكان أيوب ﵇ قد حلف أن يضرب امرأته مئة سوط إذا برئ من مرضه، وكان سببُ ذلك ما ذكرته له من لقاء الشيطان وقوله لها: إن سجد لي زوجك أذهبت ما به، فأمره الله أن يأخذ ضغثًا فيه مئة قضيب فيضربَها بها ضربة واحدة فيبرَّ في يمينه. وقد ورد مثل هذا عن نبينا ﷺ في حدِّ رجل زنى، وكان مريضًا، فأمر رسول الله ﷺ بِعِذْقِ نخلةٍ فيه شماريخ مئة، فضُرب به ضربة واحدة، ذكر ذلك أبو داود والنسائي (٢). وأخذ به بعض العلماء، ولم يأخذ به مالك ولا أصحابه. ﴿أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ﴾ الْأَيْدِي جمع يدٍ، وذلك عبارةٌ عن قوتهم في الأعمال الصالحة، وإنما عبَّر عن ذلك بالأيدي؛ لأن الأعمال أكثر ما تعمل بالأيدي. وأما ﴿الْأَبْصَارِ﴾ فعبارةٌ عن قوة فهمهم وكثرة علمهم، من قولك: أبصر الرجل: إذا تبينت له الأمور. وقيل: ﴿الْأَيْدِي﴾ جمع يدٍ بمعنى النعمة، ومعناه: أولو النِّعَم التي

стр. 2150

أسداها الله إليهم من النبوة والفضيلة، وهذا ضعيف؛ لأن اليد بمعنى النعمة أكثر ما تجمع (١) على أيادي. وقرأ ابن مسعود: «أولو الأيد»، بغير ياء، فيحتمل: أن تكون «الأيدي» محذوفة الياء. أو يكون الأيد بمعنى القوة، كقوله: ﴿دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ﴾. ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةِ ذِكْرَى الدَّارِ (٤٦)﴾ معنى ﴿أَخْلَصْنَاهُمْ﴾: جعلناهم خالصين لنا. أو خصصناهم (٢) دون غيرهم. و ﴿بِخَالِصَةِ﴾ صفةٌ حذف موصوفها، تقديره: بخصلةٍ خالصةٍ. وأما الباء في قوله: ﴿بِخَالِصَةِ﴾: فإن كان ﴿أَخْلَصْنَاهُمْ﴾ بمعنى: جعلناهم خالصين: فالباء سببية للتعليل. وإن كان ﴿أَخْلَصْنَاهُمْ﴾ بمعنى خصصناهم: فالباء لتعدية الفعل. وقرأ نافع بإضافة ﴿بِخَالِصَةِ﴾ إلى ﴿ذِكْرَى﴾ من غير تنوين. وقرأ غيره بالتنوين، على أن تكون ﴿ذِكْرَى﴾ بدلًا من ﴿خَالِصَةٍ﴾ على وجه البيان والتفسير لها. و ﴿الدَّارِ﴾ يحتمل أن يريد به: الآخرة أو الدنيا.

стр. 2151

فإِن أراد به الآخرة: ففي المعنى ثلاثة أقوال: أحدها: أن ﴿ذِكْرَى الدَّارِ﴾ يعني به: ذِكْرُهم للآخرة وحبُّهم فيها. والآخر: أن معناه: تذكيرُهم للناس بالآخرة، وترغيبهم للناس فيما عند الله. والثالث: أن معناه: ثواب الآخرة؛ أي: أخلصناهم بأفضل ما في الآخرة. والأول أظهر. وإن أراد بالدار الدنيا: فالمعنى: حُسْن الثناء والذِّكر الجميل في الدنيا، كقوله: ﴿لِسَانَ صِدْقٍ﴾ [الشعراء: ٨٤]. ﴿الْأَخْيَارِ﴾ جمع خيّر بتشديد الياء، أو خَيْرٍ المخفف من خيّر، كَمَيْت مخفَّف من مَيِّت. ﴿وَذَا الْكِفْلِ﴾ ذكر في «الأنبياء» (١). ﴿هَذَا ذِكْرٌ﴾ الإشارةُ إلى ما تقدَّم في هذه السورة من ذكر الأنبياء. وقيل: الإشارة إلى القرآن بجملته. والأول أظهر. وكأن قوله: ﴿هَذَا ذِكْرٌ﴾ ختامٌ للكلام المتقدّم، ثم شرع بعده في كلام آخر، كما يُتمُّ المؤلف بابًا ثم يقول: «فهذا باب»، ثم يشرع في آخر.

стр. 2152

﴿قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ ذكر في «الصافات» (١). ﴿أَتْرَابٌ﴾ يعني: أسنانُهنَّ سواءٌ، يقال: فلان تِرْبُ فلان: إذا كان مثله في السنِّ. وقيل: يعني: أن أسنانُهن وأسنان أزواجهن سواءٌ. ﴿مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾ أي: ماله من فناءٍ ولا انقضاء. ﴿هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ (٥٥)﴾ تقديره: «الأمر هذا»، لما أتَمَّ ذكرَ أهل الجنة ختمه بقوله: ﴿هَذَا﴾، ثم ابتدأ وصف أهل النار. ويعني بالطاغين: الكفار. ﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ﴾ ﴿هَذَا﴾ مبتدأ، وخبره ﴿حَمِيمٌ﴾، و ﴿فَلْيَذُوقُوهُ﴾: اعتراضٌ بينهما. والحميم: الماء الحار. والغَسَّاق: قرئ بتخفيف السين وتشديدها، وهو صديد أهل النار. وقيل: ما يَسيل من عيونهم. وقيل: هو عذابٌ لا يعلمه الله. ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ (٥٨)﴾ ﴿آخَرُ﴾ معطوفٌ على ﴿حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ﴾، تقديره: وعذابٌ آخرُ، قيل: يعني: الزمهرير. ومعنى ﴿مِنْ شَكْلِهِ﴾: من مثله ونوعه؛ أي: من مثل العذاب المذكور.

стр. 2153

و ﴿أَزْوَاجٌ﴾ معناه: أصنافٌ، وهو صفة للحميم والغساق والعذابِ الآخر. والمعنى: أنها أصنافٌ من العذاب. وقال ابن عطية: ﴿آخَرُ﴾ مبتدأ، واختلف في خبره؛ فقيل: تقديره: ولهم عذاب آخر (١). وقيل: ﴿أَزْوَاجٌ﴾ مبتدأ، و ﴿مِنْ شَكْلِهِ﴾ خبر ﴿أَزْوَاجٌ﴾، والجملة خبر ﴿آخَرُ﴾. وقيل: ﴿أَزْوَاجٌ﴾ خبر ﴿آخَرُ﴾، و ﴿مِنْ شَكْلِهِ﴾ في موضع الصفة. وقرئ ﴿أُخَرُ﴾ بالجمع، وهو أليق أن يكون ﴿أَزْوَاجٌ﴾ خبره؛ لأنه جمعٌ مثله. ﴿هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾ الفوج: جماعة من الناس. والمقتحم: الداخل في زحام وشدة. وهذا من كلام خزنة النار، خاطبوا به رؤساء الكفار الذين دخلوا النار أوَّلًا، ثم دخل بعدهم أتباعهم، وهم الفوج المشار إليه. وقيل: هو كلام أهل النار بعضهم لبعض. والأول أظهر. ﴿لَا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾ أي: لا يلقون رُحْبًا ولا خيرًا، وهو دعاءٌ من كلام رؤساء

стр. 2154

الكفار؛ أي: لا مرحبًا بالفوج الذين هم أتباع لهم. ﴿قَالُوا بَلْ أَنتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾ هذا حكاية كلام الأتباع للرؤساء، لما قالوا لهم: ﴿لَا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾ أجابوهم بقولهم: ﴿بَلْ أَنتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾. ﴿أَنتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا﴾ هذا أيضًا من كلام الأتباع خطابًا للرؤساء، وهو تعليل لقولهم: ﴿بَلْ أَنتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾. والضمير في ﴿قَدَّمْتُمُوهُ﴾ للعذاب، ومعنى ﴿قَدَّمْتُمُوهُ﴾: أوجبتموه لنا بما قدّمتم في الدنيا من إغوائنا، وأمركم لنا بالكفر. ﴿قَالُوا رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ (٦١)﴾ هذا أيضًا من كلام الأتباع، دعوا إلى الله تعالى أن يضاعف العذاب لرؤسائهم الذين أوجبوا لهم العذاب، فهو كقولهم: ﴿رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ﴾ [الأعراف: ٣٨]. والضِّعف: زيادة المثل. ﴿وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ (٦٢)﴾ الضمير في ﴿وَقَالُوا﴾ لرؤساء الكفار. وقيل: للطّاغين. والرجال: هم ضعفاء المؤمنين. فقيل: إن القائلين لذلك هم: أبو جهل، وأمية بن خلف، وعتبة بن ربيعة، وأمثالهم، وإن الرجال المذكورين هم: عمار، وبلال، وصهيب، وأمثالهم.

стр. 2155

واللفظ أعم من ذلك. والمعنى: أنهم قالوا في جهنم: ما لنا لا نرى في النار رجالًا كنا في الدنيا نعدُّهم من الأشرار. ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا﴾ قرئ ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ﴾ بهمزة قطع، ومعناها: توبيخ أنفسهم على اتخاذهم المؤمنين سُخْرِيًّا. وقرئ بألف وصل، على أن تكون الجملة صفة للرجال. وقرئ ﴿سُخْرِيًّا﴾: بضم السين: من التَّسخير؛ بمعنى الخدمة. وبالكسر: من معنى الاستهزاء. ﴿أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ﴾ هذا يحتمل ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون معادلًا لقولهم: ﴿مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا﴾، والمعنى: ما لنا لا نراهم في جهنم؟ فهم ليسوا فيها؟، أم هم فيها ولكن زاغت عنه أبصارنا؟ ومعنى ﴿زَاغَتْ عَنْهُمُ﴾: مالتْ فلم ترهم (١). الثاني: أن يكون معادلًا لقولهم: ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا﴾، والمعنى: أتخذناهم سُخريًا أم زاغت عنهم أبصارنا في الدنيا؟ ومعنى زاغت الأبصار على هذا: مالت عن النظر إليهم؛ احتقارًا لهم.

стр. 2156

الثالث: أن تكون «أم» منقطعةً بمعنى «بل» والهمزة، فلا تعادل شيئًا ما قبلها. ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ﴾ الإشارةُ إلى ما تقدم من حكاية أقوال أهل النار، ثم فسَّره بقوله: ﴿تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾. وإعراب ﴿تَخَاصُمُ﴾: بدلٌ من ﴿لَحَقٌّ﴾. أو خبر مبتدأ مضمر.

стр. 2157

[﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٦٥) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (٦٦) قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (٦٧) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (٦٨) مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٦٩) إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٧٠) إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (٧١) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٧٢) فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٧٣) إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٧٤) قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ (٧٥) قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (٧٦) قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٧٧) وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (٧٨) قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٧٩) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٨٠) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٨١) قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣) قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (٨٤) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٥) قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (٨٦) إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٨٧) وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (٨٨)﴾]. ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (٦٧)﴾ النبأ: الخبر، ويعني به: ما تضمَّنته الشريعة من التوحيد والرسالة والدار الآخرة. وقيل: يعني: القرآن. وقيل: يوم القيامة. والأول أعم وأرجح. ﴿مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٦٩)﴾ الملأ الأعلى: هم الملائكة. ومقصد الآية: الاحتجاج على نبوَّة محمد ﷺ ؛ لأنه أخبر بأمور لم يكن يعلمُها قبل ذلك.

стр. 2158

والضمير في ﴿يَخْتَصِمُونَ﴾ للملإ الأعلى، واختصامهم: هو في قصة آدم حين قال لهم: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] حسبما تضمنته قصته في مواضع من القرآن، وفي الحديث: «أن رسول الله ﷺ رأى ربه فقال: يا محمد فيم يختصم الملأ الأعلى؟، فقال: لا أدري، قال: في الكفارات، وهي: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد» الحديث بطوله (١). وقيل: الضمير في ﴿يَخْتَصِمُونَ﴾ للكفار؛ أي: يختصمون في الملإ الأعلى فيقول بعضهم: هم بنات الله، ويقول آخرون: هم آلهة تعبد. وهذا بعيد. ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (٧١)﴾ ﴿إِذْ قَالَ﴾ بدل من ﴿إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾. وقد ذكرنا في «البقرة» معنى سجود الملائكة لآدم، ومعنى كفر إبليس (٢). وذكرنا في «الحجر» معنى قوله تعالى: ﴿مِنْ رُوحِي﴾ (٣). ﴿قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ الضمير في ﴿قَالَ﴾ لله ، و ﴿بِيَدَيَّ﴾: من المتشابه الذي ينبغي الإيمان به، وتسليمُ عِلْمِ حقيقته إلى الله. وقال المتأوّلون: هو عبارةٌ عن القدرة (٤).

стр. 2159

وقال القاضي أبو بكر ابنُ الطيب: إن اليد والعين والوجه صفاتُ ذاتٍ زائدةٌ على الصفات المتقرّرة. قال ابن عطية: وهذا قول مرغوب عنه (١). وحكى الزمخشري: أن معنى ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾: خلقتُ بغير واسطة (٢). ﴿أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾ دخلت همزة الاستفهام على ألف الوصل، فحُذفت ألف الوصل، و ﴿أَمْ﴾ هنا معادِلةٌ. والمعنى: أستكبرت الآن أم كنت قديمًا ممن يعلو ويستكبر؟، وهذا على جهة التوبيخ له. ﴿رَجِيمٌ﴾ أي: لعينٌ مطرود. ﴿إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٣٨)﴾ يعني: القيامة، وقد تقدّم الكلام على ذلك في «الحجر» (٣). ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢)﴾ الباء للقسم، أي: أقسم بعزة الله أن يُغوي بني آدم. ﴿قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (٨٤) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٥)﴾ الضمير في ﴿قَالَ﴾ هنا: لله تعالى.

стр. 2160

و ﴿الْحَقَّ﴾ الأول: مُقْسَمٌ (١) به، وهو منصوب بفعل مضمر، كقولك: «الله لأفعلنَّ»، وجوابه: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ﴾. وقرئ بالرفع، وهو مبتدأ، أو خبر مبتدأ مضمر تقديره: الحقُّ يميني. وأما ﴿الْحَقَّ﴾ الثاني: فهو مفعول بـ ﴿أَقُولُ﴾. وقوله: ﴿وَالْحَقَّ أَقُولُ﴾ جملة اعتراض بين القسَم وجوابه، على وجه التأكيد للقسَم. ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ أي: الذين يتصنَّعون ويتحلَّون بما ليسوا من أهله. ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ هذا وعيدٌ؛ أي: لتعلمنَّ صدق خبره بعد حين. والحينُ: يوم القيامة. أو موتهم. أو ظهور الإسلام يوم بدر وغيره.

стр. 2161

(سورة الزمر) [﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١) إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ (٣) لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٤) خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (٥) خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٦) إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٧) وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ (٨) أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (٩)﴾]. ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ﴾ ﴿تَنْزِيلُ﴾ مبتدأ، وخبره: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾.

стр. 2162

أو خبر ابتداء مضمر تقديره: «هذا تنزيل»، و ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ على هذا الوجه: يتعلق بـ ﴿تَنْزِيلُ﴾. أو يكون خبرًا بعد خبر. أو خبر مبتدإٍ آخَرَ محذوفٍ. و ﴿الْكِتَابَ﴾ هنا: القرآن، أو السورة. واختار ابن عطية أن يراد به: جنس الكتب المنزلة (١). وأما ﴿الْكِتَابَ﴾ الثاني: فهو القرآن باتفاق. ﴿بِالْحَقِّ﴾ يَحتمل معنيين: أحدهما: أن يكون معناه: متضمنًا الحقَّ. والثاني: أن يكون معناه: بالاستحقاق والوجوب. ﴿مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ أي: لا يكون فيه شرك أكبر ولا شرك أصغر وهو الرياء. ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ قيل: معناه: من حقه ومن واجبه أن يكون له الدين الخالص. ويحتمل أن يكون معناه: أن الدين الخالص هو دين الله وهو (٢) الإسلام، الذي شرعه لعباده ولا يقبل غيره.

стр. 2163

معنى ﴿الْخَالِصُ﴾: الصافي عن شوائب الشرك. وقال قتادة: الدين الخالص: شهادة أن لا إله إلا الله. وقال الحسن: هو الإسلام، وهذا أرجح؛ لعمومه. ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ يريد بالأولياء: الشركاء المعبودين. ويحتمل أن يريد بـ ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا﴾: الكفار العابدين لهم. أو الشركاء المعبودين. والأول أظهر؛ لأنه يُحتاج على الثاني إلى حذف الضمير العائد على ﴿الَّذِينَ﴾ تقديره: الذين اتخذوهم، ويكون ضمير الفاعل في ﴿اتَّخَذُوا﴾ عائدًا على غير مذكور. وارتفاع ﴿الَّذِينَ﴾ على الوجهين بالابتداء، وخبره: إما قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾. أو المحذوف المقدَّر قبل قوله: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ﴾؛ لأن تقديره: «يقولون ما نعبدهم». والأول أرجح؛ لأن المعنى به أكمل. ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ هذه الجملة في موضع معمول قولٍ محذوف، والقول في موضع الحال، أو في موضع بدل من صلة ﴿الَّذِينَ﴾. وقرأ ابن مسعود: «قالوا ما نعبدهم» بإظهار القول.

стр. 2164

أي: يقول الكفار: ما نعبد هذه الآلهة إلَّا ليقربونا إلى الله ويشفعوا لنا عنده، ويعني بذلك: الكفار الذين عبدوا الملائكة. أو الذين عبدوا الأصنام. أو الذين عبدوا عيسى أو عزيرًا. فإن جميعهم قالوا هذه المقالة. ومعنى ﴿زُلْفَى﴾: قربى، فهو مصدرٌ من ﴿يُقَرِّبُونَا﴾. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ إشارةٌ إلى كذبهم في قولهم: ﴿لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ﴾. وقوله: ﴿لَا يَهْدِي﴾ في تأويله وجهان: أحدهما: لا يهديه في حال كفره. والثاني: أن ذلك مختصٌّ بمن قضى عليه بالموت على الكفر. وهذا تأويل: ﴿لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ و ﴿الْكَافِرِينَ﴾ حيثما وقع. ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ الولد يكون على وجهين: أحدهما: بالولادة الحقيقية، وهذا محالٌ على الله تعالى، لا يجوز في العقل. والثاني: التبنِّي، بمعنى الاختصاص والتقريب، كما يتخذ الإنسان ولد غيره ولدًا؛ لإفراط محبته له، وذلك ممتنع على الله بإخبار الشرع، فإن قوله: ﴿وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢)﴾ [مريم: ٩٢] يعمُّ نفي الوجهين.

стр. 2165

فمعنى الآية على ما أشار إليه ابن عطية (١): لو أراد الله أن يتخذ ولدًا على وجه التبني لاصطفى لذلك مما يخلق من موجوداته ومخلوقاته، ولكنه لم يُرِد ذلك ولا فعله. وقال الزمخشري: معناه: لو أراد الله اتخاذ الولد لامتنع ذلك، ولكنه يصطفي من عباده من يشاء على وجه الاختصاص والتقريب، لا على وجه اتخاذه ولدًا، فاصطفى الملائكة وشرفهم بالتقريب، فحَسِبَ الكفار أنهم أولاده، ثم زادوا على ذلك أن جعلوهم إناثًا، فأفرطوا في الكفر والكذب على الله وملائكته (٢). ﴿سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ نزّه الله تعالى نفسه عن اتخاذ الولد، ثم وصف نفسه بالواحد؛ لأن الوحدانية تنافي اتخاذ الولد؛ لأنه لو كان له ولد لكان من جنسه، ولا جنس له؛ لأنه واحد. ووصف نفسه بالقهار؛ ليدلَّ على نفي الشركاء والأنداد؛ لأن كل شيء مقهور تحت قهره تعالى، فكيف يكون شريكًا له؟ ثم أتْبَع ذلك بما ذكره من خِلْقة السموات والأرض وغيرهما؛ لتدلَّ على وحدانيته وقدرته وعظمته. ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ﴾ التكوير: اللَّفُّ واللَّيُّ، ومنه: كَوْرُ العمامة التي يلتوي بعضها على بعض، وهو هنا استعارةٌ. ومعناه على ما قال ابن عطية: يعيد من هذا على هذا، فكأنَّ الذي يطول

стр. 2166

من النهار أو الليل يصير منه على الآخر جزءٌ فيستره، وكأن الذي يقصر يدخل في الذي يطول فيستتر فيه (١). ويحتمل أن يكون المعنى: أن كل واحد منهما يغيب الآخر إذا طرأ عليه، فشبه في ستره له بثوب يلف على آخر. ﴿لأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ يعني: يوم القيامة. ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ يعني: آدم ﵇. ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ يعني: حواء، خلقها من ضلع آدم. فإن قيل: كيف عطف قوله: ﴿ثُمَّ جَعَلَ﴾ على ﴿خَلَقَكُمْ﴾ بـ ﴿ثُمَّ﴾ التي تقتضي الترتيب والمهلة، ولا شكَّ أن خلقة حواء كانت قبل خلقة بني آدم؟ فالجواب من ثلاثة أوجه: الأول - وهو المختار -: أن العطف إنما هو على معنى قوله: ﴿وَاحِدَةٍ﴾ لا على ﴿خَلَقَكُمْ﴾، كأنه قال: خلقكم من نفس واحدة، ثم خلق منها زوجها بعد وحدتها. الثاني: أن «ثم» لترتيب الإخبار، لا لترتيب الوجود. الثالث: أنه يعني بقوله: ﴿خَلَقَكُمْ﴾ إخراج بني آدم من صلب أبيهم كالذرّ، وكان ذلك قبل خلقة حواء. ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ يعني: المذكورة (٢) في «الأنعام»:

стр. 2167

﴿مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٣]، ﴿وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ﴾ ﴿وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٤]، وسماها أزواجًا؛ لأن الذكر زوج الأنثى (١) والأنثى زوج الذكر (٢). وأما لفظ ﴿وَأَنْزَلَ﴾ ففيه ثلاثة أوجه: الأول: أن الله خلق أوَّل هذه الأزواج في السماء ثم أنزلها إلى الأرض. الثاني: أن معنى ﴿وَأَنْزَلَ﴾: قضى وقسم، فالإنزال عبارةٌ عن نزول أمره وقضائه. الثالث: أنه أنزل المطر الذي ينبت به النبات، فتعيش منه هذه الأنعام، فعبَّر بإنزالها عن إنزال رزقها، وهذا بعيد. ﴿خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ﴾ يعني: أن الإنسان يكون نطفةً، ثم علقة، ثم مضغة، إلى أن يتمَّ خلقه، ثم ينفخ فيه الروح. ﴿فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ﴾ هي: البطن والرَّحِم والمشيمة. وقيل: صلب الأب والرحم والمشيمة. والأول أرجح؛ لقوله: ﴿بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ ولم يذكر الصُّلب. ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ﴾ أي: لا يضرُّه كفركم. ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ تأوَّل الأشعرية هذه الآية على وجهين: أحدهما: أن الرضا بمعنى الإرادة، ويعني بـ ﴿عِبَادِهِ﴾ من قضى الله

стр. 2168

له بالإيمان والوفاة عليه، فهو كقوله: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢]. والآخر: أن الرضا غيرُ الإرادة، والعباد على هذا: على العموم، أي: لا يرضى الكفر لأحد من البشر، وإن كان قد أراد أن يقع من بعضهم، فهو لم يرضه دينًا ولا شرعًا، وأراده وقوعًا ووجودًا. وأما المعتزلة: فالرضا عندهم: بمعنى الإرادة، والعباد على العموم؛ جريًا على قاعدتهم في القدر وأفعال العباد (١). ﴿وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ هذا عمومٌ، والشكر الحقيقي يتضمنُ الإيمان. ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ﴾ ذكر في «الإسراء» (٢). ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ﴾ الآية؛ يراد بالإنسان هنا: الكافر؛ بدليل قوله: ﴿وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَادًا﴾. والقصد بهذه الآية: عتابٌ وإقامة حجة، فالعتاب: على الكفر وترك دعاء الله، وإقامة الحجة: على الإنسان بدعائه إلى الله في الشدائد. فإن قيل: لم قال هنا: ﴿وَإِذَا مَسَّ﴾ بالواو وقال بعد هذا: ﴿فَإِذَا مَسَّ﴾ بالفاء؟

стр. 2169

فالجواب: أن الذي بالفاء مسبَّبٌ عن قوله: ﴿اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾، فجاء بفاء السببية (١). قاله الزمخشري (٢)، وهو بعيد. ﴿ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ﴾ معنى ﴿خَوَّلَهُ﴾: أعطاه. والنعمة هنا: يحتمل أن يريد بها: كشف الضر المذكور. أو أيّ نعمةٍ كانت. ﴿نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ﴾ يحتمل أن تكون ﴿مَا﴾: مصدريةً؛ أي: نسي دعاءه. أو تكون بمعنى «الذي»، والمراد بها: الله تعالى. ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ﴾ بتخفيف الميم، على إدخال همزة الاستفهام على «مَنْ». وقيل: هي همزة النداء. والأول أظهر. وقرئ بتشديدها، على إدخال «أم» على «مَنْ» و «مَنْ» مبتدأ، وخبره محذوفٌ، وهو المعادل للاستفهام، تقديره: «أمَّن هو قانتٌ كغيره»، وإنما حذف لدلالة الكلام عليه، وهو ما ذُكِر قبله وما ذكر بعده من قوله: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ﴾.

стр. 2170

والقنوت هنا: بمعنى الطاعة، أو الصلاة بالليل. و ﴿آنَاءَ اللَّيْلِ﴾: ساعاته.

стр. 2171

[﴿قُلْ يَاعِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (١٠) قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (١١) وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (١٢) قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٣) قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (١٤) فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١٥) لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَاعِبَادِ فَاتَّقُونِ (١٦) وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٨) أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ (١٩) لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ (٢٠) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (٢١)﴾]. ﴿قُلْ يَاعِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية؛ نزلت في جعفر بن أبي طالب وأصحابه حين عزموا على الهجرة إلى أرض الحبشة. ومعناها: التأنيس لهم والتنشيط على الهجرة. ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾ يحتمل أن يتعلَّق ﴿فِي هَذِهِ الدُّنْيَا﴾: بـ ﴿أَحْسَنُوا﴾، والمعنى: الذين أحسنوا في الدنيا لهم حسنة في الآخرة. أو يتعلق بـ ﴿حَسَنَةٌ﴾، والحسنة على هذا: حُسن الحال والعافية (١) في الدنيا.

стр. 2172

والأوَّلُ أرجحُ. ﴿وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ﴾ يراد بها: البلاد المجاورة للأرض التي هاجروا منها. والمَقْصِد من ذلك: حضٌّ على الهِجْرَة. ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ هذا يحتمل وجهين: أحدهما: أن الصابر يؤتى أجره، ولا يحاسب على أعماله، فهو من الذين يدخلون الجنة بغير حساب. الثاني: أن أجر الصابرين بغير حصرٍ بل أكثر من أن يحصر (١) بعددٍ أو وزن، وهذا قول الجمهور. ﴿وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (١٢)﴾ اللام هنا يجوز أن تكون: زائدةً. أو للتعليل، ويكون المفعول على هذا محذوفًا. فإن قيل: كيف عطف ﴿أُمِرْتُ﴾ على ﴿أُمِرْتُ﴾ والمعنى واحد؟ فالجواب: أن الأول أمرٌ بالعبادة والإخلاص، والثاني أمرٌ بالسَّبْقِ إلى الإسلام، فهما معنيان اثنان. وكذلك قوله: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ﴾ ليس تكرارًا لقوله: ﴿أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ﴾؛ لأن الأول إخبارٌ بأنه مأمور بالعبادة، والثاني إخبارٌ بأنه يفعل العبادة. وقدَّم اسم الله تعالى؛ للحصر واختصاص (٢) العبادة به وحده.

стр. 2173

﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُم مِنْ دُونِهِ﴾ هذا تهديدٌ، ومبالغة في الخذلان والتَّخلية لهم على ما هم عليه. ﴿ظُلَلٌ﴾ جمع ظُلَّة -بالضم -، وهو ما غَشِي من فوق، كالسقف، فقوله: ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ بيّنٌ، وأما: ﴿وَمِنْ تَحْتِهِمْ﴾ فسماه ظُلَّةً؛ لأنه سقفٌ لمن تحتهم؛ فإن جهنم طبقات. وقيل: سماه ظلةً؛ لأنه يلتهب ويصعد (١) من أسفلهم إلى فوقهم. ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾ قيل: إنها نزلت في عثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد، وسعيد، وطلحة، والزبير؛ إذ دعاهم أبو بكر الصديق إلى الإيمان فآمنوا. وقيل: نزلت في أبي ذرٍّ، وسلمان، وهذا ضعيف؛ لأن سلمان إنما أسلم بالمدينة، والآيةُ مكية. والأظهر: أنها عامة. والطاغوت هنا: كلُّ ما عُبد من دون الله. وقيل: الشياطين. ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ قيل: معناه: يستمعون القول على العموم، فيتَّبعون القرآن؛ لأنه أحسن الكلام. وقيل: يستمعون القرآن فيتبعون بأعمالهم أحسنه من العفو الذي هو أحسن من الانتصار، وشبه ذلك.

стр. 2174

وقيل: هو الذي يسمع حديثًا فيه حَسَنٌ وقبيح، فيحدِّث بالحسَن ويكفُّ عما سواه، وهذا قول ابن عباس، وهو الأظهر. وقال ابن عطية: هو عام في جميع الأقوال؛ والقصد الثناء على هؤلاء ببصائر ونظرٍ سديدٍ يفرِّقون به بين الحق والباطل وبين الصواب والخطإ، فيتبعون الأحسن من ذلك (١). وقال الزمخشري مثل هذا المعنى (٢). ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ (١٩)﴾ فيه وجهان: أحدهما: أن يكون الكلام جملةً واحدةً تقديره: أفمن (٣) حقت (٤) عليه كلمة العذاب أأنت (٥) تنقذه؟ فوضع ﴿مَنْ فِي النَّارِ﴾ موضع المضمر. والهمزة في قوله: ﴿أَفَأَنْتَ﴾ هي الهمزة التي في قوله: ﴿أَفَمَنْ﴾ وهي همزة الإنكار؛ كُرِّرت للتأكيد. والثاني: أن يكون التقدير: أفمن حق عليه العذاب تتأسفُ عليه؟، فحذف الخبر، ثم استأنف قوله: ﴿أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾؟ وعلى هذا يوقف على ﴿الْعَذَابِ﴾. والأول أرجح؛ لعدم الإضمار.

стр. 2175

﴿فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ﴾ معنى ﴿سَلَكَهُ﴾: أدخله وأجراه. والينابيع: جمع ينبوع، وهو العين. وفي هذا دليلٌ على أن ماء العيون من المطر. ﴿مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ﴾ أي: أصنافه، كالقمح والأَرُزِّ والفول وغير ذلك. وقيل: ﴿أَلْوَانُهُ﴾: الخضرة والحمرة وشبه ذلك. وفي الوجهين دليلٌ على الفاعل المختار، وَرَدٌّ على أهل الطبائع.
следующие страницы →