[﴿قُلْ يَاعِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (١٠) قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (١١) وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (١٢) قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٣) قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (١٤) فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١٥) لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَاعِبَادِ فَاتَّقُونِ (١٦) وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٨) أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ (١٩) لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ (٢٠) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (٢١)﴾].
﴿قُلْ يَاعِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية؛ نزلت في جعفر بن أبي طالب وأصحابه حين عزموا على الهجرة إلى أرض الحبشة.
ومعناها: التأنيس لهم والتنشيط على الهجرة.
﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾ يحتمل أن يتعلَّق ﴿فِي هَذِهِ الدُّنْيَا﴾: بـ ﴿أَحْسَنُوا﴾، والمعنى: الذين أحسنوا في الدنيا لهم حسنة في الآخرة.
أو يتعلق بـ ﴿حَسَنَةٌ﴾، والحسنة على هذا: حُسن الحال والعافية (١) في الدنيا.
стр. 2172
والأوَّلُ أرجحُ.
﴿وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ﴾ يراد بها: البلاد المجاورة للأرض التي هاجروا منها.
والمَقْصِد من ذلك: حضٌّ على الهِجْرَة.
﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ هذا يحتمل وجهين:
أحدهما: أن الصابر يؤتى أجره، ولا يحاسب على أعماله، فهو من الذين يدخلون الجنة بغير حساب.
الثاني: أن أجر الصابرين بغير حصرٍ بل أكثر من أن يحصر (١) بعددٍ أو وزن، وهذا قول الجمهور.
﴿وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (١٢)﴾ اللام هنا يجوز أن تكون: زائدةً.
أو للتعليل، ويكون المفعول على هذا محذوفًا.
فإن قيل: كيف عطف ﴿أُمِرْتُ﴾ على ﴿أُمِرْتُ﴾ والمعنى واحد؟
فالجواب: أن الأول أمرٌ بالعبادة والإخلاص، والثاني أمرٌ بالسَّبْقِ إلى الإسلام، فهما معنيان اثنان.
وكذلك قوله: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ﴾ ليس تكرارًا لقوله: ﴿أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ﴾؛ لأن الأول إخبارٌ بأنه مأمور بالعبادة، والثاني إخبارٌ بأنه يفعل العبادة.
وقدَّم اسم الله تعالى؛ للحصر واختصاص (٢) العبادة به وحده.
стр. 2173
﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُم مِنْ دُونِهِ﴾ هذا تهديدٌ، ومبالغة في الخذلان والتَّخلية لهم على ما هم عليه.
﴿ظُلَلٌ﴾ جمع ظُلَّة -بالضم -، وهو ما غَشِي من فوق، كالسقف، فقوله: ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ بيّنٌ، وأما: ﴿وَمِنْ تَحْتِهِمْ﴾ فسماه ظُلَّةً؛ لأنه سقفٌ لمن تحتهم؛ فإن جهنم طبقات.
وقيل: سماه ظلةً؛ لأنه يلتهب ويصعد (١) من أسفلهم إلى فوقهم.
﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾ قيل: إنها نزلت في عثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد، وسعيد، وطلحة، والزبير؛ إذ دعاهم أبو بكر الصديق إلى الإيمان فآمنوا.
وقيل: نزلت في أبي ذرٍّ، وسلمان، وهذا ضعيف؛ لأن سلمان إنما أسلم بالمدينة، والآيةُ مكية.
والأظهر: أنها عامة.
والطاغوت هنا: كلُّ ما عُبد من دون الله.
وقيل: الشياطين.
﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ قيل: معناه: يستمعون القول على العموم، فيتَّبعون القرآن؛ لأنه أحسن الكلام.
وقيل: يستمعون القرآن فيتبعون بأعمالهم أحسنه من العفو الذي هو أحسن من الانتصار، وشبه ذلك.
стр. 2174
وقيل: هو الذي يسمع حديثًا فيه حَسَنٌ وقبيح، فيحدِّث بالحسَن ويكفُّ عما سواه، وهذا قول ابن عباس، وهو الأظهر.
وقال ابن عطية: هو عام في جميع الأقوال؛ والقصد الثناء على هؤلاء ببصائر ونظرٍ سديدٍ يفرِّقون به بين الحق والباطل وبين الصواب والخطإ، فيتبعون الأحسن من ذلك (١).
وقال الزمخشري مثل هذا المعنى (٢).
﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ (١٩)﴾ فيه وجهان:
أحدهما: أن يكون الكلام جملةً واحدةً تقديره: أفمن (٣) حقت (٤) عليه كلمة العذاب أأنت (٥) تنقذه؟ فوضع ﴿مَنْ فِي النَّارِ﴾ موضع المضمر.
والهمزة في قوله: ﴿أَفَأَنْتَ﴾ هي الهمزة التي في قوله: ﴿أَفَمَنْ﴾ وهي همزة الإنكار؛ كُرِّرت للتأكيد.
والثاني: أن يكون التقدير: أفمن حق عليه العذاب تتأسفُ عليه؟، فحذف الخبر، ثم استأنف قوله: ﴿أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾؟ وعلى هذا يوقف على ﴿الْعَذَابِ﴾.
والأول أرجح؛ لعدم الإضمار.
стр. 2175
﴿فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ﴾ معنى ﴿سَلَكَهُ﴾: أدخله وأجراه.
والينابيع: جمع ينبوع، وهو العين.
وفي هذا دليلٌ على أن ماء العيون من المطر.
﴿مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ﴾ أي: أصنافه، كالقمح والأَرُزِّ والفول وغير ذلك.
وقيل: ﴿أَلْوَانُهُ﴾: الخضرة والحمرة وشبه ذلك.
وفي الوجهين دليلٌ على الفاعل المختار، وَرَدٌّ على أهل الطبائع.
ويحتمل عندي: أن يكون «قاسية» تضمَّن معنى: خالية، فلذلك تعدى بـ «من»، والمعنى: أن قلوبهم خالية من ذكر الله.
﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ يعني: القرآن.
﴿كِتَابًا﴾ بدل من ﴿أَحْسَنَ﴾، أو حال منه.
﴿مُتَشَابِهًا﴾ معناه هنا: أنه يشبه بعضه بعضًا في الفصاحة والنُّطق بالحق، وأنه ليس فيه تناقض ولا اختلاف.
﴿مَثَانِيَ﴾ جمع مُثَنَّى؛ أي: تثنى فيه القصص وتُكرَّر (١).
ويحتمل أن يكون مشتقًا من الثناء؛ لأنه يُثنى فيه على الله.
فإن قيل: ﴿مَثَانِيَ﴾ جمعٌ؛ فكيف وُصف به المفرد؟
فالجواب: أن القرآن ينقسم (٢) إلى سور وآيات كثيرة فهو جمعٌ بهذا الاعتبار.
ويجوز أن يكون كقولهم: «بُرْمةٌ أعشارٌ»، و «ثوبٌ أخلاقٌ».
أو يكون تمييزا من ﴿مُتَشَابِهًا﴾، كقولك: «حسَنٌ شمائلَ».
﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ إن قيل: كيف تعدَّى ﴿تَلِينُ﴾ بـ «إلى»؟
فالجواب: أنه تضمَّن معنى فعلٍ تعدَّى بـ «إلى»، كأنه قال: تميل أو تسكن
стр. 2178
أو تطمئن قلوبهم إلى ذكر الله.
فإن قيل: لم ذُكرت الجلودُ أوَّلًا وحدها، ثم ذُكرت القلوب بعد ذلك معها؟
فالجواب: أنه لما قال أوَّلًا ﴿تَقْشَعِرُّ﴾ ذكر الجلود وحدها؛ لأن القَشَعْريرةَ مِنْ وصف الجلود لا من وصف غيرها، ولما قال ثانيًا: ﴿تَلِينُ﴾ ذكر الجلود والقلوب؛ لأن اللين توصف به القلوب والجلود، أما لين القلوب: فهو ضدُّ قسوتها، وأما لين الجلود: فهو ضد قُشَعْريرتها، فاقشعرت أوَّلًا من الخوف، ثم لانت بالرجاء.
﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ﴾ يُحتمل أن تكون الإشارة:
إلى القرآن.
أو إلى الخشية واقشعرار الجلد.
﴿أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ الخبر محذوف كما تقدم في نظائره، تقديره: أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب كَمَنْ هو آمنٌ من العذاب؟
ومعنى ﴿يَتَّقِي بِوَجْهِهِ﴾: يُلَقَّى النار بوجهه؛ ليكفُّها عن نفسه، وذلك أن الإنسان إذا لَقِي شيئًا من المخاوف استقبله بيديه، وأيدي هؤلاء مغلولةٌ، فاتَّقوا النار بوجوههم.
﴿ذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ أي: ذوقوا جزاءَ ما كنتم تكسبون من الكفر والعصيان.
стр. 2179
﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ نصبٌ (١):
على الحال.
أو بفعلٍ مضمرٍ على المدح.
﴿غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ أي: ليس فيه تضادٌّ ولا اختلاف، ولا عيب من العيوب
التي في كلام البشر.
وقيل: معناه: غير مخلوق.
وقيل: غير ذي لحنٍ.
فإن قيل: لم قال: ﴿غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ ولم يقل: «غيرَ مُعْوَجّ»؟
فالجواب: أن قوله: ﴿غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ أبلغُ في نفي العِوَج عنه، كأنه قال:
ليس فيه شيءٌ من العوج أصلًا.
﴿رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ﴾ أي: متنازعون متظالمون.
وقيل: متشاحُّون.
وأصله من قولك: رجلٌ شَكِسٌ: إذا كان ضيّقَ الصدر.
ومعنى ضرب هذا المثل: بيانُ حال من يشرك بالله ومن يوحّده، فشبه المشرك بمملوك بين جماعة من الشركاء يتنازعون فيه، والمملوك بينهم في أسوإ حال، وشبه من يوحّد الله بمملوك لرجلٍ واحد.
فمعنى قوله: ﴿سَلَمًا لِرَجُلٍ﴾ أي: خالصًا له.
стр. 2180
وقرئ ﴿سَلَمًا﴾ بغير ألف، و ﴿سَالِمًا﴾ بألف، والمعنى: واحد.
﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠)﴾ في هذا وعدٌ للنبي ﷺ ، ووعيدٌ للكفار، فإنهم إذا ماتوا جميعًا وصاروا إلى الله فاز من كان على الحق وهلك من كان على الباطل.
وفيه أيضًا إخبارٌ بأنه ﷺ سيموت؛ لئلا (١) يختلف الناس في موته كما اختلفت الأمم في غيره، وقد جاء أنه لما مات ﷺ أنكر عمر بن الخطاب ﵁ موته، حتى احتجَّ عليه أبو بكر الصديق ﵁ بهذه الآية، فرجع إليها.
﴿تَخْتَصِمُونَ﴾ قيل: يعني: الاختصام في الدماء.
وقيل: في الحقوق.
والأظهر أنه اختصام النبي ﷺ مع الكفار في تكذيبهم له، فيكون من تمام ما قبله.
ويحتمل أن يكون على العموم في اختصام الخلائق فيما بينهم من المظالم وغيرها.
وقيل: الذي جاء بالصَّدق: جبريل، والذي صدَّق به: محمد ﷺ .
وقيل: الذي جاء بالصَّدق: الأنبياء، والذي صدَّق به: المؤمنون.
واختار ابن عطية أن يكون على العموم، وجعل ﴿الَّذِي﴾ للجنس، كأنه قال: «الفريق الذي .. »؛ لأنه في مقابلة من كذب على الله وكذَّب بالصَّدق، والمراد به العموم (١).
﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ تقويةٌ لقلب محمد ﷺ ، وإزالةٌ للخوف الذي كان الكفار يخوّفونه.
﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُم﴾ الآية؛ احتجاجٌ على التوحيد، وردٌّ على المشركين.
﴿هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾ الآية؛ ردٌّ على المشركين، وبرهانٌ على الوحدانية.
وروي أن سببها: أن المشركين خوَّفوا رسول الله ﷺ من آلهتهم، فنزلت الآية مبينةً أنهم لا يقدرون على شيء.
فإن قيل: كيف قال: ﴿كَاشِفَاتُ﴾ و ﴿مُمْسِكَاتُ﴾ بالتأنيث؟
فالجواب: أنها لا تعقل، فعاملها معاملة المؤنثة، وأيضًا ففي تأنيثها تحقيرٌ لها وتهكُّمٌ بمن عبدها.
﴿اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾ تهديدٌ ومسالمةٌ منسوخة بالسيف.
﴿بِالْحَقِّ﴾ ذكر في أول السورة (٢).
الأنفس التي لم تمت في منامها.
﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ﴾ أي: يمسك الأنفس التي قضى عليها الموتَ الحقيقيَّ.
ومعنى إمساكها: أنه لا يردها إلى الدنيا.
﴿وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أي: يرسل الأنفس النائمة.
وإرسالها: هو ردُّها إلى الدنيا.
والأجل المسمى: هو أجل الموت الحقيقي.
وقد تكلم الناس في النفس والروح وأكثروا القول في ذلك بالظن دون تحقيق، والصحيح أن هذا مما استأثر بعلمه الله لقوله: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٨٥].
﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ﴾ ﴿أَمْ﴾ هنا: بمعنى «بل» وهمزة الإنكار.
والشُّفعاء: هم الأصنام وغيرها، لقولهم: ﴿هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨].
﴿قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا﴾ دخلت همزة الاستفهام على واو الحال، وتقديره: أيشفعون وهم لا يملكون شيئًا ولا يعقلون؟.
﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ أي: هو مالكها، فلا يشفع أحدٌ إليه إلَّا بإذنه،
وفي هذا ردٌّ على الكفار في قولهم: إن الأصنام تشفع لهم.
﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ﴾ الآية؛ معناها: أن الكفار يكرهون توحيد الله ويحبُّون الإشراك به.
стр. 2185
ومعنى ﴿اشْمَأَزَّتْ﴾: انقبضت من شدة الكراهة.
وروي أن هذه الآية نزلت حين قرأ رسول الله ﷺ سورة «النجم»، فألقى الشيطان في أمنيته حسبما ذكرنا في «الحج» (١)، فاستبشر الكفار بما ألقى الشيطان من تعظيم اللات والعزى، فلما أذهب الله ما ألقى الشيطان استكبروا واشمأزوا.
﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ أي: ظهر لهم يوم القيامة خلاف ما كانوا يظنون؛ لأنهم كانوا يظنون ظنونًا كاذبة.
وقال الزمخشري: إن المراد بذلك تعظيم العذاب الذي يصيبهم، أي: ظهر لهم من عذاب الله ما لم يكن في حسابهم فهو كقوله في الوعد: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧] (٢).
وقيل: معناها: عملوا أعمالًا حَسِبوها حسناتٍ، فإذا هي سيئات.
وقال الحسن: ويلٌ لأهل الرياء من هذه الآية.
وهذا على أنها في المسلمين، والظاهر أنها في الكفار.
﴿وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ معنى ﴿وَحَاقَ﴾: حلّ ونزل.
وقال ابن عطية: وغيره: إن هذا على حذف مضاف تقديره: حاق بهم جزاءُ ما كانوا به يستهزئون (٣).
стр. 2186
ويحتمل أن يكون الكلام دون حذف، وهو أحسن، ومعناه: حاق بهم العذاب الذي كانوا به يستهزئون؛ لأنهم كانوا في الدنيا يستهزئون إذا خوّفوا بعذاب الله، ويقولون: متى هذا الوعد؟.
﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يريد: على علمٍ منّي بالمكاسب والمنافع.
والآخر: على علمِ الله باستحقاقي لذلك.
و ﴿إِنَّمَا﴾ هنا تحتمل وجهين:
أحدهما - وهو الأظهر -: أن تكون «ما» كافةً، و ﴿عَلَى عِلْمٍ﴾ في موضع الحال.
والآخر: أن تكون «ما» اسم «إنَّ» و ﴿عَلَى عِلْمٍ﴾ خبرها.
وإنما قال: ﴿أُوتِيتُهُ﴾ بالضمير المذكَّر وهو عائد على النعمة؛ للحمل على المعنى.
﴿بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ﴾ ردٌّ على الذي قال: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ﴾.
﴿قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ يعني: قارون وغيره.
стр. 2187
[﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣) وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (٥٤) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٥٥) أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (٥٦) أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٥٧) أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٨) بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٥٩) وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ (٦٠) وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦١) اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٦٣)﴾].
﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ قال علي بن أبي طالب، وابن مسعود: هذه أرجى آية في القرآن.
وروي أن رسول الله ﷺ قال: «ما أُحبُّ أن لي الدنيا وما فيها بهذه الآية» (١).
واختُلف في سببها:
فقيل: نزلت في وحشي قاتل حمزة، لما أراد أن يسلم وخاف أن لا يغفر له ما وقع فيه من قتل حمزة.
وقيل: نزلت في قوم آمنوا ولم يهاجروا، ففُتِنوا فافتتنوا، ثم ندموا وظنوا
стр. 2188
أنهم لا توبة لهم، وهذا قول عمر بن الخطاب، وقد كتب بها إلى هشام بن العاصي لما جرى له ذلك.
وقيل: نزلت في قوم من أهل الجاهلية، قالوا: ما ينفعنا الإسلام وقد زنينا، وقتلنا النفوس؟، فنزلت الآية فيهم.
ومعناها مع ذلك على العموم في جميع الناس إلى يوم القيامة على تفصيلٍ نذكره، وذلك أن ﴿الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾:
إن أراد به الكفار: فقد أجمعت (١) الأمة على أنهم إذا أسلموا غُفر لهم كفرهم وجميع ذنوبهم؛ لقوله ﷺ : «الإسلام يَجُبُّ ما قبله» (٢)، وأنهم إن ماتوا على الكفر فإن الله لا يغفر لهم، بل يخلّدهم في النار.
وإن أراد به العصاة من المسلمين: فإن العاصي إذا تاب غفر الله ذنوبه، وإن لم يتب فهو في مشيئة الله، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له.
فالمغفرة المذكورة في هذه الآية يحتمل أن يريد بها:
المغفرة للكفار إذا أسلموا.
أو للعصاة إذا تابوا.
أو للعصاة وإن لم يتوبوا إذا تفضَّل الله عليهم بالمغفرة.
والظاهر: أنها نزلت في الكفار، وأن المغفرة المذكورة هي لهم إذا
стр. 2189
أسلموا، والدليل على أنها في الكفار: ما ذكر بعدها إلى قوله: ﴿قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾.
﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُم مِنْ رَبِّكُمْ﴾ يعني: اتبعوا القرآن، وليس المعنى: أن بعض القرآن أحسنُ من بعض؛ لأنه حَسَنٌ كُلُّه، وإنما المعنى: أن يتبعوا بأعمالهم ما فيه من الأوامر، ويجتنبوا ما فيه من النواهي، فالتفضيل الذي يقتضيه ﴿أَحْسَنَ﴾ إنما هو في الاتباع.
وقيل: يعني: الناسخ دون المنسوخ، وهذا بعيد.
﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ﴾ في موضع مفعولٍ من أجله تقديره: كراهة أن تقول نفسٌ.
وإنما نكّر النفس؛ لأن المراد بها بعض الأنفس، وهي نفوس الكفار.
﴿فِي جَنبِ اللَّهِ﴾ أي: في حقِّ الله.
وقيل: في أمر الله.
وأصله: من الجنب بمعنى الجانب، ثم استعير لهذا المعنى.
﴿السَّاخِرِينَ﴾ أي: المستهزئين.
﴿بَلَى﴾ جوابٌ للنفس التي حُكِي كلامها، ولا يجاوب (١) بـ «بلى» إلا النفي.
وهي هنا جوابٌ لقوله: ﴿لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾؛ لأنه في معنى النفي؛ لأن «لو» حرف امتناع، وتقدير الجواب: بل قد جاءك
стр. 2190
الهدى من الله بإرساله الرسل وإنزاله الكتب.
وقال ابن عطية: هي جواب لقوله: ﴿لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً﴾؛ فإن معناه يقتضي أن العمر لم يتَّسع للنظر فقيل له: ﴿بَلَى﴾ على وجه الردِّ عليه (١).
والأول أليق بسياق (٢) الكلام؛ لأن قوله: ﴿قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي﴾ تفسيرٌ لما تضمنته ﴿بَلَى﴾.
﴿وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ يحتمل أن يريد:
سواد اللون حقيقة.
أو يكون عبارةً عن شدَّة الكرب.
﴿بِمَفَازَتِهِمْ﴾ أصله: من الفوز، والتقدير: بسبب فوزهم.
وقيل: معناه بحسناتهم.
وقيل: بفضائلهم.
﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ أي: قائم بتدبير كل شيء.
﴿مَقَالِيدُ﴾ مفاتيح.
وقيل: خزائن.
واحدها: مِقْليد.
وقيل: إقليد.
стр. 2191
وقيل: لا واحد لها من لفظها، وأصلها كلمة فارسية.
وقال عثمان بن عفان: سألت رسول الله ﷺ عن مقاليد السموات والأرض فقال: «هي لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وأستغفر الله، هو الأول، والآخر، والظاهر، والباطن، بيده الخير، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير» (١).
وإن صح هذا الحديث فمعناه: أن من قال هذه الكلمات صادقًا مخلصًا نال الخيرات والبركات من السماء (٢) والأرض؛ لأن هذه الكلمات تُوصِل إلى ذلك، فكأنها مفاتحُ (٣) له.
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية، قال الزمخشري: إنها متصلة بقوله: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ﴾ وما بينهما من الكلام اعتراضٌ (٤).
стр. 2192
[﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (٦٤) وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦) وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (٦٨) وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٦٩) وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ (٧٠)﴾]
﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ﴾ منصوب بـ ﴿أَعْبُدُ﴾.
﴿تَأْمُرُونِي﴾ حذفت إحدى النونين تخفيفًا.
وقرئ بنونين على الأصل.
وقرئ بإدغام إحدى النونين في الأخرى.
﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ دليلٌ على إحباط أعمال المرتد مطلقًا، خلافًا للشافعي في قوله: لا يحبط عمله إلَّا إذا مات على الكفر.
فإن قيل: الموحى إليهم جماعةٌ، والخطاب بقوله: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ﴾ لواحد؟
فالجواب: أن المعنى: أنه أوحى ذلك إلى كل واحد منهم على حِدَتِهِ.
فإن قيل: كيف خوطب الأنبياء بذلك وهم معصومون من الشرك؟
فالجواب: أن ذلك على وجه الفرض والتقدير؛ أي: لو وقع منهم شرك
стр. 2193
لحبطت أعمالهم، لكنهم لم يقع منهم شرك بسبب العصمة.
ويحتمل أن يكون المراد غيرهم وخوطبوا هم؛ ليدلَّ المعنى على غيرهم بالطريق الأولى.
﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ أي: ما عظَّموه حقَّ تعظيمه، ولا وصفوه بما يجب له، ولا نزهوه عما لا يليق به.
والضمير في ﴿قَدَرُوا﴾: لقريش.
وقيل: لليهود.
﴿وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ المقصود بهذا: تعظيمُ جلال الله، والردُّ على الكفار الذين ما قدروا الله حق قدره.
ثم اختلف الناس فيها كاختلافهم في غيرها من المشكلات:
فقالت المتأوِّلة: إن القبضة واليمين عبارةٌ عن القدرة.
وقال ابن الطيب: إنها صفات زائدة على صفات الذات.
وأما السلف الصالح فسلَّموا عِلْمَ ذلك إلى الله، ورأوا أن هذا من المتشابه الذي لا يَعلم حقيقتَه إلَّا الله (١).
وقد قال ابن عباس ما معناه: إن الأرض في قبضته والسموات مطويات، كلُّ ذلك بيمينه.
стр. 2194
وقال ابن عمر ما معناه: أن الأرض في قبضة اليد الواحدة، والسموات مطويات باليمين الأخرى؛ لأن كلتا يديه يمين.
﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ هو القرن الذين ينفخ فيه إسرافيل، وهذه النفخة نفخة الصعق، وهو الموت، وقد قيل: إن قبلها نفخة الفزع، ولم تذكر في هذه الآية.
﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ قيل: يعني: جبريل وإسرافيل وميكائيل وملك الموت، ثم يميتهم بعد ذلك.
وقيل: استثنى الأنبياء.
وقيل: الشهداء.
﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى﴾ هي نفخة القيام.
﴿قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ قيل: إنه من النظر.
وقيل: من الانتظار؛ أي: ينتظرون ما يفعل بهم.
﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ﴾ يعني: صحائف الأعمال، وإنما وحدها؛ لأنه أراد الجنس.
وقيل: هو اللوح المحفوظ.
﴿وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ﴾ ليشهدوا على قومهم.
﴿وَالشُّهَدَاءِ﴾ يحتمل أن يكون:
جمع شاهد.
стр. 2195
أو جمع شهيد في سبيل الله.
والأول أرجح؛ لأن فيه معنى الوعيد، ولأنه أليق بذكر الأنبياء الشَّاهدين، والمراد على هذا: أمة محمد ﷺ ؛ لأنهم يشهدون على الناس. وقيل: يعني: الملائكة الحَفَظة.
﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُم﴾ الضمير لجميع الخلق.
* * *
стр. 2196
[﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٧١) قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٧٢) وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ (٧٣) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (٧٤) وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٧٥)﴾].
﴿زُمَرًا﴾ في الموضعين: جمع زُمْرة، وهي الجماعة من الناس، وقال ﷺ : «أول زمرة يدخلون الجنة وجوههم على مثل القمر ليلة البدر، والزمرة الثانية على مثل أشدّ نجم في السماء إضاءةً، ثم هم بعد ذلك منازل» (١).
﴿خَزَنَتُهَا﴾ جمع خازن حيث وقع.
﴿كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾ يعني: القضاء السابق بعذابهم.
﴿وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ إنما قال في الجنة ﴿وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ بالواو وقال في النار بغير واو؛ لأن أبواب الجنة كانت مفتحة قبل مجيء أهلها، فالمعنى: حتى إذا جاؤوها وأبوابها مفتوحة، فالواو واو الحال، وجواب ﴿إِذَا﴾ على هذا محذوف، وأما أبواب النار فإنما فتحت حين جاؤوها، فوقع قوله: ﴿فُتِحَتْ﴾ جوابًا للشرط، فكان بغير واو.
стр. 2197
وقال الكوفيون: الواو في أبواب الجنة واو الثمانية؛ لأن أبواب الجنة ثمانية.
وقيل: الواو زائدة، و ﴿فُتِحَتْ﴾ هو الجواب.
﴿وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ﴾ يعني: أرض الجنة، والوراثة هنا: استعارةٌ؛ كأنهم ورثوا موضع (١) من لم يدخل الجنة.
﴿نَتَبَوَّأُ﴾ أي: ننزل من الجنة حيث نشاء ونتَّخذه مسكنًا.
﴿حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾ أي: مُحْدِقين به، دائرين حوله.
﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُم﴾ الضمير لجميع الخلق كالموضع الأول.
ويحتمل هنا أن يكون للملائكة.
والقضاء بينهم: توفية أجورهم على حسَب منازلهم.
﴿وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ يحتمل أن يكون القائل لذلك: الملائكة.
أو جميع الخلق.
أو أهل الجنة؛ لقوله: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠].
﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ﴾ ذكر في «الزمر» (١).
﴿ذِي الطَّولِ﴾ أي: ذي الفضل والإنعام.
وقيل: الطَّول: الغنى والسَّعة.
﴿فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ﴾ جعل ﴿فَلَا يَغْرُرْكَ﴾ بمعنى: لا يَحْزُنك، ففيه تسليةٌ للنبي ﷺ ، ووعيدٌ للكفار.
﴿وَالْأَحْزَابُ﴾ يراد به: عاد وثمود وغيرهم.
﴿لِيَأْخُذُوهُ﴾ أي: ليقتلوه.
﴿لِيُدْحِضُوا﴾ أي: يبطلوا به الحق.
﴿حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ أي: وجب قضاؤه.
﴿وَمَنْ حَوْلَهُ﴾ عطفٌ على ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ﴾.
﴿وَيُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ إن قيل: ما فائدة قوله: ﴿وَيُؤْمِنُونَ بِهِ﴾، ومعلوم أن حملة العرش ومن حوله مؤمنون بالله؟
فالجواب: أن ذلك إظهارٌ لفضيلة الإيمان وشرَفه، قال ذلك الزمخشري، وقال: إن فيه فائدةً أخرى وهي: أن معرفة حملة العرش بالله تعالى من طريق النظر والاستدلال كسائر الخلق، لا بالرؤية (٢).
وهذه نزعةٌ (٣) إلى مذهب المعتزلة في استحالة رؤية الله.
стр. 2200
﴿وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ أصل الكلام: وسعتْ رحمتُك وعلمُك كلَّ شيء، فالسعة في المعنى مسندةٌ إلى الرحمة والعلم، وإنما أُسندتا في اللفظ إلى الله تعالى؛ لقصد المبالغة في وصف الله تعالى بهما، كأن ذاته رحمةٌ وعلمٌ واسعان كلَّ شيء.
﴿وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ﴾ يَحتمل:
أن يكون المعنى: قِهِم السيئات نفسَها، بحيث لا يفعلونها.
أو يكون المعنى: قِهِم جزاء السيئات، فلا تؤاخذهم بها.
стр. 2201
[﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ (١٠) قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ (١١) ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ (١٢) هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ (١٣) فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (١٤) رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ (١٥) يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (١٦) الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٧) وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ (١٨) يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (١٩) وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (٢٠)﴾].
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنفُسَكُمْ﴾ المقت: البغض الذي يوجبه ذنب أو عيب.
وهذه الحال تكون للكفار عند دخولهم النار؛ فإنهم إذا دخلوها مقتوا أنفسهم، أي: مقت بعضهم بعضًا، ويحتمل أن يمقت كل واحد منهم نفسه، فتناديهم الملائكة وتقول لهم: مقت الله لكم في الدنيا على كفركم أكبر من مقتكم أنفسكم اليوم.
فقوله: ﴿لَمَقْتُ اللَّهِ﴾ مصدر مضاف إلى الفاعل، وحذف المفعول لدلالة مفعول ﴿مَقْتِكُمْ﴾ عليه.
وقوله: ﴿إِذْ تُدْعَوْنَ﴾ ظرف، العامل فيه: ﴿مَقْتُ الله﴾ من طريق
стр. 2202
المعنى، ويمتنع أن يعمل فيه من طريق قوانين النحو؛ لأن ﴿مَقْتُ اللَّهِ﴾ مصدرٌ؛ فلا يجوز أن يُفصل بينه وبين بعض صلته، فيُحتاج أن يقدَّر للظرف عامل، وعلى هذا أجاز بعضهم الوقف على قوله: ﴿أَنفُسَكُمْ﴾، والابتداء بالظرف، وهذا ضعيف؛ لأن المراعى المعنى.
وقد جعل الزمخشري ﴿مَقْتُ اللَّهِ﴾ عاملًا في الظرف، ولم يعتبر الفصل (١).
﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ هذه الآية كقوله: ﴿وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨]:
فالموتة الأولى: عبارةٌ عن كونهم عدمًا، أو كونهم في الأصلاب، أو في الأرحام، والموتة الثانية: الموت المعروف، والحياة الأولى: حياة الدنيا، والحياة الثانية: حياة البعث في القيامة.
وقيل: الحياة الأولى: حياة الدنيا، والثانية: الحياة في القبر، والموتة الأولى: الموت المعروف، والموتة الثانية: بعد حياة القبر، وهذا قول فاسد؛ لأنه لا بدَّ من الحياة للبعث فتجيءُ الحياة ثلاث مرات.
فإن قيل: كيف اتصال (٢) قولهم: ﴿أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ بما قبله؟
فالجواب: أنهم كانوا في الدنيا يكفرون بالبعث، فلما دخلوا النار مقتوا أنفسهم على ذلك، فأقروا به حينئذ؛ ليُرضوا الله بإقرارهم حينئذ، فقولهم: ﴿أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ إقرارٌ بالبعث على أكمل الوجوه؛ طمعًا منهم أن
стр. 2203
يخرجوا عن المقت الذي مقتهم الله؛ إذ كانوا يُدعون إلى الإيمان فيكفرون.
﴿فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا﴾ الفاء هنا رابطة معناها التَّسبيب.
فإن قيل: كيف يكون قولهم: ﴿أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ سببًا لاعترافهم بالذنوب؟
فالجواب: أنهم كانوا كافرين بالبعث، فلما رأوا الإماتة والإحياء قد تكرَّرا عليهم علموا أن الله قادرٌ على البعث فاعترفوا بذنوبهم، وهي إنكار البعث وما أوجب لهم إنكاره من المعاصي، فإن مَنْ لا يؤمن بالآخرة لا يبالي بالوقوع في المعاصي.
﴿ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ﴾ الباء: سببية للتعليل.
والإشارة بـ ﴿ذَلِكُم﴾ تحتمل أن تكون:
إلى العذاب الذي هم فيه.
أو إلى مقت الله لهم.
أو مقتهم لأنفسهم.
والأحسن: أن تكون إشارةً إلى ما يقتضيه سياق الكلام، وذلك أنهم لما قالوا: ﴿فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ﴾ كأنهم قيل لهم: «لا سبيل إلى الخروج»، فالإشارة بقوله: ﴿ذَلِكُم﴾ إلى عدم خروجهم من النار.
﴿يُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾ يعني: العلامات الدالة عليه؛ من مخلوقاته ومعجزات رسله.
﴿وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا﴾ يعني: المطر.
стр. 2204
﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ﴾ يحتمل أن يكون المعنى:
مرتفع الدرجات، فيكون بمعنى العليّ (١).
أو رافع درجات عباده في الجنة (٢) وفي الدنيا.
﴿يُلْقِي الرُّوحَ﴾ يعني: الوحيَ.
﴿مِنْ أَمْرِهِ﴾ يحتمل أن يريد:
الأمر الذي هو واحد الأمور.
أو الأمر بالخير.
فعلى الأول: تكون ﴿مِنْ﴾ للتبعيض، أو لابتداء الغاية.
وعلى الثاني: تكون لابتداء الغاية، أو بمعنى الباء.
﴿يَوْمَ التَّلَاقِ﴾ يعني: يوم القيامة.
وسمّي بذلك؛ لأن الخلائق يلتقون فيه.
وقيل: لأنه يلتقي فيه أهل السماء وأهل الأرض.
وقيل: لأنه يلتقي الخلق (٣) مع ربهم.
والفاعل بـ ﴿لِيُنْذِرَ﴾: ضمير يعود على ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾، أو على ﴿الرُّوحَ﴾، أو على الله.
стр. 2205
﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ هذا من كلام الله تعالى؛ تقريرًا للخلق يوم القيامة؛ فيجيبونه ويقولون: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾.
وقيل: بل هو الذي يجيب نفسه؛ لأن الخلق يسكتون هيبةً له.
وقيل: إن القائل ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾: مَلَكٌ.
﴿يَوْمَ الْآزِفَةِ﴾ يعني: القيامة، ومعناه: القريبة.
﴿إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ﴾ معناه: أن القلوب قد صَعِدَت من الصدور (١)؛ لشدَّة الخوف حتى بلغت إلى الحناجر، فيحتمل أن يكون ذلك:
حقيقةً.
أو مجازًا عبَّر به عن شدَّة الخوف.
والحناجر: جمع حَنْجَرة، وهي الحلق.
﴿كَاظِمِينَ﴾ أي: محزونين حُزْنًا شديدًا كقوله: ﴿فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [يوسف: ٨٤].
وقيل: معناه يكظمون حزنهم؛ أي: يطمعون أن يخفوه، والحال تغلبهم.
وانتصابه على الحال:
من أصحاب القلوب؛ لأن معناه: قلوب الناس.
أو من المفعول في ﴿وَأَنذِرْهُمْ﴾.
стр. 2206
أو من ﴿الْقُلُوبُ﴾، وجمعها جمع المذكر؛ لما وصفها بالكظم الذي هو من أفعال العقلاء.
﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ﴾ أي: صديق مشفق.
﴿وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ يحتمل أن يكون:
نفى الشفاعة وطاعة الشفيع.
أو نفَى طاعة خاصة، كقولك: «ما جاءني رجل صالح» فنفيت الصلاح، وإن كان قد جاءك رجل غير صالح.
والأول أحسن؛ لأن الكفار ليس لهم مَنْ يشفع (١) فيهم.
﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ﴾ أي: استراق النظر.
والخائنة:
مصدرٌ بمعنى الخيانة.
أو وصفٌ للنظرة.
وهذا الكلام متصل بما تقدّم من ذكر الله، واعترض في أثناء ذلك بوصف القيامة لما استطرد إليه من قوله: ﴿لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ﴾.
стр. 2207
[﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (٢١) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢٢) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٢٣) إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٢٤) فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (٢٥) وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ (٢٦) وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ (٢٧)﴾].
﴿وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ أي: حجة ظاهرة، وهي المعجزات.
﴿قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ هذا القتل غير القتل الذي كانوا يقتلون أولًا قبل ميلاد موسى.
﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ﴾ المعنى: أنه لا يبالي بدعاء موسى لربه، ولا يخاف من ذلك إن قتله.
ويظهر من قوله: ﴿ذَرُونِي﴾ أنه كان في الناس من ينازعه في قتل موسى، وذلك يدلُّ على أنَّ فرعون كان قد اضطرب أمره بظهور معجزات موسى.
﴿وَأَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ يعني: فساد أحوالهم في الدنيا.
وقرئ ﴿وَأَنْ يُظْهِرَ﴾:
بالواو فقط، وبـ ﴿أَوْ﴾.
стр. 2208
و ﴿يُظْهِرَ﴾:
[أـ] بفتح الياء، ورفع ﴿الْفَسَادُ﴾ على الفاعلية.
[بـ] وبضم الياء، ونصب ﴿الْفَسَادَ﴾ على المفعولية.
﴿وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ﴾ الآية؛ لما سمع موسى ما همَّ به فرعون من قتله، استعاذ بالله فعصمه الله منه.
وقال: ﴿مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ﴾ ليشمل فرعون وغيره، وليكون فيه وصف لفرعون بذلك الوصف القبيح.
وقيل: كان من بني إسرائيل، فقوله: ﴿مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ على هذا يتعلَّق بقوله: ﴿يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾.
والأول أرجح؛ لأنه لا يُحتاج فيه إلى تقديم وتأخير، ولقوله: ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ﴾ لأن هذا كلام قريب شفيق، ولأن بني إسرائيل حينئذ كانوا أذلاء، بحيث لا يتكلم أحد منهم بمثل ذلك الكلام.
﴿أَنْ يَقُولَ﴾ في موضع المفعول من أجله، تقديره: أتقتلونه من أجل أن يقول ربي الله.
﴿وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ﴾ أي: إن كان موسى كاذبًا في دعوى الرسالة فلا يضركم كذبه، فلأي شيء تقتلونه؟.
فإن قيل: كيف قال: ﴿وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا﴾ بعد أن كان قد آمن به؟
فالجواب: أنه لم يقل ذلك على وجه التَّكذيب له، وإنما قاله على وجه الفرض والتقدير، وقصد بذلك المحاجَّة لقومه، فقسَّم أمرَ موسى إلى قسمين؛ ليقيم عليهم الحجة في ترك قتله على كل وجهٍ من القسمين.
﴿وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ قيل: إن ﴿بَعْضُ﴾ هنا بمعنى: «كل»، وذلك بعيد.
وإنما قال ﴿بَعْضُ﴾ ولم يقل «كل» مع أن الذي يصيبهم هو كل ما يعدهم؛ ليلاطفهم في الكلام، ويَبْعُدَ عن التَّعصُّب لموسى، ويُظهِرَ النصيحة لقومه، فيرتجي إجابتهم للحق.
﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ﴾ هو المؤمن المذكور أوَّلًا.