← Тафсир

Тафсир · id 30186

تفسير ابن جزي التسهيل لعلوم التنزيل - ط طيبة الخضراء

ابن جزي الكلبي

Полный текст (3 030 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.

стр. 2206

أو من ﴿الْقُلُوبُ﴾، وجمعها جمع المذكر؛ لما وصفها بالكظم الذي هو من أفعال العقلاء. ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ﴾ أي: صديق مشفق. ﴿وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ يحتمل أن يكون: نفى الشفاعة وطاعة الشفيع. أو نفَى طاعة خاصة، كقولك: «ما جاءني رجل صالح» فنفيت الصلاح، وإن كان قد جاءك رجل غير صالح. والأول أحسن؛ لأن الكفار ليس لهم مَنْ يشفع (١) فيهم. ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ﴾ أي: استراق النظر. والخائنة: مصدرٌ بمعنى الخيانة. أو وصفٌ للنظرة. وهذا الكلام متصل بما تقدّم من ذكر الله، واعترض في أثناء ذلك بوصف القيامة لما استطرد إليه من قوله: ﴿لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ﴾.

стр. 2207

[﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (٢١) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢٢) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٢٣) إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٢٤) فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (٢٥) وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ (٢٦) وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ (٢٧)﴾]. ﴿وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ أي: حجة ظاهرة، وهي المعجزات. ﴿قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ هذا القتل غير القتل الذي كانوا يقتلون أولًا قبل ميلاد موسى. ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ﴾ المعنى: أنه لا يبالي بدعاء موسى لربه، ولا يخاف من ذلك إن قتله. ويظهر من قوله: ﴿ذَرُونِي﴾ أنه كان في الناس من ينازعه في قتل موسى، وذلك يدلُّ على أنَّ فرعون كان قد اضطرب أمره بظهور معجزات موسى. ﴿وَأَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ يعني: فساد أحوالهم في الدنيا. وقرئ ﴿وَأَنْ يُظْهِرَ﴾: بالواو فقط، وبـ ﴿أَوْ﴾.

стр. 2208

و ﴿يُظْهِرَ﴾: [أـ] بفتح الياء، ورفع ﴿الْفَسَادُ﴾ على الفاعلية. [بـ] وبضم الياء، ونصب ﴿الْفَسَادَ﴾ على المفعولية. ﴿وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ﴾ الآية؛ لما سمع موسى ما همَّ به فرعون من قتله، استعاذ بالله فعصمه الله منه. وقال: ﴿مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ﴾ ليشمل فرعون وغيره، وليكون فيه وصف لفرعون بذلك الوصف القبيح.

стр. 2209

[﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ (٢٨) يَاقَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ (٢٩) وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَاقَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ (٣٠) مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ (٣١) وَيَاقَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ (٣٢) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٣) وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ (٣٤) الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ (٣٥) وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ (٣٧)﴾]. ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ قيل: إن اسم هذا المؤمن حبيب. وقيل: حِزْقِيل. وقيل: شمعان بالشين المعجمة. وروي أن هذا المؤمن كان ابن عم فرعون، فقوله: ﴿مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ صفة للمؤمن.

стр. 2210

وقيل: كان من بني إسرائيل، فقوله: ﴿مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ على هذا يتعلَّق بقوله: ﴿يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾. والأول أرجح؛ لأنه لا يُحتاج فيه إلى تقديم وتأخير، ولقوله: ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ﴾ لأن هذا كلام قريب شفيق، ولأن بني إسرائيل حينئذ كانوا أذلاء، بحيث لا يتكلم أحد منهم بمثل ذلك الكلام. ﴿أَنْ يَقُولَ﴾ في موضع المفعول من أجله، تقديره: أتقتلونه من أجل أن يقول ربي الله. ﴿وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ﴾ أي: إن كان موسى كاذبًا في دعوى الرسالة فلا يضركم كذبه، فلأي شيء تقتلونه؟. فإن قيل: كيف قال: ﴿وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا﴾ بعد أن كان قد آمن به؟ فالجواب: أنه لم يقل ذلك على وجه التَّكذيب له، وإنما قاله على وجه الفرض والتقدير، وقصد بذلك المحاجَّة لقومه، فقسَّم أمرَ موسى إلى قسمين؛ ليقيم عليهم الحجة في ترك قتله على كل وجهٍ من القسمين. ﴿وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ قيل: إن ﴿بَعْضُ﴾ هنا بمعنى: «كل»، وذلك بعيد. وإنما قال ﴿بَعْضُ﴾ ولم يقل «كل» مع أن الذي يصيبهم هو كل ما يعدهم؛ ليلاطفهم في الكلام، ويَبْعُدَ عن التَّعصُّب لموسى، ويُظهِرَ النصيحة لقومه، فيرتجي إجابتهم للحق. ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ﴾ هو المؤمن المذكور أوَّلًا.

стр. 2211

وقيل: هو موسى ﵇، وهذا بعيد، وإنما توهموا ذلك لأنه صرَّح هنا بالإيمان، وكان كلام المؤمن أوَّلًا غير صريح؛ بل كان فيه تورية وملاطفة لقومه؛ إذ كان يكتم إيمانه. والجواب: أنه كتم إيمانه في أول الأمر، ثم صرَّح به بعد ذلك، وجاهرهم مجاهرة ظاهرة؛ لما وثق بالله حسبما حكى الله من كلامه إلى قوله: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ﴾. ﴿يَوْمَ التَّنَادِ﴾ يعني: يوم القيامة، وسمِّي بذلك لأن المنادي ينادي الناس، وذلك قوله: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ﴾ [الإسراء: ٧١]. وقيل: لأن بعضهم ينادي بعضًا؛ أي ينادي أهل الجنة: ﴿قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا﴾ [الأعراف: ٤٤] وينادي أهل النار: ﴿أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ﴾ [الأعراف: ٥٠]. ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ أي: منطلقين إلى النار. وقيل: هاربين من النار. ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ هو يوسف بن يعقوب. وقيل: هو يوسف بن إبراهيم بن يوسف بن يعقوب. والبينات التي جاء بها يوسف: لم تعيَّن لنا. واختلف هل أدركه فرعون موسى أو فرعون آخر قبله؟؛ لأن كل من ملك مصر يقال له: «فرعون». ﴿قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا﴾ كلام هذا لا يدل على أنهم مؤمنون

стр. 2212

برسالة يوسف، وإنما مرادهم: لن يأتيَ أحدٌ يدَّعي الرسالة بعد يوسف، قاله ابن عطية (١). وقال الزمخشري: إنما هو تكذيبٌ لرسالة مَنْ بعده مضمومٌ إلى تكذيب رسالته (٢). ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ﴾ بدلٌ من ﴿مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ﴾، وإنما جاز إبدال الجمع من المفرد؛ لأنه في معنى الجمع، كأنه قال: كلُّ مسرفٍ. ﴿كَبُرَ مَقْتًا﴾ فاعل ﴿كَبُرَ﴾: مصدرُ ﴿يُجَادِلُونَ﴾ (٣). وقال الزمخشري: الفاعل ضمير ﴿مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ﴾ (٤). ﴿الْأَسْبَابَ﴾ هنا: الطريق. وقيل: الأبواب. وكرَّرها؛ للتفخيم وللبيان. ﴿فَأَطَّلِعُ﴾ بالرفع: عطفٌ على ﴿أَبْلُغُ﴾. وبالنصب: بإضمار «أنْ» في جواب ﴿لَعَلِّي﴾؛ لأن الترجي غيرُ واجب، فهو كالتمني في انتصاب جوابه، ولا نقول: إن «لعل» أُشْرِبت معنى «ليت» كما قال بعض النحاة.

стр. 2213

﴿تَبَابٍ﴾ أي: خسران. [﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ (٣٨) يَاقَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ (٣٩) مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ (٤٠) وَيَاقَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ (٤١) تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ (٤٢) لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ (٤٣) فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (٤٤) فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (٤٥) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦) وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ (٤٧) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ (٤٨) وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ (٤٩) قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (٥٠)﴾]. ﴿مَتَاعٌ﴾ أي: يُتَمَتَّعُ به قليلًا. فإن قيل: لم كرَّر المؤمن نداء قومه مرارًا؟ فالجواب: أن ذلك لقصد التنبيه لهم، وإظهار الملاطفة والنصيحة. فإن قيل: لم جاء بالواو في قوله: ﴿وَيَاقَوْمِ﴾ في الثالث دون الثاني؟

стр. 2214

فالجواب: أن الثاني بيانٌ للأول وتفسير، فلم يصحَّ عطفه عليه، بخلاف الثالث، فإنه كلام آخر فصحَّ عطفه. ﴿مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ أي: ليس لي علم بربوبيته، والمراد بنفي العلم: نفي المعلوم، كأنه قال: «وأشرك به ما ليس بإله»، وإذا لم يكن إلهًا لم يصحَّ علمُ ربوبيته. ﴿لَا جَرَمَ﴾ أي: لا بدَّ، ولا شكَّ. ﴿لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ﴾ قال ابن عطية: المعنى: ليس له قدرٌ ولا حقٌّ يجب أن يُدْعَى إليه أحدٌ، كأنه قال: تدعونني إلى عبادة ما لا خطر له في الدنيا ولا في الآخرة (١). ويحتمل اللفظ أن يكون معناه: ليس له دعوة قائمة، أي: لا يُدْعَى أحدٌ (٢) إلى عبادته. ﴿فَوَقَاهُ اللهُ سَيِّئاتِ مَا مَكَرُوا﴾ دليلٌ على أن مَنْ فوَّض أمره إلى الله كان الله معه. ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا﴾ ﴿النَّارُ﴾ بدلٌ من ﴿سُوءُ الْعَذَابِ﴾. أو مبتدأ. أو خبر مبتدإ مضمر. وعَرْضُهم عليها: من حين موتهم إلى يوم القيامة، وذلك مدَّة البرزخ،

стр. 2215

بدليل قوله: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾. واستدلَّ أهلُ السنة بذلك على صحة ما ورد من عذاب القبر. وروي أن أرواحهم في أجواف طيرٍ سود تروح بهم (١) وتغدو إلى النار. ﴿غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ قيل: معناه: في كل غُدوَةٍ وعشيَّةٍ من أيام الدنيا. وقيل: المعنى: على تقدير ما بين الغدوة والعشية؛ لأن الآخرة لا غدوة فيها ولا عشية. ﴿لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ﴾ إن قيل: هلَّا قال: «الذين في النار لخزنتها»؟ فلم صرَّح باسمها؟ فالجواب: أن في ذكر جهنم تهويلًا ليس في ذكر الضمير. ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ يحتمل أن يكون: من كلام خزنة جهنَّم، فيكون متَّصلًا بقولهم: ﴿فَادْعُوا﴾. أو أن يكون من كلام الله تعالى استئنافًا.

стр. 2216

[﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٥٢) وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ (٥٣) هُدًى وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (٥٤) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (٥٥) إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (٥٦) لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٥٧) وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ (٥٨) إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (٥٩) وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾]. ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا﴾ قيل: إن هذا خاصٌّ فيمن أظهره الله على الكفار، وليس بعامٍّ؛ لأن مَنْ الأنبياء مَنْ قتله قومه كزكرياء ويحيى. والصحيح أنه عامٌّ، والجواب عما ذكروه: أن زكرياء ويحيى لم يكونا من الرسل، وإنما كانا من الأنبياء الذي ليسوا بمرسلين، وإنما ضَمِنَ الله نصر الرسل خاصةً، لا نصر الأنبياء كلهم. ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ يعني: يوم القيامة. و ﴿الْأَشْهَادُ﴾ جمع شاهد، أو شهيد. ويحتمل أن يكون بمعنى: الحضور.

стр. 2217

أو الشهادة على الناس. أو الشهادة في سبيل الله. والأظهر: أنه بمعنى الشهادة على الناس؛ لقوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ [النساء: ٤١]. ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾ يحتمل: أنهم لا يعتذرون. أو يعتذرون، ولكن لا تنفعهم معذرتُهم. والأول أرجح؛ لقوله: ﴿وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٦] فنفى الاعتذار والانتفاع به. ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ يعني: وعده لمحمد ﷺ بالنصر والظهور على أعدائه. ﴿بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ قيل: العشيُّ: صلاة العصر، والإبكارُ: صلاة الصبح. وقيل: العشي: بعد العصر إلى الغروب، والإبكار: من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ﴾ يعني: كفار قريش. ﴿إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ﴾ أي: تكبُّرٌ وتعاظمٌ يمنعهم مِنْ أن يَتَّبعوك أو ينقادوا إليك. وقيل: كِبْرُهم: أنهم أرادوا النبوة لأنفسهم، ورأوا أنهم أحقُّ بها.

стр. 2218

والأول أظهر؛ لأن إرادتهم النبوة لأنفسهم حسدٌ، والأول هو الكِبْرُ. ﴿مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾ أي: لا يبلغون ما يقتضيه كِبْرُهم من الظهور عليك، أو من نيل النبوة. ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ أي: استعذ من شرّهم؛ لأنهم أعداءٌ لك. أو استعذ من مثل حالهم في الكبر والحسد. أو استعذ بالله في جميع أمورك على الإطلاق. ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ الخلق هنا: مصدر مضاف إلى المفعول. والمراد بهذا (١): الاستدلال على البعث؛ لأن الإله الذي خلق السموات والأرض على كِبَرِها قادرٌ على إعادة الأجسام بعد فنائها. وقيل: المراد: توبيخ الكفار المتكبّرين، كأنه قال: خلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس، فما بال هؤلاء يتكبّرون على خالقهم وهم من أصغر مخلوقاته وأحقرهم؟. والأول أرجح؛ لوروده في مواضع من القرآن، ولأنه قال بعده: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾ فقدَّم الدليل، ثم ذكر المدلول. ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ الدعاء هنا: هو الطلب والرغبة، وهذا وعدٌ مقيَّد بالمشيئة، وهي موافقة القدر لمن أراد الله أن يستجيب له.

стр. 2219

وقيل: ﴿ادْعُونِي﴾ هنا: بمعنى اعبدوني؛ بدليل قوله بعده: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾، وقوله ﷺ : «الدعاء هو العبادة» ثم تلا الآية (١)، و ﴿أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ على هذا القول بمعنى: أغفر لكم وأعطيكم أجوركم. والأول أظهر، ويكون قوله: ﴿يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ بمعنى: يستكبرون عن الرغبة إليَّ، كما قال ﷺ : «من لم يسأل الله يغضب عليه» (٢). وأما قوله ﷺ : «الدعاء هو العبادة» فمعناه: أن الدعاء والرغبة إلى الله هي العبادة؛ لأن الدعاء يظهر فيه افتقارُ العبد وتضرُّعه إلى الله. ﴿دَاخِرِينَ﴾ أي: صاغرين.

стр. 2220

[﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٦١) ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٦٢) كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٦٣) اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٦٤) هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥) قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٦) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٦٧) هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٦٨)﴾]. ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ ذكر في «يونس» (١). ﴿وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ يعني: المستلذَّات؛ لأنه إذا جاء ذكر الطيبات في معرض الإنعام فيراد به المستلذات، وإذا جاء في معرض التحليل والتحريم فيراد به الحلال. ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ هذا متصلٌ بما قبله، قال ذلك ابن عطية (٢) والزمخشري (٣)، وتقديره: ادعوه مخلصين قائلين: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.

стр. 2221

﴿الْعَالَمِينَ﴾، ولذلك قال ابن عباس: من قال: «لا إله إلا الله» فليقل: «الحمد لله رب العالمين». ويحتمل أن يكون ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ استئنافًا. ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ أراد الجنس، ولذلك أفرد لفظه مع أن الخطاب لجماعة. ﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ﴾ ذُكر الأشدُّ في سورة «يوسف» (١) ﵇. واللام تتعلق بفعل محذوف تقديره: ثم يبقيكم لتبلغوا. وكذلك ﴿لِتَكُونُوا﴾. وأما ﴿وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى﴾ فمتعلّقٌ بمحذوف آخر تقديره: فعل ذلك بكم لتبلغوا أجلًا مسمى، وهو الموت، أو يوم القيامة.

стр. 2222

[﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ (٦٩) الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٧٠) إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ (٧١) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ (٧٢) ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٧٣) مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ (٧٤) ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ (٧٥) ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٧٦) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (٧٧) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ (٧٨)﴾]. ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ﴾ يعني: كفار قريش. وقيل: هم أهل الأهواء، كالقدرية وغيرهم، وهذا مردود بقوله: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ﴾، إلَّا إن جعلته منقطعًا مما قبله، وذلك بعيد. ﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾ العامل في ﴿إِذِ﴾: ﴿يَعْلَمُونَ﴾. وجعل الظرف الماضي موضع المستقبل؛ لتحقق الأمر. ﴿يُسْحَبُونَ (٧١) فِي الْحَمِيمِ﴾ أي: يُجرُّون، والحميم: الماء الشديد الحرارة. ﴿ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ هذا من قولك: سجرتُ التَّنُّور: إذا ملأته بالنار، فالمعنى: أنهم يدخلون فيها كما يدخل الحطب في التنور، ولذلك قال مجاهد في تفسيره: توقد بهم النار. ﴿تَمْرَحُونَ﴾ من المَرَح، وهو الأشر والبطر.

стр. 2223

وقيل: الفخر والخيلاء. ﴿فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ إن قيل: قياس النظم أن يقول: «بئس مدخل الكافرين»؛ لأنه تقدَّم قوله: ﴿ادْخُلُوا﴾؟. فالجواب: أن الدخول المؤقت بالخلود في معنى الثَّواء. ﴿فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ أصل ﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ﴾: «إِنْ نُرِك» (١) ودخلت «ما» الزائدة بعد «إِنْ» الشرطية. وجواب الشرط محذوف، تقديره: إن أرِيناك بعض الذي نعدهم من العذاب قرَّت عينك بذلك، وإن توفيناك قبل ذلك فإلينا يرجعون، فننتقم منهم أشدَّ الانتقام. ﴿مِنْهُم مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ﴾ روي عن النبي ﷺ : «أن الله تعالى بعث ثمانية آلاف رسول» (٢)، وفي حديث آخر: «أربعة آلاف» (٣)، وفي حديث أبي ذر: «إن الأنبياء مئة ألف وأربعة وعشرون ألفًا، وأن الرسل منهم ثلاث مئة وثلاثة عشر» (٤)؛ فذكر الله بعضهم في القرآن، فهم الذين قصَّ عليه، ولم يذكر سائرهم فهم الذين لم يقصص عليه.

стр. 2224

﴿فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ﴾ قال الزمخشري: أمر الله: القيامة (١). وقال ابن عطية: المعنى: إذا أراد الله إرسال رسول قضى ذلك (٢). ويحتمل أن يريد بأمر الله: إهلاك المكذبين للرسل لقوله: ﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ﴾. ﴿هُنَالِكَ﴾ في الموضعين: يراد به الوقت والزمان، وأصله ظرف مكان ثم وضع موضع ظرف الزمان.

стр. 2225

[﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٧٩) وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٨٠) وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ (٨١) أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨٢) فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٨٣) فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ (٨٥)﴾]. ﴿الْأَنْعَامَ﴾ هي الإبل والبقر والضأن والمعز. فقوله: ﴿لِتَرْكَبُوا مِنْهَا﴾ يعني: الإبل، ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ يعني: اللحوم، والمنافع: اللبن والصوف وغير ذلك، ﴿وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً﴾ يعني: قَطْعَ المسافات البعيدة، وحَمْل الأثقال على الإبل. و ﴿تُحْمَلُونَ﴾ يريد: الركوب عليها، وإنما كرَّره بعد قوله: ﴿لِتَرْكَبُوا﴾ ﴿مِنْهَا﴾؛ لأنه أراد بالركوب الأول: المتعارف في القرى والبلدان، وبالحمل عليها: الأسفار البعيدة، قاله ابن عطية (١). ﴿وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾ هذا عمومٌ بعد ما قدَّم من الآيات المخصوصة، ولذلك وبَّخهم بقوله: ﴿فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ﴾. ﴿فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾، الضمير يعود على الأمم المكذبين (٢)،

стр. 2226

وفي تفسير عِلْمِهم وجوهٌ: أحدها: أنه ما كانوا يعتقدون من أنهم لا يبعثون ولا يحاسبون. والثاني: أنه علمهم بمنافع الدنيا ووجوه كسبها. والثالث: أنه علم الفلاسفة الذين يحتقرون علوم الشرائع. وقيل: الضمير يعود على الرسل؛ أي: فرحوا بما أعطاهم الله من العلم وشرائعه، أو بما عندهم من العلم بأن الله ينصرهم على من كذبهم. وأما الضمير في: ﴿وَحَاقَ بِهِمْ﴾ فيعود على الكفار باتفاق، ولذلك ترجَّح (١) أن يكون الضمير في ﴿فَرِحُوا﴾ يعود عليهم؛ ليتَّسق الكلام. ﴿سُنَّتَ اللَّهِ﴾ نصبٌ على المصدرية.

стр. 2227

(سورة حم السجدة) [﴿حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣) بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (٤) وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ (٥) قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (٧) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٨)﴾]. ﴿فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ أي: بُيِّنت. وقيل: قُطِّعت إلى سورٍ وآيات. ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ منصوبٌ بفعلٍ مضمر على التَّخصيص. أو حالٌ. أو مصدرٌ. ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ معناه: يعلمون الأشياء ويعقلون الدلائل إذا نظروا فيها، وذلك هو العلم الذي يوجب التكليف. وقيل: معناه: يعلمون الحق، وهو الإيمان. فالأول عام، وهذا خاصّ، والأول أولى؛ لقوله: ﴿فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ﴾؛

стр. 2228

لأن الإعراض ليس من صفة المؤمنين. وقيل: يعلمون لسان العرب فيفهمون القرآن؛ إذ هو بلغتهم. وقوله: ﴿لِقَوْمٍ﴾ يتعلق: بـ ﴿تَنْزِيلٌ﴾، أو بـ ﴿فُصِّلَتْ﴾. والأحسن أن يكون صفة لـ ﴿كِتَابٌ﴾. ﴿فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ أي: لا يقبلون ولا يطيعون، وعبر عن ذلك بعدم السماع على وجه المبالغة. ﴿فِي أَكِنَّةٍ﴾ جمع كِنانٍ، وهو الغطاء. ﴿وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ عبارة عن بُعدهم عن الإسلام. ﴿فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ﴾ قيل: معناه: اعمل على دينك؛ إننا عاملون على ديننا، فهو مُتاركة. وقيل: اعمل في إبطال أمرنا؛ إننا عاملون في إبطال أمرك، فهو تهديد. ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ هي زكاة المال، وإنما خصَّها بالذكر؛ لصعوبتها على الناس، ولأنها من أركان الإسلام. وقيل: يعني بالزكاة: التوحيدَ، وهذا بعيدٌ، وإنما حمله على ذلك أن الآيةَ مكيةٌ، ولم تُفرض الزكاة إلّا بالمدينة. والجواب: أن المراد: النفقة في طاعة الله مطلقًا، وقد كانت مأمورًا بها بمكة. ﴿أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ أي: غير مقطوع، من قولك: مننتُ الحبل: إذا قطعتُه.

стр. 2229

وقيل: غير منقوص. وقيل: غير محصور. وقيل: لا يُمَنُّ عليهم به؛ لأن المَنَّ يُكدِّر الإحسان.

стр. 2230

[﴿قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (١٠) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (١٢) فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (١٣) إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (١٤) فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (١٥) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ (١٦) وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٧) وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (١٨)﴾]. ﴿أَنْدَادًا﴾ أي: أمثالًا وأشباهًا من الأصنام وغيرها. ﴿رَوَاسِيَ﴾ يعني: الجبال. ﴿وَبَارَكَ فِيهَا﴾ أكثر خيراتها. ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾ أي: أرزاق أهلها ومعايشهم (١). وقيل: يعني: أقوات الأرض من المعادن وغيرها من الأشياء التي بها قوام الأرض. والأول أظهر.

стр. 2231

﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾ يريد: أن الأربعة كُملت باليومين الأولين، فخلق الأرض في يومين، وجعل فيها ما ذكر في يومين، فتلك أربعة أيام، وخلق السموات في يومين فتلك ستة أيام، حسبما ذكر في مواضع كثيرة من القرآن، ولو كانت هذه الأربعةُ الأيام زيادة (١) على اليومين المذكورين قبلها لكانت الجملة ثمانية أيام، بخلاف ما ذكر في المواضع الكثيرة. ﴿سَوَاءً﴾ بالنصب: مصدرٌ، تقديره: استوت استواءً. قاله الزمخشري (٢). وقال ابن عطية: انتصب على الحال (٣). ﴿لِلسَّائِلِينَ﴾ قيل: معناه: لمن سأل عن أمرها. وقيل: معناه: للطالبين لها، ويعني بالطلب على هذا: حاجةُ الخلق إليها. وحرف الجر: يتعلَّق بمحذوف على القول الأول، تقديره: يبين ذلك لمن سأل عنه. ويتعلَّق بـ ﴿وَقَدَّرَ﴾ على القول الثاني. ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ أي: قصد إليها. ويقتضي هذا الترتيب: أن الأرض خُلقت قبل السماء. فإن قيل: كيف الجمع بين هذا وبين قوله: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠)﴾ [النازعات: ٣٠]؟

стр. 2232

فالجواب: أنها خُلقت قبل السماء، ثم دُحِيت بعد ذلك. ﴿وَهِيَ دُخَانٌ﴾ روي: أنه كان العرش على الماء، فأخرج اللهُ من الماء دخانًا، فارتفع فوق الماء، فأيبس الماءَ فصار أرضًا، ثم خلق السماء من الدخان المرتفع. ﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ هذه عبارةٌ عن لزوم طاعتهما، كما يقول الملك لمن تحت يده: «افعل كذا شئتَ أو أبيت»، أي: لا بدَّ لك من فعله. وقيل: تقديره: ائتيا طوعًا وإلَّا أتيتما كرهًا. ومعنى هذا الإتيان: تصوُّرُهما على الكيفية التي أرادها الله. وقوله لهما: ﴿ائْتِيَا﴾ مجازٌ، وهو عبارةٌ عن تكوينه لهما. وكذلك قولهما: ﴿أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ عبارةٌ عن أنهما لم تمتنعا (١) عليه حين أراد تكوينهما. وقيل: بل ذلك كلامٌ حقيقةٌ، وأنطق الله الأرض والسماء بقولهما: ﴿أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾. وإنما جَمع ﴿طَائِعِينَ﴾ جمع العقلاء؛ لوصفهما بأوصاف العقلاء. ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ أي: صنعهنَّ، والضمير للسموات السبع، وانتصابها على التمييز؛ تفسيرًا للضمير.

стр. 2233

وأعاد عليها هنا ضمير الجماعة المؤنثة؛ لأنها لا تعقل، فهو كقولك: «الجذوعُ انكَسَرْنَ». وجمعهما جمع المذكَّر العاقل في قوله: ﴿طَائِعِينَ﴾؛ لأنه وصفها (١) بالطَّوع، وهو فعل العقلاء، فعاملها (٢) معاملتهم، فهو كقوله: ﴿رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤]. وأعاد ضمير التثنية في قوله: ﴿قَالَتَا﴾؛ لأنه جعل الأرض فرقةً والسماء أخرى (٣). ﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ أي: أوحى إلى سُكَّانها من الملائكة، وإليها هي نفسها (٤) ما شاء من الأمور، التي بها قوامها وصلاحها. وأضاف الأمر إليها؛ لأنه فيها. ﴿وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ يعني: الشمس والقمر والنجوم، وهي زينةٌ للسماء الدنيا، سواء كانت فيها أو فيما فوقها من السموات. ﴿وَحِفْظًا﴾ تقديره: وحفظناها حفظًا. ويجوز أن يكون مفعولًا من أجله على المعنى، كأنه قال: وخلقنا المصابيح زينةً وحفظًا.

стр. 2234

﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا﴾ الضمير لقريش. ﴿صَاعِقَةً﴾ يعني: وَقْعةً وأَخْذَةً (١) شديدة، وهي مستعارةٌ من صاعقة النار. وقرئ ﴿صَعْقَةً﴾ بإسكان العين، وهي الوَقْعة، من قولك: صَعِقَ الرجلُ. ﴿إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ معنى ما بين الأيدي: المتقدّم، ومعنى ما خلف: المتأخّر. فمعنى الآية: أن الرسل جاؤوهم في الزمان المتقدّم، واتَّصلت نذارتهم إلى زمان عاد وثمود، حتى قامت عليهم الحجة، فذلك ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾، ثم جاءتهم رسلٌ آخرون عند اكتمال أعمارهم، فذلك ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾، قاله ابن عطية (٢). وقال الزمخشري: معناه: أتوهم من كل جانب، فهو عبارةٌ عن اجتهادهم في التبليغ إليهم (٣). وقيل: أخبروهم بما أصاب مَنْ قبلهم، فذلك ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾، وأنذروهم ما يجري عليهم في الزمان المستقبل وفي الآخرة فذلك ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾. ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾ «أَنْ»: حرفُ عبارةٍ وتفسير.

стр. 2235

أو مصدريةٌ، على تقدير: بأن لا تعبدوا إلَّا الله. ﴿فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ ليس فيه اعتراف الكفار بالرسالة، وإنما معناه: بما أرسلتم على قولكم ودعواكم، وفيه تهكُّمٌ. ﴿رِيحًا صَرْصَرًا﴾ قيل: إنه من الصَّرِّ وهو شدة البرد، فمعناه: باردةٌ. وقيل: إنه من قولك: صَرَّ يَصِرُّ: إذا صوَّت، فمعناه: لها صوت هائل. ﴿فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾ معناه: مِنْ النَّحْس، وهو ضد السَّعْد. وقيل: شديدة البرد. وقيل: متتابعةٌ. والأول أرجح. وروي أنها كانت آخر شوال من الأربعاء إلى الأربعاء. وقرئ ﴿نَحِسَاتٍ﴾ بإسكان الحاء وكسرها: فأما الكسر: فجمع نَحِسٍ، وهو صفة. وأما الإسكان: فتخفيف من الكسر، أو صفةٌ على وزن فَعْلٍ، أو وصفٌ بالمصدر. ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ أي: بيَّنا لهم، فهو بمعنى البيان، لا بمعنى الإرشاد.

стр. 2236

[﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٩) حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٠) وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢١) وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢٢) وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣) فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ (٢٤) وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (٢٥)﴾]. ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ أي: يُدْفَعون بعنفٍ. ﴿وَجُلُودُهُمْ﴾ يعني: الجلود المعروفة. وقيل: هي كنايةٌ عن الفروج. والأول أظهر. ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ﴾ الآية؛ يحتمل أن يكون: من كلام الجلود، أو من كلام الله تعالى، أو الملائكة. وفي معناه وجهان: أحدهما: لم تَقْدِروا أن تستتروا من سمعكم وأبصاركم وجلودكم؛ لأنها ملازمةٌ لكم، فلم يمكنكم احتراسٌ من ذلك، فشهدت عليكم. والآخر: لم تتحفظوا من شهادة سمعكم وأبصاركم وجلودكم؛ لأنكم لم تبالوا بشهادتها، ولم تظنُّوا أنها تشهد عليكم، وإنما استترتم لأنكم ظننتم أن الله لا يعلم كثيرًا مما تعملون، وهذا أرجح؛ لاتِّساق ما بعده معه، ولما جاء

стр. 2237

في الحديث الصحيح عن ابن مسعود أنه قال: «اجتمع ثلاثة نفر قرشيان (١) وثقفي، أو ثقفيان وقرشي (٢)، قليلٌ فقهُ قلوبهم، كثيرٌ شحمُ بطونهم، فتحدَّثوا بحديثٍ، فقال أحدهم: أترى الله يسمع ما قلنا؟ فقال الآخر: إنه يسمع إذا جهرنا ولا يسمع إذا أخفينا، فقال الآخر: إن كان يسمع منَّا شيئًا فإنه يسمعه كلَّه، فنزلت الآية» (٣). ﴿أَرْدَاكُمْ﴾ أي: أهلككم؛ من الرَّدَى بمعنى الهلاك. ﴿وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ هو من العُتْبى بمعنى الرضا؛ أي: إن طلبوا العُتْبى ليس فيهم من يُعطاها. ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ﴾ أي: يسَّرنا لهم قرناءَ سوءٍ؛ من الشياطين وغُواة الإنس. ﴿فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾: ما تقدَّم من أعمالهم، ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾: ما هم عازمون عليه. أو ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ من أمر الدنيا، ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ من أمر الآخرة، والتكذيب بها. ﴿وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾ أي: سبَق القضاءُ بعذابهم. ﴿فِي أُمَمٍ﴾ أي: في جملةِ أممٍ. وقيل: ﴿فِي﴾ بمعنى: «مع».

стр. 2238

[﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (٢٦) فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٧) ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (٢٨) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ (٢٩) إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾]. ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ﴾ روي أن قائل هذه المقالة أبو جهل لعنه الله. ﴿وَالْغَوْا فِيهِ﴾ المعنى: لا تسمعوا إليه، وتشاغلوا عند قراءته برفع الأصوات، وإنشاد الشعر، وشبه ذلك؛ حتى لا يسمعه أحد. وقيل: معناه: قَعُوا فيه وعِيبُوه. ﴿أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا﴾ يقولون هذا إذا دخلوا جهنم، فقولهم مستقبل ذُكر بلفظ الماضي؛ لتحقُّقه. ومعنى ﴿اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا﴾: كلُّ من أغوانا من الجن والإنس. وقيل: المراد: ولدُ آدم الذي سنَّ القتل، وإبليسُ الذي أمر بالكفر والعصيان، وهذا باطل؛ لأن ولدَ آدم مؤمنٌ عاصٍ، وإنما طلب هؤلاء من أضلَّهم بالكفر. ﴿تَحْتَ أَقْدَامِنَا﴾ أي: في أسفل طبقة من النار.

стр. 2239

﴿ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ قال أبو بكر الصديق: المعنى: استقاموا على قولهم: ﴿رَبُّنَا اللَّهُ﴾، فصحَّ إيمانهم، ودام توحيدهم. وقال عمر بن الخطاب: المعنى: استقاموا على الطاعة وترك المعاصي. وقول عمر أكملُ وأحوط، وقول أبي بكر أرجح؛ لما روى أنس أن رسول الله ﷺ قرأ هذه الآية وقال: «قد قالها قوم ثم كفروا، فمن مات عليها فهو ممن استقام» (١). وقال بعض الصوفية: معنى ﴿اسْتَقَامُوا﴾: أعرضوا عما سوى الله، وهذه حالة الكمال، على أن اللفظ لا يقتضيها. ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ يعني: عند الموت. ﴿وَلَكُمْ فِيهَا﴾ الضمير للآخرة. ﴿مَا تَدَّعُونَ﴾ أي: ما تطلبون.

стр. 2240

[﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣) وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٦) وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (٣٧) فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ (٣٨) وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩) إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤٠) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢) مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ (٤٣) وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (٤٤)﴾]. ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾ أي: لا أحد أحسن قولًا منه، ويدخل في ذلك: كل من دعا إلى عبادة الله أو طاعته على العموم. وقيل: المراد محمد ﷺ . وقيل: المؤذنون، وهذا بعيد؛ لأنها مكية، وإنما شُرع الأذان بالمدينة ولكن المؤذنون يدخلون في العموم.

стр. 2241

﴿وَمَا يُلَقَّاهَا﴾ الضمير يعود على الخُلُق الجميل الذي يتضمَّنه قوله: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾. ﴿ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ أي: حظّ من العقل والفضل. وقيل: حظ عظيم في الجنة. ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ﴾ «إِنْ» شرطيةٌ دخلت عليها «ما» الزائدة. ونَزْغُ الشيطان: وساوسه وأمره بالسوء. ﴿الَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾ الضمير يعود على الليل والنهار والشمس والقمر؛ لأن جماعة ما لا يعقل كجماعة المؤنث، أو كالواحدة المؤنثة (١). وقيل: إنما يعود على الشمس والقمر، وجمعهما؛ لأن الاثنين جمعٌ، وهذا بعيد. ﴿فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ يعني: الملائكة. ﴿لَا يَسْأَمُونَ﴾ أي: لا يملون. ﴿الْأَرْضَ خَاشِعَةً﴾ عبارةٌ عن قلة النبات. ﴿اهْتَزَّتْ﴾ ذكر في «الحج» (٢). ﴿إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى﴾ تمثيلٌ واحتجاجٌ على صحة البعث.

стр. 2242

﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا﴾ أي: يطعنون عليها، وهذا الإلحاد هو بالتكذيب. وقيل: باللَّغْوِ فيه، حسبما تقدَّم في السورة. ﴿أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ﴾ الآية؛ قيل: إن المراد بالذي يُلقى في النار: أبو جهل، وبالذي يأتي آمنًا: عثمان بن عفان. وقيل: عمار بن ياسر. واللفظ أعم من ذلك. ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ تهديد، لا إباحةٌ. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ﴾ الذكر هنا: القرآن باتفاق. وخبر ﴿إِنَّ﴾ محذوف، تقديره: ضلُّوا، أو هَلَكوا. وقيل: خبرها: ﴿أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾، وذلك بعيد. ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ﴾ أي: كريم على الله. وقيل: منيع من الشيطان. ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ﴾ أي: ليس فيما تقدَّمه ما يبطله، ولا يأتي بعده ما يبطله. والمراد على الجملة: أنه لا يأتيه الباطل من جهة من الجهات. ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ﴾ في معناه قولان: أحدهما: ما يقول الله لك من الوحي والشرائع إِلَّا مثل ما قال للرسل من قبلك.

стр. 2243

والآخر: ما يقول لك الكفار من التكذيب والأذى إلا مثل ما قال الأمم المتقدّمون لرسلهم، فالمراد على هذا: تسلية النبي ﷺ بالتأسي. والمراد على القول الأول: أنه ﷺ (١) أتى بما جاءت به الرسل، فلا تُنكر رسالته. ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ﴾ يحتمل: أن يكون مستأنفًا. أو يكون هو المقول في الآية المتقدّمة. وذلك على القول الأوَّل (٢). وأما على القول الثاني: فهو مستأنفٌ منقطعٌ مما قبله. ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ الأعجمي: الذي لا يُفصح ولا يبين كلامه، سواء كان من العرب أو من العجم. والعَجَمي: الذي ليس من العرب، فصيحًا كان أو غير فصيح. ونزلت الآية بسبب طعن قريش في القرآن. فالمعنى: أنه لو كان أعجميًّا لطعنوا فيه وقالوا: هلَّا كان مُبَيِّنًا؟، فظهر أنهم يطعنون فيه على أي وجهٍ كان. ﴿أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ هذا من تمام كلامهم، والهمزة للإنكار.

стр. 2244

والمعنى: أنه لو كان القرآن أعجميًّا لقالوا: أقرآن أعجمي، ورسول عربي، أو مُرسَلٌ إليه عربي؟ وقيل: إنما طعنوا فيه؛ لما فيه من الكلمات العَجَمية، كسجِّين وإستبرق، فقالوا: أقرآن عَجَمِيٌّ وعربيٌّ؟، أي: مختلط من كلام العرب والعجم، وهذا يجري على قراءة ﴿أَعْجَمِيٌّ﴾ بفتح العين. ﴿فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ﴾ عبارةٌ عن إعراضهم عن القرآن، فكأنهم صمٌّ لا يسمعونه. وكذلك ﴿وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ عبارةٌ عن قلة فَهْمهم له. ﴿أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ فيه قولان: أحدهما: عبارةٌ عن قلة فهمهم، فشبههم بمن يُنادَى من مكان بعيد، فهو يسمع الصوت ولا يفقه ما يُقال. والثاني: أنه حقيقةٌ في يوم القيامة؛ أي: ينادون من مكان بعيد؛ ليسمع أهل الموقف توبيخهم. والأوّل أليق بالكنايات التي قبلها.

стр. 2245

[﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (٤٥) مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٤٦) إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ (٤٧) وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (٤٨) لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ (٤٩) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ (٥٠) وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ (٥١) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (٥٢) سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٥٣) أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ (٥٤)﴾] ﴿كَلِمَةٌ سَبَقَتْ﴾ يعني: القدَر. ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ أي: علم زمان وقوعها، فإذا سئل أحدٌ عن ذلك قال: الله هو الذي يعلمها. ﴿مِنْ أَكْمَامِهَا﴾ جمع كِمٍّ - بكسر الكاف -، وهو غلاف الثمرة قبل ظهورها. ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي﴾ العامل في ﴿يَوْمَ﴾ محذوفٌ والمراد به: يوم القيامة، والضمير للمشركين، وقوله: ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ﴾ توبيخٌ لهم.
следующие страницы →