← Тафсир

Тафсир · id 30186

تفسير ابن جزي التسهيل لعلوم التنزيل - ط طيبة الخضراء

ابن جزي الكلبي

Полный текст (3 030 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.

стр. 2241

﴿وَمَا يُلَقَّاهَا﴾ الضمير يعود على الخُلُق الجميل الذي يتضمَّنه قوله: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾. ﴿ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ أي: حظّ من العقل والفضل. وقيل: حظ عظيم في الجنة. ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ﴾ «إِنْ» شرطيةٌ دخلت عليها «ما» الزائدة. ونَزْغُ الشيطان: وساوسه وأمره بالسوء. ﴿الَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾ الضمير يعود على الليل والنهار والشمس والقمر؛ لأن جماعة ما لا يعقل كجماعة المؤنث، أو كالواحدة المؤنثة (١). وقيل: إنما يعود على الشمس والقمر، وجمعهما؛ لأن الاثنين جمعٌ، وهذا بعيد. ﴿فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ يعني: الملائكة. ﴿لَا يَسْأَمُونَ﴾ أي: لا يملون. ﴿الْأَرْضَ خَاشِعَةً﴾ عبارةٌ عن قلة النبات. ﴿اهْتَزَّتْ﴾ ذكر في «الحج» (٢). ﴿إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى﴾ تمثيلٌ واحتجاجٌ على صحة البعث.

стр. 2242

﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا﴾ أي: يطعنون عليها، وهذا الإلحاد هو بالتكذيب. وقيل: باللَّغْوِ فيه، حسبما تقدَّم في السورة. ﴿أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ﴾ الآية؛ قيل: إن المراد بالذي يُلقى في النار: أبو جهل، وبالذي يأتي آمنًا: عثمان بن عفان. وقيل: عمار بن ياسر. واللفظ أعم من ذلك. ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ تهديد، لا إباحةٌ. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ﴾ الذكر هنا: القرآن باتفاق. وخبر ﴿إِنَّ﴾ محذوف، تقديره: ضلُّوا، أو هَلَكوا. وقيل: خبرها: ﴿أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾، وذلك بعيد. ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ﴾ أي: كريم على الله. وقيل: منيع من الشيطان. ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ﴾ أي: ليس فيما تقدَّمه ما يبطله، ولا يأتي بعده ما يبطله. والمراد على الجملة: أنه لا يأتيه الباطل من جهة من الجهات. ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ﴾ في معناه قولان: أحدهما: ما يقول الله لك من الوحي والشرائع إِلَّا مثل ما قال للرسل من قبلك.

стр. 2243

والآخر: ما يقول لك الكفار من التكذيب والأذى إلا مثل ما قال الأمم المتقدّمون لرسلهم، فالمراد على هذا: تسلية النبي ﷺ بالتأسي. والمراد على القول الأول: أنه ﷺ (١) أتى بما جاءت به الرسل، فلا تُنكر رسالته. ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ﴾ يحتمل: أن يكون مستأنفًا. أو يكون هو المقول في الآية المتقدّمة. وذلك على القول الأوَّل (٢). وأما على القول الثاني: فهو مستأنفٌ منقطعٌ مما قبله. ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ الأعجمي: الذي لا يُفصح ولا يبين كلامه، سواء كان من العرب أو من العجم. والعَجَمي: الذي ليس من العرب، فصيحًا كان أو غير فصيح. ونزلت الآية بسبب طعن قريش في القرآن. فالمعنى: أنه لو كان أعجميًّا لطعنوا فيه وقالوا: هلَّا كان مُبَيِّنًا؟، فظهر أنهم يطعنون فيه على أي وجهٍ كان. ﴿أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ هذا من تمام كلامهم، والهمزة للإنكار.

стр. 2244

والمعنى: أنه لو كان القرآن أعجميًّا لقالوا: أقرآن أعجمي، ورسول عربي، أو مُرسَلٌ إليه عربي؟ وقيل: إنما طعنوا فيه؛ لما فيه من الكلمات العَجَمية، كسجِّين وإستبرق، فقالوا: أقرآن عَجَمِيٌّ وعربيٌّ؟، أي: مختلط من كلام العرب والعجم، وهذا يجري على قراءة ﴿أَعْجَمِيٌّ﴾ بفتح العين. ﴿فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ﴾ عبارةٌ عن إعراضهم عن القرآن، فكأنهم صمٌّ لا يسمعونه. وكذلك ﴿وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ عبارةٌ عن قلة فَهْمهم له. ﴿أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ فيه قولان: أحدهما: عبارةٌ عن قلة فهمهم، فشبههم بمن يُنادَى من مكان بعيد، فهو يسمع الصوت ولا يفقه ما يُقال. والثاني: أنه حقيقةٌ في يوم القيامة؛ أي: ينادون من مكان بعيد؛ ليسمع أهل الموقف توبيخهم. والأوّل أليق بالكنايات التي قبلها.

стр. 2245

[﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (٤٥) مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٤٦) إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ (٤٧) وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (٤٨) لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ (٤٩) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ (٥٠) وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ (٥١) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (٥٢) سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٥٣) أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ (٥٤)﴾] ﴿كَلِمَةٌ سَبَقَتْ﴾ يعني: القدَر. ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ أي: علم زمان وقوعها، فإذا سئل أحدٌ عن ذلك قال: الله هو الذي يعلمها. ﴿مِنْ أَكْمَامِهَا﴾ جمع كِمٍّ - بكسر الكاف -، وهو غلاف الثمرة قبل ظهورها. ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي﴾ العامل في ﴿يَوْمَ﴾ محذوفٌ والمراد به: يوم القيامة، والضمير للمشركين، وقوله: ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ﴾ توبيخٌ لهم.

стр. 2246

وأضاف الشركاء إلى نفسه على زعم المشركين، كأنه قال: الشركاء الذين جعلتم لي. ﴿قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ﴾ المعنى: أنهم قالوا: أعلمناك ما منا مَنْ يَشهد (١) اليوم بأن لك شريكًا؛ لأنهم كفروا يوم القيامة بشركائهم. ﴿وَضَلَّ عَنْهُم مَا كَانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: ضلَّ عنهم شركاؤهم، بمعنى: أنهم لم يروهم حينئذ، فـ ﴿مَا﴾ على هذا موصولة. أو: ضل عنهم قولهم الذي كانوا يقولون من الشرك، فـ ﴿مَا﴾ على هذا مصدرية. ﴿وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ الظنُّ هنا: بمعنى اليقين، والمحيص: المهرب، أي: علموا أنهم لا مهرب لهم من العذاب. وقيل: يوقف على ﴿وَظَنُّوا﴾، ويكون ﴿مَا لَهُمْ﴾ استئنافًا، وذلك ضعيف. ﴿لَا يَسْأَمُ الْإِنسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ﴾ أي: لا يملُّ من الدعاء بالمال والعافية وشبه ذلك. ونزلت الآية في الوليد بن المغيرة. وقيل: في غيره من الكفار. واللفظ أعم من ذلك.

стр. 2247

﴿لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي﴾ أي: هذا حقي الواجب لي وليس تفضلًا من الله، ولا يقول هذا إلا كافر، ويدلُّ على ذلك قوله: ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾. وقوله: ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَى﴾ معناه: إن بعثت تكون لي الجنة، وهذا تخرُّصٌ وتكبُّرٌ. وروي أن الآية نزلت في الوليد بن المغيرة. ﴿وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾ ذكر في «الإسراء» (١). ﴿دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾ أي: كثير. وذكر اللهُ هذه الأخلاق على وجه الذَّمِّ لها (٢). ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ الآية؛ معناها: أخبروني إن كان القرآن من عند الله ثم كفرتم به؛ ألستم في شقاق بعيد؟ فوضع قوله: ﴿مَنْ أَضَلُّ﴾ موضع الخطاب لهم. ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ﴾ الضمير لقريش، وفيها ثلاثة أقوال: أحدها: أن الآيات في الآفاق: هي فتح الأقطار للمسلمين، والآيات في أنفسهم: هي فتح مكة، فجميع ذلك وَعْدٌ للمسلمين بالظهور، وتهديدٌ للكفار، واحتجاجٌ (٣) عليهم بظهور الحق وخمول (٤) الباطل.

стр. 2248

والثاني: أن الآيات في الآفاق: هي ما أصاب الأمم المتقدمين من الهلاك، وفي أنفسهم: يوم بدر. والثالث: أن الآيات في الآفاق: هي خلق السماء وما فيها من العبر والآيات، وفي أنفسهم: خِلْقة بني آدم، وهذا ضعيف؛ لأنه قال: ﴿سَنُرِيهِمْ﴾ بسين الاستقبال، وقد كانت السماء وخِلْقة بني آدم مرئيةً. والأول هو الراجح. ﴿أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ الضمير للقرآن و (١) الإسلام. ﴿مُحِيطٌ﴾ أي: محيط بعلمه وقدرته وسلطانه.

стр. 2249

(سورة الشورى) [﴿حم (١) عسق (٢) كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٤) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥) وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (٦) وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ (٧) وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (٨) أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٩)﴾]. ﴿عسق﴾ الكلام فيه كسائر حروف الهجاء حسبما تقدَّم في «البقرة» (١). وحكى الطبري أن رجلًا سأل ابن عباس عن ﴿حم (١) عسق (٢)﴾، فأعرض عنه، فقال حذيفة: إنما كرهها ابن عباس؛ لأنها نزلت في رجل من أهل بيته اسمه عبد الله يبني مدينةً على نهر من أنهار المشرق، ثم يخسف الله بها في آخر الزمان (٢). والرجل على هذا أبو جعفر المنصور، والمدينة

стр. 2250

بغداد، وقد ورد في الحديث الصحيح أنها يُخسف بها (١). ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ﴾ الكاف: نعتٌ لمصدر محذوف، والإشارة بـ ﴿ذَلِكَ﴾ إلى ما تضمنه القرآن أو (٢) السورة. وقيل: الإشارة لقوله: ﴿حم (١) عسق (٢)﴾؛ فإن الله أنزل هذه الأحرف بعينها في كتاب أنزله، وفي صحة هذا نظرٌ. ﴿اللهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ اسم ﴿اللهُ﴾ فاعل بـ ﴿يُوحِي﴾. وأما على قراءة ﴿يُوحَى﴾ بالفتح فهو فاعلٌ بفعل مضمر، دلَّ عليه ﴿يُوحَى﴾، كأنَّ قائلًا قال: «من الذي أوحي؟» فقيل: «اللهُ». ﴿يَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ﴾ أي: يتشققن من خوف الله وتعظيم جلاله. وقيل: من قول الكفار: «اتخذ الله ولدًا»، فهي كالآية التي في «مريم». قال ابن عطية: وما وقع للمفسرين هنا من ذكر الثَّقل ونحوه مردودٌ؛ لأن الله تعالى لا يوصف به (٣). ﴿مِنْ فَوْقِهِنَّ﴾ الضمير للسموات، والمعنى: يتشققن من أعلاهن، وذلك مبالغةٌ في التهويل. وقيل: الضمير للأرضين، وهذا بعيد.

стр. 2251

وقيل: الضمير للكفار، كأنه قال: من فوق الجماعات الكافرة التي مِنْ أجلِ أقوالها تكاد السموات يتفطَّرن، وهذا أيضًا بعيد. ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ عمومٌ يراد به الخصوص؛ لأن الملائكة إنما تستغفر (١) للمؤمنين من أهل الأرض، فهي كقوله: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر: ٧]. وقيل: إنَّ ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ نَسخ هذه الآية، وهذا باطل؛ لأن النسخ لا يدخل في الأخبار. ويَحتمل أن يريد بالاستغفار طلَبَ الحِلم عن أهل الأرض مؤمنهم وكافرهم، ومعناه: الإمهال لهم، وأن لا يُعاجَلُوا بالعقوبة، فيكون عامًّا. فإن قيل: ما وجه اتِّصال قوله: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ﴾ الآية بما قبلها؟ فالجواب: أنَّا إن فسَّرنا تفطُّر السموات بأنه مِنْ عظمة الله؛ فيكون تسبيحُ الملائكة أيضًا تعظيمًا له، فينتظم الكلام، وإن فسَّرنا تفطُّرها بأنه مِنْ كفر بني آدم؛ فيكون تسبيح الملائكة تنزيهًا لله تعالى عن كفر بني آدم، وعن أقوالهم القبيحة. ﴿أُمَّ الْقُرَى﴾ هي مكة، والمراد: أهلها، ولذلك عَطَف عليه ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ يعني: من الناس. ﴿يَوْمَ الْجَمْعِ﴾ يعني: يوم القيامة، وسمِّي بذلك؛ لأن الخلائق يجتمعون فيه. ﴿أَمِ اتَّخَذُوا﴾ ﴿أَمْ﴾ منقطعة، والأولياء هنا: المعبودون من دون الله.

стр. 2252

[﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (١٠) فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٢) شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (١٣) وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (١٤) فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (١٥) وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ (١٦) اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ (١٧) يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (١٨) اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (١٩)﴾]. ﴿فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ أي: ما اختلفتم فيه أنتم والكفار من أمر الدين فحكمه إلى الله؛ بأن يعاقب المبطل ويثيب المُحقّ. أو ما اختلفتم فيه من الخصومات فتحاكموا فيه إلى النبي ﷺ ، كقوله: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩].

стр. 2253

﴿مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ يعني: الإناثَ. ﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا﴾ يَحتمل أن يريد: الإناث، أو الأصنافَ. ﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾ معنى ﴿يَذْرَؤُكُمْ﴾: يخلقكم نسلًا بعد نسل، وقرنًا بعد قرن. وقيل: يكثركم. والضمير المجرور يعود على الجَعْل الذي تضمنه قوله: ﴿جَعَلَ لَكُمْ﴾، وهذا كما تقول: كلمتُ زيدًا كلامًا أكرمته فيه. وقيل: الضمير للتَّزويج الذي دلَّ عليه قوله: ﴿أَزْوَاجًا﴾. وقال الزمخشري: تقديره: يذرؤكم في هذا التدبير، وهو أن جَعَل الناس والأنعام أزواجًا (١). والضمير في ﴿يَذْرَؤُكُمْ﴾ خطابٌ للناس والأنعام، غلب فيه العقلاء على غيرهم. فإن قيل: لم قال ﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾ وهلَّا قال: «يذرؤكم به»؟ فالجواب: أن هذا التدبير جُعِل كَالمَنبَع والمعدن للبثِّ والتكثير. قاله الزمخشري (٢). ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ تنزيهٌ لله تعالى عن مشابهة المخلوقين.

стр. 2254

قال كثيرٌ من الناس: الكاف زائدة للتأكيد، والمعنى: ليس مثله شيء. وقال الطبري وغيره: ليست بزائدة، ولكن وضع ﴿مِثْلِهِ﴾ موضع «هو»، والمعنى: ليس كهو شيء (١). قال الزمخشري: وهذا كما تقول: «مثلك لا يَبخل»، والمراد: أنت لا تبخل، فنفى البخل عن مثله والمراد نفيه عن ذاته (٢). ﴿مَقَالِيدُ﴾ قد ذكر (٣). ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ اتفق دين محمد ﷺ مع جميع الأنبياء في أصول الاعتقادات، وذلك هو المراد هنا، ولذلك فسَّره بقوله: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ﴾ يعني: إقامة الإسلام الذي هو توحيد الله وطاعته، والإيمان برسله وكتبه وبالدار الآخرة. وأما الأحكام الفروعية؛ فاختلفت فيها الشرائع، فليست تراد هنا. ﴿أَنْ أَقِيمُوا﴾ يحتمل أن تكون ﴿أَنْ﴾: في موضع نصبٍ، بدلًا من قوله: ﴿مَا وَصَّى﴾. أو في موضع خفضٍ، بدلًا من ﴿بِهِ﴾. أو في موضع رفعٍ على خبر ابتداء مضمر. أو تكون مفسِّرةً لا موضع لها من الإعراب.

стр. 2255

﴿كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ أي: صَعُبَ الإسلامُ على المشركين. ﴿اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ الضمير في ﴿إِلَيْهِ﴾: يعود على الله تعالى. وقيل: على الدين. ﴿وَمَا تَفَرَّقُوا﴾ يعني: أهل الأديان المختلفة من اليهود والنصارى وغيرهم. ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ﴾ يعني: القضاء السابق بأن لا يُفصَل بينهم في الدنيا. ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ﴾ يعني: المعاصرين لمحمد ﷺ من اليهود والنصارى. وقيل: يعني: العرب، و ﴿الْكِتَابَ﴾ على هذا: هو القرآن. ﴿لَفِي شَكٍّ مِنْهُ﴾ الضمير: للكتاب، أو للدين، أو لمحمد ﷺ . ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ﴾ أي: إلى ذلك الذي شَرَع اللهُ ادعُ الناسَ، فاللام بمعنى «إلى». والإشارة بـ ﴿ذَلِكَ﴾: إلى قوله: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾. أو إلى قوله: ﴿مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾. وقيل: إن اللام بمعنى: «من أجل»، والإشارة إلى التفرق والاختلاف؛ أي: لأجل ما حدث من التفرق ادعُ إلى الله.

стр. 2256

وعلى هذا: يكون قوله: ﴿وَاسْتَقِمْ﴾ معطوفًا. وعلى الأول: يكون مستأنفًا، فيوقف على ﴿فَادْعُ﴾. ﴿وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ أي: دُمْ على ما أمرت به من عبادة الله وطاعته وتبليغ رسالته. ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ الضمير للكفار، و ﴿أَهْوَاءَهُمْ﴾: ما كانوا يحبُّون من الكفر والباطل كله. ﴿وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ قيل: يعني: العدل في الأحكام إذا تخاصموا إليه. ويحتمل أن يريد العدل في دعائهم إلى دين الإسلام، أي: أمرتُ أن أحملكم على الحق. ﴿لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ﴾ أي: لا جدال ولا مناظرة؛ فإن الحق قد ظهر وأنتم تعاندون. ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ﴾ أي: يجادلون المؤمنين في دين الله. ويعني: كفار قريش. وقيل: اليهود. ﴿مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ﴾ الضمير يعود على ﴿اللَّهِ﴾؛ أي: من بعد ما استجاب الناس له ودخلوا في دينه. وقيل: يعود على الدين. وقيل: على محمد ﷺ . والأول أحسن وأظهر.

стр. 2257

﴿حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ﴾ أي: زاهقة باطلة. ﴿أَنْزَلَ الْكِتَابَ﴾ يعني: جنس الكتب (١). ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي: بالواجب، أو متضمنًا الحقَّ. ﴿وَالْمِيزَانَ﴾ ابن عباس وغيره: يعني: العدل، ومعنى إنزال العدل: إنزال الأمر به في الكتب المنزلة. وقيل: يعني: الميزان المعروف. فإن قيل: ما وجه اتصال ذِكر الكتاب والميزان بذكر الساعة؟ فالجواب: أن الساعة يوم الجزاء والحساب، فكأنه قال: اعدلوا وافعلوا الصواب قبل اليوم الذي تحاسبون فيه على أعمالكم. ﴿لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ جاء ﴿قَرِيبٌ﴾ بالتذكير؛ لأن تأنيث الساعة غير حقيقي، ولأن المراد به وقتُ الساعة. ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا﴾ أي: يطلبون تعجيلها؛ استهزاءً بها، وتعجيزًا للمؤمنين. ﴿يُمَارُونَ﴾ أي: يجادلون ويخالفون. ﴿يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ﴾ يعني: الرزق الزائد على المضمون لكل حيوان في قوله: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦] أي: ما تقوم به الحياة، فإن هذا على العموم لكل حيوانٍ طولَ عمره، والزائد خاصٌّ بمن شاء الله.

стр. 2258

[﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ (٢٠) أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢١) تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٢٢) ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ (٢٣) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٢٤) وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (٢٥) وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ (٢٦) وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ (٢٧) وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ (٢٨) وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ (٢٩)﴾]. ﴿حَرْثَ الْآخِرَةِ﴾ عبارةٌ عن العمل لها، وكذلك ﴿حَرْثَ الدُّنْيَا﴾. وهو مستعارٌ من حرث الأرض؛ لأن الحارث (١) يعمل وينتظر المنفعة مما (٢) عمل. ﴿نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾ عبارةٌ عن تضعيف الثواب.

стр. 2259

﴿نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ أي: نؤته منها ما قُدِّر له؛ لأن كل أحد لا بد أن يصل إلى ما قُسِم له. ﴿وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ هذا (١) للكفار، أو لمن كان يريد الدنيا خاصةً، ولا رغبة له في الآخرة. ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ﴾ ﴿أَمْ﴾ منقطعة للإنكار والتوبيخ. والشركاء: الأصنام وغيرها. وقيل: الشياطين. ﴿شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ﴾ الضمير في ﴿شَرَعُوا﴾: للشركاء وفي ﴿لَهُمْ﴾: للكفار. وقيل: بالعكس. والأول أظهر. و ﴿لَمْ يَأْذَنْ﴾ بمعنى: لم يأمر. والمراد: ما شرعوا من البواطل (٢) في الاعتقادات، وفي الأعمال، كالبحيرة والوصيلة وغير ذلك. ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ﴾ أي: لولا القضاء السابق بأن لا يُقضَى بينهم في الدنيا لقُضي بينهم فيها.

стр. 2260

﴿تَرَى الظَّالِمِينَ﴾ يعني: في الآخرة. ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ﴾ تقديره: يبشر به، وحُذف الجار والمجرور. ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ فيه أربعة أقوال: الأول: أن ﴿الْقُرْبَى﴾ بمعنى القرابة، و ﴿فِي﴾ بمعنى: "من أجل"، والمعنى: لا أسألكم عليه أجرًا إلَّا أن تودُّوني لأجل القرابة التي بيني وبينكم. فالقصد على هذا: استعطاف قريش، ولم يكن فيهم بطنٌ إلَّا وبينه وبين النبي ﷺ قرابة. الثاني: أن ﴿الْقُرْبَى﴾ بمعنى الأقارب؛ أي: ذوي القربى، والمعنى: إلَّا أن تودُّوا (١) أقاربي وتحفظوني فيهم. والقصد على هذا: وصيةٌ بأهل البيت. الثالث: أن ﴿الْقُرْبَى﴾ قرابةُ الناس بعضهم من بعض، والمعنى: أن تودُّوا أقاربكم. والقصد على هذا: وصيةٌ بصلة الأرحام. الرابع: أن ﴿الْقُرْبَى﴾ التقربُ إلى الله، والمعنى: إلَّا أن تتقربوا إلى الله بطاعته. والاستثناء على القول الثالث والرابع: منقطعٌ.

стр. 2261

وأما على الأول والثاني: فيحتمل الانقطاع؛ لأن المودة ليست بأجر (١). ويحتمل الاتصال على المجاز، كأنه قال: لا أسألكم عليه أجرًا إلَّا المودة، فجعل المودة كالأجر (٢). ﴿يَقْتَرِفْ﴾ أي: يكتسب. ﴿نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا﴾ يعني: مضاعفة الثواب. ﴿أَمْ يَقُولُونَ﴾ ﴿أَمْ﴾ منقطعةٌ للإنكار والتوبيخ. ﴿فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ﴾ في المقصد بها (٣) قولان: أحدهما: أنه ردٌّ على الكفار في قولهم: ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾، أي: لو افتريت على الله كذبًا لختم على قلبك، لكنك لم تفترِ على الله كذبًا؛ فقد هداك وسددك. والآخر: أن المراد: إن يشأ الله يختم على قلبك بالصبر على أقوال الكفار، واحتمال أذاهم. ﴿وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ﴾ هذا فعل مستأنفٌ غير معطوف على ما قبله؛ لأن الذي قبله مجزومٌ، وهذا مرفوعٌ؛ فيوقف على ما قبله ويبتدأ به.

стр. 2262

وفي المراد به وجهان: أحدهما: أنه من تمام ما قبله، أي: لو افتريت على الله كذبًا لختم على قلبك ومحا الباطل الذي كنت تفتريه لو افتريتَ. والآخر: أنه وعدٌ لرسول الله ﷺ بأن يمحو الله الباطل وهو الكفر، ويحقَّ الحق وهو الإسلام. ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ ﴿عَنْ﴾ هنا: بمعنى «مِنْ»، وكأنه قال: التوبة الصادرة عن عباده. وقَبول التوبة على ثلاثة أوجه: أحدها: التوبة من الكفر، فهي مقبولة قطعًا. والثاني: التوبة من مظالم العباد، فهي غير مقبولة حتى يردَّ المظالم أو يستحلَّ منها. والثالث: التوبة من المعاصي التي بين العبد وبين الله، فالصحيح: أنها مقبولة؛ بدليل هذه الآية. وقيل: هي في المشيئة. ﴿وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾ العفو مع التوبة: على حسَب ما ذكرنا. وأما العفو دون التوبة: فهو على أربعة أقسام: الأول: العفو عن الكفر، وهو لا يكون أصلًا. والثاني: العفو عن مظالم العباد، وهو كذلك.

стр. 2263

والثالث: العفو عن الذنوب الصغائر إذا اجتُنبت الكبائر، وهو حاصل باتفاق. والرابع: العفو عن الكبائر: فمذهب أهل السنة: أنه في المشيئة. ومذهب المعتزلة: أنها لا تغفر إلا بالتوبة. ﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أن معنى ﴿يَسْتَجِيبُ﴾: يجيب، و ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ مفعول، والفاعل ضمير يعود على الله تعالى، أي: يُجيبُهم فيما يطلبون منه. وقال الزمخشري: أصله: «يستجيب للذين آمنوا» فحذف اللام (١). والثاني: أن معناه: يجيب، و ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فاعل؛ أي: يستجيب المؤمنون لربهم باتّباع دينه. والثالث: أن معناه: يطلب المؤمنون الإجابة من ربهم، و «استفعَلَ» على هذا: على بابه من الطلب. والأول أرجح؛ لدلالة قوله: ﴿وَيَزِيدُهُمْ مِن فَضْلِهِ﴾؛ ولأنه قول ابن عباس ومعاذ بن جبل. ﴿وَيَزِيدُهُمْ مِن فَضْلِهِ﴾ أي: يزيدهم ما لم يطلبوا زيادةً على الاستجابة

стр. 2264

فيما طلبوا، وهذه الزيادة روي عن النبي ﷺ أنها الشفاعة والرِّضوان (١). ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: بَغَى بعضهم على بعض وطغَوْا؛ لأن الغنى يوجب الطُّغيان. وقال بعض الصحابة: فينا نزلت؛ لأنا نظرنا إلى أموال الكفار فتمنَّيْناها. ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا﴾ قيل لعمر ﵁: اشتدَّ القحط وقنط الناس، فقال: «الآن يُمطرون» (٢)، وأخذ ذلك من هذه الآية، ومنه قوله ﷺ : «اشتدّي أزمة تنفرجي» (٣). ﴿وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ قيل: يعني: المطر، فهو تكرارٌ للمعنى الأول بلفظ آخر. وقيل: يعني: الشمس. وقيل بالعموم. ﴿وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ لا إشكالَ أنَّ الدواب في الأرض، وأما في السماء: فقيل: يعني: الملائكة.

стр. 2265

وقيل: يمكن أن يكون في السماء دوابُّ لا نعلمها نحن. وقيل: المعنى: أنه بثَّ في أحدهما، فذكر الاثنين، كما تقول: «في بني فلان كذا» وإنما هو في بعضهم. ﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾ يريد: جَمْعَ الخَلْقِ للحشر يوم القيامة.

стр. 2266

[﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠) وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (٣١) وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ (٣٢) إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٣٣) أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ (٣٤) وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (٣٥) فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٣٦) وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (٣٧) وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (٣٩) وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٤٠) وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤٢) وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (٤٣)﴾]. ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ المعنى: أن المصائب التي تصيب الناس في أنفسهم وأموالهم إنما هي بسبب الذنوب، قال رسول الله ﷺ : «لا يصيب ابن آدم خدشُ عودٍ أو عثرةُ قدم ولا اختلاج عرق إلَّا بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر» (١). وقرئ ﴿بِمَا كَسَبَتْ﴾ بغير فاء، على أن يكون ﴿مَا أَصَابَكُم﴾ بمعنى: «الذي». وقرئ بالفاء على أن يكون ﴿مَا أَصَابَكُم﴾ شرطًا.

стр. 2267

﴿بِمُعْجِزِينَ﴾ قد ذُكر (١). ﴿الْجَوَارِ﴾ جمع جارية، وهي السفينة. ﴿كَالْأَعْلَامِ﴾ جمع عَلَم، وهو الجبل. ﴿إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيَاحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ﴾ الضمير في ﴿فَيَظْلَلْنَ﴾ للجواري، وفي ﴿ظَهْرِهِ﴾ للبحر؛ أي: لو أراد الله أن يُسكن الرياح لبقيت السفن واقفةً على ظهر البحر. فالمقصد: تعديدُ النعمة في إرسال الرياح، أو تهديدٌ بإسكانه. ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا﴾ عطفٌ على ﴿يُسْكِنِ الرِّيَاحَ﴾، ومعنى ﴿يُوبِقْهُنَّ﴾: يهلكهن بالغرق من شدة الرياح العاصفة، والضمير فيه للسفن، وفي ﴿كَسَبُوا﴾ لركّابها من الناس. والمعنى: أنه لو شاء لأغرقها بذنوب الناس. ﴿وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِن مَحِيصٍ (٣٥)﴾ أي: يعلمون أنهم لا مهرب لهم من الله. وقرئ ﴿وَيَعْلَمُ﴾: بالرفع: على الاستئناف. وبالنصب، واختلف في إعرابه على قولين: أحدهما: أنه نصبٌ بإضمار «أنْ» بعد الواو؛ لما وقعت بعد الشرط والجزاء؛ لأنه غير واجب.

стр. 2268

وأنكر ذلك الزمخشري وقال: إنه شاذٌّ؛ فلا ينبغي أن يُحمَل القرآن عليه (١). والثاني قول الزمخشري: إنه معطوف على تعليلٍ محذوف تقديره: «ليَنتقمَ منهم ويعلمَ»، قال: ونحوه من المعطوف على التعليل المحذوف كثيرٌ في القرآن، ومنه قوله: ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ﴾ [مريم: ٢١] (٢). ﴿كَبَائِرَ الْإِثْمِ﴾ ذكرنا الكبائر في «النساء» (٣). وقيل: كبائر الإثم: هو الشرك، والفواحش: هو (٤) الزنا. واللفظ أعم من ذلك. ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ﴾ قيل: يعني: الأنصار؛ لأنهم استجابوا لما دعاهم النبي ﷺ إلى الإيمان. ويظهر لي أن هذه الآيات إشارةٌ إلى ذكر الخلفاء الراشدين ﵃؛ لأنه بدأ أولًا بصفات أبي بكر الصديق، ثم صفات عمر بن الخطاب، ثم صفات عثمان بن عفان، ثم صفات علي بن أبي طالب، فكونه جمَع هذه الأوصاف، ورتَّبها على هذا الترتيب يدلُّ على أنه قصد بها مَنْ اتَّصف بذلك. فأما صفات أبي بكر: فقوله: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾، وإنما

стр. 2269

جعلنا هذا صفة أبي بكر وإن كان جميعهم متصفًا بها؛ لأن أبا بكر كانت له فيها مزية لم تكن لغيره، قال رسول الله ﷺ : «لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان الأمة لرجح (١)» (٢)، وقال ﷺ : «أنا مدينة الإيمان، وأبو بكر بابها» (٣)، وقال أبو بكر: «لو كشف الغطاء ما ازددتُ يقينا» (٤)، والتوكل إنما يقوى بقوة الإيمان. وأما صفات عمر: فقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ﴾؛ لأن ذلك هو التقوى، وقد قال ﷺ : «أنا مدينة التقوى، وعمر بابها» (٥)، وقوله: ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾؛ لأن قوله: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾ [الجاثية: ١٤] نزلت في عمر. وأما صفات عثمان: فقوله: ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ﴾؛ لأن عثمان لما دعاه رسول الله ﷺ إلى الإسلام تبعه، وبادر إلى الإسلام وقوله: ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾؛ لأن عثمان كان كثير الصلاة بالليل، وفيه نزلت: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ﴾ [الزمر: ٩] الآية. وروي أنه كان يُحيي الليل بركعة يقرأ فيها القرآن كله، وقوله: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾؛ لأن عثمان ولي الخلافة بالشورى، وقوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾؛ لأن عثمان كان كثير النفقة في سبيل الله.

стр. 2270

ويكفيك أنه جهَّز جيش العسرة. وأما صفات عليِّ: فقوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (٣٩)﴾؛ لأنه لما قاتلته الفئة الباغية قاتلها انتصارًا للحق، وانظر كيف سمَّى رسول الله ﷺ المقاتلين لعليٍّ بالفئة الباغية، حسبما ورد في الحديث الصحيح أنه قال لعمار بن ياسر: «تقتلك الفئة الباغية» (١)، فذلك هو البغي الذي أصابه. وقوله: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ إشارةٌ إلى فعل الحسن بن عليٍّ حين بايع معاوية، وأسقط حقَّ نفسه ليُصلحَ أحوال المسلمين، ويحقن دماءهم، قال رسول الله ﷺ في الحسن: «إن ابني هذا سيِّد، ولعلَّ الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين» (٢). وقوله: ﴿وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِن سَبِيلٍ (٤١)﴾، إشارةٌ إلى انتصار الحسين بعد موت الحسن، وطلبه للخلافة وانتصاره من بني أمية. وقوله: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ﴾ إشارةٌ إلى بني أمية، فإنهم استطالوا على الناس كما جاء في الحديث عنهم: «أنهم جعلوا عباد الله خَوَلًا، ومال الله دُوَلًا» (٣)، ويكفيك من ظلمهم أنهم كانوا يلعنون علي ابن أبي طالب على منابرهم. وقوله: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ﴾ الآية؛ إشارةٌ إلى صبر أهل بيت النبي ﷺ على ما نالهم من الضُّرِّ والذُّلِّ طولَ مدَّة بني أمية.

стр. 2271

﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ سمَّى العقوبة باسم الذنب، وجعلها مثله (١)؛ تحرُّزًا من الزيادة عليه (٢). ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ هذا يدلُّ على أن العفو عن المظلمة أفضل من الانتصار؛ لأنه ضمن الأجر في العفو، وذكر الانتصار بلفظ الإباحة في قوله: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِنْ سَبِيلٍ (٤١)﴾. وقيل: إن الانتصار أفضل. والأول أصح. فإن قيل: كيف ذكر الانتصار في صفات المدح في قوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (٣٩)﴾ والمباح لا مدح فيه ولا ذمّ؟ فالجواب من ثلاثة أوجه: أحدها: أن المباح قد يُمدح؛ لأنه قيامٌ بحق لا بباطل. والثاني: أن مدح الانتصار لكونه كان بعد الظُّلم تحرُّزًا ممن بدأ بالظلم، فكأن المدح إنما هو بترك الابتداء بالظلم. والثالث: أنه إن كانت الإشارة بذلك إلى علي بن أبي طالب حسبما ذكرنا فانتصاره ممدوح (٣)؛ لأن قتال أهل البغي واجبٌ؛ لقوله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾ [الحجرات: ٩].

стр. 2272

[﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ (٤٤) وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ (٤٥) وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِيَاءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ سَبِيلٍ (٤٦) اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ (٤٧) فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ (٤٨) لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (٥٠) وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (٥١) وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (٥٣)﴾]. ﴿يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا﴾ أي: على النار. ﴿خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ﴾ عبارةٌ عن الذل والكآبة. ﴿مِنَ الذُّلِّ﴾ يتعلَّق: بـ ﴿خَاشِعِينَ﴾. أو بـ ﴿يَنْظُرُونَ﴾، وعلى هذا عوَّل الزمخشري (١).

стр. 2273

﴿يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ فيه قولان: أحدهما: أنه عبارةٌ عن الذلِّ؛ لأن نظر الذليل بمهانة واستكانة. والآخر: أنهم يحشرون عُمْيًا فلا ينظرون بأبصارهم، وإنما ينظرون بقلوبهم، واستبعد هذا ابن عطية (١) والزمخشري (٢). والطَّرْف يحتمل: أن يريد به: العين. أو يكون مصدرًا. ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ يتعلَّق بـ ﴿قَالَ﴾، أو بـ ﴿خَسِرُوا﴾. ﴿أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ﴾ يحتمل أن يكون: من كلام الذين آمنوا. أو مستأنفًا من كلام الله تعالى. ﴿لَا مَرَدَّ لَهُ﴾ ذكر في «الروم» (٣). ﴿مِنْ نَكِيرٍ﴾ أي: إنكارٍ، يعني: لا تنكرون أعمالكم. ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا﴾ قدَّم الإناث اعتناءً بهنَّ، وتأنيسًا لمن وَهبَهَنَّ (٤) له.

стр. 2274

قال واثلة بن الأسقع: من يُمْنِ المرأة تبكيرُها بأنثى قبل الذكر؛ لأن الله بدأ بالإناث. وقال بعضهم: نزلت هذه الآية في الأنبياء ﵈، فشعيب ولوط كان لهما إناثٌ دون ذكور، وإبراهيم كان له ذكور دون إناث، ومحمد ﷺ جمع الإناث والذكور، ويحيى كان عقيما. والظاهر: أنها على العموم في جميع الناس؛ إذ كل واحد منهم لا يخلو عن قسم من هذه الأقسام الأربعة التي ذُكر. وفي هذه الآية من أدوات البيان: التقسيم. ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا﴾ الآية؛ بيَّن الله تعالى فيها كلامه لعباده، وجعله على ثلاثة أوجه: أحدها: الوحي المذكور أوَّلًا، وهو الذي يكون بإلهام أو بمنام. والآخر: بأن يُسمعه كلامه من وراء حجاب. والثالث: الوحي بواسطة المَلَك، وهو قوله: ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ يعني: ملكًا، ﴿فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ إلى النبي، وهذا خاصٌّ بالأنبياء. والثاني خاصٌّ بموسى، وبمحمد صلى الله عليهما وسلم؛ إذ كلَّمه الله ليلة الإسراء. وأما الأول؛ فيكون للأنبياء والأولياء كثيرًا، وقد يكون لسائر الخلق، ومنه ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ [النحل: ٦٨]، ومنه: منامات الناس.

стр. 2275

﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ قرئ ﴿يُرْسِلُ﴾ و ﴿يُوحِي﴾: بالرفع: على تقدير: أو هو يرسلُ. وبالنصب: عطفًا على ﴿وَحْيًا﴾؛ لأن تقديره: «أن يوحي» فعطفت «أنْ» على «أنْ» المقدَّرة. ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ الروح هنا: القرآن، والمعنى: مثلَ هذا الوحي، وهو بإرسال مَلَكٍ، أوحينا إليك القرآنَ. والأمر هنا يحتمل: أن يكون واحد الأمور. أو يكون من الأمر بالشيء. ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ المقصود بهذا شيئان: أحدهما: تَعْداد النعمة عليه ﷺ ، بأن علَّمه الله ما لم يكن يعلم. والآخر: احتجاجٌ على نبوته؛ لكونه أتى بما لم يكن يعلمه، ولا تعلَّمه من أحد. فإن قيل: أمَّا كونه لم يكن يدري الكتاب فلا إشكال فيه، وأما الإيمان ففيه إشكال؛ لأن الأنبياء مؤمنون بالله قبل مبعثهم (١)؟ فالجواب: أن الإيمان يحتوي على معارف كثيرةٍ، وإنما كمل له معرفتُها

стр. 2276

بعد بعثه، وقد كان مؤمنًا بالله قبل ذلك، فالإيمان هنا يعني به: كمالُ المعرفة وهي التي حصلت (١) له بالنبوة. ﴿وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا﴾ الضمير للقرآن.

стр. 2277

(سورة الزخرف) [﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣) وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (٤) أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ (٥) وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ (٦) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٧) فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ (٨) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠) وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (١١) وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (١٢) لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ (١٤)﴾]. ﴿وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢)﴾ يعني: القرآن. و ﴿الْمُبِينِ﴾ يحتمل أن يكون بمعنى: البَيِّن. أو المبين لغيره. ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ ﴿أُمِّ الْكِتَابِ﴾: اللوح المحفوظ.

стр. 2278

والمعنى: أن القرآن وُصِف في اللوح بأنه عليّ حكيم. وقيل: المعنى: أن القرآن نُسِخَ بجملته في اللوح المحفوظ، ومنه كان جبريل ينقله، فوصفه الله بأنه علي حكيم؛ لكونه مكتوبًا في اللوح المحفوظ. والأول أظهر وأشهر. ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾ الهمزة للإنكار، والمعنى: أنمسك عنكم الذكر؟. و ﴿نَضْرِبُ﴾ من قولك: أضربتُ عن كذا: إذا تركته. و ﴿الذِّكْرَ﴾ يحتمل أن يريد به: القرآن، أو التذكير والوعظ. و ﴿صَفْحًا﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنه بمعنى الإعراض، تقول: صفحتُ عنه: إذا أعرضتَ عنه، فكأنه قال: أنترك تذكيركم إعراضًا عنكم؟ وإعراب ﴿صَفْحًا﴾ على هذا: مصدرٌ من المعنى. أو مفعول من أجله. أو مصدر في موضع الحال. والآخر: أن يكون بمعنى العفو والغفران، فكأنه يقول: أنمسك عنكم الذكر عفوًا عنكم وغفرانًا لذنوبكم؟ وإعراب ﴿صَفْحًا﴾ على هذا: مفعول من أجله.

стр. 2279

أو مصدر في موضع الحال. ﴿إِنْ كُنتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ قرئ: بكسر الهمزة: على الشرط، والجواب في الكلام الذي قبله. وقرئ بالفتح: على أنه مفعول من أجله. ﴿أَشَدَّ مِنْهُم بَطْشًا﴾ الضمير لقريش، وهم المخاطبون بقوله: ﴿إِنْ كُنتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾. فإن قيل: كيف قال: ﴿إِنْ كُنتُمْ﴾ على الشرط بحرف «إنْ» التي معناها الشك، ومعلوم أنهم كانوا مسرفين؟ فالجواب: أن في ذلك إشارةً إلى توبيخهم على الإسراف، وتجهيلهم في ارتكابه، فكأنه شيءٌ لا يقع من عاقل، فلذلك وضع حرف التوقُّع في موضع الواقع. ﴿وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي: تقدَّم في القرآن ذكرُ حال الأولين وكيفية هلاكهم لما كفروا. ﴿وَلَئِنْ سأَلْتَهُم﴾ الآية؛ احتجاجٌ على قريش؛ لأنهم كانوا يعترفون أن الله هو الذي خلق السموات والأرض، وكانوا مع اعترافهم بذلك يعبدون غيره. ومقتضى جوابهم أن يقولوا: «خلقهن الله»، فلما ذَكر هذا المعنى جاءت العبارة عن الله بـ ﴿الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾؛ لأن اعترافهم بأنه خلق السموات والأرض يقتضي أن يعترفوا بأنه عزيز عليم.

стр. 2280

وأما قوله: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ﴾ فهو من كلام الله، لا من كلامهم. ﴿مِهَادًا﴾ أي: فراشًا، على وجه التشبيه. ﴿سُبُلًا﴾ أي: طرقًا تمشون فيها. ﴿مَاءً بِقَدَرٍ﴾ أي: بمقدارٍ ووزنٍ معلومٍ. وقيل: معناه: بقضاءٍ. ﴿كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ تمثيلٌ للخروج من القبور؛ بخروج النبات من الأرض. ﴿الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا﴾ يعني: أصناف الحيوان والنبات وغير ذلك. ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾ الضمير يعود على ﴿مَا تَرْكَبُونَ﴾. ﴿ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ﴾ يحتمل أن يكون هذا الذكر: بالقلب، أو باللسان. ويحتمل أن يريد: النعمةَ في تسخير هذا المركوب. أو النعمةَ على الإطلاق. وكان بعض السلف إذا ركب قال: الحمد لله الذي هدانا للإسلام، ثم يقول: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا﴾. ﴿وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ أي: مُطيقين وغالبين. ﴿وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ (١٤)﴾ اعتراف بالحشر. فإن قيل: ما مناسبة هذا للركوب؟
следующие страницы →