← Тафсир

Тафсир · id 30186

تفسير ابن جزي التسهيل لعلوم التنزيل - ط طيبة الخضراء

ابن جزي الكلبي

Полный текст (3 030 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.

стр. 2276

بعد بعثه، وقد كان مؤمنًا بالله قبل ذلك، فالإيمان هنا يعني به: كمالُ المعرفة وهي التي حصلت (١) له بالنبوة. ﴿وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا﴾ الضمير للقرآن.

стр. 2277

(سورة الزخرف) [﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣) وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (٤) أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ (٥) وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ (٦) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٧) فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ (٨) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠) وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (١١) وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (١٢) لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ (١٤)﴾]. ﴿وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢)﴾ يعني: القرآن. و ﴿الْمُبِينِ﴾ يحتمل أن يكون بمعنى: البَيِّن. أو المبين لغيره. ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ ﴿أُمِّ الْكِتَابِ﴾: اللوح المحفوظ.

стр. 2278

والمعنى: أن القرآن وُصِف في اللوح بأنه عليّ حكيم. وقيل: المعنى: أن القرآن نُسِخَ بجملته في اللوح المحفوظ، ومنه كان جبريل ينقله، فوصفه الله بأنه علي حكيم؛ لكونه مكتوبًا في اللوح المحفوظ. والأول أظهر وأشهر. ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾ الهمزة للإنكار، والمعنى: أنمسك عنكم الذكر؟. و ﴿نَضْرِبُ﴾ من قولك: أضربتُ عن كذا: إذا تركته. و ﴿الذِّكْرَ﴾ يحتمل أن يريد به: القرآن، أو التذكير والوعظ. و ﴿صَفْحًا﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنه بمعنى الإعراض، تقول: صفحتُ عنه: إذا أعرضتَ عنه، فكأنه قال: أنترك تذكيركم إعراضًا عنكم؟ وإعراب ﴿صَفْحًا﴾ على هذا: مصدرٌ من المعنى. أو مفعول من أجله. أو مصدر في موضع الحال. والآخر: أن يكون بمعنى العفو والغفران، فكأنه يقول: أنمسك عنكم الذكر عفوًا عنكم وغفرانًا لذنوبكم؟ وإعراب ﴿صَفْحًا﴾ على هذا: مفعول من أجله.

стр. 2279

أو مصدر في موضع الحال. ﴿إِنْ كُنتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ قرئ: بكسر الهمزة: على الشرط، والجواب في الكلام الذي قبله. وقرئ بالفتح: على أنه مفعول من أجله. ﴿أَشَدَّ مِنْهُم بَطْشًا﴾ الضمير لقريش، وهم المخاطبون بقوله: ﴿إِنْ كُنتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾. فإن قيل: كيف قال: ﴿إِنْ كُنتُمْ﴾ على الشرط بحرف «إنْ» التي معناها الشك، ومعلوم أنهم كانوا مسرفين؟ فالجواب: أن في ذلك إشارةً إلى توبيخهم على الإسراف، وتجهيلهم في ارتكابه، فكأنه شيءٌ لا يقع من عاقل، فلذلك وضع حرف التوقُّع في موضع الواقع. ﴿وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي: تقدَّم في القرآن ذكرُ حال الأولين وكيفية هلاكهم لما كفروا. ﴿وَلَئِنْ سأَلْتَهُم﴾ الآية؛ احتجاجٌ على قريش؛ لأنهم كانوا يعترفون أن الله هو الذي خلق السموات والأرض، وكانوا مع اعترافهم بذلك يعبدون غيره. ومقتضى جوابهم أن يقولوا: «خلقهن الله»، فلما ذَكر هذا المعنى جاءت العبارة عن الله بـ ﴿الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾؛ لأن اعترافهم بأنه خلق السموات والأرض يقتضي أن يعترفوا بأنه عزيز عليم.

стр. 2280

وأما قوله: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ﴾ فهو من كلام الله، لا من كلامهم. ﴿مِهَادًا﴾ أي: فراشًا، على وجه التشبيه. ﴿سُبُلًا﴾ أي: طرقًا تمشون فيها. ﴿مَاءً بِقَدَرٍ﴾ أي: بمقدارٍ ووزنٍ معلومٍ. وقيل: معناه: بقضاءٍ. ﴿كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ تمثيلٌ للخروج من القبور؛ بخروج النبات من الأرض. ﴿الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا﴾ يعني: أصناف الحيوان والنبات وغير ذلك. ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾ الضمير يعود على ﴿مَا تَرْكَبُونَ﴾. ﴿ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ﴾ يحتمل أن يكون هذا الذكر: بالقلب، أو باللسان. ويحتمل أن يريد: النعمةَ في تسخير هذا المركوب. أو النعمةَ على الإطلاق. وكان بعض السلف إذا ركب قال: الحمد لله الذي هدانا للإسلام، ثم يقول: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا﴾. ﴿وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ أي: مُطيقين وغالبين. ﴿وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ (١٤)﴾ اعتراف بالحشر. فإن قيل: ما مناسبة هذا للركوب؟

стр. 2281

فالجواب: أن راكب السفينة أو الدابة متعرِّضٌ للهلاك بما يخاف من غرق السفينة، أو سقوطه عن الدابة، فأُمر بذكر الحشر؛ ليكون مستعدًّا للموت الذي قد تعرَّض له. وقيل: يذكر عند الركوب ركوبَ الجنازة.

стр. 2282

[﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ (١٥) أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ (١٦) وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (١٧) أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ (١٨) وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ (١٩) وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (٢٠) أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ (٢١) بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ (٢٢) وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٢٣) قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (٢٤) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٢٥)﴾]. ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾ الضمير في ﴿جَعَلُوا﴾ لكفار العرب، وفي ﴿لَهُ﴾ لله تعالى. وهذا الكلام متصل بقوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾ الآية. والمعنى: أنهم جعلوا الملائكة بناتِ الله، فكأنهم جعلوا جزءًا من عباده نصيبًا له وحظًّا دون سائر عباده. وقال الزمخشري: معناه: أنهم جعلوا الملائكة جزءًا منه وبعضًا منه، كما يكون الولد بَضعةً من والده وجزءًا منه (١). وقال بعض اللغويين: الجُزء في اللغة: الإناث، واستشهد على ذلك ببيت شعر.

стр. 2283

قال الزمخشري: وذلك كذبٌ على العرب، والبيت موضوع (١). ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ﴾ ﴿أَمْ﴾ للإنكار والردِّ على الذين قالوا: إن الملائكة بنات الله. ومعنى ﴿وَأَصْفَاكُم﴾: خصَّكم؛ أي: كيف يتخذ لنفسه البنات وهنَّ (٢) أدنى، وأصفاكم بالبنين وهم أعلى. ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا﴾ أي: إذا بُشِّر بالأنثى. وقد ذُكر المعنى في «النحل» (٣). والمراد: أنهم يكرهون البنات؛ فكيف ينسبونها إلى الله؟ تعالى الله عن قولهم. ﴿أَوَمَنْ يَنْشَأُ فِي الْحِلْيَةِ﴾ المراد بـ ﴿مَنْ يَنْشَأُ فِي الْحِلْيَةِ﴾: النساء. والحلية: هي الحَلْيُ من الذهب والفضة، وشبه ذلك. ومعنى يَنْشَأُ فيها: يكبر وينبت في استعمالها. وقرئ ﴿يُنَشَّأُ﴾ بضم الياء وتشديد الشين: بمعنى يُربَّى فيها. والمقصد: الردُّ على الذين قالوا: الملائكة بنات الله، كأنه قال: أجعلتم لله من يَنْشَأُ في الحلية؟، وتلك صفة النقص، ثم أتبعها بصفة نقص أخرى،

стр. 2284

وهي قوله: ﴿وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ يعني: أن الأنثى إذا خاصمت أو (١) تكلَّمت لم تقَدِر أن تُبينَ حجَّتها؛ لنقص عقلها، وقلَّما تجد امرأةً إلَّا تُفسد الكلام وتخلط المعاني، فكيف يُنسب لله من يتصف بهذه النقائص؟ وإعراب ﴿مَنْ يَنْشَأُ﴾: مفعولٌ بفعل مضمر تقديره: أجعلتم لله من يَنْشَأُ. أو مبتدأ وخبره محذوف، تقديره: أَوَمَنْ يَنْشَأُ في الحلية خصَّصتم به الله. ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ الضمير في ﴿جَعَلُوا﴾ لكفار العرب، فحكى عنهم ثلاثة أقوال شنيعة: أحدها: أنهم نسبوا إلى الله الولد. والآخر: أنهم نسبوا إليه البنات دون البنين. والثالث: أنهم جعلوا الملائكة المكرَّمين إناثًا. وقرئ ﴿عِنْدَ الرَّحْمَنِ﴾ بالنون، والمراد به: قرب الملائكة وتشريفهم كقوله: ﴿الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦]. وقرئ ﴿عِبَادُ﴾ بالباء جمع عبدٍ، والمراد به أيضًا: الاختصاص والتشريف. ﴿أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ هذا ردٌّ على العرب في قولهم: إن الملائكة إناثٌ. والمعنى: أنهم لم يشهدوا خلق الملائكة، فكيف يقولون ما ليس لهم به علم؟

стр. 2285

﴿سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾ أي: تكتب شهادتهم التي شهدوا بها على الملائكة، ويسألون عنها يوم القيامة. ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ الضمير في ﴿قَالُوا﴾: للكفار. وفي ﴿عَبَدْنَاهُمْ﴾: للملائكة. وقال ابن عطية: للأصنام (١). والأول أظهر وأشهر. والمعنى: احتجاج احتجَّ به الذين عبدوا الملائكة، وذلك أنهم قالوا: لو أراد الله أن لا نعبدهم ما عبدناهم، فكونه يمهلنا وينعم علينا دليلٌ على أنه يرضى عبادتنا لهم، ثم ردَّ الله عليهم بقوله: ﴿مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾ يعني: أن قولهم بغير دليل وحجة، وإنما هو تخرُّصٌ منهم. ﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ﴾ أي: من قبل القرآن. وهذا أيضًا ردٌّ عليهم؛ لكونهم ليس لهم كتاب يستمسكون (٢) به. ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ أي: على دين وطريقة. والمعنى: أنهم ليس لهم حجة، وإنما هم يقلدون آباءهم. ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ﴾ الآية؛ معناها: كما اتبع هؤلاء الكفار آباءهم بغير حجة؛ كذلك اتبع كل من قبلهم من الكفار آباءهم بغير حجة، بل بمجرَّد التقليد المذموم.

стр. 2286

﴿قُلْ أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ﴾ هذا ردٌّ على الذين اتبعوا آباءهم. والمعنى: أتتبعونهم ولو جئتكم بدين أهدى (١) من الدين الذي وجدتم عليه آباءكم. وقرئ: ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُم﴾، والفاعل ضمير يعود على النذير المتقدِّم. وأما قراءة ﴿قُلْ﴾ بالأمر فهو خطاب لمحمد ﷺ ، أمره الله أن يقول ذلك لقريش. وقيل: هو للنذير المتقدِّم، أمره الله أن يقول ذلك لقومه. والأول أظهر، وعلى هذا تكون هذه الجملة اعتراضًا بين قصة المتقدمين فإن قوله: ﴿قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كافِرُونَ﴾ حكايةٌ عن الكفار المتقدمين، وكذلك قوله: ﴿فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ يعني: من المتقدِّمين.

стр. 2287

[﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (٢٧) وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٨) بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ (٢٩) وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ (٣٠) وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١) أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٣٢) وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (٣٣) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ (٣٤) وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (٣٥)﴾]. ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ﴾ أي: بريءٌ، وبراءٌ في الأصل: مصدر، ثم استعمل صفةً، ولذلك استوى فيه الواحد والاثنان والجماعة، كَعَدْلٍ وشبهه. ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ يحتمل: أن يكون استثناء منقطعًا، وذلك إن كانوا لا يعبدون الله. أو يكون متصلًا، إن كانوا يعبدون الله ويعبدون معه غيرَه، وإعرابه على هذا: بدلٌ من ﴿مَا تَعْبُدُونَ﴾، فهو في موضع خفض. أو منصوب على الاستثناء، فهو في موضع نصب. ﴿سَيَهْدِينِ﴾ قال هنا: ﴿سَيَهْدِينِ﴾، وقال مرة أخرى: ﴿فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٧٨] ليدلَّ على أن الهداية في الحال والاستقبال.

стр. 2288

﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ ضمير الفاعل في ﴿جَعَلَهَا﴾ يعود على إبراهيم ﵇. وقيل: على الله تعالى. والأول أظهر. والضمير المؤنث المفعول يعود: على الكلمة التي قالها، وهي: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾، ومعناها: التوحيد ولذلك قيل: يعود على الإسلام لقوله: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ [الحج: ٧٨]. وقيل: يعود على «لا إله إلا الله». والمعنى متقارب، أي: جعل إبراهيم تلك الكلمة باقيةً في ذريته؛ لعلَّ مَنْ أشرك منهم يرجع إلى التوحيد. والعَقِبُ: هو الولد وولد الولد ما تناسلوا أبدًا. ﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ﴾ الإشارة بـ ﴿هَؤُلَاءِ﴾ إلى قريش. وهذا الكلام متصلٌ بما قبله؛ لأن قريشًا من عقب إبراهيم ﵇. فالمعنى: لكن هؤلاء ليسوا ممن بقيتْ الكلمةُ فيهم، بل مَتَّعْتُهم بالنعم والعافية، فلم يشكروا عليها واشتغلوا بها عن عبادة الله ﴿حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ﴾، وهو محمد ﷺ . ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ الضمير في ﴿وَقَالُوا﴾ لقريش. والقريتان: مكة والطائف.

стр. 2289

و ﴿مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ﴾ معناها: من إحدى القريتين، كقوله: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: ٢٢]؛ أي: من أحدهما. وقيل: معناه: على رجلٍ من رجلين من القريتين: فالرجل الذي من مكة: الوليد بن المغيرة، وقيل: عتبة بن ربيعة. والرجل الذي من الطائف: عروة بن مسعود، وقيل: حبيب بن عمير (١). ومعنى الآية: أن قريشًا استبعدوا نزول القرآن على محمد ﷺ ، واقترحوا أن ينزل على أحد هؤلاء، ووصفوه بالعظمة يعنون الرئاسة في قومه وكثرة ماله، فردَّ الله عليهم بقوله: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ يعني: أن الله يخصُّ بالنبوة من شاء من عباده؛ على ما تقتضيه حكمته وإرادته، وليس ذلك بتدبير المخلوقين، ولا بإرادتهم، ثم أوضح ذلك بقوله: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ أي: كما قسمنا المعايش في الدنيا كذلك قسمنا المواهب الدينية، وإذا كنا لم نهمل الحظوظ الفانية الحقيرة، فأولى وأحرى أن لا نهمل الحظوظ الشريفة الباقية. ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ هو من التسخير في الخدمة؛ أي: رفعنا بعضهم فوق بعض ليخدم بعضهم بعضًا. ﴿وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ هذا تحقيرٌ للدنيا. والمراد بـ ﴿رَحْمَتُ ربك﴾ هنا: النبوة.

стр. 2290

وقيل: الجنة. ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ الآية؛ تحقيرٌ أيضًا للدنيا. ومعناها: لولا أن يكفر الناس كلهم لجعلنا للكفار سُقُفًا من فضة، وذلك لِهَوانِ الدنيا على الله، كما قال رسول الله ﷺ : «لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرًا منها شربة (١) ماء» (٢). ﴿وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾ المعارج: الأدراج والسلالم (٣). ومعنى ﴿يَظْهَرُونَ﴾: يرتفعون، ومنه: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾ [الكهف: ٩٧]. والسُّرر: جمع سرير. والزخرف: الذهب. وقيل: أثاث البيت من الستور والنَّمارق، وشبه ذلك. وقيل: هو التزويق والنَّقش وشبه ذلك من التزيين؛ كقوله: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ﴾ [يونس: ٢٤].

стр. 2291

[﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٧) حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَالَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ (٣٨) وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٩) أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٤٠) فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ (٤١) أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ (٤٢) فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٣) وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ (٤٤) وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥)﴾]. ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا﴾ ﴿يَعْشُ﴾ من قولك: عَشِيَ الرجل: إذا أظلم بصره، والمراد به هنا: ظلمة القلب والبصيرة. وقال الزمخشري: يَعْشَى بفتح الشين: إذا حصلت الآفة في عينيه، ويعشُو بضم الشين: إذا نظر نظرة الأعشى، وليس به آفة (١)، فالفرق بينهما كالفرق بين قولك: عَمِيَ وتعامى. فمعنى القراءة بالضم: يتجاهل ويجحد معرفته بالحق. والأظهر أن ذلك عبارةٌ عن الغفلة وإهمال النظر. و ﴿ذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾: قال الزمخشري: يريد به القرآن (٢). وقال ابن عطية: يريد به: ما ذكَّر الله به عباده من المواعظ، فالمصدر

стр. 2292

مضاف إلى الفاعل (١). ويحتمل عندي: أن يريد ذِكْرَ العبد لله. ومعنى الآية: أن من غَفَل عن ذكر الله يسَّرَ الله له شيطانًا يكون له قرينًا، فتلك عقوبةٌ على الغفلة عن الذكر بتسليط الشيطان، كما أن مَنْ دام على الذكر (٢) تباعد عنه الشيطان. ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾ الضمير في ﴿إِنَّهُمْ﴾ للشيطان (٣)، وضمير المفعول في ﴿يَصُدُّونَهُمْ﴾ لـ ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾، وجمع الضميرين لأن المراد جمعٌ. ﴿حَتَّى إِذَا جَاءنَا﴾ قرئ ﴿جَاءَنَا﴾ بضمير الاثنين، وهما: مَنْ يعشو وشيطانه. وقرئ بغير ألف على أنه ضمير واحد، وهو من يعشو. والضمير في ﴿قَالَ﴾: لمن يعشو، وقيل: للشيطان. ﴿بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ﴾ فيه قولان: أحدهما: أنه يعني: المشرق والمغرب، وغَلَّبَ أحدهما في التثنية، كما قيل: القمران.

стр. 2293

والآخر: أنه يعني: المشرقين والمغربين، وحذف «المغربين»؛ لدلالة ﴿الْمَشْرِقَيْنِ﴾ عليه. ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٩)﴾ هذا كلامٌ يقال للكفار في الآخرة، ومعناه: أنه لا ينفعهم اشتراكهم في العذاب، ولا يجدون راحةَ التأسي التي يجدها المكروب في الدنيا إذا رأى غيرَه قد أصابه مثلُ الذي أصابه. والفاعل بـ ﴿يَنْفَعَكُمُ﴾: قوله: ﴿أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾، و ﴿إِذْ ظَلَمْتُمْ﴾: تعليلٌ معناه: بسبب ظلمكم. وقيل: الفاعل مضمر، وهو التبرُّؤ (١) الذي يقتضيه قوله: ﴿يَالَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ﴾ و ﴿أَنَّكُمْ﴾ على هذا تعليلٌ. والأول أرجح. ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ﴾ الآية؛ خطابٌ للنبي ﷺ . والمراد بالصُّمِّ والعُمي: الكفار؛ إذ كانوا لا يعقلون براهين الإسلام. ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُم مُنْتَقِمُونَ (٤١)﴾ ﴿إِمَّا﴾ مركبةٌ من «إِنْ» الشرطية و «ما» الزائدة. ومقصد الآية: وعيدٌ للكفار. والمعنى: إن عجَّلنا وفاتَكَ قبل الانتقام منهم فإنا سننتقم منهم بعد وفاتِك، وإن أخَّرنا وفاتك إلى حين الانتقام منهم فإنا عليهم مقتدرون.

стр. 2294

وهذا الانتقام يحتمل: أن يريد به قتلهم يوم بدر، وفتح مكة وشبه ذلك من الانتقام (١) في الدنيا. أو يريد به عذاب الآخرة. وقيل: إن الضمير في ﴿مِنْهُم مُنْتَقِمُونَ﴾ للمسلمين، وأن معنى ذلك: أن الله قضى أن ينتقم منهم بالفتن والشدائد، وأنه أكرم نبيَّه ﷺ بأن توفَّاه قبل أن يرى الانتقام من أمته. والأول أظهر وأشهر. ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ الضمير في ﴿إِنَّهُ﴾: للقرآن أو للإسلام. والذكر هنا: بمعنى الشرف، وقوم النبي ﷺ : هم قريش ثم سائر العرب؛ فإنهم نالوا بالإسلام شرف الدنيا والآخرة، ويكفيك أن فتحوا مشارق الأرض ومغاربها، وصارت فيهم الخلافة والملك، وورد عن ابن عباس: أنه لما نزلت هذه الآية عَلِمَ رسول الله ﷺ أن الأمر بعده لقريش. ويحتمل أن يريد بالذكر: التذكير والموعظة، فقومه على هذا: أمته كلهم وكلُّ من بُعِثَ إليهم. ﴿وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ أي: تسألون عن العمل بالقرآن، وعن شكر الله عليه. ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا﴾ إن قيل: كيف أُمر النبي ﷺ أن يسأل الرسل المتقدّمين وهو لم يدركهم؟

стр. 2295

فالجواب أن فيه ثلاثة أقوال: الأول: أنه رآهم ليلة الإسراء. الثاني: أن المعنى: اسأل أمة من أرسلنا قبلك. والثالث: أنه لم يُرِدْ سؤالهم حقيقةً، وإنما المعنى: أن شرائعهم متفقةٌ على توحيد الله، بحيث لو سئلوا: هَلْ مع الله آلهة يعبدون؟؛ لأنكروا ذلك ودانوا بالتوحيد.

стр. 2296

[﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٦) فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِآيَاتِنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ (٤٧) وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤٨) وَقَالُوا يَاأَيُّهَ السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ (٤٩) فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (٥٠) وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَاقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٥١) أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (٥٢) فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (٥٣) فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (٥٤) فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٥) فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ (٥٦)﴾]. ﴿وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا﴾ الآيات هنا: المعجزات؛ كقلب العصا حيةً، وإخراج اليد بيضاءَ. وقيل: البراهين والحجج العقلية. والأول أظهر. ومعنى ﴿أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا﴾: أنها في غاية الكِبَر والظهور، ولم يُرِد تفضيلها على غيرها من آياته، إنما المعنى: أنها إذا نُظِرَتْ وُجِدَتْ كبيرةً، وإذا نُظِرَ غيرُها وُجِدَتْ كبيرةً، فهو كقول الشاعر: مَنْ تَلْقَ منهم تَقُلْ: لَاقَيْتُ سَيِّدَهُمْ (١) … ..............................

стр. 2297

هكذا قال الزمخشري (١). ويحتمل عندي أن يريد: ما نريهم من آية إلَّا هي أكبر مما تقدَّمها، فالمراد: أكبر من أختها المتقدِّمة عليها. ﴿وَقَالُوا يَاأَيُّهَ السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ ظاهر كلامهم هذا التناقض؛ فإن قولهم: ﴿يَاأَيُّهَ السَّاحِرُ﴾ يقتضي تكذيبهم له، وقولهم: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ يقتضي تصديقه؟ والجواب من وجهين: أحدهما: أن القائلين لذلك كانوا مكذِّبين، وقولهم: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ يريدون على قولك وبزعمك، وقولهم: ﴿إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ﴾ وَعْدٌ نَوَوْا إخلافه. والآخر: أنهم كانوا مصدِّقين، وقولهم: ﴿يَاأَيُّهَ السَّاحِرُ﴾: إما أن يكون عندهم غيرَ مذموم؛ لأن السحر كان عِلْمَ أهل زمانهم، وكأنهم قالوا: يا أيها العالم. وإما أن يكون ذلك اسمًا قد أَلِفوا تسميةَ موسى به من أول ما جاءهم، فنطقوا به بعد ذلك من غير اعتقاد معناه. ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ﴾ يحتمل: أن ناداهم بنفسه، أو أمر مناديًا ينادي فيهم. ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ﴾ قصد بذلك الافتخار على موسى.

стр. 2298

و ﴿مِصْرَ﴾ هي البلد المعروف وما يرجع إليه، ومنتهى ذلك: من نهر إسكندرية إلى أسوان بطول النيل. ﴿وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ يعني: الخُلجان الكبار الخارجة من النيل، كانت تجري تحت قصوره، وأعظمها أربعة أنهار: نهر الإسكندرية، وتِنِّيس، ودمياط، ونهر طُولون. ﴿أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٥١) أَمْ أَنَا خَيْرٌ﴾ مذهب سيبويه: أن ﴿أَمْ﴾ هنا متصلة معادِلة، والمعنى: أفلا تبصرون أم تبصرون؟، ثم وضع قوله: ﴿أَنَا خَيْرٌ﴾ موضع «تبصرون»؛ لأنهم إذا قالوا له: «أنت خير» فهم عنده بُصَراء، وهذا من وضع السبب موضع المسَبَّب. وقيل: الأصل أن يقول: «أفلا تبصرون أم تبصرون»، ثم اقتصر على «أم»، وحذف الفعل الذي بعدها، واستأنف قوله: ﴿أَنَا خَيْرٌ﴾ على وجه الإخبار، ويوقف على هذا القول على ﴿أَمْ﴾، وهذا ضعيف. وقيل: ﴿أَمْ﴾ بمعنى: «بل»، فهي منقطعة. ﴿مَهِينٌ﴾ أي ضعيف حقير، قاله الزمخشري (١) وغيره. ﴿وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ إشارةً إلى ما بقي في لسان موسى من أثر الجَمْرة، وذلك أنها كانت قد أحدثت في لسانه عقدةً، فلما دعا أن تُحَلَّ أجيبت دعوته وبقي منها أثرٌ كان معه لَكَنٌ. وقيل: يعني: العِيَّ في الكلام.

стр. 2299

وقوله: ﴿وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ يقتضي أنه كان يُبين؛ لأن «كاد» إذا نُفيت تقتضي الإثبات. ﴿فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْاوِرَةٌ مِن ذَهَبٍ﴾ يريد: لولا ألقاها الله إليه كرامةً له ودلالةً على نبوّته؟ والأساورةُ: جمع سِوَار وإسوار، وهو ما يُجعل في الذراع من الحَلْي، وكان الرجال حينئذ يجعلونه. ﴿مُقْتَرِنِينَ﴾ أي: مقترنين به لا يفارقونه. أو متقارنين (١) بعضهم مع بعض؛ ليشهدوا له، ويقوموا بحجته. ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ﴾ أي: طلب خِفَّتهم بهذه المقالة واستهوى عقولهم. ﴿آسَفُونَا﴾ أي: أغضبونا. ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ (٥٦)﴾ السَّلَف بفتح السين واللام: جمع سالف. وقرئ بضمهما: جمع سَلِيف، ومعناه: متقدّم؛ أي: تقدّم قبل الكفار؛ ليكون موعظةً لهم، ومثلًا يعتبرون به؛ لئلا يصيبهم مثلُ ذلك.

стр. 2300

[﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (٥٧) وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (٥٨) إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩) وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ (٦٠) وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٢) وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٦٣) إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦٤) فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٦٥) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٦٦) الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ (٦٧)﴾]. ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ روي عن ابن عباس وغيره في تفسيره هذه الآية: أنه لما نزل في القرآن ذكر عيسى ابن مريم والثناء عليه، قالت قريش: ما يريد محمد إِلَّا أن نعبده نحن كما عبدت النصارى عيسى؛ فهذا كان صدودهم مِنْ ضَرْبِه مَثَلًا، حكى ذلك ابن عطية (١). والذي ضَرَب المثل على هذا: هو الله في القرآن. و ﴿يَصِدُّونَ﴾ بمعنى: يُعرضون. وقال الزمخشري: لما قرأ رسول الله ﷺ على قريش: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] امتعضوا من ذلك، فقال عبد الله بن الزِّبَعْرَى: أخاصة لنا ولآلهتنا أم لجميع الأمم؟ فقال ﷺ : «هو لكم ولآلهتكم ولجميع الأمم»، فقال: خصمتُك وربِّ الكعبة!، ألست

стр. 2301

تزعم أن عيسى بن مريم نبيّ وتثني عليه خيرًا، وقد علمت أن النصارى عبدوه؟، فإن كان عيسى في النار فقد رضينا أن نكون نحن وآلهتنا معه، ففرحت قريش بذلك وضحكوا، وسكت النبي ﷺ ، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١)﴾ [الأنبياء: ١٠١] ونزلت هذه الآية (١)، فالمعنى على هذا: لما ضرب ابن الزَّبَعرى عيسى مثلًا، وجادل رسول الله ﷺ بعبادة النصارى إيَّاه، إذا قريش من هذا المثل يَصِدُّون أي: يَضِجُّون (٢) ويصيحون من الفرح (٣). وهذا المعنى إنما يجري على قراءة ﴿يَصِدُّونَ﴾ بكسر الصاد؛ بمعنى الضَّجيج والصياح. ﴿وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ﴾ يعنون بـ ﴿هُوَ﴾ عيسى، والمعنى: أنهم قالوا آلهتنا خير أم عيسى؟، فإن كان عيسى يدخل النار فقد رضينا أن نكون نحن وآلهتنا معه؛ لأنه خير من آلهتنا. وهذا الكلام من تمام ما قبله على ما ذكر الزمخشري في تفسير الآية التي قبله. وأما على ما ذكر ابن عطية: فهذا (٤) ابتداء معنى (٥) آخر.

стр. 2302

وحكى الزمخشري في معنى هذه الآية قولًا آخر: وهو أنهم لما سمعوا ذكر عيسى قالوا: نحن أهدى من النصارى؛ لأنهم عبدوا آدميًا ونحن عبدنا الملائكة، وقالوا: ﴿أَآلِهَتُنَا﴾ وهم الملائكة ﴿خَيْرٌ أَمْ﴾ عيسى؟ (١)، فقصْدُهم: تفضيل آلهتهم على عيسى. وقيل: إن قولهم ﴿أَمْ هُوَ﴾ يعنون به: محمدًا ﷺ ، فإنهم لما قالوا: إنما يريد محمد أن نعبده كما عبدت النصارى عيسى قالوا: ﴿أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ﴾؟ يريدون تفضيل آلهتهم على محمد. والأظهر: أن المراد بـ ﴿هُوَ﴾: عيسى، وهو قول الجمهور، ويدلُّ على ذلك تقدُّمُ ذكره. ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا﴾ أي: ما ضربوا لك هذا المثل إلَّا على وجه الجدل، وهو أن يقصد الإنسان أن يغلب مَنْ يناظره، سواءٌ غلبه بحقٍّ أو بباطل، فإن ابن الزِّبَعْرَى وأمثاله ممن لا يخفى عليه أن عيسى لم يدخل في قوله تعالى: ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾، ولكنهم أرادوا المغالطة، فوصفهم الله بأنهم ﴿قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾. ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ﴾ يعني: عيسى، والإنعامُ عليه: بالنبوة والمعجزات، وغير ذلك. ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ (٦٠)﴾ في معناها قولان: أحدهما: لو نشاء لجعلنا بدلًا منكم ملائكةً يسكنون الأرضَ، ويخلفون

стр. 2303

فيها بني آدم، فقوله ﴿مِنكُمْ﴾ يتعلَّق: بـ «بدلًا» المحذوف، أو بـ ﴿يَخْلُفُونَ﴾. والآخر: لو نشاء لجعلنا منكم؛ أي: لوَلَدْنا منكم أولادًا ملائكةً يخلفونكم في الأرض كما يخلفكم أولادكم؛ فإنا قادرون على أن نخلق من أولاد الناس ملائكةً، فلا تنكروا أنْ خلقنا عيسى من غير والد. حكى ذلك الزمخشري (١). ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ الضمير: لعيسى. وقيل: لمحمد ﷺ . وقيل: للقرآن. فأما على القول بأنه لعيسى أو لمحمد: فالمعنى: أنه شَرْطٌ من أشراط الساعة، يوجب العلم بها، فسمَّى الشَّرْطَ عِلْمًا؛ لحصول العلم به، ولذلك قرئ ﴿لَعَلَمٌ﴾ بفتح العين واللام؛ أي: علامة. وأما على القول بأنه للقرآن: فالمعنى: أنه يُعْلِمكم بالساعة. ﴿وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ إنما بيَّن البعض دون الكل؛ لأن الأنبياء إنما يبينون أمور الدين لا أمور الدنيا. وقيل: ﴿بَعْضَ﴾ بمعنى: «كلٍّ»، وهو ضعيف. ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ﴾ ذكر في «مريم» (٢).

стр. 2304

﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ﴾ أي: ينتظرون، والضمير: لقريش، أو للأحزاب. ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ ﴿الْأَخِلَّاءُ﴾: جمع خليل وهو الصديق، وإنما يعادي الخليل خليله يوم القيامة؛ لأن الضرر دخل عليه من صحبته، ولذلك استثنى المتقين؛ لأن النفع دخل على بعضهم من بعض.

стр. 2305

[﴿يَاعِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٦٨) الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ (٦٩) ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ (٧٠) يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٧١) وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧٢) لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ (٧٣) إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (٧٤) لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٥) وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ (٧٦) وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ (٧٧) لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (٧٨) أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ (٧٩) أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (٨٠) قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (٨١) سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٨٢) فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٨٣) وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (٨٤) وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٥) وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٨٦) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٨٧) وَقِيلِهِ يَارَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ (٨٨) فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٨٩)﴾]. ﴿يَاعِبَادِ﴾ الآية؛ تقديرها: يقول الله للمتقين يوم القيامة: ﴿يَاعِبَادِ لَا خَوْفٌ﴾ ﴿عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ (٦٨)﴾. ﴿تُحْبَرُونَ﴾ أي: تُنَعَّمُون وتُسَرُّونَ (١). ﴿وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ أي: يائسون من الخير.

стр. 2306

﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ المعنى: أنهم طلبوا الموت ليستريحوا من العذاب. وروي أن مالكًا يبقى بعد ذلك ألف سنة، وحينئذ يقول لهم: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ أي: دائمون في النار. ﴿لَقَدْ جِئْنَاكُم بِالْحَقِّ﴾ الآية؛ من كلام الله تعالى لأهل النار. أو من كلام الله لقريش في الدنيا. ﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ (٧٩)﴾ الضمير لكفار قريش، والمعنى: أم أحكموا كيدًا للنبي ﷺ ؛ فإنا مُحْكِمون نصره وحمايته. ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ﴾ الآية؛ روي أنها نزلت في الأخنس بن شَرِيق والأسود بن عبد يغوث، اجتمعا وقال الأخنس: أترى الله يسمع سِرَّنا؟ فقال الآخر: يسمع نجوانا ولا يسمع سِرَّنا. ﴿سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم﴾ السِّرُّ: ما حدَّث الإنسان به نفسه أو غيره في خفية، والنجوى: ما تكلموا به فيما بينهم. ﴿بَلَى﴾ أي: نسمع، ورسلنا مع ذلك تكتب ما يقولون. والرسل هنا: الملائكة الحافظون للأعمال. ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (٨١)﴾ في تأويل الآية أربعة أقوال: الأول: أنها احتجاجٌ وردٌّ على الكفار، على تقدير قولهم، ومعناها: لو كان للرحمن ولد كما يقول الكفار لكنتُ أنا أول مَنْ يعبد ذلك الولد؛

стр. 2307

كما يعظّمُ خَديم (١) الملك ولد الملك لتعظيم أبيه، ولكن ليس للرحمن ولد؛ فلست بعابد إلا الله وحده. وهذا نوع من الأدلة يسمى دليل التلازم؛ لأنه علّق عبادة الولد بوجوده، ووجوده محال؛ فعبادته محال. ونظير هذا: أن يقول المالكي إذا قصد الردّ على الحنفي في تحليل النبيذ: إن كان النبيذ غير مسكر فهو حلال، لكنه مسكر؛ فهو حرام. القول الثاني: أن المعنى: إن كان للرحمن ولد فأنا أول من عبد الله ووحده وكذّبكم في قولكم: إن له ولدًا. و ﴿الْعَابِدِينَ﴾ على هذين القولين: بمعنى العبادة. القول الثالث: أن العابدين بمعنى المنكرين، يقال عَبَدَ الرجلُ: إذا أنف (٢) وأنكر الشيء، والمعنى: إن زعمتم أن للرحمن ولدًا فأنا أول المنكرين لذلك. و ﴿إِنْ﴾ على هذه الأقوال الثلاثة: شرطية. القول الرابع: قال قتادة وابن زيد: ﴿إِنْ﴾ هنا نافيةٌ، بمعنى: «ما كان للرحمن ولد»، وتمَّ الكلام، ثم ابتدأ قوله: ﴿فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾. والأول هو الصحيح؛ لأنه طريقة معروفة في البراهين والأدلة، وهو الذي عوّل عليه الزمخشري (٣).

стр. 2308

وقال الطبري: هو ملاطفةٌ في الخطاب، ونحوه قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤] (١). وقال ابن عطية: منه قوله تعالى في مخاطبة الكفار: ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ﴾ (٢)، يعني: شركائي على قولكم. ﴿فَذَرْهُمْ﴾ الآية؛ موادعةٌ منسوخة بالسيف. ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ أي: هو إله أهل الأرض وأهل السماء. والمجرور يتعلق بـ ﴿إِلَهٌ﴾؛ لأن فيه معنى الوصفية. ﴿وَعِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ أي: علم زمان وقوعها. ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ﴾ أي: لا يملك كل من عُبِد من دون الله أن يشفع عند الله؛ لأن الله لا يشفع أحدٌ عنده إلَّا بإذنه؛ فهو المالك للشفاعة وحده. ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ اختُلف هل يعني: بـ ﴿مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ﴾ الشافع أو المشفوع فيه؟ [أ -] فإن أراد المشفوع فيه: فالاستثناء منقطع، والمعنى: لا يملك المعبودون شفاعةً؛ لكن من شهد بالحق وهو عالم به فهو الذي يُشفع فيه، ويحتمل على هذا أن يكون ﴿مَنْ شَهِدَ﴾ مفعولًا بـ ﴿الشَّفَاعَةَ﴾ على

стр. 2309

إسقاط حرف الجر، تقديره: الشفاعة فيمن شهد بالحق. [ب -] وإن أراد بـ ﴿مَنْ شَهِدَ﴾ الشافع: فيحتمل أن يكون الاستثناء: منقطعًا. وأن يكون متصلًا؛ لأن فيمن عُبِد: عيسى والملائكة. والمعنى على هذا: لا يملك المعبدون شفاعةً إلَّا مَنْ شهد منهم بالحق. ﴿وَقِيلَهُ يَارَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ القيل: مصدرٌ كالقول، والضمير يعود على النبي ﷺ . وقرئ: ﴿وَقِيلَهُ﴾ بالنصب والخفض، وقرئ في غير السبع بالرفع. [أ -] فأما النصب: فقيل: هو معطوف على ﴿سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم﴾. وقيل: معطوف على موضع ﴿السَّاعَةِ﴾؛ لأنها مفعول أضيف إلى المصدر (١). وقيل: معطوف على مفعول ﴿يَكْتُبُونَ﴾، وهو محذوف، تقديره: يكتبون أقوالهم وقيله. [ب -] وأما الخفض: فقيل: إنه معطوف على لفظ ﴿السَّاعَةِ﴾. ويحتمل أن يكون معطوفًا على قوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾.

стр. 2310

[ج -] وأما الرفع: فقيل: إنه مبتدأ، وخبره ما بعده. وضَعَّف الزمخشري ذلك كلَّه، وقال: إنه من باب القسم: فالنصب والخفض: على إضمار حرف القسم كقولك: «الله لأضربنَّ زيدًا» (١). والرفع: كقولهم: «أَيْمُنُ الله» و «لعمرُك». وجواب القسم: قوله: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ﴾، كأنه قال: أُقسم بقيلي إن هؤلاء قوم لا يؤمنون. ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ﴾ منسوخٌ بالسيف. ﴿وَقُلْ سَلَامٌ﴾ تقديره: أمري سلام؛ أي: مسالمة. وقيل: «سلامٌ عليكم» على جهة الموادعة. وهو منسوخٌ على الوجهين. ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ تهديدٌ.

стр. 2311

(سورة الدخان) [﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (٣) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤) أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٥) رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦) رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٧) لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٨) بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ (٩) فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١) رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (١٢) أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (١٣) ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ (١٤) إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ (١٥) يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ (١٦) وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ (١٧) أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٨) وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (١٩) وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ (٢٠) وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ (٢١) فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ (٢٢) فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (٢٣) وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ (٢٤) كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٢٦) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (٢٧) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ (٢٨) فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ (٢٩)﴾] ﴿وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢)﴾ ذكر في «الزخرف» (١).

стр. 2312

وهو قسَمٌ جوابُه: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ﴾. وقيل: ﴿إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ﴾، وهو بعيد. ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ يعني: ليلة القدر من رمضان. وكيفية إنزاله فيها: أنه أُنزل إلى السماء الدنيا جملةً واحدةً، ثم نزل به جبريل على النبي ﷺ شيئًا بعد شيء. وقيل: معناه أنه ابتدئ إنزالُه في ليلة القدر. وقيل: يعني بالليلة المباركة: ليلة النصف من شعبان وذلك باطل؛ لقوله: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١)﴾ [القدر: ١] مع قوله: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥]. ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤)﴾ معنى ﴿يُفْرَقُ﴾: يُفْصَل ويُخَلَّص. والأمر الحكيم: أرزاق العباد وآجالهم، وجميع أمورهم في ذلك العام، تُنسخ من اللوح المحفوظ في ليلة القدر؛ ليمتثل الملائكة ذلك بطول السنة القابلة. وقد قيل: إن هذا يكون ليلة النصف من شعبان، وهو باطل؛ لما قدَّمنا. ﴿أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا﴾ مفعول بفعل مضمر على الاختصاص، قاله الزمخشري (١). وقال ابن عطية: نصبٌ على المصدر (٢).

стр. 2313

وقيل: على الحال. ﴿مُرْسِلِينَ﴾ من إرسال الرسل ﵈. وقيل: من إرسال الرحمة. والأول أظهر. ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠)﴾ فيه قولان: أحدهما: قول علي بن أبي طالب وابن عباس: أن الدخان يكون قبل يوم القيامة، يصيب المؤمنَ منه مثلُ الزكام، وينضج رؤوس الكافرين والمنافقين، وهو من أشراط الساعة، ورَوَى حذيفة أن رسول الله ﷺ قال: «إن أول آيات (١) الساعة الدخان» (٢). والثاني: قول ابن مسعود: إن الدخان عبارةٌ عما أصاب قريشًا حين دعا عليهم رسول الله ﷺ بالجدب، فكان الرجل يرى دخانًا بينه وبين السماء من شدَّة الجوع، قال ابن مسعود: خمسٌ قد مَضَينَ: الدخان، واللِّزام، والبَطشة، والقمر، والرُّوم (٣). ﴿هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ يَحتمل أن يكون: من قول الله تعالى. أو من قول الناس لما أصابهم الدخان، وهذا أظهر؛ لأن ما بعده من

стр. 2314

كلامهم باتفاق فيكون الكلام مُتَنَاسِقًا. ﴿أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى﴾ هذا من كلام الله تعالى، ومعناه: استبعاد تذكُّر الكفار مع تكذيبهم للنبيِّ ﷺ . والواو في قوله: ﴿وَقَدْ جَاءَهُمْ﴾ واو الحال. ﴿وَرَسُولٌ مُبِينٌ﴾ يعني: محمدًا ﷺ . ﴿وَقَالُوا مُعَلَّمٌ﴾ أي: يُعلّمه بشر. ﴿الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾ ابن عباس: هي يوم القيامة. ابن مسعود: هي يوم بدر. (﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا﴾ فَعَلْنَا معهم فعلَ المختبِر؛ ليظهر منهم ما سبق في علمنا) (١). ﴿رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾ يعني: موسى ﵇. ﴿أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ﴾ ﴿أَنْ﴾ هنا مفسِّرة نابت مَناب القول، و ﴿أَدُّوا﴾ فعل أمرٍ من الأداء، و ﴿عِبَادَ اللَّهِ﴾ مفعول به، وهم بنو إسرائيل. والمعنى: أرسلوا بني إسرائيل كما قال في «طه»: ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [طه: ٤٧]. وقيل: ﴿عِبَادَ اللَّهِ﴾ منادى، والمعنى: أدُّوا إليَّ الطاعة والإيمان يا عباد الله. والأول أظهر.

стр. 2315

﴿وَأَنْ لَا تَعْلُوا﴾ أي: لا تتكبَّروا. ﴿بِسُلْطَانٍ﴾ أي: حجة وبرهان. ﴿تَرْجُمُونِ﴾ اختلف هل معناه: الرجم بالحجارة أو السبُّ؟، والأول أظهر. ﴿فَاعْتَزِلُونِ﴾ أي: اتركوني، وخلُّوا سبيلي. ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي﴾ هذا أمرٌ من الله لموسى ﵇، والعباد هنا: بنو إسرائيل أي: اخرج بهم بالليل. ﴿إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ﴾ إخبارٌ أن فرعون وجنوده يتبعونهم. ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا﴾ أي: ساكنًا على هيئته. وقيل: يابسًا. وروي أن موسى لما جاوز (١) البحر أراد أن يضربه بعصاه فينطبق، كما ضربه فانفلق، فقال الله له: اتركه كما هو؛ ليدخله فرعون وقومه فيغرقوا. وقيل: معنى ﴿رَهْوًا﴾: سهلًا. وقيل: منفرجًا. ﴿وَعُيُونٍ﴾ يَحتمل أن يريد: الخُلجان الخارجة من النيل. أو كانت ثمَّ عيون في ذلك الزمان.
следующие страницы →