← Тафсир

Тафсир · id 30186

تفسير ابن جزي التسهيل لعلوم التنزيل - ط طيبة الخضراء

ابن جزي الكلبي

Полный текст (3 030 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.

стр. 2311

(سورة الدخان) [﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (٣) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤) أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٥) رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦) رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٧) لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٨) بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ (٩) فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١) رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (١٢) أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (١٣) ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ (١٤) إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ (١٥) يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ (١٦) وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ (١٧) أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٨) وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (١٩) وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ (٢٠) وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ (٢١) فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ (٢٢) فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (٢٣) وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ (٢٤) كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٢٦) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (٢٧) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ (٢٨) فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ (٢٩)﴾] ﴿وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢)﴾ ذكر في «الزخرف» (١).

стр. 2312

وهو قسَمٌ جوابُه: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ﴾. وقيل: ﴿إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ﴾، وهو بعيد. ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ يعني: ليلة القدر من رمضان. وكيفية إنزاله فيها: أنه أُنزل إلى السماء الدنيا جملةً واحدةً، ثم نزل به جبريل على النبي ﷺ شيئًا بعد شيء. وقيل: معناه أنه ابتدئ إنزالُه في ليلة القدر. وقيل: يعني بالليلة المباركة: ليلة النصف من شعبان وذلك باطل؛ لقوله: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١)﴾ [القدر: ١] مع قوله: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥]. ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤)﴾ معنى ﴿يُفْرَقُ﴾: يُفْصَل ويُخَلَّص. والأمر الحكيم: أرزاق العباد وآجالهم، وجميع أمورهم في ذلك العام، تُنسخ من اللوح المحفوظ في ليلة القدر؛ ليمتثل الملائكة ذلك بطول السنة القابلة. وقد قيل: إن هذا يكون ليلة النصف من شعبان، وهو باطل؛ لما قدَّمنا. ﴿أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا﴾ مفعول بفعل مضمر على الاختصاص، قاله الزمخشري (١). وقال ابن عطية: نصبٌ على المصدر (٢).

стр. 2313

وقيل: على الحال. ﴿مُرْسِلِينَ﴾ من إرسال الرسل ﵈. وقيل: من إرسال الرحمة. والأول أظهر. ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠)﴾ فيه قولان: أحدهما: قول علي بن أبي طالب وابن عباس: أن الدخان يكون قبل يوم القيامة، يصيب المؤمنَ منه مثلُ الزكام، وينضج رؤوس الكافرين والمنافقين، وهو من أشراط الساعة، ورَوَى حذيفة أن رسول الله ﷺ قال: «إن أول آيات (١) الساعة الدخان» (٢). والثاني: قول ابن مسعود: إن الدخان عبارةٌ عما أصاب قريشًا حين دعا عليهم رسول الله ﷺ بالجدب، فكان الرجل يرى دخانًا بينه وبين السماء من شدَّة الجوع، قال ابن مسعود: خمسٌ قد مَضَينَ: الدخان، واللِّزام، والبَطشة، والقمر، والرُّوم (٣). ﴿هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ يَحتمل أن يكون: من قول الله تعالى. أو من قول الناس لما أصابهم الدخان، وهذا أظهر؛ لأن ما بعده من

стр. 2314

كلامهم باتفاق فيكون الكلام مُتَنَاسِقًا. ﴿أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى﴾ هذا من كلام الله تعالى، ومعناه: استبعاد تذكُّر الكفار مع تكذيبهم للنبيِّ ﷺ . والواو في قوله: ﴿وَقَدْ جَاءَهُمْ﴾ واو الحال. ﴿وَرَسُولٌ مُبِينٌ﴾ يعني: محمدًا ﷺ . ﴿وَقَالُوا مُعَلَّمٌ﴾ أي: يُعلّمه بشر. ﴿الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾ ابن عباس: هي يوم القيامة. ابن مسعود: هي يوم بدر. (﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا﴾ فَعَلْنَا معهم فعلَ المختبِر؛ ليظهر منهم ما سبق في علمنا) (١). ﴿رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾ يعني: موسى ﵇. ﴿أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ﴾ ﴿أَنْ﴾ هنا مفسِّرة نابت مَناب القول، و ﴿أَدُّوا﴾ فعل أمرٍ من الأداء، و ﴿عِبَادَ اللَّهِ﴾ مفعول به، وهم بنو إسرائيل. والمعنى: أرسلوا بني إسرائيل كما قال في «طه»: ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [طه: ٤٧]. وقيل: ﴿عِبَادَ اللَّهِ﴾ منادى، والمعنى: أدُّوا إليَّ الطاعة والإيمان يا عباد الله. والأول أظهر.

стр. 2315

﴿وَأَنْ لَا تَعْلُوا﴾ أي: لا تتكبَّروا. ﴿بِسُلْطَانٍ﴾ أي: حجة وبرهان. ﴿تَرْجُمُونِ﴾ اختلف هل معناه: الرجم بالحجارة أو السبُّ؟، والأول أظهر. ﴿فَاعْتَزِلُونِ﴾ أي: اتركوني، وخلُّوا سبيلي. ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي﴾ هذا أمرٌ من الله لموسى ﵇، والعباد هنا: بنو إسرائيل أي: اخرج بهم بالليل. ﴿إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ﴾ إخبارٌ أن فرعون وجنوده يتبعونهم. ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا﴾ أي: ساكنًا على هيئته. وقيل: يابسًا. وروي أن موسى لما جاوز (١) البحر أراد أن يضربه بعصاه فينطبق، كما ضربه فانفلق، فقال الله له: اتركه كما هو؛ ليدخله فرعون وقومه فيغرقوا. وقيل: معنى ﴿رَهْوًا﴾: سهلًا. وقيل: منفرجًا. ﴿وَعُيُونٍ﴾ يَحتمل أن يريد: الخُلجان الخارجة من النيل. أو كانت ثمَّ عيون في ذلك الزمان.

стр. 2316

وقيل: يعني: الذهب والفضة، وهو بعيد. ﴿وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾ فيه قولان: المنابر. والمساكن الحسان. ﴿وَنَعْمَةٍ﴾ من التنعمُ بالأرزاق وغيرها. ﴿فَاكِهِينَ﴾ أي: متنعمين. وقيل: فرحين (١). وقيل: أصحاب فاكهة. ﴿كَذَلِكَ﴾ في موضع نصب؛ أي: مثل ذلك الإخراج أخرجناهم. أو في موضع رفع؛ تقديره: الأمر كذلك. ﴿وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾ يعني: بني إسرائيل، حكاه الزمخشري (٢) والماوردي (٣)، وضعفه ابن عطية، قال: لأنه لم يُرْوَ في مشهور التواريخ أن بني إسرائيل رجعوا إلى مصر في ذلك الزمان (٤). وقد قال الحسن: إنهم رجعوا إليها.

стр. 2317

ويدلُّ على أن المراد بنو إسرائيل قوله في الشعراء: ﴿وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ٥٩]. ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾ فيه ثلاثة أقوال: الأول: أنه عبارةٌ عن تحقيرهم، وذلك أنه إذا مات رجل خطير قالت العرب في تعظيمه: «بكت عليه السماء والأرض» على وجه المجاز والمبالغة، فالمعنى: أن هؤلاء ليسوا كذلك؛ لأنهم أحقر من أن يُبالَى بهم. الثاني: قيل: إذا مات المؤمن بكى عليه مِنْ الأرض موضعُ عبادته، ومن السماء موضعُ صعود عمله، فالمعنى: أن هؤلاء ليسوا كذلك؛ لأنهم كفارٌ ليس لهم عمل صالح. الثالث: أن المعنى: ما بكى عليهم أهلُ السماء ولا أهل الأرض. والأوَّل أفصح، وهو مَنْزَعٌ معروفٌ في كلام العرب. ﴿كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾ أي: مؤخَّرين.

стр. 2318

[﴿وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ (٣٠) مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ (٣١) وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٢) وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الْآيَاتِ مَا فِيهِ بَلَاءٌ مُبِينٌ (٣٣) إِنَّ هَؤُلَاءِ لَيَقُولُونَ (٣٤) إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ (٣٥) فَأْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٦) أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (٣٧) وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (٣٨) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣٩) إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٠) يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤١) إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٤٢)﴾]. ﴿مِنْ فِرْعَوْنَ﴾ بدل من ﴿الْعَذَابِ﴾. ﴿عَالِيًا﴾ أي: متكبرًا. ﴿اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ﴾ أي: كنّا عالمين بأنهم مستحقُّون لذلك. ﴿عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ أي: على أهل زمانهم. ﴿بَلَاءٌ مُبِينٌ﴾ أي: اختبارٌ. ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ﴾ يعني: كفار قريش. ﴿فَأْتُوا بِآبَائِنَا﴾ خاطبت قريشٌ بذلك النبيَّ ﷺ وأصحابه على وجه التعجيز. وروي أنهم طلبوا أن يُحْيِيَ لهم قصيَّ بن كلاب؛ ليسألوه عن الآخرة. ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ﴾ كان تبع ملكًا من حِمْيَر كان مؤمنًا وقومه كفارٌ، فذمَّ الله قومه ولم يذمَّه.

стр. 2319

وروي عن النبي ﷺ أنه قال: «ما أدري أكان تبع نبيًّا أو غير نبيّ» (١). ومعنى الآية: أقريش أشدُّ وأقوى أم قوم تبع والذين من قبلهم من الكفار؟ وقد أهلكنا قوم تبع وغيرهم لما كفروا؛ فكذلك نُهلك هؤلاء، فمقصود الكلام (٢) تهديدٌ. ﴿وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ عطفٌ على ﴿قَوْمُ تُبَّعٍ﴾. وقيل: هو مبتدأ، فيُوقف قبله. والأول أصح. ﴿لَاعِبِينَ﴾ حالٌ منفيّة، ذُكرت في «الأنبياء» (٣). ﴿يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى﴾ المولى هنا: يعم الوليّ والقريب وغير ذلك من الموالي. ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ﴾ استثناءٌ: منقطع: إن أراد بقوله: ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ الكفار. ومتصلٌ: إن أراد بذلك جميع الناس.

стр. 2320

[﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ (٤٤) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (٤٥) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (٤٦) خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٤٧) ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ (٤٨) ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩) إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ (٥٠) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ (٥١) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٢) يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ (٥٣) كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٥٤) يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ (٥٥) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٥٦) فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٥٧) فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥٨) فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ (٥٩)﴾] ﴿طَعَامُ الْأَثِيمِ (٤٤)﴾ أي: الفاجر، وهو من الإثمِ. وقيل: يعني: أبا جهل، فالألف واللام للعهد. والأظهر أنها للجنس؛ فتعم أبا جهل وغيره. ﴿كَالْمُهْلِ﴾ هو دُرْدِيُّ الزيتِ. وقيل: ما يذوب (١) من الرصاص وغيره. ﴿فَاعْتِلُوهُ﴾ أي: سوقوه بتعنيف. ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ (٤٨)﴾ المصبوب في الحقيقة إنما هو الحميم، وهو الماء الحار، ولكن جَعَل المصبوب هنا العذاب المضاف إلى الحميم مجازًا؛ لأن ذلك أبلغُ وأشدُّ تهويلًا، وقد جاء الأصل في قوله: ﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ﴾ [الحج: ١٩].

стр. 2321

﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩)﴾ يقال للكافر هذا على وجه التوبيخ والتهكم به؛ أي: كنت العزيز الكريم عند نفسك. وروي أن أبا جهل قال: ما بين جبليها أعزُّ مني ولا أكرم، فنزلت الآية. ﴿تَمْتَرُونَ﴾ تفتعلون من المرية، وهو الشك. ﴿فِي مَقَامٍ أَمِينٍ﴾ قرئ: بضم الميم؛ أي: موضع إقامة. وبفتحها؛ أي: موضع قيام. والمراد به: الجنة. والأمين: من الأَمْن؛ أي: مأمون فيه. وقيل: من الأمانة، وصف به المكان مجازًا. ﴿مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ﴾ السندس: الرقيق من الديباج، والإستبرق: الغليظ منه. ﴿كَذَلِكَ﴾ في موضع رفع؛ أي: الأمر كذلك. أو في موضع نصب؛ أي: مثل ذلك زوجناهم. ﴿يَدْعُونَ فِيهَا﴾ أي: يدعون خُدَّامَهم. ﴿إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ استثناء منقطع، والمعنى: لا يذوقون فيها الموت، لكنهم قد ذاقوا الموتة الأولى خاصةً قبل ذلك، ولولا قوله: ﴿فِيهَا﴾ لكان متصلًا؛ لعموم لفظ الموت.

стр. 2322

وقيل: ﴿إِلَّا﴾ هنا بمعنى: بَعْدَ، وذلك ضعيف. ﴿يَسَّرْنَاهُ﴾ الضمير للقرآن. ﴿بِلِسَانِكَ﴾ أي: بِلُغَتِكَ، وهي لسان العرب. ﴿فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ (٥٩)﴾ أي: ارتقب نَصْرَنا لك؛ إنهم مرتقبون ضدَّ ذلك، ففيه وَعْدٌ له ووعيدٌ لهم.

стр. 2323

(سورة الجاثية) [﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (٣) وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٤) وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٥) تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ (٦) وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٧) يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٨) وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (٩) مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلَا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا شَيْئًا وَلَا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠) هَذَا هُدًى وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (١١)﴾] ﴿تَنْزِيلُ﴾ ذُكر في «الزمر» (١). وما بعد ذلك تنبيهٌ على الاعتبار بالموجودات، وقد ذُكِر معناه في مواضع ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ الأفاك: مبالغةٌ من الإفك، وهو الكذب، والأثيم: من الإثم. وقيل: إنها نزلت في النضر بن الحارث. ولفظها على العموم.

стр. 2324

﴿يُصِرُّ﴾ أي: يدوم على حاله من الكفر. وإنما عطفه بـ ﴿ثُمَّ﴾؛ لاستعظام الإصرار على الكفر؛ بعد سماع آيات الله، واستبعادِ ذلك في العقل والطبع. ﴿وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا﴾ أي: إذا بلغه شيء منها، ولم يُرد العلم الحقيقي. ﴿مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ﴾ كقوله: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾ [إبراهيم: ١٧]، وقد ذُكر في «إبراهيم» (١).

стр. 2325

[﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢) وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١٣) قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤) مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١٥) وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (١٦) وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٧) ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨) إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ (١٩) هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٢٠) أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٢١)﴾]. ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ يعني: الشمس والقمر والملائكة وبني آدم والحيوانات والنبات وغير ذلك. ﴿جَمِيعًا مِنْهُ﴾ أي: كل نعمة فمن الله تعالى. والمجرور: في موضع الحال. أو خبر ابتداء مضمر. وقرأ ابن عباس: «مِنَّةً». ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللهِ﴾ أمر الله المؤمنين أن

стр. 2326

يتجاوزوا عن الكفار، وأن لا يؤاخذوهم إذا آذوهم، وكان ذلك في صدر الإسلام. فقيل: إنها منسوخة بالسيف. وقيل: ليست بمنسوخة؛ لأن احتمال الأذى مندوبٌ إليه على كل حال، وأما القتال على الإسلام فليس من ذلك. وروي: أن الآية نزلت في عمر بن الخطاب، شتَمه رجل من الكفار فأراد عمر أن يبطش به. و ﴿أَيَّامَ اللَّهِ﴾ هي نِعَمُهُ (١)، فـ ﴿يَرْجُونَ﴾ على أصله. وقيل: ﴿أَيَّامَ اللَّهِ﴾ عبارةٌ عن عقابه، فالرجاء بمعنى الخوف. و ﴿يَغْفِرُوا﴾ مجزومٌ في جواب شرط مقدَّر، دلَّ عليه: ﴿قُلْ﴾ (٢). قال الزمخشري: حذف معمول القول، والمعنى: قل لهم اغفروا يغفروا (٣). ﴿لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ الفاعل بـ ﴿يَجْزِيَ﴾ ضميرٌ يعود على الله. وقرئ بنون المتكلم. وقال ابن عطية: إن الآية وعيدٌ (٤)، فالقوم على هذا: هم الذين لا يرجون

стр. 2327

أيام الله، و ﴿يَكْسِبُونَ﴾ يعني: السيئات. وقال الزمخشري: القوم: هم الذين آمنوا، وجزاؤهم: الثواب؛ ﴿بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ بكظم الغيظ واحتمال المكروه (١). ﴿عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ ذكر في «البقرة» (٢). ﴿بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ﴾ أي: معجزات من أمر الدين. ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ﴾ أي: على ملةٍ ودين. ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ ﴿أَمْ﴾ هنا للإنكار، و ﴿اجْتَرَحُوا﴾ اكتسبوا. والمراد بـ ﴿الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ﴾: الكفار؛ لمقابلته بالذين آمنوا، ولأن الآية مكية، وقد يتناول لفظها المذنبين من المؤمنين، ولذلك يُذكر أن الفضيل بن عياض قرأها بالليل فما زال يردِّدُها ويبكي طول الليل، ويقول لنفسه: من أيِّ الفريقين أنت؟! ومعناها: إنكارُ ما حَسِبَه الكفار من أن يكونوا هم والمؤمنون سواءً في المحيا والممات. وفي تأويلها مع ذلك قولان: أحدهما: أن المراد: ليس المؤمنون سواءً مع الكفار، لا في المحيا ولا في الممات؛ فإن المؤمنين عاشوا على التقوى والطاعة، والكافرين

стр. 2328

عاشوا على الكفر والمعصية، وكذلك مماتهم ليس سواءً. والقول الآخر: أنهم إن استووا في المحيا؛ أي: في أمور الدنيا من الصحة والرزق؛ فلا يستوون في الممات، بل يسعد المؤمنون ويشقى الكافرون، فالمراد بها: إثبات الجزاء في الآخرة، وتفضيل المؤمنين على الكفار في الآخرة، وهذا المعنى هو الأظهر والأرجح، فيكون معنى الآية كقوله: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾ [القلم: ٣٥]، ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (٢٨)﴾ [ص: ٢٨]. ﴿سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ﴾ هذه الجملة بدلٌ من الكاف في قوله: ﴿كَالَّذِينَ آمَنُوا﴾، وهي مفسِّرة للتشبيه، وهي داخلةٌ فيما أنكره الله مما حسبه الكفار. وقيل: هي كلام مستأنف؛ والمعنى على هذا: أن محيا المؤمنين ومماتهم سواءٌ، وأن محيا الكفار ومماتهم سواءٌ؛ لأن كل أحد يموت على ما عاش عليه، وهذا المعنى بعيد، والصحيح: أنها من تمام ما قبلها، على المعنى الذي اخترناه. وأما إعرابها: فمن قرأ ﴿سَوَاءٌ﴾ بالرفع: فهو مبتدأ، وخبره ﴿مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ﴾، والجملة بدلٌ من الجار والمجرور الواقع مفعولًا ثانيًا لـ ﴿نَجْعَلَ﴾. ومن قرأ ﴿سَوَاءً﴾ بالنصب: فهو حالٌ، أو مفعول ثانٍ لـ ﴿نَجْعَلَ﴾، و ﴿مَحْيَاهُمْ﴾ فاعلٌ بـ ﴿سَوَاءً﴾؛ لأنه في معنى: مستوٍ. ﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ أي: ساءَ حكمُهم في تسويتهم بين أنفسهم وبين المؤمنين.

стр. 2329

[﴿وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٢) أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٢٣) وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (٢٤) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٥) قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢٦)﴾]. ﴿وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ﴾ معطوف: على قوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾؛ لأن فيه معنى التعليل. أو على تعليل محذوف تقديره: خلق الله السموات والأرض؛ ليدلَّ بهما على قدرته، ولتُجزى كل نفس بما كسبت. ﴿اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ أي: أطاعه حتى صار له كإلهه (١). ﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ أي: على علم من الله سابق. وقيل: على علم من هذا الضالِّ بأنه على ضلال، ولكنه يتبع الضلال معاندةً. ﴿وَخَتَمَ﴾ ذكر في «البقرة» (٢). ﴿فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾ قال ابن عطية: فيه حذف مضافٍ تقديره: من

стр. 2330

بعد إضلال الله إيَّاهُ (١). ويحتمل أن يريد: فمن يهديه غير الله. ﴿وَقَالُوا﴾ الضمير: لمن اتخذ إلهه هواه، أو لقريش. ﴿نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾ فيه أربع تأويلات: أحدها: أنهم أرادوا: يموت منَّا قوم ويحيا قوم. والآخر: نموت نحن ويحيا أولادنا. والثالث: نموت حين كنا عدمًا أو نُطْفًا، ونحيا في الدنيا. والرابع: نموت الموت المعروف، ونحيا قبله في الدنيا، فوقع في اللفظ تقديم وتأخير. ومقصودهم على كل وجه: إنكار الآخرة. ويظهر أنهم كانوا على مذهب الدهرية؛ لقولهم: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾، فردَّ الله عليهم بقوله: ﴿وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾ الآية. ﴿قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا﴾ ذكر في «الدخان» (٢). ﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ﴾ الآية؛ ردٌّ على المنكرين للحشر، واستدلالٌ على وقوعه بقدرة الله تعالى على الإحياء والإماتة.

стр. 2331

[﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ (٢٧) وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨) هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٩) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (٣٠) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ (٣١) وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ (٣٢) وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٣٣) وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٣٤) ذَلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٣٥) فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾]. ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً﴾ أي: تجثو على الرُّكب، وتلك هيئة الخائف الذليل. ﴿كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا﴾ أي: إلى صحائف أعمالها. وقيل: الكتاب المنزل عليها. والأول أرجح؛ لقوله: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ الآية. فإن قيل: كيف أضاف الكتاب تارةً إليهم وتارةً إلى الله تعالى؟ فالجواب: أنه أضافه إليهم؛ لأن أعمالهم ثابتةٌ فيه، وأضافه إلى الله؛ لأنه تعالى مالكه، وهو الذي أمر الملائكة أن يكتبوه. ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي: نأمر الملائكة الحافظين بكتابة أعمالكم.

стр. 2332

وقيل: إن الله يأمر الحفظة أن تنسخ أعمال العباد من اللوح المحفوظ، ثم يمسكونه عندهم، فتأتي أفعال العباد على نحو ذلك فتكتبها أيضًا الملائكة، فذلك هو الاستنساخ، وكان ابن عباس يحتج على ذلك بأن يقول: لا يكون الاستنساخ إلَّا من أصل. ﴿أَفَلَمْ تَكُنْ﴾ تقديره: يقال لهم ذلك. ﴿وَحَاقَ﴾ ذُكِر مرارًا (١). ﴿الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ﴾ النسيان هنا بمعنى: التَّرك. وأما في قوله: ﴿كَمَا نَسِيتُمْ﴾ فيحتمل أن يكون: بمعنى الترك، أو الذُّهول. ﴿وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ من العُتْبى، وهي الرضا.

стр. 2333

(سورة الأحقاف) [﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٢) مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ (٣) قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤) وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ (٦) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلَا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٨) قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٩) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠)﴾]. ﴿تَنْزِيلُ﴾ ذكر في «الزمر» (١). ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ ذكر مرارًا (٢). ﴿وَأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ يعني: يوم القيامة.

стр. 2334

﴿أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا﴾ احتجاجٌ على التوحيد، وردٌّ على المشركين، فالأمر بمعنى التعجيز. ﴿شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ أي: نصيبٌ. ﴿ائْتُونِي بِكِتَابٍ﴾ تعجيزٌ؛ لأنهم ليس لهم كتاب يدلُّ على الإشراك بالله، بل الكتب كلها ناطقةٌ بالتوحيد. ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ أي: بقيَّةٍ من علم قديم يدلُّ على ما تقولون. وقيل: معناه من علم تثيرونه؛ أي: تستخرجونه. وقيل: هو الإسناد. وقيل: هو الخطُّ في الرمل، وكانت العرب تتكهَّن به، وقال رسول الله ﷺ : «كان نبي من الأنبياء يخط في الرمل؛ فمن وافق خطه فذاك» (١). ﴿وَمَنْ أَضَلُّ﴾ الآية؛ معناها: لا أحدَ أضلُّ ممن يدعو إلهًا لا يستجيب له، وهي الأصنام؛ فإنها لا تسمع ولا تعقل، ولذلك وصفها بالغفلة عن دعائهم؛ لأنها لا تسمعه. ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً﴾ أي: كان الأصنامُ أعداءً للذين عبدوها. ﴿وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ الضمير في ﴿وَكَانُوا﴾ للأصنام، أي: تتبرأ الأصنام من الذين عبدوها. وإنما ذَكر الأصنام بضمائر مثل ضمائر العقلاء؛ لأنه أسند إليهم ما يُسند إلى العقلاء، من الاستجابة والغفلة والعداوة.

стр. 2335

﴿قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلَا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ أي: لو افتريته لعاقبني الله على الافتراء عقوبةً لا تقدرون على دفعها، ولا تملكون شيئًا مِنْ ردِّها، فكيف أفتريه وأتعرَّض لعقاب الله؟. ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ أي: بما تتكلمون به، يقال: أفاض الرجل في الحديث: إذا خاض فيه واستمرَّ. ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ البِدْعُ والبَدِيع من الأشياء: ما لم يُرَ مثله؛ أي: ما كنت أوَّلَ رسول، ولا جئت بأمر لم يجئ به أحدٌ قبلي، بل جئت بما جاء به قبلي ناسٌ كثيرون؛ فلأيِّ شيء تنكرون ذلك؟! ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾ فيها أربعة أقوال: الأول: أنها في أمر الآخرة، وكان ذلك قبل أن يعلم أنه في الجنة، وقبل أن يعلم أن المؤمنين في الجنة وأن الكفار في النار، وهذا بعيد؛ لأنه لم يزل يعلم ذلك مِنْ أول ما بعثه الله. والثاني: أنها في أمر الدنيا؛ أي: لا أدري بما يقضي الله عليَّ وعليكم؛ فإن مقادير الله مغيَّبةٌ، وهذا هو الأظهر. والثالث: ما أدري ما يفعل بي ولا بكم من الأوامر والنواهي، وما تُلزِمُه الشريعةُ. الرابع: أن هذا كان في الهجرة؛ إذ كان رسول الله ﷺ قد رأى في النوم أنه يهاجر إلى أرضِ نخلٍ، فقلق المسلمون لتأخُّر ذلك، فنزلت هذه الآية. ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُم بِهِ﴾ معنى الآية: أرأيتُم إن كان القرآن

стр. 2336

من عند الله وكفرتم به؛ ألستم ظالمين؟ ثم حذف قوله: «ألستم ظالمين» وهو الجواب؛ لأنه دلَّ عليه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾ هذه الجملة معطوفة على الجملة التي قبلها، فالمعنى: أرأيتم إن اجتمع كونُ القرآن من عند الله، مع شهادة شاهدٍ من بني إسرائيل على مثله، ثم آمن به هذا الشاهد وكفرتم أنتم، ألستم أضلَّ الناس وأظلم الناس؟ واختُلف في الشاهد المذكور على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه عبد الله بن سلاّم: فقيل على هذا: إن الآية مدنية؛ لأنه إنما أسلم بالمدينة. وقيل: إنها مكية، وأخبر بشهادته قبل وقوعها ثم وقعت على حسَب ما أخبر، وكان عبد الله بن سلاّم يقول: فيَّ نزلت الآية. الثاني: أنه رجل من بني إسرائيل كان بمكة. الثالث: أنه موسى ﵇، ورجَّح ذلك الطبري (١). والضمير في ﴿مِثْلِهِ﴾ للقرآن؛ أي: شهد على مثله فيما جاء به من التوحيد والوعد والوعيد. والضمير في ﴿آمَنَ﴾ للشاهد: فإن كان عبد الله بن سلاّم أو الرجل الآخر: فإيمانه بيّن. وإن كان موسى ﵇ فإيمانه: هو تصديقه بأمر محمد ﷺ وتبشيره به.

стр. 2337

[﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ (١١) وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ (١٢) إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٣) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٤) وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ (١٦) وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٧) أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (١٨) وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٩) وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ (٢٠)﴾]. ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ أي: لو كان الإسلام خيرًا ما سبقنا إليه هؤلاء. والقائلون لهذه المقالة: هم أكابر قريش لما أسلم الضعفاء؛ كبلال، وعمار، وصهيب. وقيل: بل قالها كنانة وقبائل من العرب لما أسلمت غفار ومزينة وجهينة.

стр. 2338

وقيل: بل قالها اليهود لما أسلم عبد الله بن سلام. والأول أرجح؛ لأن الآية مكية، وكانت مقالة قريش بمكة، وأما مقالة الآخرين فإنما كانت بعد الهجرة. ومعنى ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾: من أجل الذين آمنوا، أي: قالوا ذلك عنهم في غيبتهم. وليس المعنى: أنهم خاطبوهم بهذا الكلام؛ لأنه لو كان خطابًا لقالوا: «ما سبقتمونا». ﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾ أي: لمَّا لم يهتدوا به قالوا: هذا إفك قديم، ونحو هذا ما جاء في المثل: «مَنْ جَهِل شيئًا عاداه». ووصفوه بالقِدَم؛ لأنه قد قيل قديمًا. فإن قيل: كيف عَمِلَ ﴿فَسَيَقُولُونَ﴾ في ﴿إِذْ﴾ وهي للماضي والعامل مستقبل؟ فالجواب: أن العامل في ﴿إِذْ﴾ محذوفٌ، تقديره: «إذ لم يهتدوا به ظهَرَ عنادُهم، فسيقولون .. »، قال ذلك الزمخشري (١). ويظهر لي: أنَّ ﴿إِذْ﴾ هنا بمعنى التعليل، لا ظرفيةٌ بمعنى الماضي، فلا يلزم السؤال، والمعنى: أنهم قالوا: هذا إفك بسبب أنهم لم يهتدوا به، وقد جاءت ﴿إِذْ﴾ بمعنى التعليل في القرآن وفي كلام العرب، ومنه: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ﴾ [الزخرف: ٣٩] أي: بسبب ظلمكم. ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً﴾ الضمير في ﴿قَبْلِهِ﴾ للقرآن،

стр. 2339

و ﴿كِتَابُ مُوسَى﴾ هو التوراة، و ﴿إِمَامًا﴾ حال، ومعناه: يُقتدى به. و ﴿وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا﴾ الإشارة بـ ﴿هَذَا﴾ إلى القرآن. ومعنى ﴿مُصَدِّقٌ لِسَانًا﴾: صدَّق ما قبله من الكتب، وقد ذكرنا ذلك في «البقرة» (١). و ﴿لِسَانًا﴾ حالٌ من الضمير في ﴿مُصَدِّقٌ﴾. وقيل: مفعول بـ ﴿مُصَدِّقٌ﴾؛ أي: صدَّق ذا لسانٍ عربي، وهو محمد ﷺ واختار هذا ابنُ عطية (٢). ﴿اسْتَقَامُوا﴾ ذكر في «حم السجدة» (٣). ﴿حُسْنًا﴾ ذكر في «العنكبوت» (٤). ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾ أي: حملته بمشقةٍ ووضعته بمشقة. ويقال: كُرْهٌ بفتح الكاف وضمها بمعنى واحد. ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ أي: مدة حمله ورضاعه ثلاثون شهرًا، وهذا لا يكون إلَّا بأن ينقص من أحد الطرفين، وذلك إمَّا أن تكون مدة الحمل ستة أشهر ومدة الرضاع حولين كاملين، أو تكون مدة الحمل تسعة أشهر ومدة الرضاع حولين غير ثلاثة أشهر.

стр. 2340

ومن هذا أخذ علي بن أبي طالب ﵁ والعلماء: أن أقل مدة الحمل ستة أشهر. وإنما عبر عن مدة الرضاع بالفصال وهو الفطام؛ لأنه منتهى الرضاع. ﴿بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ ذكر في «يوسف» (١). ﴿وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ هذا حدُّ كمال العقل والقوة. ويقال: إن الآية نزلت في أبي بكر الصديق ﵁. وقيل: إنها عامة. ﴿فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ﴾ أي: في جملة أصحاب الجنة، كما تقول: «رأيت فلانًا في الناس»، أي: مع الناس. ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا﴾ قال مروان بن الحكم: نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق حين كُفْرِهِ (٢)، كان أبوه وأمه يدعوانه إلى الإسلام فيأبى ويقول لهما: «أفٍّ لكما». وأنكرت عائشة ﵂ ذلك وقالت: «والله ما نزل في آل أبي بكر شيءٌ من القرآن إلَّا براءتي» (٣). ويُبطل ذلك قطعًا قولُه تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾؛ لأن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق أسلم وكان من خيار المسلمين، وكان

стр. 2341

له في الجهاد غناءٌ عظيم، وقال السُّديُّ: ما رأيت أعبدَ منه. وقال ابن عباس: نزلت في ابنٍ لأبي بكر، ولم يسمِّه. ويردُّ ذلك: ما ذكرنا عن عائشة. وقيل: هي على الإطلاق فيمن كان على هذه الصفة من الكفر والعقوق لوالديه، ويدلُّ على أنها عامةٌ قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾ بصيغة الجمع، ولو أراد واحدًا بعينه لقال: «ذلك الذي حق عليه القول». وقد ذكرنا ﴿أُفٍّ﴾ في «الإسراء» (١). ﴿أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ﴾ أي: أتعدانني أن أُخرج من القبر للبعث. ﴿وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي﴾ أي: قد مضت قرونٌ من الناس ولم يبعث منهم أحد. ﴿وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ﴾ الضمير لوالديه؛ أي: يستغيثان بالله من كراهتهما لما يقوله ابنهما، ثم يقولان له: ﴿وَيْلَكَ﴾، ثم يأمرانه بالإيمان، ﴿فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾: أي: قد سطره الأولون في كتبهم، وذلك تكذيبٌ بالبعث والشريعة. ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ أي: للمحسنين والمسيئين درجاتٌ في الآخرة بسبب أعمالهم، فدرجات أهل الجنة إلى علوٍّ، ودرجات أهل النار إلى سفلٍ.

стр. 2342

﴿وَلِنُوَفِّيَهُمْ﴾ تعليلٌ لفعل محذوف، وبه يتعلَّق، تقديره: جعل جزاءهم درجاتٍ؛ ليوفيهم (١) أعمالهم. ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ﴾ العامل فيه محذوفٌ، تقديره: اذكر. ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ﴾ تقديره: يقال لهم: أذهبتم طيباتكم. والطيبات هنا: الملاذُّ من المآكل وغيرها. وقرئ ﴿أَذْهَبْتُمْ﴾: بهمزة واحدة على الخبر. وبهمزتين على التوبيخ. والآية في الكفار؛ بدليل قوله: ﴿يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، وهي مع ذلك واعظةٌ لأهل التقوى من المؤمنين، ولذلك قال عمر لجابر بن عبد الله وقد رآه اشترى لحمًا: أما تخشى أن تكون من أهل هذه الآية؟ ﴿عَذَابَ الْهُونِ﴾ أي: العذاب الذي اقترن به هوانٌ.

стр. 2343

[﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٢١) قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٢) قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (٢٣) فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٤) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (٢٥) وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٢٦)﴾]. ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ﴾ يعني: هودًا ﵇. ﴿بِالْأَحْقَافِ﴾ جمع حِقْف، وهو الكُدُسُ من الرمل. واختُلِف أين كانت؟ فقيل: بالشام. وقيل: بين عُمان ومَهْرَة. وقيل: بين عُمان وحَضْرَمَوت. والصحيح أن بلاد عادٍ كانت باليمن. ﴿وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ﴾ أي: تقدَّمت من قبله ومن بعده. و ﴿النُّذُرُ﴾ جمع نذير. فإن قيل: كيف يُتَصوَّر تقدُّمها من بعده؟ فالجواب: أن هذه الجملة اعتراضٌ، وهي إخبارٌ من الله تعالى أنه قد

стр. 2344

بعث رسلًا متقدِّمين قبل هود وبعده. وقيل: معنى ﴿وَمِنْ خَلْفِهِ﴾: في زمانه. ﴿قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أي: قال: إن العذاب الذي قلتم ائتنا به ليس لي علمٌ متى يكون، وإنما يعلمه الله، وما عليَّ إلَّا أن أبلِّغكم ما أُرسلت به. ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ﴾ العارض: السحاب الذي يعرِض في أفق السماء. والضمير في ﴿رَأَوْهُ﴾ يعود: على ﴿مَا تَعِدُنَا﴾. أو على المرئيِّ المبهم الذي فسَّره قوله: ﴿عَارِضًا﴾، قال الزمخشري: وهذا أعرب وأفصح (١). وروي أنهم كانوا قد قَحِطوا مدَّةً، فلما رأوا هذا العارض ظنوا أنه مطر ففرحوا به، فقال لهم هود ﵇: بل هو ما استعجلتم به من العذاب. وقوله: ﴿رِيحٌ﴾: بدلٌ من ﴿مَا اسْتَعْجَلْتُم﴾. أو خبر ابتداء مضمر. ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ عمومٌ يراد به الخصوص. ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ﴾ هذا خطاب لقريش على وجه التهديد؛ أي: مَكَّنَّا

стр. 2345

عادًا فيما لم نمكنكم فيه من القوة والأموال وغير ذلك، ثم أهلكناهم لما كفروا. و ﴿إن﴾ هنا نافيةٌ بمعنى «ما»، وعَدل عن «ما» كراهيةً لاجتماعها مع «ما» التي قبلها. وقيل: ﴿إن﴾ شرطيةٌ، وجوابها محذوف، تقديره: إن مكناكم فيه طغيتم. قال ابن عطية: وهذا تنطُّعٌ في التأويل (١).

стр. 2346

[﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٧) فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٨) وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩) قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠) يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٣١) وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٣٢) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٣) وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٤) فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ (٣٥)﴾]. ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُم مِنَ الْقُرَى﴾ يَعْنِي: بلاد عادٍ، وثمود، وسبأ، وغيرها، والمراد: إهلاك أهلها. ﴿فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ﴾ الآية؛ عَرْضٌ معناه النفي؛ أي: لم تنصرهم آلهتهم التي عبدوا (١) من دون الله. ﴿قُرْبَانًا﴾ أَيْ: تقرّبوا بهم إلى الله، وقالوا هؤلاء شفعاؤنا عند الله. وانتصاب ﴿قُرْبَانًا﴾ على الحال. ولا يصح أن يكون ﴿قُرْبَانًا﴾ مفعولًا ثانيًا لـ ﴿اتَّخَذُوا﴾ و ﴿آلِهَةً﴾ بدلٌ

стр. 2347

منه؛ لفساد المعنى، قاله الزمخشري (١). وقد أجازه ابن عطية (٢). ﴿بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ﴾ أي: تلِفُوا لهم، وغابوا عن نصرهم حين احتاجوا إليهم. ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ﴾ أي: أَمَلْنَاهم نحوك. والنفر في اللغة: دون العشرة. وروي أن الجن كانوا سبعة، وكانوا كلهم ذكرانًا؛ لأن النفر الرجال دون النساء. وكانوا من أهل نَصِيبينَ (٣). وقيل: من أهل الجزيرة. واختُلِف هل رآهم النبي ﷺ ؟ قيل: إنه لم يرهم، ولم يعلم باستماعهم حتى أعلمه الله بذلك. وقيل: بل علم بهم واستعدَّ لهم واجتمع معهم، وقد ورد في ذلك عن عبد الله بن مسعود أحاديث مضطربة (٤).

стр. 2348

وسبب استماع الجن: أنهم لما طُرِدوا عن استراق السمع من السماء برجم النجوم قالوا: ما هذا إلا أمرٌ (١) حدث!، فطافوا في الأرض ينظرون ما أوجب ذلك، حتى سمعوا قراءة رسول الله ﷺ في صلاة الفجر في سوق عكاظ، فاستمعوا إليه وآمنوا به. ﴿أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾ في هذا دلالةٌ (٢) على أنهم كانوا على دين اليهود. وقيل: كانوا لم يعلموا ببعث عيسى. ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ ذكر في «البقرة» (٣). ﴿دَاعِيَ اللَّهِ﴾ هو رسول الله ﷺ . ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ ﴿مِنْ﴾ هنا للتبعيض على الأصح؛ أي: يغفر لكم الذنوب التي فعلتم قبل الإسلام، وأما التي بعد الإسلام فهي في مشيئة الله. وقيل: معنى التبعيض: أن المظالم لا تُغفَر. وقيل: إن ﴿مِنْ﴾ زائدة. ﴿وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ أي: من النار. واختلف الناس هل للجنِّ ثوابٌ زيادةً على النجاة من النار، أم ليس لهم ثواب إلا النجاة خاصةً؟

стр. 2349

﴿وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ﴾ الآية؛ يحتمل: أن يكون من كلام الجن. أو من كلام الله تعالى. ومعنى ﴿فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ﴾: لا يفوتُ. ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ الآية؛ احتجاجٌ على بعث الأجساد بخلقة السموات والأرض. ﴿وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ﴾ يقال: عَيِيتُ بالأمر: إذا لم تعرفه، فالمعنى: أنه تعالى عَلِم كيف خَلْقُ السموات، وأحكم خِلْقَتَها؛ فلا شكَّ أنه قادرٌ على إحياء الموتى. ﴿بِقَادِرٍ﴾ في موضع رفع؛ لأنه خبر ﴿أَنَّ﴾، وإنما دخلت الباء؛ لاشتمال النفي في أول الآية على ﴿أَنَّ﴾ وخبرها (١). ﴿بَلَى﴾ جوابٌ لما تقدَّم؛ أي: هو قادر على أن يُحيي الموتى. ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ هذا خطابٌ للنبي ﷺ ؛ أي: اصبر على تكذيب قومك. وأولوا العزم هم: نوحٌ، وإبراهيم، وموسى، وعيسى. وقيل: هم الثمانيةَ عشرَ المذكورون في سورة «الأنعام»؛ لقوله: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠].

стр. 2350

وقيل: كلُّ من لَقِي من أمته شدةً. وقيل: الرسل كلهم أولو عزم؛ فـ ﴿مِنَ الرُّسُلِ﴾ على هذا: لبيان الجنس. وعلى الأقوال المتقدمة: للتبعيض. ﴿وَلَا تَسْتَعْجِل لَهُمْ﴾ أي: لا تستعجل نزول العذاب بهم؛ فإنهم صائرون إليه؛ فإنهم (١) إذا هلكوا كأنهم لم يلبثوا في الدنيا إلا ساعةً من نهار؛ لاستقصار أعمارهم. ﴿بَلَاغٌ﴾ خبر ابتداء مضمر، تقديره: هذا الذي وُعظتم به بلاغٌ؛ بمعنى: كفايةٌ في الموعظة. أو بلاغ من الرسول ﷺ ، أي: بلَّغَ هذه المواعظ والبراهين.
следующие страницы →