← Тафсир

Тафсир · id 30186

تفسير ابن جزي التسهيل لعلوم التنزيل - ط طيبة الخضراء

ابن جزي الكلبي

Полный текст (3 030 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.

стр. 2346

[﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٧) فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٨) وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩) قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠) يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٣١) وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٣٢) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٣) وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٤) فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ (٣٥)﴾]. ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُم مِنَ الْقُرَى﴾ يَعْنِي: بلاد عادٍ، وثمود، وسبأ، وغيرها، والمراد: إهلاك أهلها. ﴿فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ﴾ الآية؛ عَرْضٌ معناه النفي؛ أي: لم تنصرهم آلهتهم التي عبدوا (١) من دون الله. ﴿قُرْبَانًا﴾ أَيْ: تقرّبوا بهم إلى الله، وقالوا هؤلاء شفعاؤنا عند الله. وانتصاب ﴿قُرْبَانًا﴾ على الحال. ولا يصح أن يكون ﴿قُرْبَانًا﴾ مفعولًا ثانيًا لـ ﴿اتَّخَذُوا﴾ و ﴿آلِهَةً﴾ بدلٌ

стр. 2347

منه؛ لفساد المعنى، قاله الزمخشري (١). وقد أجازه ابن عطية (٢). ﴿بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ﴾ أي: تلِفُوا لهم، وغابوا عن نصرهم حين احتاجوا إليهم. ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ﴾ أي: أَمَلْنَاهم نحوك. والنفر في اللغة: دون العشرة. وروي أن الجن كانوا سبعة، وكانوا كلهم ذكرانًا؛ لأن النفر الرجال دون النساء. وكانوا من أهل نَصِيبينَ (٣). وقيل: من أهل الجزيرة. واختُلِف هل رآهم النبي ﷺ ؟ قيل: إنه لم يرهم، ولم يعلم باستماعهم حتى أعلمه الله بذلك. وقيل: بل علم بهم واستعدَّ لهم واجتمع معهم، وقد ورد في ذلك عن عبد الله بن مسعود أحاديث مضطربة (٤).

стр. 2348

وسبب استماع الجن: أنهم لما طُرِدوا عن استراق السمع من السماء برجم النجوم قالوا: ما هذا إلا أمرٌ (١) حدث!، فطافوا في الأرض ينظرون ما أوجب ذلك، حتى سمعوا قراءة رسول الله ﷺ في صلاة الفجر في سوق عكاظ، فاستمعوا إليه وآمنوا به. ﴿أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾ في هذا دلالةٌ (٢) على أنهم كانوا على دين اليهود. وقيل: كانوا لم يعلموا ببعث عيسى. ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ ذكر في «البقرة» (٣). ﴿دَاعِيَ اللَّهِ﴾ هو رسول الله ﷺ . ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ ﴿مِنْ﴾ هنا للتبعيض على الأصح؛ أي: يغفر لكم الذنوب التي فعلتم قبل الإسلام، وأما التي بعد الإسلام فهي في مشيئة الله. وقيل: معنى التبعيض: أن المظالم لا تُغفَر. وقيل: إن ﴿مِنْ﴾ زائدة. ﴿وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ أي: من النار. واختلف الناس هل للجنِّ ثوابٌ زيادةً على النجاة من النار، أم ليس لهم ثواب إلا النجاة خاصةً؟

стр. 2349

﴿وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ﴾ الآية؛ يحتمل: أن يكون من كلام الجن. أو من كلام الله تعالى. ومعنى ﴿فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ﴾: لا يفوتُ. ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ الآية؛ احتجاجٌ على بعث الأجساد بخلقة السموات والأرض. ﴿وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ﴾ يقال: عَيِيتُ بالأمر: إذا لم تعرفه، فالمعنى: أنه تعالى عَلِم كيف خَلْقُ السموات، وأحكم خِلْقَتَها؛ فلا شكَّ أنه قادرٌ على إحياء الموتى. ﴿بِقَادِرٍ﴾ في موضع رفع؛ لأنه خبر ﴿أَنَّ﴾، وإنما دخلت الباء؛ لاشتمال النفي في أول الآية على ﴿أَنَّ﴾ وخبرها (١). ﴿بَلَى﴾ جوابٌ لما تقدَّم؛ أي: هو قادر على أن يُحيي الموتى. ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ هذا خطابٌ للنبي ﷺ ؛ أي: اصبر على تكذيب قومك. وأولوا العزم هم: نوحٌ، وإبراهيم، وموسى، وعيسى. وقيل: هم الثمانيةَ عشرَ المذكورون في سورة «الأنعام»؛ لقوله: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠].

стр. 2350

وقيل: كلُّ من لَقِي من أمته شدةً. وقيل: الرسل كلهم أولو عزم؛ فـ ﴿مِنَ الرُّسُلِ﴾ على هذا: لبيان الجنس. وعلى الأقوال المتقدمة: للتبعيض. ﴿وَلَا تَسْتَعْجِل لَهُمْ﴾ أي: لا تستعجل نزول العذاب بهم؛ فإنهم صائرون إليه؛ فإنهم (١) إذا هلكوا كأنهم لم يلبثوا في الدنيا إلا ساعةً من نهار؛ لاستقصار أعمارهم. ﴿بَلَاغٌ﴾ خبر ابتداء مضمر، تقديره: هذا الذي وُعظتم به بلاغٌ؛ بمعنى: كفايةٌ في الموعظة. أو بلاغ من الرسول ﷺ ، أي: بلَّغَ هذه المواعظ والبراهين.

стр. 2351

(سورة القتال) [﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ (٢) ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ (٣) فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (٤) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (٥) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ (٦) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (٧) وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (٨) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (٩) أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا (١٠) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ (١١) إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (١٢)﴾]. ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني: كفار قريش، وعموم اللفظ يصلح لكل كافر. كما أن قوله بعد هذا: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ يعني به: الصحابة، وعموم اللفظ يصلح لكل مؤمن. ﴿وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يحتمل أن يكون ﴿وَصَدُّوا﴾: بمعنى: أعرضوا، فيكون غير متعدٍّ.

стр. 2352

أو يكون بمعنى: صدوا الناس، فيكون متعديًا. و ﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾: الإسلام والطاعة. ﴿أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ أي: أبطلها وأحبطها. وقيل: المراد بـ ﴿أَعْمَالَهُمْ﴾ هنا: ما أنفقوا في غزوة بدر؛ فإن هذه السورة نزلت بعد بدر. واللفظ أعم من ذلك. ﴿وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ﴾ هذا تجريد؛ للاختصاص والاعتناء، بعد عموم قوله: ﴿آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، ولذلك أكَّده بالجملة الاعتراضية، وهي قوله: ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾. ﴿وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ﴾ قيل: معناه: أصلح حالهم وشأنهم. وحقيقة البال: الخاطر الذي في القلب، وإذا صلَح القلب صلَح الجسد كلُّه، فالمعنى: إصلاح دينهم بالإيمان والإخلاص والتقوى. ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ أصله: «فاضربوا الرقاب ضربًا»، ثم حَذف الفعل وأقام المصدر مقامه. والمراد: اقتلوهم، ولكن عبَّر عنه بضرب الرقاب؛ لأنه الغالب في صفة القتل. ﴿حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ﴾ أي: هزمتموهم، والإثخان: أن يكثر فيهم القتل والأسر. ﴿فَشُدُّوا الْوَثَاقَ﴾ عبارةٌ عن الأسر.

стр. 2353

﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ المَنُّ: العتق، والفداء: فكُّ الأسير بمال، وهما جائزان. فإن مذهب مالك: أن الإمام مخيَّر في الأسارى بين خمسة أشياء؛ وهي: المن، والفداء، والقتل، والاسترقاق، وضرب الجزية. وقيل: لا يجوز المَنُّ ولا الفداء؛ لأن الآية منسوخة بقوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، فلا يجوز على هذا إلَّا قتلهم. والصحيح أنها محكمة. وانتصب ﴿مَنًّا﴾ و ﴿فِدَاءً﴾ على المصدرية، والعامل فيهما: فعلان مضمران. ﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ الأوزار في اللغة: الأثقال، فالمعنى: حتى تذهب وتزول أثقالها، وهي آلاتها. وقيل: الأوزار: الآثام؛ لأن الحرب لا بدَّ أن يكون فيها آثام في أحد الجانبين. واختلف في الغاية المرادة هنا: فقيل: حتى يُسلم الجميع؛ وحينئذ تضع الحرب أوزارها. وقيل: حتى تقتلوهم وتغلبوهم. وقيل: حتى ينزل عيسى بن مريم. قال ابن عطية: ظاهر اللفظ أنها استعارة يراد بها التزام الأمر أبدًا، كما

стр. 2354

تقول: «أنا أفعلُ كذا إلى يوم القيامة» (١). ﴿ذَلِكَ﴾ تقديره: الأمرُ ذلك. ﴿وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ﴾ أي: لو شاء الله لأهلك الكفار بعذابٍ من عنده، ولكنه تعالى أراد اختبار المؤمنين، وأن يبلو بعضَ الناس ببعض. ﴿عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ أي: جعلهم يَعرفون منازلهم فيها، فهو من المعرفة. وقيل: معناه طيَّبها لهم، فهو من العَرْف، وهو طِيبُ الرائحة. وقيل: معناه شرَّفها ورفعها، فهو من الأعراف التي هي الجبال. ﴿فَتَعْسًا لَهُمْ﴾ أي: عِثارًا وهلاكًا. وانتصابه على المصدرية، والعامل فيه فعلٌ مضمر (٢)، وعلى هذا الفعل عُطف قوله: ﴿وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾. ﴿وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾ أي: لكفار قريش أمثالُ عاقبة الكفار المتقدّمين من الدمار والهلاك. ﴿مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: وليُّهم وناصرهم، وكذلك: ﴿وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾ معناه: لا ناصر لهم. ولا يصح (٣) أن يكون المولى هنا بمعنى السيد؛ لأن الله مولى المؤمنين والكافرين بهذا المعنى.

стр. 2355

ولا تعارض بين هذه الآية وبين قوله: و ﴿رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾ [الأنعام: ٦٢]؛ لأن معنى المولى مختلفٌ في الموضعين؛ فمعنى ﴿مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾: ربُّهم، وهذا على العموم في جميع الخلق، بخلاف قوله: ﴿مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فإنه خاصٌّ بالمؤمنين؛ لأنه بمعنى الوليِّ والناصر.

стр. 2356

[﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (١٢) وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ (١٣) أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (١٤) مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ (١٥) وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (١٦) وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ (١٧) فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ (١٨) فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾]. ﴿وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ﴾ عبارةٌ عن كثرة أكلهم، أو عن غفلتهم عن النظر كالبهائم. ﴿مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ﴾ يعني: مكة، وخروجه ﷺ منها وقت الهجرة. ونسب الإخراج إلى القرية، والمراد أهلها؛ لأنهم آذوه حتى خرج. ﴿أَهْلَكْنَاهُمْ﴾ الضمير للقرى المتقدمة المذكورة في قوله: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ﴾ وجمعه حملًا على المعنى، والمراد: أهلكنا أهلها. ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ أي: على حجة، ويعني به: النبي ﷺ ، كما يعني قريشًا بقوله: ﴿كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾. اللفظ أعم من ذلك.

стр. 2357

﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ﴾ ذكر في «الرعد» (١). ﴿غَيْرِ آسِنٍ﴾ أي: غير متغيّر. ﴿كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ﴾ تقديره: أمَثَلُ أهل الجنة المذكورة كمَن هو خالدٌ في النار؟، فحذف هذا التقديرَ المرادَ به النفيُ، وإنما حذفه؛ لدلالة التقدير المتقدّم، وهو قوله: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ﴾. ﴿وَمِنْهُم مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾ يعني: المنافقين، وجاء «يستمعون» بلفظ الجمع؛ رعيًا لمعنى ﴿مَنْ﴾ (٢). ﴿قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ روي أنه عبد الله بن مسعود. ﴿مَاذَا قَالَ آنِفًا﴾ كانوا يقولون ذلك على أحد وجهين: إمَّا احتقارًا لكلامه، كأنهم قالوا: أيُّ فائدة فيه. وإما جهلًا ونسيانًا؛ لأنهم كانوا وقتَ كلامه مُعْرِضين عنه. و ﴿آنِفًا﴾ معناه: الساعةَ الماضيةَ قريبًا، وأصله: من استأنفتُ الشيءَ: إذا ابتدأتَه.

стр. 2358

﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾ يعني: المؤمنين. والضمير في ﴿زَادَهُمْ﴾: لله تعالى. أو للكلام الذي قال فيه المنافقون: ﴿مَاذَا قَالَ آنِفًا﴾. وقيل: يعني بـ ﴿الَّذِينَ اهْتَدَوْا﴾ قومًا من النصارى آمنوا بمحمد ﷺ ، فاهتداؤهم: هو إيمانهم بعيسى، وزيادة الهدى: إسلامهم. ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ﴾ الضمير للمنافقين، والمعنى: هل ينتظرون (١) إلَّا الساعة؛ لأنها قريبة. ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ أي: علاماتها، والذي كان قد جاء من ذلك: مبعث محمد ﷺ ؛ لأنه قال: «أنا من أشراط الساعة» (٢)، و «بعثت أنا والساعة كهاتين» (٣). ﴿فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ﴾ أي: كيف لهم الذكرى إذا جاءتهم الساعة بغتة؛ فلا يقدرون على عمل ولا تنفعهم التوبة؟ ففاعل ﴿جَاءَتْهُمْ﴾: الساعة، و ﴿ذِكْرَاهُمْ﴾ مبتدأ، وخبره الاستفهام المتقدِّم، والمراد به: الاستبعاد.

стр. 2359

﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ أي: دُم على العلم بذلك. واستدلَّ بعضهم بهذه الآية على أن النظر (١) والعلم قبل العمل؛ لأنه قدَّم قوله: ﴿فَاعْلَمْ﴾ على قوله: ﴿وَاسْتَغْفِرْ﴾. ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾ قيل: ﴿مُتَقَلَّبَكُمْ﴾: تصرفكم في الدنيا، ﴿وَمَثْوَاكُمْ﴾: إقامتكم في القبور. وقيل: ﴿مُتَقَلَّبَكُمْ﴾: تصرفكم في اليقظة، ﴿وَمَثْوَاكُمْ﴾: منامكم.

стр. 2360

[﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ (٢٠) طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ (٢١) فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (٢٢) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ (٢٣) أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤) إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ (٢٥) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ (٢٦) فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ (٢٧) ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (٢٨)﴾]. ﴿فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ﴾ كان المؤمنون يقولون ذلك على وجه الحرص على نزول القرآن، والرغبة فيه؛ لأنهم كانوا يفرحون به، ويستوحشون من إبطائه. ﴿مُحْكَمَةٌ﴾ يحتمل أن يريد بالمحكمة: ليس فيها منسوخ. أو يريد متقنةً. وقرأ ابن مسعود: «سورة مُحْدَثَة». ﴿رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ﴾ يعني: المنافقين، ونظرُهم ذلك من شدَّة الخوف من القتال؛ لأن نظر الخائف قريب من نظر المغشيِّ عليه.

стр. 2361

﴿فَأَوْلَى لَهُمْ﴾ في معناه قولان: أحدهما: أنه بمعنى: أحق، وخبره على هذا: ﴿طَاعَةٌ﴾، والمعنى: أن الطاعة والقول المعروف أولى لهم وأحقُّ. والآخر: أن ﴿فَأَوْلَى لَهُمْ﴾ كلمةٌ معناها: التهديد والدعاء عليهم كقولك: «ويل لهم»، ومنه: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤)﴾ [القيامة: ٣٤]. فيُوقف على ﴿فَأَوْلَى لَهُمْ﴾ على هذا القول، ويكون ﴿طَاعَةٌ﴾ ابتداء كلام، تقديره: طاعةٌ وقولٌ معروف أمثلُ. أو المطلوب منهم طاعة وقول معروف. أو قولهم لك يا محمد طاعةٌ وقول معروف بألسنتهم دون قلوبهم. ﴿فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ﴾ أسند العزم إلى الأمر مجازًا، كقولك: نهاره صائم وليله قائمٌ. ﴿صَدَقُوا اللَّهَ﴾ يحتمل أن يريد: صِدْقَ اللسان. أو صدق العزم والنية، وهو أظهر. ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (٢٢)﴾ هذا خطاب للمنافقين المذكورين، خرج من الغَيْبة إلى الخطاب؛ ليكون أبلغ في التوبيخ.

стр. 2362

والمعنى: هل يُتَوَقَّعُ منكم الإفسادُ في الأرضِ وقطعُ الأرحامِ إن توليتم؟ (١) ومعنى ﴿تَوَلَّيْتُمْ﴾: صرتم ولاةً على الناس وصار الأمر لكم، وعلى هذا قيل: إنها نزلت في بني أمية. وقيل: معناه: أعرضتم عن الإسلام. ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِم مِنْ بَعْدِ﴾ نزلت في المنافقين الذين نافقوا بعد إسلامهم. وقيل: نزلت في قوم من اليهود، كانوا قد عرفوا نبوة محمد ﷺ من التوراة، ثم كفروا به. ﴿سَوَّلَ لَهُمْ﴾ أي: زيَّن لهم ورجَّاهم أمانيَّهم. ﴿وَأَمْلَى لَهُمْ﴾ أي: مدَّ لهم في الأماني والآمال. والفاعل: هو الشيطان. وقيل: الله تعالى. والأول أظهر؛ لتناسب الضميرين الفاعِلَين، في ﴿سَوَّلَ﴾ و ﴿أَمْلَى﴾. ﴿سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ﴾ قال ذلك اليهود للمنافقين. و ﴿بَعْضِ الْأَمْرِ﴾: يعنون به: مخالفة رسول الله ﷺ ومحاربته. ﴿فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ أي: كيف يكون حالهم إذا توفتهم الملائكة

стр. 2363

يعني: ملك الموت ومن معه. والفاء رابطة للكلام مع ما قبله، والمعنى: هذا جزعهم من ذكر القتال؛ فكيف يكون حالهم حين (١) الموت؟ ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ﴾ ضمير الفاعل للملائكة. وقيل: إنه للكفار؛ أي: يضربون وجوه أنفسهم، وذلك ضعيف.

стр. 2364

[﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ (٢٩) وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ (٣٠) وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ (٣١) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ (٣٢) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ (٣٣) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ (٣٤) فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ (٣٥) إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ (٣٦) إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ (٣٧) هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ (٣٨)﴾]. ﴿أَمْ حَسِبَ﴾ الآية؛ معناها: أظن المنافقون أن لن يفضحهم الله؟ والضَّغْن: الحقد، ويراد به هنا: النفاق والبغض في الإسلام وأهله. ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ﴾ أي: لو نشاء لأريناك المنافقين بأعيانهم حتى تعرفهم بعلاماتهم، ولكن الله ستر عليهم؛ إبقاءً عليهم وعلى أقاربهم من المسلمين. وروي أن الله لم يذكر له واحدًا منهم باسمه. ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ معنى ﴿لَحْنِ الْقَوْلِ﴾: مقصده وطريقته. وقيل: اللحن: هو الخفيُّ المعنى، كالكناية والتعريض.

стр. 2365

والمعنى: أنه ﷺ سيعرفهم من دلائل كلامهم، وإن لم يعرِّفْه الله بهم على التعيين. ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾ أي: نختبركم. ﴿حَتَّى نَعْلَمَ﴾ أي: نعلمه علمًا ظاهرًا في الوجود تقوم به الحجة عليكم؛ وقد علم الله الأشياء قبل كونها، ولكنه أراد إقامة الحجة على عباده؛ بما يصدر منهم. وكان الفضيل بن عياض إذا قرأ هذه الآية بكى، وقال: «اللهم لا تبتلنا؛ فإنك إن ابتليتنا فضحتنا وهتكت أستارنا». ﴿وَشَاقُّوا الرَّسُولَ﴾ أي: خالفوه وعادوه. ونزلت الآية في المنافقين. وقيل: في اليهود. ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ يحتمل أربعة معان: أحدها: لا تبطلوا أعمالكم بالكفر بعد الإيمان. والثاني: لا تبطلوا حسناتكم بفعل السيئات، ذكره الزمخشري (١)، وهذا على مذهب المعتزلة، خلافًا للأشعرية؛ فإن مذهبهم أن السيئات لا تُبطل الحسنات. والثالث: لا تبطلوا أعمالكم بالرياء والعُجْب.

стр. 2366

والرابع: لا تبطلوا أعمالكم بأن تقطعوها قبل تمامها. وعلى هذا أخذ الفقهاء الآية، ولذلك يستدلون على أن من ابتدأ نافلة لم يجز له قطعها، وهذا أبعد هذه المعاني، والأول أظهرها (١)؛ لقوله قبل ذلك في الكفار أو المنافقين: ﴿وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ﴾، فكأنه يقول: يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا أعمالكم مثل هؤلاء الذين أحبط الله أعمالهم بكفرهم وصدهم عن سبيل الله ومشاقتهم الرسول. ﴿فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ هذا قطع بأن من مات على الكفر لا يغفر الله له، وقد أجمع المسلمون على ذلك. ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ﴾ أي: لا تضعفوا عن مقاتلة الكفار وتبتدئونهم بطلب الصلح، فهو كقوله: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ [الأنفال: ٦١]. ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ أي: لن ينقصكم أجور أعمالكم، يقال: وَتَرْتُ الرجل أَتِرُه: إذا نقصته شيئًا، أو أذهبت له متاعًا. ﴿وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ﴾ أي: لا يسألكم جميعها، إنما يسألكم في الزكاة ما يَخِفُّ عليكم، مثل ربع العشر، وذلك خفيف. ﴿إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا﴾ معنى ﴿يُحْفِكُمْ﴾: يُلِحُّ عليكم، والإحفاء: أشد السؤال، و ﴿تَبْخَلُوا﴾ جواب الشرط. ﴿وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ﴾ الفاعل: الله تعالى، أو البخل. والمعنى: يخرج ما في قلوبكم من البخل وكراهة الإنفاق.

стр. 2367

﴿هَؤُلَاءِ﴾ منصوبٌ على التخصيص، أو منادى. ﴿لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يعني: الجهادَ أو الزكاةَ. ﴿وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ أي: إنما ضَرَر بخله على نفسه؛ فكأنه بَخِلَ على نفسه بالثواب الذي يستحقُّه بالإنفاق. ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ أي: يأتِ (١) بقومٍ على خلاف صفتكم، بل راغبين في الإنفاق في سبيل الله. فقيل: إن هذا الخطاب لقريش، والقوم غيرهم: الأنصار؛ وهذا ضعيف لأن الآية مدنية، نزلت والأنصار حاضرون. وقيل: الخطاب لكلِّ مَنْ كان حينئذ بالمدينة، والقوم: هم أهل اليمن، وقيل: فارس.

стр. 2368

(سورة الفتح) نزلت هذه السورة حين انصرف رسول الله ﷺ من الحديبية، لما أراد أن يعتمر بمكة فصدّه المشركون، وقال ﷺ لعمر ﵁ وهما راجعان إلى المدينة: «لقد نزلت علي سورة هي أحبُّ إليَّ من الدنيا وما فيها» (١). [﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٢) وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا (٣) هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٤) لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا (٥) وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٦) وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (٧) إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٨) لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٩) إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١٠)﴾].

стр. 2369

﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١)﴾ يَحتمل هذا الفتح في اللغة أن يكون: من الفتح بمعنى الحكم؛ أي: حَكَمنا لك على أعدائك. أو من الفتح بمعنى العَطاء، كقوله: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ﴾ [فاطر: ٢]. أو من فتح البلاد. واختُلف في المراد بهذا الفتح على أربعة أقوال: الأول: أنه فتح مكة، وعدَه الله به قبل أن يكون، وذَكَره بلفظ الماضي؛ لتحقُّقه، وهو على هذا بمعنى فتح البلاد. الثاني: أنه ما جرى في الحديبية من بيعة الرِّضوان، ومن الصلح الذي عقده رسول الله ﷺ مع قريش، وهو على هذا بمعنى: الحكم، أو بمعنى العطاء. ويدل على صحة هذا القول: أنه لما وقع صلح الحديبية شقَّ ذلك على بعض المسلمين؛ لشروطٍ كانت فيه، حتى أنزل الله هذه السورة، وتبيَّن أن ذلك الصلح له عاقبةٌ محمودة، وهذا هو الأرجح؛ لأنه روي أنها لما نزلت قال بعض الناس: ما هذا الفتح وقد صدَّنا المشركون عن البيت؟ فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: «بل هو أعظم الفتوح، قد رضي المشركون أن يدفعوكم عن بلادهم بالرَّاح، ورغبوا إليكم في الأمان» (١). الثالث: أنه ما أصاب المسلمون بعد الحديبية من الفتوح، كفتح خيبر وغيرها.

стр. 2370

الرابع: أنه الهداية إلى الإسلام، ودليل هذا القول قوله: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ فجعل الفتح علةً للمغفرة، ولا حجة في ذلك؛ إذ يُتصوَّرُ في الجهاد وغيره أن يكون علةً للمغفرة أيضًا، أو تكون اللام للصيرورة والعاقبة، لا للتعليل؛ فيكون المعنى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١)﴾ فكان عاقبة أمرك أن جمع الله لك بين سعادة الدنيا والآخرة؛ بأن غفر لك، وأتمَّ نعمته عليك، وهداك ونصرك. ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ﴾ أي: السكون والطُّمأنينة، يعني: سكونَهم في صلح الحديبية وتسليمهم لفعل رسول الله ﷺ . وقيل: معناه الرحمة. ﴿الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ معناه: أنهم ظنوا أن الله يخذل المؤمنين، فقالوا: لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدًا. وقيل: معناه: أنهم لا يعرفون الله بصفاته، فذلك هو ظن السوء به. والأول أظهر؛ بدليل ما بعده. ﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ يحتمل أن يكون: خبرًا، أو دعاءً. ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا﴾ أي: تشهدُ على أمتك. ﴿وَتُعَزِّرُوهُ﴾ أي: تعظِّموه. وقيل: تنصروه. وقرئ: «تعززوه» بزاءين منقوطتين.

стр. 2371

والضمير في ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾: للنبي ﷺ ، وفي ﴿وَتُسَبِّحُوهُ﴾: لله تعالى. وقيل: الثلاثة لله. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ هذا تشريف للنبي ﷺ ؛ حيث جعل مبايعته بمنزلة مبايعة الله، ثم أكّد هذا المعنى بقوله: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ وذلك على وجه التخيُّل والتمثيل، يريد: أن يد رسول الله ﷺ التي تعلو أيدي المبايعين له هي يد الله في المعنى، وإن لم تكن كذلك في الحقيقة، وإنما المراد أنَّ عقد ميثاق البيعة مع الرسول ﷺ ، كعقده مع الله، كقوله: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]. وتأوَّل المتأولون ذلك بأن يد الله معناها: النعمة أو (١) القوة، وهذا بعيد هنا (٢). ونزلت الآية في بيعة الرضوان تحت الشجرة وسنذكرها بعدُ. ﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ يعني: أنَّ ضرر نكثه على نفسه. ويريد بالنكث هنا: نَقْضَ البيعة.

стр. 2372

[﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١١) بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا (١٢) وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا (١٣) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٤) سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٥) قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٦) لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا (١٧)﴾]. ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ﴾ الآية؛ سماهم بالمخلفين؛ لأنهم تخلفوا عن غزوة الحديبية. والأعراب: هم أهل البوادي من العرب، لما خرج رسول الله ﷺ إلى مكة ليعتمر، رأوا أنه يستقبل عدوًا كثيرًا من قريش وغيرهم، فقعدوا عن الخروج معه، ولم يكن إيمانهم متمكنا، فظنوا أنه لا يرجع هو ولا المؤمنون من ذلك السفر، ففضحهم الله في هذه السورة، وأعلم رسول الله ﷺ بقولهم واعتذارهم قبل أن يصل إليهم، وأعلمه أنهم كاذبون في اعتذارهم. ﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِم مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ يحتمل أن يريد: قولهم: ﴿شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا﴾؛ لأنهم كذبوا في ذلك.

стр. 2373

أو قولهم: ﴿فَاسْتَغْفِرْ لَنَا﴾؛ لأنهم قالوا ذلك رياءً من غير توبة ولا صدق. ﴿قَوْمًا بُورًا﴾ أي: هالكين؛ من البوار، وهو الهلاك، ويعني به: الهلاك في الدين. ﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ﴾ الآية؛ أخبر الله نبيه ﷺ أن المخلفين عن غزوة الحديبية يريدون الخروج معه إذا خرجوا إلى غزوة أخرى، وهي غزوة خيبر، فأمره الله بمنعهم من ذلك، وأن يقول لهم: ﴿لَن تَتَّبِعُونَا﴾. ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾ أي: يريدون أن يبدلوا وَعْدَ الله لأهل غزوة الحديبية، وذلك أن الله وعدهم أن يعوّضهم من غنيمة مكة غنيمة خيبر وفتحها، وأن يكون ذلك مختصًّا بهم دون غيرهم، وأراد المخلفون أن يشاركوهم في ذلك، فهذا هو ما أرادوا من التبديل. وقيل: ﴿كَلَامَ اللَّهِ﴾ قوله: ﴿فَقُلْ لَن تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا﴾ [التوبة: ٨٣]، وهذا ضعيف؛ لأن هذه الآية نزلت في رجوع رسول الله ﷺ من تبوك بعد الحديبية بمدَّةٍ. ﴿كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ﴾ يريد: وعده باختصاصه أهل الحديبية بغنائم خيبر. ﴿فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا﴾ معناه: يعزُّ عليكم أن نُصيب معكم مالًا وغنيمة. و ﴿بَلْ﴾ هنا: للإضراب عن الكلام المتقدم، وهو قوله: ﴿لَن تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ﴾، فمعناها: ردّ أن يكون الله حكم بأن لا يتبعوهم. وأما ﴿بَلْ﴾ في قوله تعالى: ﴿بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ فهي إضرابٌ

стр. 2374

عن وصف المؤمنين بالحسد، وإثباتٌ لوصف المخلَّفين بالجهل. ﴿سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ اختُلف في هؤلاء القوم على أربعة أقوال: الأول: أنهم هوازن ومَن حارب النبيَّ ﷺ في غزوة حُنين. والثاني: أنهم الروم؛ إذ دعا رسول الله ﷺ الناسَ إلى قتالهم في غزوة تبوك. والثالث: أنهم أهل الردَّة من بني حنيفة وغيرهم الذين قاتلهم أبو بكر الصديق ﵁. والرابع: أنهم الفرس. ويقوي القول الأول والثاني: بأن ذلك ظهَرَ في حياة النبي ﷺ . وقوَّى المنذر بن سعيد القول الثالث؛ بأن الله جعل حُكمهم القتل أو الإسلام ولم يذكر الجزية، قال: وهذا لا يوجد إلَّا في أهل الردَّة. قلت: وكذلك هو موجودٌ في كفار العرب؛ إذ لا تؤخذ منهم الجزية فيقوِّي ذلك أنهم هوازن. ﴿أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ عطفٌ على ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ﴾. وقال ابن عطية: هو مستأنَفٌ (١). ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُم مِنْ قَبْلُ﴾ يريد: في غزوة الحديبية.

стр. 2375

﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾ الآية؛ معناها: أن الله تعالى عذَرَ الأعمى والأعرج والمريض في تركهم للجهاد؛ بسبب أعذارهم.

стр. 2376

[﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (١٨) وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٩) وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٢٠) وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا (٢١) وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٢٢) سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (٢٣) وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٢٤) هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (٢٥) إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٢٦)﴾]. ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ قال رسول الله ﷺ : «لا يدخل النار إن شاء الله أحدٌ من أهل الشجرة الذين بايعوا تحتها» (١). وفي الحديث أنهم كانوا ألفًا وأربع مئة (٢)، وقيل: ألفًا وخمس مئة. وسبب هذه البيعة: أن رسول الله ﷺ لما بلغ الحديبية، وهي موضعٌ على

стр. 2377

نحو عشرة أميال من مكة، أرسل عثمان بن عفان ﵁ رسولًا إلى أهل مكة، يخبرهم أنه إنما جاء ليعتمر، وأنه لا يريد حربًا، فلما وصل إليهم عثمان حبسه أقاربه؛ كرامةً له، فصرخ صارخ أن عثمان قد قُتِل، فدعا رسول الله ﷺ الناس إلى البيعة على القتال وأن لا يفرَّ أحد، وقيل: بايعوه على الموت، ثم جاء عثمان بعد ذلك سالمًا، وانعقد الصلح بين رسول الله ﷺ وأهل مكة؛ على أن يرجع ذلك العام ويعتمر في العام المقبل. والشجرة المذكورة: كانت سَمُرَةً هنالك، ذهبت بعد سنين، فمرَّ عمر بن الخطاب بالموضع في خلافته، فاختلف الصحابة في موضعها. ﴿فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ يعني: من صدق الإيمان وصدق العزم على ما بايعوا عليه. وقيل: من كراهة البيعة على الموت وهذا باطل؛ لأنه ذمٌّ للصحابة. وقد ذكرنا ﴿السَّكِينَةَ﴾ (١). ﴿وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ يعني: فتح خيبر. وقيل: فتح مكة. والأول أشهر؛ أي: جعل الله ذلك ثوابًا لهم على بيعة الرضوان، زيادةً إلى ثواب الآخرة. وأما المغانم الكثيرة المذكورة أولًا: فهي غنائم خيبر، وهي المعطوفة على الفتح القريب.

стр. 2378

وأما المغانم الكثيرة التي وعدهم الله -وهي المذكورة ثانيًا-: فهي كل ما يغْنمه المسلمون إلى يوم القيامة. والإشارة بقوله: ﴿فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ﴾ إلى خيبر. وقيل: إن المغانم التي وعدهم: مغانم خيبر، والإشارة بـ ﴿هَذِهِ﴾ إلى صلح الحديبية. ﴿وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنكُمْ﴾ أي: كفَّ أهل مكة عن قتالكم في الحديبية. وقيل: كفَّ اليهود وغيرهم عن الإضرار بنسائكم وذرِّيَّتكم بينما (١) خرجتم إلى الحديبية. ﴿وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: تكون هذه الفِعْلة -وهي كفُّ أيدي الناس عنكم - آيةً للمؤمنين، يستدلُّون بها على النصر. واللام تتعلَّق بفعلٍ محذوفٍ، تقديره: فعل الله ذلك لتكون آيةً للمؤمنين. ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا﴾ يعني: فتح مكة بعد ذلك (٢). وقيل: فتح بلاد فارس والروم. وقيل: مغانم هوازن في حنين. والمعنى: لم تقدروا أنتم عليها، وقد أحاط الله بها بقدرته ووهبها لكم. وإعراب ﴿أُخْرَى﴾: معطوفٌ على ﴿فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ﴾.

стр. 2379

أو مفعولٌ بفعل مضمر تقديره: أعطاكم أخرى. أو مبتدأ. ﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني: أهل مكة. ﴿سُنَّةَ اللَّهِ﴾ أي: عادتَه. والإشارة: إلى يوم بدر. وقيل: الإشارة إلى نَصْرِ الأنبياء قديمًا. ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم﴾ روي في سببها أن جماعة من فتيان قريش خرجوا إلى الحديبية، ليصيبوا من عسكر رسول الله ﷺ ، فبعث إليهم رسول الله ﷺ خالد بن الوليد في جماعةٍ من المسلمين فهزموهم وأسرُوا منهم قومًا، وساقوهم إلى رسول الله ﷺ فأطلقهم. فكفُّ أيدي الكفار: هو أن هُزموا وأُسروا. وكفُّ أيدي المؤمنين عن الكفار: هو إطلاقهم من الأسر، وسلامتهم من القتل. وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ يعني: من بعد ما أخذتموهم أسارى. ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني: أهل مكة. ﴿وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ يعني: أنهم منعوهم عن العمرة بالمسجد الحرام عام الحديبية. ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ الهديُ: ما يُهدى إلى البيت من الأنعام،

стр. 2380

وكان رسول الله ﷺ قد ساق حينئذ مئة بدنةٍ، وقيل: سبعين؛ ليُهدِيَها. والمعكوف: المحبوس. و ﴿مَحِلَّهُ﴾: موضع نحره؛ يعني: مكة والبيت. وإعراب ﴿وَالْهَدْيَ﴾ عطفٌ على الضمير المفعول في ﴿صَدُّوكُمْ﴾، و ﴿مَعْكُوفًا﴾ حالٌ من ﴿وَالْهَدْيَ﴾، ﴿أَنْ يَبْلُغَ﴾ مفعولٌ بالعكف. فالمعنى: صَدُّوكم عن المسجد الحرام، وصدُّوا الهديَ عن أن يبلغ مَحِلَّه. والعكف المذكور يعني به: منْعَ المشركين للهدي عن بلوغ مكة. أو حَبْسَ المسلمين للهدي بينما ينظرون في أمرهم. ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ﴾ الآية؛ تعليلٌ لصرف الله المؤمنين عن استئصال أهل مكة بالقتل، وذلك أنه كان بمكة رجال مؤمنون ونساء مؤمنات يُخفون إيمانهم، فلو سلَّط الله المسلمين على أهل مكة، لقتلوا أولئك المؤمنين وهم لا يعرفونهم، ولكن الله كفَّهم عنهم؛ رحمةً بالمؤمنين الذين كانوا بين أظهرهم. وجواب ﴿لَوْلَا﴾ محذوفٌ، تقديره: لولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لسلَّطناكم عليهم. ﴿أَنْ تَطَئُوهُمْ﴾ في موضع بدل من ﴿رِجَالٌ﴾ و ﴿نِسَاءٌ﴾. أو بدلٌ من الضمير المفعول في ﴿لَمْ تَعْلَمُوهُمْ﴾.

стр. 2381

والوطء هنا: الإهلاك بالسيف وغيره. ﴿فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُم مَعَرَّةٌ﴾ أي: تصيبكم من قتلهم مشقةٌ وكراهة. واختلف هل يعني: الإثمَ في قتلهم؟ أو الدية؟ أو الكفَّارة؟ أو الملامة؟ أو عيب الكفار لهم؛ بأن يقولوا: قتلوا أهل دينهم؟ أو تألُّم نفوسهم من قتل المؤمنين؟، وهذا أظهر؛ لأن قتل المؤمن الذي لا يُعلَم إيمانه وهو بين أهل الحرب لا إثم فيه ولا دية، ولا ملامة، ولا عيب. ﴿لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ يعني: رحمته (١) للمؤمنين الذين كانوا بين أظهر الكفار، بأن كفَّ سيوف المسلمين عن الكفار من أجلهم. أو رحمته لمن يشاء من الكفار؛ بأن يسلموا بعد ذلك. واللام تتعلق بمحذوفٍ يدلُّ عليه سياق الكلام، تقديره: كان كفُّ القتل عن أهل مكة ليدخل الله في رحمته من يشاء. ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ معنى ﴿تَزَيَّلُوا﴾: تميزوا عن الكفار،

стр. 2382

والضمير للمؤمنين المستورين الإيمان؛ أي: لو انفصلوا عن الكفار لعذَّبنا الكفار. فقوله: ﴿لَعَذَّبْنَا﴾ جواب ﴿لَوْ﴾ الثانية، وجواب الأولى محذوف كما ذكرنا. ويحتمل أن يكون ﴿لَعَذَّبْنَا﴾ جواب ﴿لَوْلَا﴾ (١) الأولى، وكُرِّرت «لو» الثانية تأكيدًا. ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ﴾ يعني: أَنَفَة الكفر (٢)، وهي منعهم للنبي ﷺ والمسلمين عن العمرة، ومنعهم من أن يُكتب في كتاب الصلح «بسم الله الرحمن الرحيم»، ومنعهم من أن يُكتب «محمد رسول الله»، وقولهم: «لو نعلم أنك رسول الله لاتبعناك (٣)، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك». والعامل في ﴿إِذْ جَعَلَ﴾: محذوف تقديره: اذكر. أو قوله: ﴿لَعَذَّبْنَا﴾. والسكينة: هي سكون المسلمين ووقارهم حين جرى ذلك. ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾ قال الجمهور: هي «لا إله إلا الله»، وقد روي

стр. 2383

ذلك عن رسول الله ﷺ (١). وقيل: «لا إله إلا الله، محمد رسول الله». وقيل: «لا إله إلا الله، والله أكبر». وهذه كلها متقاربة. وقيل: هي «بسم الله الرحمن الرحيم» التي أبى الكفار أن تُكتب. ﴿وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾ أي: كانوا كذلك في علم الله وسابق قضائه لهم. وقيل: أحقَّ بها من اليهود والنصارى.

стр. 2384

[﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا (٢٧) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٢٨) مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾]. ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ﴾ كان رسول الله ﷺ قد رأى في منامه عند خروجه إلى العمرة أنه يطوف بالبيت هو وأصحابه، بعضهم محلّقون وبعضهم مقصّرون، وروي أنه أتاه ملَكٌ في النوم فقال له: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ الآية، فأخبر الناس برؤياه ذلك، وظنوا أن ذلك يكون في ذلك العام، فلما صدَّه المشركون عن العمرة عام الحديبية قال المنافقون: أين الرؤيا؟، ووقع في نفوس المسلمين شيءٌ من ذلك، فأنزل الله تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ﴾ أي: تلك الرؤيا صادقة، وسيخرج تأويلها بعد ذلك، فاطمأنت قلوب المؤمنين، وخرج رسول الله ﷺ في العام المقبل، هو وأصحابه فدخلوا مكة واعتمروا، وأقاموا بمكة ثلاثة أيام، وظهر صدق رؤياه، وتلك عُمرة القضية، ثم فتح مكة بعد ذلك، ثم حج هو وأصحابه. و ﴿صَدَقَ﴾ في هذا الموضع يتعدَّى إلى مفعولين.

стр. 2385

و ﴿بِالْحَقِّ﴾ يتعلق: بـ ﴿صَدَقَ﴾. أو بـ ﴿الرُّؤْيَا﴾ على أن يكون حالًا منها. ﴿إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ لما كان الاستثناء بمشيئة الله يقتضي الشك في الأمر، وذلك محالٌ على الله؛ اختُلف في هذا الاستثناء على خمسة أقوال: الأول: أنه استثناءٌ قاله المَلَك الذي رآه النبي ﷺ في المنام، فحكى الله مقالته كما وقعت. والثاني: أنه تأديبٌ من الله لعباده؛ ليقولوا: «إن شاء الله» في كل أمرٍ مستقبل. والثالث: أنه استثناءٌ بالنظر إلى كل إنسان على حِدَته؛ لأنه يمكن أن يتمَّ له الوعد، أو يموت أو يمرض؛ فلا يتمُّ له. والرابع: أن الاستثناء راجع إلى قوله: ﴿آمِنِينَ﴾، لا لدخول المسجد الحرام. والخامس: أن «إن شاء الله» بمعنى: «إذْ (١) شاء الله». ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ الحلاق والتقصير من سنة الحج والعمرة، والحلاق أفضل من التقصير، لقول رسول الله ﷺ : «رحم الله المحلقين» ثلاثًا، ثم قال في المرة الآخرة: «والمقصرين» (٢).
следующие страницы →