والوطء هنا: الإهلاك بالسيف وغيره.
﴿فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُم مَعَرَّةٌ﴾ أي: تصيبكم من قتلهم مشقةٌ وكراهة.
واختلف هل يعني:
الإثمَ في قتلهم؟
أو الدية؟
أو الكفَّارة؟
أو الملامة؟
أو عيب الكفار لهم؛ بأن يقولوا: قتلوا أهل دينهم؟
أو تألُّم نفوسهم من قتل المؤمنين؟، وهذا أظهر؛ لأن قتل المؤمن الذي لا يُعلَم إيمانه وهو بين أهل الحرب لا إثم فيه ولا دية، ولا ملامة، ولا عيب.
﴿لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ يعني: رحمته (١) للمؤمنين الذين كانوا بين أظهر الكفار، بأن كفَّ سيوف المسلمين عن الكفار من أجلهم.
أو رحمته لمن يشاء من الكفار؛ بأن يسلموا بعد ذلك.
واللام تتعلق بمحذوفٍ يدلُّ عليه سياق الكلام، تقديره: كان كفُّ القتل عن أهل مكة ليدخل الله في رحمته من يشاء.
﴿لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ معنى ﴿تَزَيَّلُوا﴾: تميزوا عن الكفار،
стр. 2382
والضمير للمؤمنين المستورين الإيمان؛ أي: لو انفصلوا عن الكفار لعذَّبنا الكفار.
فقوله: ﴿لَعَذَّبْنَا﴾ جواب ﴿لَوْ﴾ الثانية، وجواب الأولى محذوف كما ذكرنا.
ويحتمل أن يكون ﴿لَعَذَّبْنَا﴾ جواب ﴿لَوْلَا﴾ (١) الأولى، وكُرِّرت «لو» الثانية تأكيدًا.
﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ﴾ يعني: أَنَفَة الكفر (٢)، وهي منعهم للنبي ﷺ والمسلمين عن العمرة، ومنعهم من أن يُكتب في كتاب الصلح «بسم الله الرحمن الرحيم»، ومنعهم من أن يُكتب «محمد رسول الله»، وقولهم: «لو نعلم أنك رسول الله لاتبعناك (٣)، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك».
والعامل في ﴿إِذْ جَعَلَ﴾:
محذوف تقديره: اذكر.
أو قوله: ﴿لَعَذَّبْنَا﴾.
والسكينة: هي سكون المسلمين ووقارهم حين جرى ذلك.
﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾ قال الجمهور: هي «لا إله إلا الله»، وقد روي
стр. 2383
ذلك عن رسول الله ﷺ (١).
وقيل: «لا إله إلا الله، محمد رسول الله».
وقيل: «لا إله إلا الله، والله أكبر».
وهذه كلها متقاربة.
وقيل: هي «بسم الله الرحمن الرحيم» التي أبى الكفار أن تُكتب.
﴿وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾ أي: كانوا كذلك في علم الله وسابق قضائه لهم. وقيل: أحقَّ بها من اليهود والنصارى.
стр. 2384
[﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا (٢٧) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٢٨) مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾].
﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ﴾ كان رسول الله ﷺ قد رأى في منامه عند خروجه إلى العمرة أنه يطوف بالبيت هو وأصحابه، بعضهم محلّقون وبعضهم مقصّرون، وروي أنه أتاه ملَكٌ في النوم فقال له: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ الآية، فأخبر الناس برؤياه ذلك، وظنوا أن ذلك يكون في ذلك العام، فلما صدَّه المشركون عن العمرة عام الحديبية قال المنافقون: أين الرؤيا؟، ووقع في نفوس المسلمين شيءٌ من ذلك، فأنزل الله تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ﴾ أي: تلك الرؤيا صادقة، وسيخرج تأويلها بعد ذلك، فاطمأنت قلوب المؤمنين، وخرج رسول الله ﷺ في العام المقبل، هو وأصحابه فدخلوا مكة واعتمروا، وأقاموا بمكة ثلاثة أيام، وظهر صدق رؤياه، وتلك عُمرة القضية، ثم فتح مكة بعد ذلك، ثم حج هو وأصحابه.
و ﴿صَدَقَ﴾ في هذا الموضع يتعدَّى إلى مفعولين.
стр. 2385
و ﴿بِالْحَقِّ﴾ يتعلق:
بـ ﴿صَدَقَ﴾.
أو بـ ﴿الرُّؤْيَا﴾ على أن يكون حالًا منها.
﴿إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ لما كان الاستثناء بمشيئة الله يقتضي الشك في الأمر، وذلك محالٌ على الله؛ اختُلف في هذا الاستثناء على خمسة أقوال:
الأول: أنه استثناءٌ قاله المَلَك الذي رآه النبي ﷺ في المنام، فحكى الله مقالته كما وقعت.
والثاني: أنه تأديبٌ من الله لعباده؛ ليقولوا: «إن شاء الله» في كل أمرٍ مستقبل.
والثالث: أنه استثناءٌ بالنظر إلى كل إنسان على حِدَته؛ لأنه يمكن أن يتمَّ له الوعد، أو يموت أو يمرض؛ فلا يتمُّ له.
والرابع: أن الاستثناء راجع إلى قوله: ﴿آمِنِينَ﴾، لا لدخول المسجد الحرام.
والخامس: أن «إن شاء الله» بمعنى: «إذْ (١) شاء الله».
﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ الحلاق والتقصير من سنة الحج والعمرة، والحلاق أفضل من التقصير، لقول رسول الله ﷺ : «رحم الله المحلقين» ثلاثًا، ثم قال في المرة الآخرة: «والمقصرين» (٢).
стр. 2386
﴿فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا﴾ يريد: ما قَدَّره من ظهور الإسلام في تلك المُدَّة؛ فإنه لما انعقد الصلح، وارتفعت الحرب رغب الناس في الإسلام، فكان رسول الله ﷺ في غزوة الحديبية في ألف وخمس مئة، وقيل: ألف وأربع مئة، وغزا غزوة الفتح بعدها بعامين ومعه عشرة آلاف.
﴿فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ قيل: يعني: فتح خيبر.
وقيل: بيعة الرضوان.
وقيل: صلح الحديبية، وهذا هو الأصح؛ لأن عمر قال لرسول الله ﷺ : أوفتح (١) هو يا رسول الله؟ قال: «نعم» (٢).
وقيل: هو فتح مكة، وهذا ضعيف؛ لأن معنى قوله: ﴿مِنْ دُونِ ذَلِكَ﴾ قبل دخول المسجد الحرام، وإنما كان فتح مكة بعد ذلك، فإن الحديبية كانت عام ستة من الهجرة وعمرة القضية عام سبعة، وفتح مكة عام ثمانية.
﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ ذكر في «براءة» (٣).
﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ أي: شاهدًا بأن محمدًا رسول الله.
أو شاهدًا بإظهار دينه.
﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ يعني: جميع أصحابه.
وقيل: من شهد معه الحديبية.
стр. 2387
وإعراب ﴿الَّذِينَ﴾ معطوف على ﴿مُحَمَّدٌ﴾، و ﴿رَسُولُ اللَّهِ﴾ صفةٌ، و ﴿أَشِدَّاءُ﴾ خبرٌ عن الجميع.
وقيل: ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ مبتدأ، و ﴿أَشِدَّاءُ﴾ خبره، و ﴿رَسُولُ اللَّهِ﴾ خبر ﴿مُحَمَّدٌ﴾، ورجح ابن عطية هذا (١).
والأول عندي أرجح؛ لأن الوصف بالشدة والرحمة يشمل النبي ﷺ وأصحابه، وأما على ما اختاره ابن عطية؛ فيكون الوصف بالشدة والرحمة مختصًا بالصحابة دون النبي ﷺ ، وما أحقَّ النبيَّ ﷺ بالوصف بذلك؛ لأن الله قال فيه: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨]، وقال له: ﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣] فهذا هو الشدة على الكفار والرحمة بالمؤمنين.
﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ﴾ السِّيما: العلامة، وفيه ستة أقوال:
الأول: أنه الأثر الذي يحدث في جبهة المُصلِّي من كثرة السجود.
الثاني: أنه أثر التراب في الوجه.
الثالث: أنه صُفْرة الوجه من السهر والعبادة.
الرابع: حُسْن الوجه؛ لما ورد في الحديث: «من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار» (٢) وهذا الحديث غير صحيح، بل وقع فيه غلط من
стр. 2388
الراوي، فرفعه إلى النبي ﷺ وهو غير مرويٍّ عنه.
الخامس: أنه الخشوع.
السادس: أن ذلك يكون في الآخرة، يجعل الله لهم نورًا من أثر السجود كما يجعل غُرَّةً من الوضوء، وهذا بعيد؛ لأن قوله: ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا﴾ وصفُ حالهم في الدنيا، فيكون (١) ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ﴾ كذلك.
والأول هو الأظهر، وقد كان بوجه علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب وعلي بن عبد الله بن العباس أثرٌ ظاهر من كثرة السجود.
﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ﴾ أي: وصفهم فيها، وتمَّ الكلام هنا، ثم ابتدأ
قوله: ﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ﴾.
وقيل: إن ﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ﴾ عطفٌ على ﴿مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ﴾ ثم ابتدأ قوله: ﴿كَزَرْعٍ﴾ وتقديره: هم كزرع.
والأول أظهر؛ ليكون وصفهم في التوراة بما تقدَّم من الأوصاف الحسان وتمثيلهم في الإنجيل بالزرع المذكور بعد ذلك.
وعلى هذا: يكون ﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ﴾ بمعنى التشبيه والتمثيل.
وعلى القول الآخر: يكون المثل بمعنى الوصف كـ ﴿مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ﴾.
стр. 2389
﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾ هذا مثلٌ ضربه الله للإسلام؛ حيث بدأ ضعيفًا، ثم قَوِيَ وظهر.
وقيل: الزرع مثلٌ للنبي ﷺ ؛ لأنه بُعث وحده فكان كالزرع حبّةً واحدة، ثم كثر المسلمون فهم كالشَّطْء، وهو فراخ السنبلة التي تنبت حول الأصل، ويقال: بإسكان الطاء، وفتحها دون مد، وفتحها مع المد، وهي لغات.
﴿فَآزَرَهُ﴾ أي: قوّاه، وهو من المؤازرة بمعنى المعاونة.
ويحتمل أن يكون: الفاعل الزرع، والمفعول ﴿شَطْأَهُ﴾، أو بالعكس؛ لأن كل واحد منهما يقوي الآخر.
وقيل: معناه: ساواه طولًا، فالفاعل على هذا: الشطء.
ووزن ﴿آزَرَهُ﴾ أفعله، وقيل: فاعله.
وقرئ بقصر الهمزة على وزن فَعَلَ.
﴿فَاسْتَغْلَظَ﴾ أي: صار غليظًا.
﴿فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ﴾ السُّوق: جمع ساق، أي: قام الزرع على سوقه. وقيل: ﴿كَزَرْعٍ﴾ يعني: النبي ﷺ ، ﴿أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾ بأبي بكر، ﴿فَآزَرَهُ﴾ بعمر، ﴿فَاسْتَغْلَظَ﴾ بعثمان، ﴿فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ﴾ بعليّ بن أبي طالب.
﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ تعليلٌ لما دلّ عليه المثل المتقدّم من قوّة المسلمين، فهو يتعلَّق بفعلٍ يدل عليه الكلام تقديره: جعلهم الله كذلك؛ ليغيظ بهم الكفار.
стр. 2390
وقيل: يتعلَّقُ بـ ﴿وَعَدَ﴾، وهو بعيد.
﴿مِنْهُمْ﴾ لبيان الجنس، لا للتبعيض؛ لأنه وعدٌ عمَّ جميعهم ﵃.
والثاني: لا تُقدّموا الولاةَ بمحضره؛ فإنه يقدّم من شاء.
والثالث: لا تتقدّموا بين يديه إذا مشى، وهذا إنما يجري على قراءة يعقوب: ﴿لَا تَقَدَّمُوا﴾ بفتح التاء والقاف والدال.
والأول هو الأظهر؛ لأن عادة العرب الاشتراك في الرأي، وأن يتكلم كل أحدٍ بما يظهر له، فربما فعل ذلك قومٌ مع النبي ﷺ ، فنهاهم الله عن ذلك، ولذلك قال مجاهد: معناه: لا تَفْتَاتُوا على الله شيئًا حتى يذكره على لسان رسوله ﷺ .
وإنما قال: ﴿بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ﴾؛ لأن النبي ﷺ إنما يتكلم بوحي الله (١).
﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ أمر الله المؤمنين أن يتأدبوا مع النبي ﷺ بهذا الأدب؛ كرامةً له وتعظيمًا.
وسببها: أن بعض جفاة الأعراب (٢) كانوا يرفعون أصواتهم.
﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ﴾ مفعول من أجله، تقديره: مخافة أن تحبط أعمالكم إذا رفعتم أصواتكم فوق صوته، أو جهرتم له بالقول ﷺ .
فالمفعول من أجله يتعلق بالفعلين معًا من طريق المعنى.
وأما من طريق الإعراب:
فيتعلق عند البصريين بالثاني وهو: ﴿وَلَا تَجْهَرُوا﴾.
وعند الكوفيين بالأول وهو ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ﴾.
стр. 2393
وهذا الإحباط؛ لأن قلة الأدب معه ﷺ والتقصير في توقيره يحبط الحسنات وإن فعله مؤمن؛ لعظيم ما وقع فيه من ذلك.
وقيل: إن الآية خطاب للمنافقين، وهذا ضعيف؛ لقوله في أولها: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وقوله: ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ فإنه لا يصح أن يقال هذا لمنافق؛ فإنه يفعله جُرْأةً وهو يقصده.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ نزلت في أبي بكر وعمر ﵄، فإنه لما نزلت الآية قبلها قال أبو بكر: «والله يا رسول الله لا كلمتك إلَّا سِرًّا (١)»، وكان عمر يخفي كلامه حتى يستفهمه النبي ﷺ .
ولفظها مع ذلك على عمومه.
ومعنى ﴿امْتَحَنَ﴾: اختبر، فوجدها كما يجب، مثل ما يُختبر الذهب بالنار، فيوجدُ طَيِّبًا.
وقيل: معناه: درَّبها للتقوى؛ حتى صارت قوية على احتماله بغير تكلُّف.
وقيل: معناه: أخلصها الله للتقوى.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ ﴿الْحُجُرَاتِ﴾: جمع حُجْرة، وهي قطعةٌ من الأرض يُحْجَر حولها بحائط، وكان لكل واحدة من أزواج النبي ﷺ حجرة.
ونزلت الآية في وفد بني تميم، قدموا على النبي ﷺ فدخلوا المسجد ودَنَوْا من حجرات أزواج النبي ﷺ ، فوقفوا خارجها ونادَوْا: «يا محمد!
стр. 2394
اخرج إلينا، يا محمد! اخرج إلينا»، فكان في فِعْلِهم ذلك جفاءٌ وبداوة وقلة توقير، فتربَّص رسول الله ﷺ مدة ثم خرج إليهم، فقال له واحد منهم -وهو الأقرع بن حابس-: يا محمد إنَّ مدحي زَيْنٌ وذَمِّي شَيْنٌ، فقال له رسول الله ﷺ : «ويحك!، ذلك الله تعالى» (١).
﴿أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ يَحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون فيهم قليلٌ ممن يعقل، ونفى العقل عن أكثرهم، لا عن جميعهم.
والآخر: أن يكون جميعهم ممن لا يعقل، وأوقع القلة موضع (٢) النفي.
والأول أظهر في مقتضى اللفظ، والثاني أبلغ في الذم.
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ يعني: خيرًا في الثواب، وفي انبساط نفس النبي ﷺ لهم، وقضائه لحوائجهم.
وإنكارُ فِعْلهم فيه تأديبٌ لهم، وتعليمٌ لغيرهم.
﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ سببها: أن النبي ﷺ بعث الوليد بن عقبة بن أبي معيط إلى بني المصطلق؛ ليأخذ زكواتهم (٣)، فروي أنه كان معاديًا لهم، فأراد إذايتهم، فرجع من بعض طريقه وكذَّب عليهم، وقال للنبي ﷺ : إنهم قد منعوني الصَّدقة وطردوني وارتدوا، فغضب رسول الله ﷺ وهمَّ بغزوهم،
стр. 2395
ونظر في ذلك، فوردَ وفدُهم منكرين لذلك.
وروي أن الوليد بن عقبة لما قَرُبَ منهم خرجوا إليه مُتلقِّين له، فرآهم على بعدٍ ففزع منهم وظنَّ بهم الشر، وانصرف فقال ما قال.
وروي أنه بلغه أنهم قالوا: لا نعطيه صدقةً ولا نطيعه، فانصرف وقال ما قال.
فالفاسق المشار إليه في الآية: هو الوليد بن عقبة، ولم يزل بعد ذلك يفعل أفعال الفُسَّاق، حتى صلى بالناس صلاة الصبح أربع ركعات وهو سكران، ثم قال لهم: أزيدكم؟ (١).
ثم هي باقيةٌ فيمن اتصف بهذه الصفة إلى آخر الدهر.
وقرئ:
﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ من التبيين.
و ﴿تَثَبَّتُوا﴾ بالثاء من التثبت (٢)، ويقوي هذه القراءة: أنها لما نزلت روي أن رسول الله ﷺ قال: «التثبت (٣) من الله، والعجلة من الشيطان» (٤).
واستدلَّ بهذه الآية القائلون بقبول خبر الواحد؛ لأن دليل الخطاب يقتضي أن خبر غير الفاسق مقبولٌ.
قال المنذر البَلُّوطي: وهذه الآية تردُّ على من قال: إن المسلمين كلهم
стр. 2396
عدول؛ لأن الله أمر بالتبين (١) قبل القبول، فالمجهول الحال يُخشَى أن يكون فاسقًا.
﴿أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ في موضع المفعول من أجله، تقديره: مخافة أن تصيبوا قومًا بجهالة.
والإشارة إلى قتال بني المصطلق؛ لما ذكر عنهم الوليد ما ذكر.
﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ أي: لشقيتم، والعنت: المشقة.
وإنما قال: ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ﴾ ولم يقل: «لو أطاعكم»؛ للدلالة على أنهم كانوا يريدون استمرار طاعته ﷺ لهم، والحق خلاف ذلك، وإنما الواجب أن يطيعوه لا أن يطيعهم، وذلك أن رأي رسول الله ﷺ خيرٌ وأصوب من رأي غيره، ولو أطاع الناس في رأيهم (٢) لهلكوا، فالواجب عليهم الانقياد إليه والرجوع إلى أمره، وإلى ذلك الإشارة بقوله: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ﴾ الآية.
﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ اختلف في سبب نزولها: فقال الجمهور: هو ما وقع بين المسلمين وبين المتحزّبين منهم لعبد الله ابن أبيّ بن سلول حين مرَّ به رسول الله ﷺ وهو متوجهٌ إلى زيارة سعد بن عبادة في مرضه، فقال عبد الله بن أبيّ للنبي ﷺ : لقد آذاني نتنُ حمارك، فردَّ عليه عبد الله بن رواحة وتلاحى الناس حتى وقع بين الطائفتين ضربٌ
стр. 2397
بالجَريد، ويروى: بالحديد.
وقيل: سببها أن فرقتين من الأنصار وقع بينهما قتال، فأصلحه رسول الله ﷺ بعد جُهْدٍ.
ثم حُكْمها باقٍ إلى آخر الدهر.
وإنما قال: ﴿اقْتَتَلُوا﴾ ولم يقل: «اقتتلا»؛ لأن الطائفة في معنى القوم والناس، فهي في المعنى جمعٌ.
﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾ أمر الله في هذه الآية بقتال الفئة الباغية، وذلك إذا تبين أنها باغية.
فأما الفتن التي تقع بين المسلمين؛ فاختلف العلماء فيها على قولين:
أحدهما: أنه لا يجوز النهوض في شيءٍ منها ولا القتال، وهذا مذهب سعد بن أبي وقاص، وأبي ذر، وجماعة من الصحابة ﵃.
وحجتهم: قول رسول الله ﷺ : «قتال المسلم كفر» (١)، وأمْرُهُ ﷺ بكسر السيوف في الفتن.
والقول الثاني: أن النهوض فيها واجبٌ؛ لِتُكفَّ الطائفة الباغية، وهذا مذهب علي، وعائشة، وطلحة، والزبير، وأكثر الصحابة، وهو مذهب مالك وغيره من الفقهاء.
وحجتهم: هذه الآية.
стр. 2398
فإذا فَرَّعنا على القول الأول: فإن دخَل داخلٌ على مَنْ اعتزل الفريقين منزلَه، يريد نفسه أو ماله فعليه دفْعُه عن نفسه وإن أَدَّى ذلك إلى قتله؛ لقوله ﷺ : «مَنْ قُتِل دون نفسه وماله فهو شهيد» (١).
وإذا فَرَّعنا على القول الثاني: فاختلف مع من يكون النهوض في الفتن؟
فقيل: مع السَّواد الأعظم.
وقيل: مع العلماء.
وقيل: مع مَنْ يرى أن الحقَّ معه.
وحكم القتال في الفتن: أن لا يُجهَز على جريح، ولا يُطلَب هارب، ولا يُقتل أسيرٌ، ولا يُقسَم فيءٌ.
﴿حَتَّى تَفِيءَ﴾ أي: ترجع إلى الحق.
﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ إنما ذكره بلفظ التثنية؛ لأن أقلَّ مَنْ يقع بينهم البغي اثنان.
وقيل: أراد بالأخوين: الأوس والخزرج.
وقرئ ﴿بين إِخْوَتِكُمْ﴾ بالتاء على الجمع، وقرئ ﴿بين إِخْوَانِكُمْ﴾ بالنون على الجمع أيضًا.
стр. 2399
[﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (١١) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (١٢) يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)﴾].
﴿لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ﴾ نهيٌ عن السُّخرية، وهي الاستهزاء بالناس.
﴿عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ﴾ أي: لعلَّ المسخورَ منه خيرٌ من الساخر عند الله، وهذا تعليلٌ للنهي.
﴿وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ﴾ لما كان القوم لا يقع إلَّا على الذُّكران عطف النساء عليهم.
﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ﴾ أي: لا يطعن بعضكم على بعض.
واللمز: العيب، سواء كان بقول أو إشارة أو غير ذلك، وسنذكر الفرق بينه وبين الهَمز في سورة «الهمزة».
و ﴿أَنفُسَكُمْ﴾ هنا بمنزلة قوله: ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ﴾ [النور: ٦١] (١).
﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾ أي: لا يدعُ أحدٌ (٢) أحدًا بلقب، والتنابز بالألقاب: التداعي بها.
стр. 2400
وقد أجاز المحدِّثون أن يقال: الأعمش والأعرج ونحوه، إذا دعت إليه الضرورة، ولم يقصد النقص والاستخفاف.
﴿بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾ يريد بـ ﴿الِاسْمُ﴾: أن يُسمَّى الإنسانُ فاسقًا بعد أن سُمِّي مؤمنًا، وفي ذلك ثلاثة أوجه:
أحدُها: استقباحُ الجمع بين الفسوق وبين الإيمان، فمعنى ذلك: أن مَنْ فعل شيئًا من هذه الأشياء التي نُهي عنها فهو فاسقٌ وإن كان مؤمنًا.
والآخر: بئس ما يقوله الرجل للآخر: «يا فاسق» بعد إيمانه، كقولهم لمن أسلم من اليهود: «يا يهودي».
الثالث: أن يَجعل مَنْ فَسَقَ غيرَ مؤمن، وهذا على مذهب المعتزلة (١).
﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾ يعني: ظن السوء بالمسلمين، وأما ظنُّ الخير فهو حسنٌ.
﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ قيل: معنى الإثم هنا: الكذب لقوله ﷺ : «الظن
стр. 2401
أكذب الحديث» (١)؛ لأنه قد لا يكون مطابقًا للأمر.
وقيل: إنما يكون إثمًا إذا تكلَّم به، وأما إذا لم يتكلَّم به فهو في فُسحةٍ؛ لأنه لا يقدر على دفع الخواطر.
واستدلَّ بعضهم بهذه الآية على صحة سدِّ الذرائع في الشرع؛ لأنه أمر باجتناب كثيرٍ من الظن، وأخبر أن بعضه إثمٌ؛ فأمر باجتناب أكثر من الإثم؛ احترازًا من الوقوع في البعض الذي هو إثم.
﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ أي: لا تبحثوا عن مخبَّآت الناس.
وقرأ الحسن: ﴿تَحَسَّسُوا﴾ بالحاء.
والتجسُّس بالجيم: في الشر، وبالحاء: في الخير.
وقيل: التجسُّس: ما كان من وراء وراء، والتحسُّس -بالحاء-: الدخول والاستعلام.
﴿وَلَا يَغْتَب بَعْضُكُم بَعْضًا﴾ المعنى: لا يذكر أحدكم من أخيه المسلم ما يكره لو سمعه.
والغيبة: هي ما يكره الإنسان ذِكْرَه من خَلْقه أو خُلُقه أو دينه أو أفعاله أو غير ذلك، وفي الحديث أنه ﷺ قال: «الغيبة أن تذكر أخاك المؤمن بما يكره»، قيل: يا رسول الله وإن كان حقًّا؟ قال: «إذا قلت باطلًا فذلك البهتان».
стр. 2402
وقد رُخِّص في الغيبة في مواضع؛ منها: في التجريح في الشهادة، والرواية، والنصيحة في النكاح وشبهه، وفي التحذير من أهل الضلال.
﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ شبَّه الله تعالى الغيبة بأكل لحم ابن آدم ميتًا، والعرب تشبّه الغيبة بأكل اللحم، ثم زاد في تقبيحه أن جعله ميتًا؛ لأن الجيفة مستقذرةٌ.
ويجوز أن يكون ﴿مَيْتًا﴾ حالًا: من الأخ، أو من لحمه.
وقيل: ﴿فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ إخبارٌ عن حالهم بعد التَّقرير، كأنه لما قررهم: «هل يحبُّ أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتًا؟» أجابوا فقالوا: «لا نحبُّ ذلك»، فقال لهم: «فكرهتموه»، وبَعْدَ هذا محذوفٌ تقديره: «فكذلك فاكرهوا الغيبة التي هي تُشبهه»، وحُذف هذا؛ لدلالة الكلام عليه، وعلى هذا المحذوف يُعطف قوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾، قاله أبو علي الفارسي.
وقال الرُّمّاني: كراهةُ هذا اللحم يدعو إليها الطبع، وكراهة الغيبة يدعو إليها العقل، وهو أحقُّ أن يجاب؛ لأنه بصيرٌ عالم، والطبع أعمى جاهل. وقال الزمخشري: في هذه الآية مبالغات كثيرة:
منها: الاستفهام الذي معناه التقرير.
ومنها: جَعْلُ ما هو في الغاية من الكراهة موصولًا بالمحبة.
ومنها: إسناد الفعل إلى ﴿أَحَدُكُمْ﴾، والإشعار بأن أحدًا من الأحَدِينَ لا يحب ذلك.
ومنها: أن لم يقتصر على تمثيل الغيبة بأكل لحم الإنسان حتى جعله ميتًا.
стр. 2403
ومنها: أنْ لم يقتصر على تمثيل الغيبة بأكل لحم الإنسان حتى جعله أخًا (١).
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ الذكر والأنثى هنا: آدم وزوجه (٢).
قال ابن عطية: ويحتمل أن يريد الجنس، كأنه قال: إنا خلقنا كل واحد منكم من ذكر وأنثى (٣).
والأول أظهر وأصلح؛ لقوله ﷺ : «الناس من آدم، وآدم من التراب» (٤).
ومقصود الآية: التسويةُ بين الناس، والمنع مما كانت العرب تفعله من التفاخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، فبيَّن الله أن الكرم والشرف عند الله ليس بالحسب والنسب؛ إنما هو بالتقوى، قال رسول الله ﷺ : «من أحبَّ أن يكون أكرم الناس فليتقِ الله» (٥).
وروي أن سبب الآية أن رسول الله ﷺ أمر بني بياضة أن يزوِّجوا أبا هند امرأةً منهم، فقالوا: كيف نزوِّج نساءنا لموالينا؟
﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ الشعوب: جمع شعبٍ - بفتح الشين -، وهو أعظم من القبيلة، وتحته القبيلة، ثم البطن، ثم الفَخْذ، ثم الفصيلة، وهم القرابة الأَدْنَوْن.
стр. 2404
فَمُضَر وربيعة وأمثالهما: شعوبٌ، وقريش قبيلةٌ، وبنو عبد مناف بطن، وبنو هاشم فَخْذ - ويقال بإسكان الخاء؛ فرقًا بينه وبين الجارحة -، وبنو عبد المطلب فصيلة.
وقيل: الشعوب: في العجم، والقبائل: في العرب، والأسباط: في بني إسرائيل.
ومعنى ﴿لِتَعَارَفُوا﴾: ليعرف بعضكم بعضًا.
стр. 2405
[﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥) قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٦) يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٧) إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨)﴾]
﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا﴾ نزلت في بني أسد بن خزيمة، وهي قبيلة كانت تجاور المدينة، أظهروا الإسلام، وكانوا إنما يحبون المغانم وعَرَضَ الدنيا، فأكذبهم الله في قولهم: «آمنا»، وصدَّقهم لو قالوا: «أسلمنا».
وهذا على أن الإيمان هو التصديق بالقلب، والإسلام هو الانقياد للنطق (١) بالشهادتين والعمل بالجوارح، فالإسلام والإيمان في هذا الموضع متباينان في المعنى، وقد يكونان متفقين، وقد يكون الإسلام أعمَّ من الإيمان فيدخل الإيمان فيه، حسبما ورد في مواضع أخر.
﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُم مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا﴾ معنى ﴿لَا يَلِتْكُم﴾: لا يَنقُصْكم شيئًا من أجور أعمالكم.
وفيه لغتان:
يقال: لات، وعليه قراءة نافع: ﴿لَا يَلِتْكُم﴾ بغير همز.
стр. 2406
ويقال: ألت، وعليه قراءة من قرأ: ﴿لَا يَأْلِتْكُم﴾ بهمزة قبل اللام.
فإن قيل: كيف يعطيهم أجور أعمالهم وقد قال إنهم لم يؤمنوا؛ ولا تُقبل الأعمال (١) إلَّا من مؤمن؟
فالجواب: أن طاعة الله ورسوله تجمع صدق الإيمان وصلاح الأعمال، فالمعنى: إن رجعتم عما أنتم عليه من الإيمان بألسنتكم دون قلوبكم، وعملتم أعمالًا صالحة فإن الله لا ينقصكم منها شيئًا.
﴿ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ أي: لم يشكُّوا في إيمانهم، وفي ذلك تعريض بالأعراب المذكورين؛ لأنهم في شك، وكذلك قوله في هؤلاء: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ تعريض أيضًا بالأعراب؛ إذ كذبوا في قولهم: آمنا.
وإنما عطف ﴿ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ بـ «ثم»؛ إشعارًا بثبوت إيمانهم في الأزمنة المتراخية المتطاولة.
﴿وَجَاهَدُوا﴾ يريد: جهاد الكفار؛ لأنه دليلٌ على صحة الإيمان.
ويَبعُد أن يريد: جهاد النفس والشيطان؛ لقوله: ﴿بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾.
﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا﴾ نزلت في بني أسد أيضًا؛ فإنهم قالوا للنبي ﷺ : إنا آمنا بك واتبعناك ولم نحاربك كما فعلت هوازن وغطفان وغيرهم.
﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ﴾ أي: هداكم للإيمان على زعمكم، ولذلك قال: ﴿إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾.
стр. 2407
و ﴿يَمُنُّ عَلَيْكُمْ﴾ يحتمل أن يكون:
بمعنى: يُنعم عليكم.
أو بمعنى: يَذكر إنعامه، وهذا أحسن؛ لأنه في مقابلة: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ﴾.
وقيل: هو اسم الجبل (١) الذي يحيط بالدنيا.
﴿وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ من المجد، وهو الشَّرف والكرَم.
وجواب هذا القسم محذوف، تقديره: ما ردُّوا أمرك بحجة وما كذَّبوك ببرهان وشبه ذلك، وعن هذا المحذوفِ وقَع الإضرابُ بـ «بل».
وقيل: الجواب: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ﴾.
وقيل: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى﴾.
وقيل: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ﴾.
وهذه الأقوال ضعيفة متكلَّفة.
﴿بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُم مُنذِرٌ مِنْهُمْ﴾ الضمير في ﴿عَجِبُوا﴾ لكفار قريش، والمنذر: هو محمد ﷺ .
وقيل: الضمير لجميع الناس، واختاره ابن عطية، قال: ولذلك قال تعالى: ﴿فَقَالَ الْكَافِرُونَ﴾ (٢) أي: الكافرون من الناس.
والصحيح: أنه لقريش، وقوله: ﴿فَقَالَ الْكَافِرُونَ﴾ وضع الظاهر موضع المضمر؛ لقصد ذمّهم بالكفر، كما تقول: «جاءني فلان، فقال الفاجر كذا» إذا قصدتَ ذمه.
стр. 2410
وقوله: ﴿مُنذِرٌ مِنْهُمْ﴾:
إن كان الضمير لقريش: فمعنى ﴿مِنْهُمْ﴾: من قبيلتهم، يعرفون صِدْقَه وأمانته وحسَبه فيهم.
وإن كان الضمير لجميع الناس: فمعنى ﴿مِنْهُمْ﴾: إنسان مثلهم. وتعجُّبهم (١) يَحتمل (٢) أن يكون:
من أن يبعث الله بشرًا.
أو من الأمر الذي يتضمنه الإنذار، وهو الحشر، ويؤيد هذا ما يأتي بعدُ.
﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا﴾ العامل في ﴿إِذَا﴾: محذوف، تقديره: أنُبعَثُ إذا متنا؟.
﴿ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ الرجعُ مصدرُ: رَجَعتهُ، والمراد به: البعث بعد الموت، ومعنى ﴿بَعِيدٌ﴾ أي: بعيد الوقوع عندهم.
وقيل: الرجع: الجواب، أي: جوابهم هذا بعيدٌ عن الحق، وعلى هذا يكون قوله: ﴿ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ من كلام الله تعالى.
وأما على الأول: فهو حكاية كلام الكفار، وهو أظهر.
﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ﴾ هذا ردٌّ على الكفار في إنكارهم للبعث.
ومعناه: قد علمنا ما تنقص الأرض من لحومهم وعظامهم؛ فلا يصعب
стр. 2411
علينا بعثهم، قال رسول الله ﷺ : «كل جسد ابن آدم تأكله الأرض، إلَّا عُجْبَ الذَّنَب، منه خُلِق وفيه (١) يُرَكَّب» (٢).
وقيل: المعنى: قد علمنا ما يحصل في بطن الأرض من موتاهم.
والأول قول ابن عباس والجمهور، وهو أظهر.
﴿وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾ يعني: اللوح المحفوظ، ومعنى ﴿حَفِيظٌ﴾: جامعٌ لا يَشِدُّ عنه شيء.
وقيل: معناه: محفوظ من التبديل والتغيير.
﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ﴾ هذا الإضراب أتبع به الإضراب الأول؛ للدلالة على أنهم جاؤوا بما هو أقبح من تعجُّبهم (٣)، وهو التكذيب بالحق الذي هو النبوة، وما تضمنته من الإخبار بالحشر وغير ذلك.
وقال ابن عطية: هذا الإضراب عن كلام محذوفٍ تقديره: «ما أجادوا النظر»، أو نحو ذلك (٤).
﴿فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ أي: مضطرب؛ لأنهم تارةً يقولون: ساحر، وتارة شاعر، وغير ذلك من أقوالهم (٥).
وقيل: معناه: منكر.
стр. 2412
وقيل: مُلتبِس.
وقيل: مُختلِط.
﴿وَزَيَّنَّاهَا﴾ يعني: بالنجوم.
﴿وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ أي: من شِقَاقٍ، وذلك دليلٌ على إتقان الصَّنعة.
﴿رَوَاسِيَ﴾ يعني: الجبال.
﴿مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ أي: من كل نوع جميل.
﴿مَاءً مُبَارَكًا﴾ يعني: المطرَ كلَّه.
وقيل: إنما الماء المبارك مطرٌ (١) مخصوص يُنزله الله كلَّ سنة، وليس كلُّ المطر (٢) يتصف بالبركة، وهذا ضعيف.
﴿وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ هو القمح والشعير ونحو ذلك مما يحصد.
﴿بَاسِقَاتٍ﴾ أي: طويلاتٍ.
﴿طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ الطَّلع: أول ما يظهر من التمر، وهو أبيضُ مُنَضَّدٌ كحبِّ الرُّمان، فما دام ملتصقًا بعضُه ببعض فهو نضيد، فإذا تفرَّق فليس بنضيد.
﴿كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾ تمثيلٌ لخروج الموتى من القبور بخروج النبات من الأرض
﴿وَأَصْحَابُ الرَّسِّ﴾ قومٌ كانت لهم بئر عظيمة، وهي الرَّسُّ، بُعِث إليهم نبيٌّ
стр. 2413
فجعلوه في الرس وردموا عليه، فأهلكهم الله.
﴿وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ﴾ يعني: قوم شعيب، وقد ذُكِر (١).
﴿وَقَوْمُ تُبَّعٍ﴾ ذكر في «الدخان» (٢).
﴿فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ أي: حلَّ بهم الهلاك.
﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ﴾ يقال: عَيِيَ بالأمر: إذا لم يعرف عمله.
والخلق الأول: خلق الإنسان من نطفة ثم من علقة.
وقيل: يعني: خلقُ آدم.
وقيل: خلْق السموات والأرض.
والأول أظهر.
ومقصود الآية: الاستدلال بالخلقة الأولى على البعث، والهمزة للإنكار.
﴿بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ أي: هم في شكٍّ من البعث، وإنما نكَّر الخلق الجديد؛ لأنه كان غير معروف عند الكفار المخاطبين، وعرَّف الخلق الأول؛ لأنه معروف معهود.
أو يراد بالحبل: العاتق (١).
﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ﴾ يعني: الملكين الحافظين الكاتبين للأعمال.
والتلقي: هو تلقي الكلام بحفظه وكتابته.
والعامل في ﴿إِذْ﴾: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ﴾.
وقيل: مضمرٌ تقديره: اذكر. واختاره ابن عطية (٢).
﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ أي: قاعد.
وقيل: مُقاعد، بمعنى مُجالس، ورده ابن عطية: بأن المُقاعد إنما يكون مع قعود الإنسان، والقاعد يكون على جميع هيئات الإنسان (٣).
إنما أفرده وهما اثنان؛ لأن التقدير: «عن اليمين قعيدٌ، وعن الشمال قعيد من المتلقين»، فحذف أحدهما؛ لدلالة الآخر عليه.
وقال الفراء: لفظ «قعيد» يدلُّ على الاثنين والجماعة (٤)؛ فلا يُحتاج إلى حذف.
﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)﴾ العتيد: الحاضر، وفي الحديث أن
стр. 2416
رسول الله ﷺ قال: «إن مقعد الملكين على الثنيتين (١)، قلمهما اللسان، ومدادهما الريق» (٢).
وعموم الآية يقتضي: أن الملكين يكتبان جميع كلام العبد، ولذلك قال الحسن وقتادة: يكتب الملكان جميع الكلام فيُثبتُ الله من ذلك الحسنات والسيئات ويمحو غير ذلك.
وقال عكرمة: إنما تُكتب (٣) الحسنات والسيئات لا غيرُ.
﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ أي: بلقاء الله، أو فراق الدنيا.
وفي مصحف عبد الله بن مسعود: «وجاءت سكرة الحق بالموت»، وكذلك قرأها أبو بكر الصديق.
وإنما قال: ﴿وَجَاءَتْ﴾ بالماضي؛ لتحقق الأمر وقربه، وكذلك ما بعده من الأفعال.
﴿ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ أي: تفرُّ وتهرب، والخطاب للإنسان.
﴿سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ السائق: ملَكٌ يسوقه.
وأما الشهيد:
فقيل: ملك آخر يشهد عليه، وهو الأظهر.
وقيل: صحائف الأعمال.
стр. 2417
وقيل: جوارح الإنسان.
﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾ خطابٌ للإنسان الذي يقتضيه قوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾، يريد: أنه كان غافلًا عما لقي في الآخرة.
وقيل: هو خطابٌ لمحمد ﷺ ؛ أي: كنتَ في غفلة من هذا القصص؛ وهذا في غاية الضعف؛ لأنه خروجٌ عن سياق الكلام.
﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ﴾ يريد بكَشْفِ الغطاء: معاينة أمور الآخرة.
﴿فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ أي: يُبصر ما لم يكن يبصره قبلُ، قال رسول الله ﷺ : «الناس نيامٌ؛ فإذا ماتوا انتبهوا» (١).
﴿وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ (٢٣)﴾ القرين هنا: الشيطان الذي كان يُغويه.
وقيل: المَلَك الذي يسوقه.
وقيل: المَلَك الذي يتولى عذابه في جهنم.
والأول أرجح؛ لأنه هو القرين المذكور بعدُ، ولقوله: ﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦].
ومعنى قوله: ﴿هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾، أي: هذا الإنسان حاضرٌ لديَّ، أَعْتَدتُه ويسَّرْتُه (٢) لجهنم.
стр. 2418
وكذلك المعنى إن قلنا: إن القرين هو الملك السائق.
وإن قلنا: إنه أحد الزبانية: فمعناه: هذا العذاب لديَّ حاضرٌ.
ويحتمل أن تكون ﴿مَا﴾ في قوله: ﴿مَا لَدَيَّ﴾: موصوفةً أو موصولة.
[أـ] فإن كانت موصوفة: فـ ﴿عَتِيدٌ﴾ صفة لها.
[بـ] وإن كانت موصولة: فـ ﴿عَتِيدٌ﴾:
بدلٌ منها.
أو خبرٌ بعد خبر.
أو خبرُ مبتدأٍ محذوف.
و ﴿مَا﴾ هي خبر المبتدإ (١) على هذه الوجوه.
ويحتمل أن يكون ﴿عَتِيدٌ﴾ الخبر، وتكون ﴿مَا﴾:
بدلًا من ﴿هَذَا﴾.
أو منصوبة بفعل مضمر.
﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ﴾ خطابٌ للملكين السائق والشهيد.
وقيل: إنه خطابٌ لواحد:
على أن يكون بالنون المؤكَّدة الخفيفة، ثم أُبدل منها ألف.
أو على أن يكون معناه: «ألقِ ألقِ» فثنَّى مبالغةً وتأكيدًا.
стр. 2419
أو على أن يكون على عادة العرب من مخاطبة الاثنين كقولهم: «خليليَّ»، و «صاحبيَّ».
وهذا كله تكلُّفٌ بعيد.
ومما يدلُّ على أن الخطاب لاثنين قوله: ﴿فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ﴾.
﴿مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾ قيل: مناع للزكاة (١) المفروضة.
والصحيح: العموم.
﴿مُرِيبٍ﴾ شاكٌّ في الدين؛ فهو من الرَّيب بمعنى الشك.
﴿الَّذِي جَعَلَ﴾ يحتمل:
أن يكون مبتدأ، وخبره ﴿فَأَلْقِيَاهُ﴾، وأدخل فيه الفاء؛ لتضمُّن معنى الشرط.
أو يكون بدلًا أو صفةً، ويكون ﴿فَأَلْقِيَاهُ﴾ تكرارًا؛ للتوكيد.
﴿قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ﴾ القرين هنا: شيطانه الذي وُكِّل به في الدنيا بلا خلاف.
ومعنى ﴿مَا أَطْغَيْتُهُ﴾: ما أوقعته في الطغيان، ولكنه طغى باختياره.
وإنما حذف الواو هنا؛ لأن هذه جملة مستأنفة، بخلاف قوله: ﴿وَقَالَ قَرِينُهُ﴾ قبل هذا؛ فإنه عطفٌ.
﴿قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ خطاب للناس وقرنائهم من الشياطين.
стр. 2420
﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ أي: قد حكمتُ بتعذيب الكفار؛ فلا تبديل لذلك. وقيل: معناه: لا يَكذِب أحدٌ لديَّ؛ لعلمي بجميع الأمور، فالإشارة على هذا: إلى قول القرين: ﴿مَا أَطْغَيْتُهُ﴾.