رسول الله ﷺ قال: «إن مقعد الملكين على الثنيتين (١)، قلمهما اللسان، ومدادهما الريق» (٢).
وعموم الآية يقتضي: أن الملكين يكتبان جميع كلام العبد، ولذلك قال الحسن وقتادة: يكتب الملكان جميع الكلام فيُثبتُ الله من ذلك الحسنات والسيئات ويمحو غير ذلك.
وقال عكرمة: إنما تُكتب (٣) الحسنات والسيئات لا غيرُ.
﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ أي: بلقاء الله، أو فراق الدنيا.
وفي مصحف عبد الله بن مسعود: «وجاءت سكرة الحق بالموت»، وكذلك قرأها أبو بكر الصديق.
وإنما قال: ﴿وَجَاءَتْ﴾ بالماضي؛ لتحقق الأمر وقربه، وكذلك ما بعده من الأفعال.
﴿ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ أي: تفرُّ وتهرب، والخطاب للإنسان.
﴿سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ السائق: ملَكٌ يسوقه.
وأما الشهيد:
فقيل: ملك آخر يشهد عليه، وهو الأظهر.
وقيل: صحائف الأعمال.
стр. 2417
وقيل: جوارح الإنسان.
﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾ خطابٌ للإنسان الذي يقتضيه قوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾، يريد: أنه كان غافلًا عما لقي في الآخرة.
وقيل: هو خطابٌ لمحمد ﷺ ؛ أي: كنتَ في غفلة من هذا القصص؛ وهذا في غاية الضعف؛ لأنه خروجٌ عن سياق الكلام.
﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ﴾ يريد بكَشْفِ الغطاء: معاينة أمور الآخرة.
﴿فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ أي: يُبصر ما لم يكن يبصره قبلُ، قال رسول الله ﷺ : «الناس نيامٌ؛ فإذا ماتوا انتبهوا» (١).
﴿وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ (٢٣)﴾ القرين هنا: الشيطان الذي كان يُغويه.
وقيل: المَلَك الذي يسوقه.
وقيل: المَلَك الذي يتولى عذابه في جهنم.
والأول أرجح؛ لأنه هو القرين المذكور بعدُ، ولقوله: ﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦].
ومعنى قوله: ﴿هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾، أي: هذا الإنسان حاضرٌ لديَّ، أَعْتَدتُه ويسَّرْتُه (٢) لجهنم.
стр. 2418
وكذلك المعنى إن قلنا: إن القرين هو الملك السائق.
وإن قلنا: إنه أحد الزبانية: فمعناه: هذا العذاب لديَّ حاضرٌ.
ويحتمل أن تكون ﴿مَا﴾ في قوله: ﴿مَا لَدَيَّ﴾: موصوفةً أو موصولة.
[أـ] فإن كانت موصوفة: فـ ﴿عَتِيدٌ﴾ صفة لها.
[بـ] وإن كانت موصولة: فـ ﴿عَتِيدٌ﴾:
بدلٌ منها.
أو خبرٌ بعد خبر.
أو خبرُ مبتدأٍ محذوف.
و ﴿مَا﴾ هي خبر المبتدإ (١) على هذه الوجوه.
ويحتمل أن يكون ﴿عَتِيدٌ﴾ الخبر، وتكون ﴿مَا﴾:
بدلًا من ﴿هَذَا﴾.
أو منصوبة بفعل مضمر.
﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ﴾ خطابٌ للملكين السائق والشهيد.
وقيل: إنه خطابٌ لواحد:
على أن يكون بالنون المؤكَّدة الخفيفة، ثم أُبدل منها ألف.
أو على أن يكون معناه: «ألقِ ألقِ» فثنَّى مبالغةً وتأكيدًا.
стр. 2419
أو على أن يكون على عادة العرب من مخاطبة الاثنين كقولهم: «خليليَّ»، و «صاحبيَّ».
وهذا كله تكلُّفٌ بعيد.
ومما يدلُّ على أن الخطاب لاثنين قوله: ﴿فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ﴾.
﴿مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾ قيل: مناع للزكاة (١) المفروضة.
والصحيح: العموم.
﴿مُرِيبٍ﴾ شاكٌّ في الدين؛ فهو من الرَّيب بمعنى الشك.
﴿الَّذِي جَعَلَ﴾ يحتمل:
أن يكون مبتدأ، وخبره ﴿فَأَلْقِيَاهُ﴾، وأدخل فيه الفاء؛ لتضمُّن معنى الشرط.
أو يكون بدلًا أو صفةً، ويكون ﴿فَأَلْقِيَاهُ﴾ تكرارًا؛ للتوكيد.
﴿قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ﴾ القرين هنا: شيطانه الذي وُكِّل به في الدنيا بلا خلاف.
ومعنى ﴿مَا أَطْغَيْتُهُ﴾: ما أوقعته في الطغيان، ولكنه طغى باختياره.
وإنما حذف الواو هنا؛ لأن هذه جملة مستأنفة، بخلاف قوله: ﴿وَقَالَ قَرِينُهُ﴾ قبل هذا؛ فإنه عطفٌ.
﴿قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ خطاب للناس وقرنائهم من الشياطين.
стр. 2420
﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ أي: قد حكمتُ بتعذيب الكفار؛ فلا تبديل لذلك. وقيل: معناه: لا يَكذِب أحدٌ لديَّ؛ لعلمي بجميع الأمور، فالإشارة على هذا: إلى قول القرين: ﴿مَا أَطْغَيْتُهُ﴾.
والأول أظهر وأرجح؛ لما ورد في الحديث: «لا تزال جهنم يُلقى فيها وتقول: هل من مزيد، حتى يضع الجبار فيها قدمه» (١)، وفي هذا الحديث كلام ليس هذا موضعه.
والمزيد يحتمل أن يكون: مصدرًا كالمحيض، أو اسم مفعول.
فإن كان مصدرًا: فوزنه مَفْعِل.
وإن كان اسم مفعول: فوزنه مَفْعُول.
﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ﴾ أي: قُرِّبت، ثم أكّد ذلك بقوله: ﴿غَيْرَ بَعِيدٍ﴾.
﴿لِكُلِّ أَوَّابٍ﴾ أي: كثير الرجوع إلى الله، فهو من: آب يؤوب: إذا رجع.
وقيل: هو المسبّح لله؛ من قوله: ﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾ [سبأ: ١٠].
﴿حَفِيظٍ﴾ أي: حافظ لأوامر الله فيفعلها، ولنواهيه فيتركها.
﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ أي: اتقى الله وهو غائب عن الناس، فالمجرور في موضع الحال.
و ﴿مَنْ خَشِيَ﴾ بدل، أو مبتدأ.
فإن قيل: كيف قرن بالخشية الاسم الدالّ على الرحمة؟
فالجواب: أن ذلك لقصد المبالغة في الثناء على من يخشى الله؛ لأنه يخشاه مع علمه برحمته وعفوه، قال ذلك الزمخشري (٢).
стр. 2423
وَيحتمل أن يكون الجواب عن ذلك: أن الرحمن قد صار يستعمل استعمال الاسم الذي ليس بصفة، كقولنا: الله.
﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ قيل: يعني: النظر إلى وجه الله، كقوله: ﴿الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦].
وقيل: يعني: ما لم يخطر على قلوبهم، كما ورد في الحديث مما يرويه النبي ﷺ عن ربه أنه قال: «أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر» (١).
﴿هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشًا﴾ الضمير في ﴿هُمْ﴾ للقرون المتقدّمة، وفي ﴿مِنْهُمْ﴾ لكفار قريش.
﴿فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ﴾ أي: طافوا فيها.
وأصله: دخولها من أنقابها، أو من التّنقيب عن الأمر؛ بمعنى البحثِ عنه.
﴿هَلْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ أي: قالوا: هل من مهرب عن الله؟، أو عن العذاب؟.
﴿لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ أي: قلب واعٍ يعقل ويفهم.
﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ أي: استمع وهو حاضرُ القلب.
﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ اللُّغوب: الإعياء والتعب.
﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ يعني: كفار قريش وغيرهم.
стр. 2424
﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ يحتمل أن يريد: التسبيح باللسان، أو يريد الصلاة، وقد ذكر الزمخشري الوجهين (١).
وقال ابن عطية: معناه: صلِّ بإجماع من المتأوّلين (٢).
وهي على هذا إشارةٌ إلى الصلوات الخمس في ﴿قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾: الصبح، ﴿وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾: العصر والظهر،
﴿وَمِنَ اللَّيْلِ﴾: المغرب والعشاء.
وقيل: هي (٣) النوافل.
﴿وَإِدْبَارَ السُّجُودِ﴾ قال عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب ﵄: يعني: الركعتين بعد المغرب.
وقال ابن عباس: هي النوافل بعد الفرائض.
وقيل: الوتر.
﴿وَاسْتَمِعْ﴾ معناه: انتظر، فهو عامل في ﴿يَوْمَ يُنَادِ﴾ على أنه مفعول به صريح.
وقيل: المعنى: استمع لما نقصُّ عليك من أهوال القيامة، فعلى هذا: لا يكون عاملًا في ﴿يَوْمَ يُنَادِ﴾ ويوقف على ﴿وَاسْتَمِعْ﴾.
والأول أظهر.
стр. 2425
﴿يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾ المنادي هنا: هو إسرافيل الذي ينفخ في الصور، قيل (١): إنما وصفه بالقرب؛ لأنه يسمعه جميعُ الخلق.
وقيل: المكان: صخرة بيت المقدس، وإنما وصفها بالقرب:
لقربها من مكة.
وقيل: لقربها من السماء؛ لأنها أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلًا، وهذا ضعيف.
﴿يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾ يعني: خروج الناس من القبور.
﴿يَوْمَ تَشَّقَّقُ﴾ العامل في هذا الظرف: معنى قوله: ﴿حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ﴾. أو هو بدلٌ مما قبله.
﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍ﴾ أي: بقهَّار تقهرهم على الإيمان، فهو كقوله: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ (٢٢)﴾ [الغاشية: ٢٢].
وقيل: إنه إخبارٌ بأنه ﷺ رؤوف بهم، غيرُ جبَّار عليهم، وهذا أظهر.
﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ كقوله: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ [فاطر: ١٨]؛ لأنه لا ينفع التذكيرُ إلَّا فيمن (٢) يخاف.
﴿فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا (٣)﴾ هي السفن تجري في البحر.
وإعراب ﴿يُسْرًا﴾: صفةٌ لمصدر محذوف، ومعناه: بسهولة.
﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا (٤)﴾ هي الملائكة تقسم أمر الملكوت، من الأرزاق والآجال وغير ذلك.
و ﴿أَمْرًا﴾ مفعول به.
وقيل: إن ﴿الْحَامِلَاتِ وِقْرًا﴾: السفن.
وقيل: جميع الحيوان الحامل.
وقيل: إن ﴿الْجَارِيَاتِ يُسْرًا﴾: السحاب.
وقيل: الجواري من الكواكب.
والأول أشهر، وهو قول علي بن أبي طالب.
﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ (٥)﴾ هذا جواب القسم.
ويحتمل ﴿تُوعَدُونَ﴾ أن يكون: من الوعد أو من الوعيد.
والأظهر: أنه يراد به البعث في الآخرة، وهو يشمل الوعد والوعيد.
﴿وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ (٦)﴾ الدين هنا: الجزاء.
وقيل: الحساب.
﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ (٧)﴾ أي: ذات الطرائق، مثل الطرائق التي تكون في الماء إذا هبّت عليه الرياح (١)، وكذلك حُبك الزرع، وهي الطرائق التي فيه.
стр. 2428
وقيل: الحبك: النجوم.
وقيل: زينة السماء.
وقيل: حسن خِلْقَتِها.
وواحد الحُبُك: حِبَاكٌ أو حَبِيكة.
﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (٨)﴾ يحتمل:
أن يكون خطابًا لجميع الناس؛ لأنهم اختلفوا، فمنهم مؤمن ومنهم كافر.
ويحتمل أن يكون خطابًا للكفار خاصة؛ لأنهم اختلفوا فقال بعضهم: ساحر، وقال بعضهم: كاهن، وقال بعضهم: شاعر.
﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ (٩)﴾ معنى ﴿يُؤْفَكُ﴾: يُصْرَف.
والضمير في ﴿عَنْهُ﴾ يحتمل أربعة أوجه:
أحدها: أن يكون للنبي ﷺ ، أو للقرآن، أو للإسلام.
والمعنى: يصرف عن الإيمان به من صرف، أي: من سبَقَ في علم الله أنه مصروف.
والثاني: أن يكون الضمير لـ ﴿مَا تُوعَدُونَ﴾، أو للدين المذكور.
والمعنى: يصرف عن الإيمان به مَنْ صرف.
الثالث: أن يكون الضمير للقول المختلف.
والمعنى: يصرف عن ذلك القول إلى الإسلام من قضى الله بسعادته.
стр. 2429
وهذا القول حَسَنٌ، إِلَّا أَنْ عُرْف الاستعمال في «أُفِكَ يُؤْفَكُ» إنما هو في الصَّرْف من خير إلى شر، وهذا من شرٍّ إلى خير.
الرابع: أن يكون الضمير للقول المختلف، وتكون «عن» سببية.
والمعنى: يصرف بسبب ذلك القول من صرف عن الإيمان.
﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (١٠)﴾ دعاءٌ عليهم، كقولهم: قاتلك الله.
وقيل: إن ﴿قُتِلَ﴾ بمعنى: لُعن.
قال ابن عطية: واللفظة لا تقتضي ذلك (١).
وقال الزمخشري: أصله الدعاء بالقتل، ثم جرى مجرى: لُعِن وقُبِّحَ (٢).
و ﴿الْخَرَّاصُونَ﴾: الكذَّابون، وأصل الخَرْص: التخمين والقول بالظن.
والإشارة: إلى الكفار.
وقيل: إلى الكهان.
والأول أظهر.
﴿الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ (١١)﴾ الغمرة: ما يغطي عقل الإنسان، وأصله: غَمْرة الماء، والمراد به هنا: الجهالة والغفلة عن النظر.
﴿يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ (١٢)﴾ أي: يقولون: «متى يوم الدين؟» على وجه الاستبعاد والاستخفاف.
стр. 2430
﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (١٣)﴾ هذا جوابٌ عن سؤالهم.
ومعنى ﴿يُفْتَنُونَ﴾: يُحْرَقون ويُعذَّبون، ومنه قيل للحَرَّة: «فَتِينٌ»؛ كأن الشمس أحرقت حجارتها.
ويحتمل أن يكون ﴿يَوْمَ هُمْ﴾:
[أـ] معربًا، والعامل فيه مضمر تقديره: يقع ذلك يوم هم على النار يفتنون.
[بـ] وأن يكون مبنيًا؛ لإضافته إلى مبني، وعلى هذا يجوز أن يكون:
في موضع نصبٍ بالفعل المضمر حسبما ذكرنا.
أو في موضع رفع، والتقدير: هو يوم هم على النار يفتنون.
﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ﴾ أي: يقال لهم: ذوقوا حَرْقكم.
﴿آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ﴾ يعني: يأخذون في الجنة ما أعطاهم ربهم من الخيرات والنعم (١).
وقيل: المعنى: آخذين في الدنيا ما آتاهم (٢) ربهم من شرعه.
والأول أظهر وأرجح؛ لدلالة الكلام عليه.
﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧)﴾ الهجوع: النوم.
وفي معنى الآية قولان:
стр. 2431
أحدهما - وهو الصحيح -: أنهم كانوا ينامون قليلًا من الليل، ويقطعون أكثر الليل بالسهر في الصلاة والتضرع والدعاء.
والآخر: أنهم كانوا لا ينامون بالليل قليلًا ولا كثيرًا.
ويختلف الإعراب باختلاف المعنيين:
فأما على القول الأول: ففي الإعراب أربعة أوجه:
الأول: أن يكون ﴿قَلِيلًا﴾ خبر ﴿كَانُوا﴾ و ﴿مَا يَهْجَعُونَ﴾ فاعل بـ ﴿قَلِيلًا﴾؛ لأن قليلًا صفة مشبهةٌ باسم الفاعل، وتكون ﴿مَا﴾ مصدرية، والتقدير: كانوا قليلًا هجوعهم من الليل.
والثاني: مثل هذا، إلَّا أنَّ ﴿مَا﴾ موصولة، والتقدير: كانوا قليلًا الذين يهجعون فيه من الليل.
والثالث: أن تكون ﴿مَا﴾ زائدة، و ﴿قَلِيلًا﴾ ظرف، والعامل فيه ﴿يَهْجَعُونَ﴾، والتقدير: كانوا يهجعون وقتًا قليلًا من الليل.
والرابع: مثل هذا، إلا أن قليلًا صفة لمصدر محذوف، والتقدير: كانوا يهجعون هجوعًا قليلًا.
وأما على القول الثاني: ففي الإعراب وجهان:
أحدهما: أن تكون ﴿مَا﴾ نافية، و ﴿قَلِيلًا﴾ ظرف، والعامل فيه: ﴿يَهْجَعُونَ﴾، والتقدير: كانوا ما يهجعون قليلًا من الليل.
والآخر: أن تكون ﴿مَا﴾ نافية، و ﴿قَلِيلًا﴾ خبر «كان»، والمعنى: كانوا قليلًا في الناس، ثم ابتدأ بقوله: ﴿مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾.
стр. 2432
وكلا الوجهين باطلٌ عند أهل العربية؛ لأن «ما» النافية لا يعمل ما بعدها فيما قبلها، فظهر ضعف هذا المعنى ببطلان إعرابه.
﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ أي: يطلبون من الله مغفرة ذنوبهم، والأسحار: آخر الليل، وقد جاء في الحديث: «أن الله تعالى يقول في الثلث الآخر من الليل: من يستغفرني فأغفر له» (١).
وقيل: معنى ﴿يَسْتَغْفِرُونَ﴾: يصلُّون، وهذا بعيد من اللفظ.
﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ الحق هنا: نوافل الصدقات.
وقيل: المراد الزكاة، وهذا بعيد؛ لأن الآية مكية، وإنما فرضت الزكاة بالمدينة.
وقيل: إن الآية منسوخة بالزكاة، وهذا لا يُحتاج إليه؛ لأن النسخ إنما يكون مع التعارض، ولا تعارض بين الزكاة والنوافل، وتسمية النوافل بالحق كقوله: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٦] وإن كان غير واجب.
وقال بعض العلماء: في المال حقٌّ سوى الزكاة، ورجحه ابن عطية (٢).
واختلف الناس في المحروم، حتى قال الشعبي: أعياني أن أعلم ما المحروم؟ (٣)
فقيل (٤): المحروم: الذي ليس له في بيت المال سهم.
стр. 2433
وقيل: الذي اجتيحت ثمرته.
وقيل: الذي ماتت ماشيته.
وقيل: هو الكلب.
وهذه الأقوال أمثلة، والمعنى الجامع لها: أن المحروم الذي حرَّمه الله المال بأيِّ وجه كان.
﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ﴾ إشارةٌ إلى ما في خلقة الإنسان من الآيات والعبر، ولقد قال بعض العلماء: إن فيه خمسة آلاف حكمة.
وقال بعضهم: الإنسان نسخةٌ مختصرة من العالم كلِّه.
﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (٢٢)﴾ معنى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ﴾: المطر.
وقيل: القضاء والقدر.
ويحتمل أن يكون ﴿وَمَا تُوعَدُونَ﴾ من الوعد أو الوعيد والكلُّ في السماء، ولذلك قيل: يعني: الجنة والنار.
وقيل: (١) الخير والشر.
﴿إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ هذا جواب القسم، والضمير:
لما تقدَّم من الآيات والرزق.
أو لـ ﴿مَا تُوعَدُونَ﴾.
стр. 2434
﴿مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ أي: حقٌّ مثلَ نُطْقِكم لا يمكن الشكُّ فيه، و ﴿مَا﴾ زائدةٌ.
وقرئ ﴿مِثْلُ﴾ بالنصب والرفع:
[أـ] فالرفع: صفة لـ ﴿حَقٌّ﴾.
[بـ] والنصب:
على الحال من ﴿حَقٌّ﴾، أو من الضمير المستتر فيه.
أو صفة لـ ﴿حَقٌّ﴾، وبُني لإضافته إلى مبنيٍّ، أو لتركيبه مع ﴿مَا﴾ فيصير نحو: «أينما» و «كلَّما».
ويحتمل أن يكون العامل فيه محذوفٌ، تقديره: اذكر.
﴿فَقَالُوا سَلَامًا﴾ نُصِب هذا؛ لأنه في معنى الطلب، وهو مفعول بفعل مضمر.
ورُفِع الثاني؛ لأنه خبرٌ، تقديره: أمري سلامٌ.
وهذا على أن يكون السلام بمعنى السلامة.
وإن كان بمعنى التحية:
فإنما رفع الثاني؛ ليدلَّ على إثبات السلام، فيكون قد حيَّاهم بأكثر مما حيوه.
وينتصب السلام الأول - على هذا - على المصدرية، تقديره: سلَّمنا عليك سلامًا.
ويرتفع الثاني بالابتداء، تقديره: سلامٌ عليكم.
﴿قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ أي: لم يعرفهم.
﴿قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ﴾ يحتمل أن تكون ﴿أَلَا﴾:
حضًّا على الأكل.
أو تكون الهمزة للإنكار، دخلت على «لا» النافية.
﴿فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ إنما خاف منهم لمَّا لم يأكلوا.
﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾ هو إسحاق ﵇؛ لقوله: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ﴾ [الصافات: ١١٢].
стр. 2437
﴿فِي صَرَّةٍ﴾ أي: صيحةٍ، وذلك قولها: ﴿يَاوَيْلَتَا أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ﴾ [هود: ٧٢] وهو من صَرَّ القلمُ وغيره: إذا صوَّت.
وقيل: معناه: في جماعة من النساء.
﴿فَصَكَّتْ وَجْهَهَا﴾ أي: ضربته حياءً منهم وتعجُّبًا (١) من وِلادتها وهي عجوز. ﴿وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾ تقديره: قالت أنا عجوز عقيم؛ فكيف ألد؟
أو تقديره: أتلد عجوز عقيم؟
﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ﴾ أي: ما شأنكم وخبركم (٢)؟
والخطب أكثر ما يقال (٣) في الشدائد.
﴿قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٥٨)﴾ يعني: قوم لوط.
وقد ذكرنا الحجارة و ﴿مُسَوَّمَةً﴾ في «هود» (٤).
﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥)﴾ الضمير المجرور لقرية قوم لوط؛ لأن الكلام يدلُّ عليها وإن لم يتقدّم ذكرها.
والمراد بـ ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾: لوطٌ وأهله، أمرهم الله بالخروج من القرية؛ لينجوا من العذاب الذي أصاب أهلها.
стр. 2438
ووصفهم بالمؤمنين وبالمسلمين؛ لأنهم جمعوا الوصفين.
وقد ذكرنا معنى الإسلام والإيمان في «الأحزاب» (١).
﴿وَفِي مُوسَى﴾ معطوفٌ:
على قوله: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠)﴾.
أو على قوله: ﴿وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً﴾.
﴿فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ﴾ معنى ﴿تَوَلَّى﴾: أعرض عن الإيمان.
وركنه: سلطانه وقوته.
﴿وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ أي: قال: إن موسى ساحرٌ أو مجنون، فـ ﴿أَوْ﴾ للشكّ، أو للتقسيم.
وقيل: بمعنى الواو وهذا ضعيف، ولا يستقيم هنا.
﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ أي: فعل ما يُلام عليه، يعني: فرعون.
﴿الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾ وصفها بالعُقْم؛ لأنها لا بركة فيها من إنشاء مطرٍ أو إلقاح شجر.
﴿كَالرَّمِيمِ﴾ أي: الفاني المتقطّع.
والعموم هنا يراد به الخصوص فيما أُذن للريح أن تُهلكه.
﴿وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ (٤٣)﴾ فيه قولان:
أحدهما: أن الحين: هي الثلاثة الأيام بعد عَقْرهم الناقة.
стр. 2439
والآخرُ: أن الحين: من أول بعث صالح ﵇ إلى حين هلاكهم، وعلى هذا: يكون ﴿فَعَتَوْا﴾ مُرَتَّبًا بعد تمتعهم.
وأما على الأوَّل: فيكون إخبارًا عن حالهم غير مُرَتَّب على ما قبله.
﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ﴾ يعني: الصيحة التي صاحها جبريل.
﴿وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ أي: يعاينونها؛ لأنها كانت بالنهار.
﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ أَمْرٌ بالرجوع إليه (١) بالتوبة والطاعة، وفي اللفظ تحذيرٌ وترهيب.
﴿أَتَوَاصَوْا بِهِ﴾ توقيفٌ وتعجيب، أي: هم بمثابة من أوصى بعضهم بعضًا أن يقول ذلك.
﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ منسوخٌ بالسيف.
﴿فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ﴾ أي: قد بلَّغْتَ الرسالة؛ فلا لوم عليك.
﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ قيل: معناه: خلقتهم لكي آمرهم بعبادتي.
وقيل: ليتذلَّلوا لي؛ فإن جميع الإنس والجن متذلِّلٌ.
﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ﴾ أي: ما أريد أن يرزقوا أنفسهم ولا غيرهم.
﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ أي: لا أريد أن يطعمون؛ لأني منزَّه عن الأكل وعن صفات البشر، وأنا غنيٌّ عن العالمين (٢).
وقيل: المعنى: ما أريد أن يطعموا عبيدي، فحذف المضاف تجوُّزًا.
وقيل: معناه: ما أريد أن ينفعوني؛ لأني غنيٌّ عنهم، وعبَّر عن النفع العام بالإطعام.
والأول أظهر.
стр. 2442
﴿الْمَتِينُ﴾ أي: الشديد القوة.
﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا﴾ الذنوب: النصيب، ويريد به هنا: نصيبا من العذاب، وأصل الذنوب: الدلو.
والمراد بـ ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾: كفار قريش، وبـ ﴿أَصْحَابِهِمْ﴾: من تقدم من الكفار.
﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٦٠)﴾ يحتمل أن يريد: يوم القيامة.
أو يوم هلاكهم ببدر.
والأول أرجح؛ لقوله في «المعارج»: ﴿ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ [المعارج: ٤٤] يعني: يوم القيامة.
وقيل: القرآن.
وقيل: صحائف الأعمال.
﴿فِي رَقٍّ مَنشُورٍ (٣)﴾ الرَّقُّ في اللغة: الصحيفة، وخُصِّصت في العُرف بما كان من جلد.
والمنشور: خلاف المطويِّ.
﴿وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ﴾ هو بيتٌ في السماء السابعة، يدخله (١) كلَّ يوم سبعون ألف ملك، ولا يعودون إليه أبدًا، وبهذا هو عمرانه، وهو حِيالَ الكعبة.
وقيل: البيت المعمور: الكعبة، وعمرانها: بالحجاج والطائفين.
والأول أشهر، وهو قول علي وابن عباس.
﴿وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (٥)﴾ يعني: السماء.
﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ (٦)﴾ هو بحر الدنيا.
وقيل: بحر في السماء تحت العرش.
والأول أظهر وأشهر.
ومعنى ﴿الْمَسْجُورِ﴾: المملوء ماءً.
وقيل: الفارغ من الماء، ويُروى أن البحار يذهب ماؤها يوم القيامة.
واللغة تقتضي الوجهين؛ لأن اللفظ من الأضداد.
стр. 2445
وقيل: معناه: الموقد نارًا، من قولك: سجرتُ التنورَ، واللغةُ أيضًا تقتضي هذا، وروي أن جهنم في البحر.
﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (٧)﴾ هذا جواب القسم، ويعني: عذاب الآخرة.
﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا (٩)﴾ أي: تجيء وتذهب.
وقيل: تدور.
وقيل: تنشقُّ (١).
والعامل في الظرف: ﴿لَوَاقِعٌ﴾، أو ﴿دَافِعٌ﴾، أو محذوفٌ.
﴿الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ (١٢)﴾ الخوضُ: التخبُّط في الأباطيل، شُبِّه بخوض الماء.
﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ﴾ أي: يُدفعون بتعنيف (٢).
و ﴿يَوْمَ﴾ بدل من الظرف المتقدِّم.
﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا﴾ توبيخٌ للكفار على ما كانوا يقولونه في الدنيا من أن القرآن سحر.
﴿أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ توبيخٌ أيضًا لهم، وتهكُّم بهم؛ أي: هل أنتم لا تبصرون هذا العذاب الذي حلَّ بكم كما كنتم في الدنيا لا تبصرون الحقائق؟
стр. 2446
﴿فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا﴾ ليس المراد بذلك الأمر بالصبر ولا النهي عنه، وإنما المراد: التسوية بين الصبر وعدمه في أن كل واحدة من الحالين لا تنفعهم، ولا تخفف عنهم شيئًا من العذاب.
﴿إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ هذا تعليل لما ذكر من عذابهم، وليس تعليلًا للصبر ولا لعدمه كما قال بعض الناس.
﴿فَاكِهِينَ﴾ يحتمل أن يكون:
معناه: أصحاب فاكهة، فيكون نحو: «لَابِنٍ»، و «تَامِرٍ». أو يكون من الفكاهة بمعنى السرور.
﴿وَوَقَاهُمْ﴾ معطوف على قوله: ﴿فِي جَنَّاتٍ﴾ أو على ﴿آتَاهُمْ رَبُّهُمْ﴾.
أو تكون الواو للحال.
﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ أي: يقال لهم: كلوا.
﴿هَنِيئًا﴾ صفة لمصدر محذوف، تقديره: كلوا أكلًا هنيئًا.
ويحتمل أن يكون واقعًا موقع فعل تقديره: هنَّأكُم الأكلُ والشربُ.
﴿بِحُورٍ عِينٍ﴾ الحور: جمع حَوْراء، وهي الشديدةُ بياضِ بياضِ العين وسوادِ سوادِها.
والعين: جمع عَيْناء، وهي الكبيرة العين (١) مع جمالها.
وإنما دخلت الباء في قوله: ﴿بِحُورٍ﴾؛ لأنه تضمَّن قوله: ﴿وَزَوَّجْنَاهُم﴾
стр. 2447
معنى: قرنَّاهم، قاله الزمخشري، وقال: إن ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ معطوف على بحور عين أي: قرناهم بحور؛ للتذذ بهنَّ، وبالذين آمنوا؛ للأنس معهم (١).
والأظهر: أن الكلام تمَّ في قوله: ﴿بِحُورٍ عِينٍ﴾، ويكون ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ مبتدأ، خبره ﴿أَلْحَقْنَا﴾.
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ معنى الآية: ما ورد في الحديث أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله يرفع ذرية المؤمن في درجته في الجنة، وإن كانوا دونه في العمل؛ لتقرَّ بهم عينه» (٢)، فذلك كرامة للأبناء بسبب الآباء.
فقيل: إن ذلك في الأولاد الذين ماتوا صغارًا.
وقيل: على الإطلاق في أولاد (٣) المؤمنين.
و ﴿بِإِيمَانٍ﴾ في موضع الحال من الذرية، والمعنى: أنهم اتبعوا آباءهم في الإيمان.
وقال الزمخشري: إن هذا المجرور يتعلق بـ ﴿أَلْحَقْنَا﴾، والمعنى عنده: بسبب الإيمان ألحقنا بهم ذرياتهم (٤).
والأول أظهر.
فإن قيل: لم قال: ﴿بِإِيمَانٍ﴾ بالتنكير؟
стр. 2448
فالجواب: أن المعنى: بشيءٍ من الإيمان لم يكونوا به أهلًا لدرجة آبائهم، ولكنهم لحقوا بهم كرامةً للآباء، فالمراد: تقليل إيمان الذرية، ولكنه رفع درجتهم، فكيف إذا كان إيمانًا عظيمًا؟.
﴿وَمَا أَلَتْنَاهُم مِنْ عَمَلِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ أي: ما نقصناهم من ثواب أعمالهم، بل وفَّينا لهم أجورهم.
وقيل: المعنى: ألحقنا ذريتهم بهم، وما نقصناهم شيئًا من ثواب أعمالهم بسبب ذلك، بل فعلنا ذلك تفضُّلًا؛ زيادةً إلى ثواب أعمالهم.
والضمير على القولين: يعود على ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾.
وقيل: إنه يعود على الذرية.
﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ أي: مُرتَهَنٌ، فإمَّا أن تنجيه حسناته، أو تُهلكه سيئاته.
﴿وَأَمْدَدْنَاهُم بِفَاكِهَةٍ﴾ الإمداد: هو الزيادة مرة بعد مرة.
﴿يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا﴾ أي: يتعاطونها إذ هم جلساء على الشراب.
﴿لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ﴾ اللغو: الكلام الساقط، والتأثيم: الذنب، فهي بخلاف خمر الدنيا.
﴿غِلْمَانٌ لَهُمْ﴾ يعني: خُدَّامهم.
﴿كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ اللؤلؤ: الجوهر، والمكنون: المصون، وذلك لحسنه.
وقيل: هو الذي لم يخرج من الصَّدَف.
стр. 2449
﴿قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ (٢٦)﴾ أي: كنا في الدنيا خائفين من الله، والإشفاق: شدة الخوف.
﴿السَّمُومِ﴾ أشدُّ الحر.
وقيل: هو من أسماء جهنم.
﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ﴾ يحتمل أن يكون:
بمعنى نعبده.
أو من الدعاء بمعنى الرغبة.
و ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ يعنون: في الدنيا قبل لقاء الله.
﴿أَنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ البَرُّ: الذي يَبَرُّ عباده ويحسن إليهم.
وقرئ ﴿أَنَّهُ﴾:
بفتح الهمزة: على أن يكون مفعولًا من أجله، أو يكون هذا اللفظ هو المدعو به.
وقرئ بكسرها: على الاستئناف.
وقيل: الموت، وكانت قريش قد قالت: إنما هو شاعر ننتظرُ (١) به ريب المنون، فيهلك كما هلك من كان قبله من الشعراء، كزهير والنابغة.
﴿قُلْ تَرَبَّصُوا﴾ أمرٌ على وجه التهديد.
﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُم بِهَذَا﴾ الأحلام: العقول؛ أي: كيف تأمرهم عقولهم بهذا؟.
والإشارة:
إلى قولهم: هو شاعر.
أو إلى ما هم عليه من الكفر والتكذيب.
وإسناد الأمر إلى الأحلام مجاز، كقوله: ﴿أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ﴾ [هود: ٨٧]. ﴿أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ ﴿أَمْ﴾ هنا: بمعنى «بلّ».
ويحتمل أن تكون بمعنى: «بل» وهمزة الاستفهام، بمعنى الإنكار، كما هي في هذه المواضع كلها.
﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ﴾ أي: اختلقه من تلقاء نفسه.
وضمير الفاعل: لرسول الله ﷺ ، وضمير المفعول: للقرآن.
﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ ردٌّ عليهم، وإقامة حجة عليهم، والأمر هنا للتعجيز.
﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ﴾ فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: أن معناه: أم خلقوا من غير ربّ أنشأهم واستعبدهم؛ فهم من
стр. 2452
أجل ذلك لا يعبدون الله؟.
الثاني: أم خلقوا من غير أب ولا أمّ، كالجمادات؛ فهم لا يؤمرون ولا يُنهون كحال الجمادات؟
الثالث: أم خلقوا من غير أن يحاسبوا ولا يجازوا بأعمالهم؟، فهو على هذا كقوله: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ [المؤمنون: ١١٥].
﴿أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ معناه: أهم الخالقون لأنفسهم بحيث لا يعبدون الخالق؟
وقيل: أهم الخالقون للمخلوقات بحيث يتكبَّرون؟
﴿أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ﴾ المعنى: أعندهم خزائن الله بحيث (١) يستغنون عن عبادته؟
وقيل: أعندهم خزائن الله بحيث يعطون من شاؤوا، ويمنعون من شاءوا، ويخصُّون بالنبوة من شاؤوا؟
﴿أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ﴾ أي: الأرباب الغالبون.
وقيل: المصيطر: المسلَّط القاهر.
﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾ يعني: أم لهم سلم يصعدون به (٢) إلى السماء، فيسمعون ما تقول الملائكة، بحيث يعلمون صحة دعواهم؟، ثم عجَّزهم بقوله: ﴿فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُم بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ أي: بحجةٍ واضحة على دعواهم.
стр. 2453
﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِن مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (٤٠)﴾ المعنى: أتسألهم على الإسلام أجرةً، فيثقُل عليهم غُرْمها؛ فيشق عليهم اتباعك؟
﴿أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (٤١)﴾ المعنى: أعندهم علم اللوح المحفوظ فهم يكتبون ما فيه حتى يقولوا: لا نبعث؛ وإن بعثنا لم نُعذَّب؟
وقيل: المعنى: فهم يكتبون للناس سننًا وشرائع من عبادة الأصنام وتسييب السوائب وشبه ذلك.
﴿أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا﴾ إشارةٌ إلى كيدهم في دار الندوة بالنبي ﷺ ، حيث تشاوروا في قتله أو إخراجه.
﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ﴾ أي: المغلوبون في الكيد.
و ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني: من تقدَّم الكلام فيهم، وهم قريش، فوضع الظاهر موضع المضمر.
ويحتمل أن يريد جميع الكفار.
﴿أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ﴾ المعنى: هل لهم إله غير الله يعصمهم من عذاب الله ويمنعهم منه؟
وحصَر الله في هذه الآيات جميع المعاني التي توجب التكبُّر والبعد من الدخول في الإسلام ونفاها عنهم؛ ليبين أنَّ تكبرهم من غير موجبٍ، وكفْرهم من غير حجة.
﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ (٤٤)﴾ كانوا قد طلبوا أن يُنزل عليهم كسفًا من السماء.
стр. 2454
فالمعنى: أنهم لو رأوا الكسف ساقطًا عليهم لبلغ بهم الطغيان والجهل والعناد أن يقولوا: ليس بكسف وإنما هو سحاب مركوم، أي: كثيف بعضه فوق بعض.
﴿فَذَرْهُمْ﴾ منسوخ بالسيف.
﴿يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ يعني: يوم القيامة.
والصعقة فيه: هي النفخة الأولى.
وقيل غير ذلك، والصحيح ما ذكرنا؛ لقوله في «المعارج» عن يوم القيامة ﴿ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ [المعارج: ٤٤].
﴿عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ﴾ يعني: قتلهم يوم بدر.
وقيل: الجوع بالقحط.
وقيل: عذاب القبر.
﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ أي: اصبر على تكذيبهم لك وإمهالنا لهم؛ فإنا نراك.
﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه قول «سبحان الله»، ومعنى ﴿حِينَ تَقُومُ﴾: حين تقوم من كل مجلس.
وقيل: أراد: حين تقوم وتقعد وفي كل حال، وجعل القيام مثالًا.
الثاني: أنه الصلوات النوافل.
والثالث: أنها الصلوات الفرائض، فـ ﴿حِينَ تَقُومُ﴾ الظهر والعصر،
стр. 2455
أي: حين تقوم من نوم القائلة،
﴿وَمِنَ اللَّيْلِ﴾: المغرب والعشاء، ﴿وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾: الصبح.
ومن قال: هي النوافل، جعل ﴿وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾: ركعتي الفجر.