وقيل: الموت، وكانت قريش قد قالت: إنما هو شاعر ننتظرُ (١) به ريب المنون، فيهلك كما هلك من كان قبله من الشعراء، كزهير والنابغة.
﴿قُلْ تَرَبَّصُوا﴾ أمرٌ على وجه التهديد.
﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُم بِهَذَا﴾ الأحلام: العقول؛ أي: كيف تأمرهم عقولهم بهذا؟.
والإشارة:
إلى قولهم: هو شاعر.
أو إلى ما هم عليه من الكفر والتكذيب.
وإسناد الأمر إلى الأحلام مجاز، كقوله: ﴿أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ﴾ [هود: ٨٧]. ﴿أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ ﴿أَمْ﴾ هنا: بمعنى «بلّ».
ويحتمل أن تكون بمعنى: «بل» وهمزة الاستفهام، بمعنى الإنكار، كما هي في هذه المواضع كلها.
﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ﴾ أي: اختلقه من تلقاء نفسه.
وضمير الفاعل: لرسول الله ﷺ ، وضمير المفعول: للقرآن.
﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ ردٌّ عليهم، وإقامة حجة عليهم، والأمر هنا للتعجيز.
﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ﴾ فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: أن معناه: أم خلقوا من غير ربّ أنشأهم واستعبدهم؛ فهم من
стр. 2452
أجل ذلك لا يعبدون الله؟.
الثاني: أم خلقوا من غير أب ولا أمّ، كالجمادات؛ فهم لا يؤمرون ولا يُنهون كحال الجمادات؟
الثالث: أم خلقوا من غير أن يحاسبوا ولا يجازوا بأعمالهم؟، فهو على هذا كقوله: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ [المؤمنون: ١١٥].
﴿أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ معناه: أهم الخالقون لأنفسهم بحيث لا يعبدون الخالق؟
وقيل: أهم الخالقون للمخلوقات بحيث يتكبَّرون؟
﴿أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ﴾ المعنى: أعندهم خزائن الله بحيث (١) يستغنون عن عبادته؟
وقيل: أعندهم خزائن الله بحيث يعطون من شاؤوا، ويمنعون من شاءوا، ويخصُّون بالنبوة من شاؤوا؟
﴿أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ﴾ أي: الأرباب الغالبون.
وقيل: المصيطر: المسلَّط القاهر.
﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾ يعني: أم لهم سلم يصعدون به (٢) إلى السماء، فيسمعون ما تقول الملائكة، بحيث يعلمون صحة دعواهم؟، ثم عجَّزهم بقوله: ﴿فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُم بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ أي: بحجةٍ واضحة على دعواهم.
стр. 2453
﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِن مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (٤٠)﴾ المعنى: أتسألهم على الإسلام أجرةً، فيثقُل عليهم غُرْمها؛ فيشق عليهم اتباعك؟
﴿أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (٤١)﴾ المعنى: أعندهم علم اللوح المحفوظ فهم يكتبون ما فيه حتى يقولوا: لا نبعث؛ وإن بعثنا لم نُعذَّب؟
وقيل: المعنى: فهم يكتبون للناس سننًا وشرائع من عبادة الأصنام وتسييب السوائب وشبه ذلك.
﴿أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا﴾ إشارةٌ إلى كيدهم في دار الندوة بالنبي ﷺ ، حيث تشاوروا في قتله أو إخراجه.
﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ﴾ أي: المغلوبون في الكيد.
و ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني: من تقدَّم الكلام فيهم، وهم قريش، فوضع الظاهر موضع المضمر.
ويحتمل أن يريد جميع الكفار.
﴿أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ﴾ المعنى: هل لهم إله غير الله يعصمهم من عذاب الله ويمنعهم منه؟
وحصَر الله في هذه الآيات جميع المعاني التي توجب التكبُّر والبعد من الدخول في الإسلام ونفاها عنهم؛ ليبين أنَّ تكبرهم من غير موجبٍ، وكفْرهم من غير حجة.
﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ (٤٤)﴾ كانوا قد طلبوا أن يُنزل عليهم كسفًا من السماء.
стр. 2454
فالمعنى: أنهم لو رأوا الكسف ساقطًا عليهم لبلغ بهم الطغيان والجهل والعناد أن يقولوا: ليس بكسف وإنما هو سحاب مركوم، أي: كثيف بعضه فوق بعض.
﴿فَذَرْهُمْ﴾ منسوخ بالسيف.
﴿يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ يعني: يوم القيامة.
والصعقة فيه: هي النفخة الأولى.
وقيل غير ذلك، والصحيح ما ذكرنا؛ لقوله في «المعارج» عن يوم القيامة ﴿ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ [المعارج: ٤٤].
﴿عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ﴾ يعني: قتلهم يوم بدر.
وقيل: الجوع بالقحط.
وقيل: عذاب القبر.
﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ أي: اصبر على تكذيبهم لك وإمهالنا لهم؛ فإنا نراك.
﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه قول «سبحان الله»، ومعنى ﴿حِينَ تَقُومُ﴾: حين تقوم من كل مجلس.
وقيل: أراد: حين تقوم وتقعد وفي كل حال، وجعل القيام مثالًا.
الثاني: أنه الصلوات النوافل.
والثالث: أنها الصلوات الفرائض، فـ ﴿حِينَ تَقُومُ﴾ الظهر والعصر،
стр. 2455
أي: حين تقوم من نوم القائلة،
﴿وَمِنَ اللَّيْلِ﴾: المغرب والعشاء، ﴿وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾: الصبح.
ومن قال: هي النوافل، جعل ﴿وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾: ركعتي الفجر.
﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢)﴾ هذا جواب القسم، والخطاب لقريش.
و ﴿صَاحِبُكُمْ﴾ هو النبي ﷺ ، فنفى عنه الضلالَ والغيَّ، والفرق بينهما: أن الضلال بغير قصد، والغيَّ بقصدٍ وتكسُّبٍ.
﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣)﴾ أي: ليس يتكلَّم بهواه وشهوته، وإنما يتكلم بما يوحي الله (١) إليه.
﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ يعني: القرآن.
﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥)﴾ ضمير المفعول للقرآن، أو للنبي ﷺ .
والشديد القُوَى: جبريل.
وقيل: الله تعالى.
والأول أرجح؛ لقوله: ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ﴾ [التكوير: ٢٠]، و ﴿الْقُوَى﴾ جمع: قُوَّة.
﴿ذُو مِرَّةٍ﴾ أي: ذو قوَّة.
وقيل: ذو هيئة حسنة.
والأول هو الصحيح في اللغة.
﴿فَاسْتَوَى﴾ أي: استوى جبريل في الجو؛ إذ رآه رسول الله ﷺ وهو بحراء.
وقيل: معنى ﴿فَاسْتَوَى﴾: ظهر في صورته له ست مئة جناح قد سدَّ
стр. 2458
الأفق، بخلاف ما كان يتمثل به من الصُّوَرِ إذا نزل للوحي، وكان ينزل في صورة دِحْيَةَ.
﴿وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (٧)﴾ الضمير لجبريل.
وقيل: لمحمد ﷺ .
والأول أصح.
﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨)﴾ الضميران (١) لجبريل أي: دنا من محمد ﷺ فتدلى في الهواء.
وهو عند بعضهم من المقلوب تقديره: تدلَّى فدنا.
﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩)﴾ القابُ: مقدار المسافة، أي: كان جبريل من محمد ﵇ في القُرْب بمقدار قوسين عربيين (٢)، ومعناه: من طرف العود إلى طرفه الآخر، وقيل: من الوتر إلى العود.
وقيل: ليس القوس التي يُرمى بها، وإنما هو (٣) ذراعٌ تقاس بها المقادير، ذكره الثعلبي، وقال: إنه من لغة أهل الحجاز (٤).
وتقدير الكلام: فكان مقدار مسافةِ قُرْبِ جبريل من محمد ﵇ مثلَ قابِ قوسين، ثم حُذفت هذه المضافات.
ومعنى ﴿أَوْ أَدْنَى﴾ أو أقرب.
стр. 2459
و ﴿أَوْ﴾ هنا مثل قوله: ﴿أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧]، وأشبه التأويلات فيها: أنه إذا نظر إليه البشر احتمل عنده أن يكون قاب قوسين أو يكون أدنى.
وهذا الذي ذكرنا أن هذه الضمائر المتقدمة لجبريل هو الصحيح، وقد ورد ذلك عن رسول الله ﷺ في الحديث الصحيح.
وقيل: إنها لله تعالى، وهذا القول يُردُّ عليه الحديث والعقل، إذ يجب تنزيه الله تعالى عن تلك الأوصاف من الدنو والتدلي وغير ذلك (١).
﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ في هذه الضمائر ثلاثة أقوال:
الأول: أن المعنى: أوحى الله إلى عبده محمد ﷺ ما أوحى.
الثاني: أوحى الله إلى عبده جبريل ما أوحى.
وعاد الضمير على الله في القولين؛ لأن سياق الكلام يقتضي ذلك وإن لم يتقدَّم ذكره، فهو كقوله: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١].
الثالث: أوحى جبريل إلى عبد الله محمد ما أوحى.
стр. 2460
وفي قوله: ﴿مَا أَوْحَى﴾ إبهامٌ يقتضي التفخيم والتعظيم.
﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (١١)﴾ أي: ما كذب فؤاد محمد ﷺ ما رأى بعينه، بل صدَّق بقلبه أن الذي رأى بعينه حقٌّ.
والذي رأى: هو جبريل، يعني: حين رآه قد ملأ الأفق.
وقيل: الذي رأى: ملكوت السموات والأرض.
والأول أرجح؛ لقوله: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣)﴾.
وقيل: الذي رأى: هو الله تعالى، وقد أنكرت ذلك عائشة، وسئل رسول الله ﷺ : هل رأيت ربك؟ فقال: «نور أنّى أراه؟» (١).
﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى (١٢)﴾ هذا خطاب لقريش، والمعنى: أتجادلونه على ما يرى، وكانت قريش قد كذَّبته لما قال: إنه رأى ما رأى.
﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣)﴾ أي: لقد رأى محمد جبريل ﵇ مرةً أخرى، وهي ليلة الإسراء.
وقيل: ضمير المفعول لله تعالى، وأنكرت ذلك عائشة، وقالت: «من زعم أن محمدًا رأى ربه فقد أعظم الفرية على الله تعالى» (٢).
﴿عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَى﴾ هي شجرة في السماء السابعة، قال رسول الله ﷺ : «ثمرها كالقلال، وورقها كآذان الفيلة» (٣).
стр. 2461
وسُمِّيت سدرة المنتهى؛ لأنها إليها ينتهي علم كل عالم، ولا يعلم ما وراءها إلا الله تعالى.
وقيل: سميت بذلك؛ لأن ما نزل من أمر الله يُتَلَقَّى (١) عندها، فلا يتجاوزها ملائكة العلْو إلى أسفل، ولا يتجاوزها ملائكة السفْل إلى أعلى.
﴿عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (١٥)﴾ يعني: أن الجنة التي وعد الله عباده هي عند سدرة المنتهى.
وقيل: هي جنة أخرى تأوي إليها أرواح الشهداء.
والأول أظهر وأشهر.
﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (١٦)﴾ فيه إبهام؛ لقصد التعظيم.
قال ابن مسعود: غَشِيها فِراشٌ من ذهب.
وقيل: كثرة الملائكة.
وفي الحديث أن رسول الله ﷺ قال: «فغشيها ألوان لا أدري ما هي» (٢)، وهذا أولى أن تفسر به الآية.
﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ أي: ما زاغ بصر محمد ﷺ عما رآه من العجائب، بل أثبتها وتيقنها، ﴿وَمَا طَغَى﴾ أي: ما تجاوز ما رأى إلى غيره.
стр. 2462
﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ يعني: ما رأى ليلة الإسراء من السموات والجنة والنار والملائكة والأنبياء وغير ذلك.
ويحتمل أن تكون ﴿الْكُبْرَى﴾:
مفعولًا.
أو نعتًا لـ ﴿آيَاتِ رَبِّهِ﴾.
والمعنى يختلف على ذلك.
﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠)﴾ هذه أوثانٌ كانت تُعبد من دون الله، فخاطب الله مَنْ كان يعبدها من العرب على وجه التوبيخ لهم.
وقال ابن عطية: إن الرؤية هنا من رؤية العين؛ لأن الأوثان المذكورة
أجرامٌ مرئية (١).
فأما اللات: فصنم كان بالطائف، وقيل: كان بالكعبة.
وأما العزَّى: فكانت صخرة بالطائف، وقيل: شجرة فبعث إليها رسول الله ﷺ خالد بن الوليد فقطعها، فخرجت منها شيطانة ناشرة شعرها تدعو بالويل؛ فضربها بالسيف حتى قتلها.
وقيل: كانت بيتًا تعظمه العرب.
وأصل لفظ العزى: مؤنثة الأعزَّ.
وأما مناة: فصخرة كانت لهذيل وخزاعة بين مكة والمدينة، وكانت أعظم
стр. 2463
هذه الأوثان، قال ابن عطية: ولذلك قال تعالى: ﴿الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ فأكَّدها بهاتين الصفتين (١).
وقال الزمخشري: ﴿الْأُخْرَى﴾ ذمٌّ وتحقير؛ أي: المتأخرة الوضيعة القدر ومنه: ﴿قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ﴾ [الأعراف: ٣٨].
﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنثَى (٢١)﴾ كانوا يقولون: إن الملائكة وهذه الأوثان بنات الله، فأنكر الله عليهم ذلك، أي: كيف تجعلون لأنفسكم الأولاد الذكور، وتجعلون لله البنات التي هي عندكم حقيرة بغيضة؟
وقد ذُكر هذا المعنى في «النحل» (٢) وغيرها.
ويحتمل أن يكون أنكر عليهم جَعْلَ هذه الأوثان شركاء لله تعالى؛ مع أنهن إناث، والإناث حقيرة بغيضة عندهم.
﴿تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢)﴾ أي: هذه القسمة التي قسمتم جائرةٌ غير عادلة، يعني: جَعْلَهم الذكور لأنفسهم والإناث لله تعالى.
ووزن ﴿ضِيزَى﴾ فُعْلَى - بضم الفاء -، ولكنها كسرت للياء التي بعدها.
﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا﴾ الضمير للأوثان.
وقد ذكر المعنى في «الأعراف» (٣) في قوله: ﴿أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ﴾ [الأعراف: ٧١].
стр. 2464
﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ يعني: أنهم يقولون أقوالًا بغير حجة، كقولهم: إن الملائكة بنات الله، وقولهم: إن الأصنام تشفع لهم وغير ذلك.
﴿أَمْ لِلْإِنسَانِ مَا تَمَنَّى (٢٤)﴾ ﴿أَمْ﴾ هنا للإنكار، والإنسان: جنس بني آدم؛ أي: ليس لأحد ما يتمنى، بل الأمور بيد الله.
وقيل: إن الإشارة إلى ما طمع فيه الكفار من شفاعة الأصنام.
وقيل: إلى قول العاصي بن وائل: لأوتين مالًا وولدًا.
وقيل: هو تمني بعضهم أن يكون نبيًّا.
والأحسن حمل اللفظ على إطلاقه.
стр. 2465
[﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (٢٦) إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى (٢٧) وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا (٢٨) فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٢٩) ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى (٣٠) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (٣١) الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (٣٢)﴾].
﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ الآية؛ ردٌّ على الكفار في قولهم: إن الأوثان تشفع لهم، كأنه يقول: الملائكة الكرام لا تغني شفاعتهم شيئًا إلا بإذنِ اللهِ فكيف أوثانكم؟
﴿إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ معناه: أن الملائكة لا يشفعون لشخص إلّا بعد أن يأذن الله لهم في الشفاعة فيه، ويرضى عنه.
﴿لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنثَى﴾ يعني: قولهم: إن الملائكة بناتِ اللهِ، ثم ردَّ عليهم بقوله: ﴿وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾.
﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهُم مِنَ الْعِلْمِ﴾ أي: إلى ذلك انتهى علمهم؛ لأنهم علموا ما ينفع في الدنيا ولم يعلموا ما ينفع في الآخرة.
﴿لِيَجْزِيَ﴾ اللام متعلقة بمعنى ما قبلها، والتقدير: إن الله مَلَك أمر السموات والأرض؛ ليجزي الذي أساءوا بما عملوا.
وقيل: يتعلق بـ ﴿ضَلَّ﴾ و ﴿اهْتَدَى﴾.
стр. 2466
﴿كَبَائِرَ الْإِثْمِ﴾ ذكرنا الكبائر في «النساء» (١).
﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾ فيه أربعة أقوال:
الأول: أنه صغائر الذنوب، فالاستثناء على هذا منقطع.
الثاني: أنه الإلمام بالذنوب على وجه الفَلْتة والسَّقْطة دون دوام عليها.
الثالث: أنه ما أَلَمُّوا به في الجاهلية من الشرك والمعاصي.
الرابع: أنه الهمُّ بالذنب وحديث النفس به دون أن يفعل.
﴿أَجِنَّةٌ﴾ جمع جنين.
﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ﴾ أي: لا تنسبوا أنفسكم إلى الصلاح والخير.
قال ابن عطية: ويحتمل أن يكون نهيًا عن أن يزكِّي بعض الناس بعضًا (٢)، وهذا بعيد؛ لأنه تجوز التزكية في الشهادة وغيرها.
﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (٣٨)﴾ ذُكِرَ فيما تقدم (١)، وهذه الجملة تفسيرٌ لما في صحف إبراهيم وموسى ﵉.
﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ السعي هنا: بمعنى العمل.
وظاهرها: أنه لا ينتفع أحد بعمل غيره، وهي حجة لمالك في قوله: لا يصوم أحد عن وليه إذا مات وعليه صيام.
واتفق العلماء على أن الأعمال المالية كالصدقة والعتق يجوز أن يفعلها الإنسان عن غيره، ويصل نفعها إلى مَنْ فُعلت عنه، واختلفوا في الأعمال البدنية كالصلاة والصيام.
وقيل: إن هذه الآية منسوخة بقوله: ﴿أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور: ٢١].
والصحيح أنها مُحكمة؛ لأنها خبر، والأخبار لا تنسخ.
وفي تأويلها ثلاثة أقوال:
الأول: أنها إخبار عما كان في شريعة غيرنا، فلا يلزم في شريعتنا.
الثاني: أن للإنسان ما عمل بحقٍّ، وله ما عمل له غيره بهبة العامل له، فجاءت الآية في إثبات الحقيقة دون ما زاد عليها.
الثالث: أنها في الذنوب، وقد اتفق أنه لا يَحمل أحدٌ ذنب أحد، ويدلُّ على هذا قوله قبلها: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (٣٨)﴾ كأنه يقول: لا يؤاخذ أحد بذنب غيره ولا يؤاخذ إلَّا بذنب نفسه.
стр. 2469
﴿وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (٤٠)﴾ قيل: معناه: يراه الخلق يوم القيامة.
والأظهر: أن صاحبه هو الذي يراه لقوله: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧)﴾ [الزلزلة: ٧].
﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنتَهَى (٤٢)﴾ فيه قولان:
أحدهما: أن معناه: إلى الله المصير في الآخرة.
والآخر: أن معناها: أن العلوم تنتهي إلى الله، ثم يقف العلماء عند ذلك، وروي أن رسول الله ﷺ قال في الآية (١): «لا فكرة في الرب» (٢).
﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى (٤٣)﴾ قيل: معناه: أضحك أهل الجنة، وأبكى أهل النار، وهذا تخصيص لا دليل عليه.
وقيل: أبكى السماء بالمطر، وأضحك الأرض بالنبات، وهذا مجاز.
وقيل: خلق في بني آدم الضَّحِكَ والبكاء.
والصحيح: أنه عبارةٌ عن الفرح والحزن؛ لأن الضحك دليلٌ على السرور والفرح، كما أن البكاء دليل على الحزن، فالمعنى: أنه تعالى أحزن من شاء من عباده، وسرَّ من شاء.
﴿أَمَاتَ وَأَحْيَا﴾ يعني: الحياة المعروفة والموت المعروف.
وقيل: أحيا بالإيمان وأمات بالكفر.
والأول أرجح؛ لأنه حقيقة.
стр. 2470
﴿مِنْ نُطْفَةٍ﴾ يعني: المنِيّ.
﴿إِذَا تُمْنَى﴾ من قولك: أمنى الرجل: إذا خرج منه المنيُّ.
﴿النَّشْأَةَ الْأُخْرَى﴾ يعني: الإعادة للحشر.
﴿وَأَقْنَى﴾ أي: أكسب عبادَه المال، وهو من قُنْية المال، وهي كسبه وادِّخاره.
وقيل: معنى ﴿أَقْنَى﴾: أفقر، وهذا لا تقتضيه اللغة.
وقيل: معناه: أرضى.
وقيل: قَنَّع عبده.
﴿الشِّعْرَى﴾ نجمٌ في السماء، وتسمى كلب الجبَّار وهما شِعْرَيَان: الغُميصاء والعَبور، وخصَّها بالذكر دون سائر النجوم؛ لأن بعض العرب كان يعبدها.
﴿عَادًا الْأُولَى﴾ وصفها بـ ﴿الْأُولَى﴾؛ لأنها كانت في قديم الزمان، فهي أولى بالإضافة إلى الأمم المتأخرين.
وقيل: إنما سميت أُولى؛ لأن ثمَّ عادًا أخرى متأخرة، وهذا لا يصح.
وقرأ نافع ﴿عَادًا الْأُولَى﴾ بإدغام تنوين ﴿عَادًا﴾ في لام ﴿الْأُولَى﴾ بحذف الهمزة، ونقل حركتها إلى اللام، وضعَّف المزني والمبرّد هذه القراءة.
وهَمَزَ قالون الواو، دون وَرْش.
وقرأ الباقون على الأصل بكسر تنوين ﴿عَادًا﴾ وإسكان لام ﴿الْأُولَى﴾.
стр. 2471
﴿وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى﴾ أي: ما أبقى منهم أحدًا.
وقيل: ما أبقى عليهم.
﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى (٥٣) فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى (٥٤)﴾ هي مدينة قوم لوط.
ومعنى ﴿أَهْوَى﴾: طرَحها من علوٍ إلى سفلٍ.
وفي قوله: ﴿مَا غَشَّى﴾ تعظيم للأمر.
﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى (٥٥)﴾ هذا مخاطبة للإنسان على الإطلاق، معناه: بأيِّ نعم ربك تشكُّ؟.
﴿هَذَا نَذِيرٌ﴾ يعني: القرآن، أو النبي ﷺ .
ومعنى ﴿مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى﴾: من نوعها وصفتها.
﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ (٥٧)﴾ أي: قَرُبَت القيامة.
﴿كَاشِفَةٌ﴾ يحتمل لفظه ثلاثة أوجه:
أن يكون مصدرًا كالعاقبة (١)، أي: ليس لها كشفٌ.
وأن يكون بمعنى: كاشف، والتاء للمبالغة كعلامة.
وأن يكون صفةً لمحذوف تقديره: نفسٌ كاشفة، أو جماعة كاشفة. ويحتمل معناه وجهين:
أحدهما: أن يكون من الكشف بمعنى الإزالة، أي: ليس لها مَنْ يزيلها إذا وقعت.
стр. 2472
والآخر: أن يكون بمعنى الاطلاع؛ أي: ليس لها مَنْ يعلم وقتها إلَّا الله.
﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ﴾ الإشارةُ إلى القرآن، وتعجبهم منه: إنكاره (١).
﴿وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾ أي: لاعبون لاهون.
وقيل: غافلون مفرطون.
﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ هذا موضع سجدة عند الشافعي وغيره، وقد قال ابن مسعود: قرأها رسول الله ﷺ فسجد، وسجد كل من كان معه (٢).
﴿وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ هذا إخبارٌ عما جرى في زمان رسول الله ﷺ ، وذلك أن قريشًا سألته آية فأراهم انشقاق القمر، فقال ﷺ : «اشهدوا» (١).
وقال ابن مسعود: انشقَّ القمر فرأيته فرقتين، فرقة وراء الجبل وأخرى دونه.
وقيل: معنى ﴿وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ أنه ينشق يوم القيامة، وهذا قول باطل، تردُّه الأحاديث الصحيحة الواردة بانشقاق القمر، وقد اتفقت الأمة على وقوع ذلك، وعلى تفسير الآية بذلك إلَّا من لا يعتبر قوله.
﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (٢)﴾ هذه الضمائر لقريش.
والآية المشار إليها: انشقاق القمر، وعند ذلك قالت قريش: سحر محمد القمر.
ومعنى ﴿مُسْتَمِرٌّ﴾: دائم.
وقيل: معناه: ذاهب يزول عن قريب.
وقيل: معناه: شديد، وهو على هذا من المِرَّة، وهي القوة.
﴿وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾ أي: كل شيء لا بدَّ له من غاية، فالحق يحقُّ والباطل يَبْطُل.
﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ (٤)﴾ ﴿الْأَنبَاءِ﴾ هنا يراد بها: ما ورد في القرآن من القصص والبراهين والمواعظ.
стр. 2475
و ﴿مُزْدَجَرٌ﴾:
اسم مصدر بمعنى: ازدجارٌ.
أو اسم موضع بمعنى: أنه مظنة أن يُزْدجر به.
﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ﴾ بدلٌ من ﴿مَا فِيهِ﴾.
أو خبر ابتداء مضمر.
﴿فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾ يحتمل أن تكون ﴿مَا﴾: نافية.
أو استفهامية لمعنى (١) الاستبعاد والإنكار.
﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ أي: أعرض عنهم؛ لعلمك أن الإنذار لا ينفعهم.
﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ العامل في ﴿يَوْمَ﴾:
مضمر تقديره: اذكر.
أو قوله: ﴿يَخْرُجُونَ﴾ بعد ذلك.
وليس العامل فيه ﴿تَوَلَّ عَنْهُمْ﴾؛ لفساد المعنى، فقد تمَّ الكلام في قوله: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ فيوقف عليه.
وقيل: إن المعنى: تول عنهم إلى يوم يدع الداع.
والأول أظهر وأشهر.
стр. 2476
والداعي: جبريل، أو إسرافيل إذ ينفخ في الصُّور.
والشيء النُّكر: الشديد الفظيع، وأصله من الإنكار؛ أي: هو منكورٌ؛ لأنه لم يُرَ قطُّ مثله، والمراد به: يوم القيامة.
﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ﴾ كنايةٌ عن الذِّلّة.
وانتصب ﴿خُشَّعًا﴾ على الحال من الضمير في ﴿يَخْرُجُونَ﴾.
﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ﴾ أي: من القبور.
﴿كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنتَشِرٌ﴾ شبَّههم بالجراد في خروجهم من الأرض، ففيه استدلالٌ على البعث، كالاستدلال بخروج النبات.
وقيل: إنما شبههم بالجراد في كثرتهم، وأن بعضهم يموج في بعض.
﴿مُهْطِعِينَ﴾ أي: مسرعين.
وقيل: ناظرين إلى الداعي.
﴿فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا﴾ يعني: نوحًا ﵇، ووصفُه هنا بالعبد تشريفٌ له واختصاصٌ.
﴿وَازْدُجِرَ﴾ أي: زجروه بالشتم والتخويف، وقالوا له: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَانُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾ [الشعراء: ١١٦].
﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ (١٠)﴾ أي: قد غلبني الكفار فانتصر لي، أو انتصر لنفسك.
وقالت المتصوفة: معناه: قد غلبتني نفسي حين دعوت على قومي فانتصر
стр. 2477
مني، وهذا بعيد ضعيف.
﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (١١)﴾ عبارةٌ عن كثرة المطر، فكأنه يخرج من أبواب.
وقيل: فتحت يومئذ في السماء أبواب حقيقة.
والمنهمر: الكثير.
﴿فَالْتَقَى الْمَاءُ﴾ يعني: ماء السماء وماء الأرض.
﴿عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ أي: قُضي في الأزل.
ويحتمل أن يكون المعنى: أنه قُدِر بمقدار معلوم، وروي في ذلك أنه علا فوق الأرض أربعين ذراعًا.
﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (١٣)﴾ يعني: السفينة.
والدُّسُر: هي المسامير، واحدها دِسَار.
وقيل: هي مقادم السفينة.
وقيل: أضلاعها.
والأول أشهر.
﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ عبارة عن حفظ الله ورَعْيِهِ لها (١).
﴿جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾ أي: جزاءً لنوح.
وقيل: جزاء لله تعالى.
стр. 2478
والأول أظهر.
وانتصب ﴿جَزَاءً﴾ على أنه مفعول من أجله، والعامل فيه: ما تقدم من فتح أبواب السماء وما بعده من الأفعال؛ أي: فعلنا ذلك كلَّه جزاءً لنوح.
ويحتمل أن يكون قوله: ﴿كُفِرَ﴾:
من الكفر بالدين، والتقدير: «لمن كُفر به» فحذف الضمير.
أو يكون من الكفر بالنعمة؛ لأن نوحًا ﵇ نعمة من الله كفرها قومه، فلا يحتاج على هذا إلى ضميرٍ محذوف.
﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً﴾ الضمير:
للقصة المذكورة.
أو الفَعْلة.
أو السفينة، وروي في هذا المعنى: أنها بقيت على الجودي حتى نظر إليها أوائل هذه الأمة.
﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ تحضيض على الادّكار، فيه ملاطفةٌ جميلة من الله لعباده.
ووزن ﴿مُدَّكِرٍ﴾ مُفْتَعل، وأصله: «مُذْتَكِر» ثم أُبدل من التاء دال وأُدغمت فيها الذال.
﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (١٦)﴾ توقيفٌ فيه تهديد (١) لقريش.
стр. 2479
والنذر: جمع نذير.
﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ أي: يسرناه للحفظ، وهذا معلوم بالمشاهدة، فإنه يحفظه الأطفال الأصاغر وغيرهم حفظًا بالغًا بخلاف غيره من الكتب، وقد روي أنه لم يحفظ شيء من كتب الله عن ظهر قلب إلَّا القرآن.
وقيل: معنى الآية: سهلناه للفهم والاتعاظ به؛ لما تضمن من البراهين والحكم البليغة.
وإنما كرر هذه الآية البليغة وقوله: ﴿فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ﴾؛ لينبه السامع عند كل قصة، فيعتبر بها؛ إذ كل قصة من القصص التي ذكر عبرة وموعظة، فختم كل واحدة بما يوقظ (١) السامع من الوعيد في قوله: ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ ومن الملاطفة في قوله: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾.
﴿رِيحًا صَرْصَرًا﴾ أي: مصوّتة، فهو من الصَّرير بمعنى: الصوت.
وقيل: معناه: باردةً؛ فهو من الصَّر.
﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍ﴾ روي أنه كان يوم أربعاء، حتى رأى بعضهم أن كل يوم أربعاء نحس وروي أن رسول الله ﷺ قال: «آخر أربعاء من الشهر يوم نحس مستمر» (٢).
стр. 2480
﴿تَنْزِعُ النَّاسَ﴾ أي: تقلعهم من مواضعهم.
﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنقَعِرٍ﴾ أعجاز النخل: هي أصولها، والمنقعر: المنقطع، فشبه الله عادًا لما هلكوا بذلك؛ لأنهم طوالُ عظام الأجساد كالنخل.
وقيل: كانت الريح تقطع رؤوسهم فتبقى أجسادًا (١) بلا رؤوس، فشبههم بأعجاز النخل؛ لأنها دون أغصان.
وقيل: كانوا قد حفروا حفرًا يمتنعون فيها من الريح، فهلكوا فيها فشبههم بأعجاز النخل إذا كانت في حفرها.
стр. 2481
[﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ (٢٣) فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (٢٤) أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ (٢٥) سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ (٢٦) إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ (٢٧) وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ (٢٨) فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ (٢٩) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (٣٠) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ (٣١) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٣٢) كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ (٣٣) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ (٣٤) نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ (٣٥) وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ (٣٦) وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (٣٧) وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ (٣٨) فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (٣٩) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٤٠)﴾].
﴿أَبَشَرًا﴾ هو صالح ﵇، وانتصب بفعل مضمر.
والمعنى: أنهم أنكروا أن يتبعوا بشرًا، وطلبوا أن يكون الرسول من الملائكة، ثم زادوا أن أنكروا أن يتبعوا واحدًا وهم جماعة كثيرون.
﴿وَسُعُرٍ﴾ أي: عناء.
وقيل: معناه: جنون.
وقيل: معناه: همّ وغمّ.
وأصله: من السعير بمعنى النار، وكأنه احتراق النفس بالهم.
﴿أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا﴾ أنكروا أن يخصه الله بالنبوة دونهم، وذلك جهل منهم؛ فإن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء.
﴿أَشِرٌ﴾ أي: بَطَرٌ متكبر.
стр. 2482
﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ﴾ أي: لهم يوم وللناقة يوم من غير أن يتعدوا على الناقة، فالضمير في ﴿بَيْنَهُمْ﴾ يعود على ثمود وعلى الناقة؛ تغليبًا للعقلاء.
وقيل: إن الضمير لثمود، والمعنى: أن لا يتعدى بعضهم على بعض.
﴿كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾ أي: محضور مشهود.
﴿فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ﴾ يعني: عاقرَ الناقة، واسمه قُدَار، وهو أُحيمر ثمود وأشقاها.
﴿فَتَعَاطَى﴾ أي: اجترأ على أمر عظيم، وهو عَقْر الناقة.
وقيل: تعاطى السيف.
﴿صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ صاح جبريل صيحة ماتوا منها.
﴿فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾ الهشيم: هو ما تكسَّر وتفتت من الشجر وغيرها.
والمحتظر: الذي يعمل الحظيرة وهي حائط من الأغصان أو القصب ونحو ذلك، يكون تحليقًا للمواشي أو للسكنى، فشبه الله ثمود لها هلكوا بما يتفتت من الحظيرة من الأوراق وغيرها.
وقيل: المحتظر: المحترق.
﴿حَاصِبًا﴾ ذكر في «العنكبوت» (١).
﴿فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ﴾ أي: تشككوا.
﴿وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ﴾ الضيف هنا: هم الملائكة الذين
стр. 2483
أرسلهم الله إلى لوط، ليُهلكوا قومه، وكان قومه قد ظنوا أنهم من بني آدم، وأرادوا منهم الفاحشة، فطمس جبريل على أعينهم، فاستوت مع وجوههم.
وقيل: إن هذا الطمس عبارة عن عدم رؤيتهم لهم، وأنهم دخلوا منزل لوط فلم يروا فيه أحدًا.
стр. 2484
[﴿وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ (٤١) كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ (٤٢) أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ (٤٣) أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ (٤٤) سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥) بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ (٤٦) إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (٤٧) يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩) وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠) وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٥١) وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (٥٢) وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ (٥٣) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥)﴾].
﴿أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ﴾ هذا خطاب لقريش على وجه التهديد، والهمزة للإنكار.
ومعناه: هل الكفار منكم خيرٌ عند الله من الكفار المتقدمين المذكورين؛ بحيث هلكوا هم لما كذَّبوا الرسل وتنجون أنتم وقد كذبتم رسلكم؟ بل الذي أهلكهم يُهلككم.
﴿أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ﴾ معناه: أم لكم في كتاب الله براءة من العذاب؟
﴿أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنتَصِرٌ (٤٤)﴾ أي: نحن نجتمع وننتصر لأنفسنا بالقتال.
﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥)﴾ هذا وعدٌ من الله لرسوله بأنْ يُهزم جمع قريش، وقد ظهر ذلك يوم بدر وفتح مكة.
﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (٤٧)﴾ المراد بـ ﴿الْمُجْرِمِينَ﴾ هنا: الكفار، وضلالهم: في الدنيا، والسعر لهم: في الآخرة، وهو الاحتراق.
стр. 2485
وقيل: أراد بـ ﴿الْمُجْرِمِينَ﴾ القدرية؛ لقوله في الرد عليهم: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾.
والأول أظهر.
﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ﴾ أي: يُجَرُّون فيها.
﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ المعنى: أن الله خلق كل شيء بقدر، أي: بقضاء معلوم سابق في الأزل.
ويحتمل أن يكون معنى ﴿بِقَدَرٍ﴾: بمقدار في هيئته وصفاته (١) وغير ذلك.
والأول أرجح، وفيه حجة لأهل السنة على القدرية.
وانتصب ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ بفعل مضمر يفسّره: ﴿خَلَقْنَاهُ﴾.
﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠)﴾ عبارة عن سرعة التكوين ونفوذ أمر الله.
والواحدة يراد بها الكلمة، وهي قوله: «كن».
﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ﴾ يعني: أشباهكم من الكفار.
﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (٥٢)﴾ أي: كل ما فعلوه مكتوب، في صحائف الأعمال.
﴿مُسْتَطَرٌ﴾ أي: مكتوب، وهو من السَّطر، تقول: سطرت واستطرت بمعنى واحد.
стр. 2486
والمراد بالصغير والكبير: أعمالُهم.
وقيل: جميع الأشياء.
﴿وَنَهَرٍ﴾ يعني: أنهار الماء والخمر واللبن والعسل، واكتفى باسم الجنس.
﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾ أي: في مكان مَرْضيّ.
﴿خَلَقَ الْإِنسَانَ﴾ قيل: جنس الناس.
وقيل: يعني: آدم.
وقيل: يعني: محمدًا ﷺ .
ولا دليل على التخصيص، فالأول أرجحُ.
﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (٤)﴾ يعني: النطق والكلام.
﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ (٥)﴾ أي: يجريان في الفلك بحساب معلومٍ وترتيب مقدَّرٍ، وفي ذلك دليل على الصانع الحكيم المريد القدير.
﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ (٦)﴾ النجم عند ابن عباس: هو النبات الذي لا ساق له كالبقول، والشجر: النبات الذي له ساق.
وقيل: النجم: جنس نجوم السماء.
والسجود: عبارة عن التذلل والانقياد لله تعالى.
وقيل: سجود النجم: غروبه، وسجود الشجر: بظلِّه.
﴿وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾ يعني: الميزان المعروف الذي يوزن به الطعام وغيره وكرَّر ذكره؛ اهتمامًا بأمره.
وقيل: أراد العدل.
﴿وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ أي: لا تَنْقُصُوا إذا وزنتم.
﴿لِلْأَنَامِ﴾ أي: للناس.
وقيل: الإنس والجن.
стр. 2489
وقيل: الحيوان كله.
﴿الْأَكْمَامِ﴾ يَحتمل أن يكون:
جمع كُمّ - بالضم -، وهو ما يغطي ويلفُّ النخل من الليف، وبه شُبِّهَ كُمُّ القميص.
أو يكون جمع كِمٍّ - بكسر الكاف -، وهو غلاف الثمرة.
﴿الْعَصْفِ﴾ ورق الزرع.
وقيل: التِّبْن.
﴿وَالرَّيْحَانُ﴾ قيل: هو الريحان المعروف.
وقيل: كل مشمومٍ طيِّبِ الريح من النبات.
وقيل: هو الرزق.
﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٣)﴾ الآلاء: هي النعم.
واحدها: إِلًى على وزن: مِعًى.
وقيل: أَلًى على وزن قَفًا.
وقيل: أَلْيٌ على وزن أَمْرٍ.
وإِلْيٌ على وزن حِصْن.
والخطاب للثقلين الإنس والجن؛ بدليل قوله: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ﴾.
وروي أن هذه الآية لما قرأها رسول الله ﷺ سكت أصحابه فقال: «إن جواب الجن خير من سكوتكم، إني لما قرأتها على الجن قالوا: لا نكذِّب
стр. 2490
بشيءٍ من آلاءِ رَبِّنَا» (١).
وكرر هذه الآية؛ تأكيدًا ومبالغة.
وقيل: إن كل موضع منها يرجع إلى معنى الآية التي قبله فليس بتأكيد؛ لأن التأكيد لا يزيد على ثلاث مرات.
﴿خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ﴾ الإنسان هنا: آدم، والصلصال: الطين اليابس، فإذا طُبخَ فهو فخَّار.
﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ (١٥)﴾ الجان: الجن، يعني: إبليس والد الجن.
والمارج: اللهيب المضطرب من النار.
﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (١٧)﴾ يريد: مشرق الشمس والقمر، ومغرب الشمس والقمر.
وقيل: مشرقي الصيف والشتاء ومغربيهما.
﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾ ذكر في «الفرقان» (٢).
﴿يَلْتَقِيَانِ﴾ أي: يلتقي ماء هذا وماء هذا، وذلك إذا نزل المطر في البحر على القول بأن البحر العذب هو المطر.
وأما على القول بأن البحر العذب هو الأنهار والعيون، فالتقاؤهما: بانصباب الأنهار في البحر.