← Тафсир

Тафсир · id 30186

تفسير ابن جزي التسهيل لعلوم التنزيل - ط طيبة الخضراء

ابن جزي الكلبي

Полный текст (3 030 стр.). Показаны 2486–2525 · переход к 2491.

стр. 2486

والمراد بالصغير والكبير: أعمالُهم. وقيل: جميع الأشياء. ﴿وَنَهَرٍ﴾ يعني: أنهار الماء والخمر واللبن والعسل، واكتفى باسم الجنس. ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾ أي: في مكان مَرْضيّ.

стр. 2487

سورة الرحمن ﷻ - [﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (٤) الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ (٥) وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ (٦) وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (٧) أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (٨) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ (٩) وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ (١٠) فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ (١١) وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ (١٢) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٣) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (١٤) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ (١٥) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٦) رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (١٧) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٨) مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (١٩) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ (٢٠) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢١) يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ (٢٢) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢٣) وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ (٢٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢٥)﴾]. ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ هذا تعديد نعمة على من علَّمه الله القرآن. وقيل: معنى ﴿عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢)﴾: جعله علامة وآية لمحمد ﷺ . والأول أظهر. وارتفع ﴿الرَّحْمَنُ﴾ بالابتداء، والأفعال التي بعده أخبارٌ متوالية، ويدلُّ على ذلك مجيئها دون حرف عطف.

стр. 2488

﴿خَلَقَ الْإِنسَانَ﴾ قيل: جنس الناس. وقيل: يعني: آدم. وقيل: يعني: محمدًا ﷺ . ولا دليل على التخصيص، فالأول أرجحُ. ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (٤)﴾ يعني: النطق والكلام. ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ (٥)﴾ أي: يجريان في الفلك بحساب معلومٍ وترتيب مقدَّرٍ، وفي ذلك دليل على الصانع الحكيم المريد القدير. ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ (٦)﴾ النجم عند ابن عباس: هو النبات الذي لا ساق له كالبقول، والشجر: النبات الذي له ساق. وقيل: النجم: جنس نجوم السماء. والسجود: عبارة عن التذلل والانقياد لله تعالى. وقيل: سجود النجم: غروبه، وسجود الشجر: بظلِّه. ﴿وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾ يعني: الميزان المعروف الذي يوزن به الطعام وغيره وكرَّر ذكره؛ اهتمامًا بأمره. وقيل: أراد العدل. ﴿وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ أي: لا تَنْقُصُوا إذا وزنتم. ﴿لِلْأَنَامِ﴾ أي: للناس. وقيل: الإنس والجن.

стр. 2489

وقيل: الحيوان كله. ﴿الْأَكْمَامِ﴾ يَحتمل أن يكون: جمع كُمّ - بالضم -، وهو ما يغطي ويلفُّ النخل من الليف، وبه شُبِّهَ كُمُّ القميص. أو يكون جمع كِمٍّ - بكسر الكاف -، وهو غلاف الثمرة. ﴿الْعَصْفِ﴾ ورق الزرع. وقيل: التِّبْن. ﴿وَالرَّيْحَانُ﴾ قيل: هو الريحان المعروف. وقيل: كل مشمومٍ طيِّبِ الريح من النبات. وقيل: هو الرزق. ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٣)﴾ الآلاء: هي النعم. واحدها: إِلًى على وزن: مِعًى. وقيل: أَلًى على وزن قَفًا. وقيل: أَلْيٌ على وزن أَمْرٍ. وإِلْيٌ على وزن حِصْن. والخطاب للثقلين الإنس والجن؛ بدليل قوله: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ﴾. وروي أن هذه الآية لما قرأها رسول الله ﷺ سكت أصحابه فقال: «إن جواب الجن خير من سكوتكم، إني لما قرأتها على الجن قالوا: لا نكذِّب

стр. 2490

بشيءٍ من آلاءِ رَبِّنَا» (١). وكرر هذه الآية؛ تأكيدًا ومبالغة. وقيل: إن كل موضع منها يرجع إلى معنى الآية التي قبله فليس بتأكيد؛ لأن التأكيد لا يزيد على ثلاث مرات. ﴿خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ﴾ الإنسان هنا: آدم، والصلصال: الطين اليابس، فإذا طُبخَ فهو فخَّار. ﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ (١٥)﴾ الجان: الجن، يعني: إبليس والد الجن. والمارج: اللهيب المضطرب من النار. ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (١٧)﴾ يريد: مشرق الشمس والقمر، ومغرب الشمس والقمر. وقيل: مشرقي الصيف والشتاء ومغربيهما. ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾ ذكر في «الفرقان» (٢). ﴿يَلْتَقِيَانِ﴾ أي: يلتقي ماء هذا وماء هذا، وذلك إذا نزل المطر في البحر على القول بأن البحر العذب هو المطر. وأما على القول بأن البحر العذب هو الأنهار والعيون، فالتقاؤهما: بانصباب الأنهار في البحر.

стр. 2491

وأما قول من قال: إن البحرين بحرُ فارس والروم، أو بحر القُلزوم واليمن فضعيف؛ لقوله في «الفرقان»: ﴿هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ [الفرقان: ٥٣]، وكل واحد من هذه أُجاج. والمراد بـ ﴿الْبَحْرَيْنِ﴾ في هذه السورة ما أراد في «الفرقان». ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ﴾ أي: حاجز، يعني: جِرم الأرض، أو حاجزًا من قدرة الله. ﴿لَا يَبْغِيَانِ﴾ أي: لا يبغي أحدهما على الآخر بالاختلاط. وقيل: لا يبغيان على الناس بالفيض. ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ اللؤلؤ: كبار الجوهر، والمرجان: صغاره. وقيل: بالعكس. وقيل: إن المرجان حجر أحمر، قال ابن عطية: وهذا هو الصواب (١). وأما قوله: ﴿مِنْهُمَا﴾ ولا يخرج إلا من أحدهما، فقد تكلمنا عليه في «فاطر» (٢). ﴿وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ (٢٤)﴾ يعني: السفن، وسماها منشآت؛ لأن الناس يُنشؤونها. وقرئ بكسر الشين: بمعنى أنها تنشئ السير أو تنشئ الموج. والأعلام: الجبال، شبه السفن بها.

стр. 2492

[﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢٨) يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (٢٩) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٠) سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ (٣١) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٢) يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (٣٣) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٤) يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ (٣٥) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٦) فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ (٣٧) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٨) فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ (٣٩) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٠) يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ (٤١) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٢) هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (٤٣) يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ (٤٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٥)﴾]. ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦)﴾ الضمير في ﴿عَلَيْهَا﴾ للأرض، يدل على ذلك سياق الكلام وإن لم يتقدم لها ذكر. ويعني بـ ﴿مَنْ عَلَيْهَا﴾: بني آدم وغيرهم من الحيوان، ولكنه غلَّبَ العقلاء. ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ الوجه هنا عبارة عن الذات (١). و ﴿ذُو الْجَلَالِ﴾ صفة الذات؛ لأن من أسمائه تعالى الجليل، ومعناه يَقْرُبُ من معنى العظيم. وأما وصفه بالإكرام فيحتمل أن يكون: بمعنى أنه يكرم عباده كما قال في «الإسراء»: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠].

стр. 2493

أو بمعنى أن عباده يكرمونه بتوحيده وتسبيحه وعبادته. ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ المعنى: أن كل من في السموات والأرض يسأل حاجته من الله، فمنهم من يسأله بلسان المقال، وهم المؤمنون، ومنهم من يسأله بلسان الحال؛ لافتقار الجميع إليه. ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ المعنى: أنه تعالى يتصرف في ملكوته تصرفًا يظهر في كل يوم، من العطاء والمنع، والإماتة والإحياء، وغير ذلك. وروي: أن رسول الله ﷺ قرأها فقيل له: وما ذلك الشأن؟ قال: «من شأنه أن يغفر ذنبًا، ويفرج كربًا، ويرفع قومًا، ويضع آخرين» (١). وسئل بعضهم: كيف قال: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ والقلم قد جف بما هو كائن إلى يوم القيامة؟ فقال: هو في شأن يُبديه لا في شأن يَبتديه. ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ (٣١)﴾ معناه الوعيد، كقولك لمن تهدده: «سأتفرغ لعقوبتك»، وليس المعنى: التفرغ من شغل. ويحتمل أن يريد: انتهاء مدة الدنيا، وإنه حينئذ ينقضي شأنها، فلا يبقى إلا شأن الآخرة، فعبر عن ذلك بالتفرغ. قال جعفر بن محمد: سمى الإنس والجن ثقلين، لأنهما ثُقْلًا بالذنوب. ﴿إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا﴾ هذا كلامٌ يقال للجن والإنس يوم القيامة، ومعناه: إن استطعتم الهروب والخروج من أقطار

стр. 2494

السموات والأرض فافعلوا، وروي أنهم يفرُّون يومئذ؛ لما يرون من أهوال القيامة فيجدون سبعة صفوف من الملائكة، قد أحاطت بالأرض فيرجعون. وقيل: بل خوطبوا بذلك في الدنيا؛ والمعنى: إن استطعتم الخروج عن قهر الله وقضائه عليكم فافعلوا. وقوله: ﴿فَانفُذُوا﴾ أمر يراد به التعجيز. ﴿لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ أي: لا تقدرون على النفوذ إلا بقوة، وليس لكم قوة. ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ﴾ الشواظ: لهب النار. والنحاس: الدخان. وقيل: هو الصُّفْر يذاب ويُصبُّ على رؤوسهم. وقرئ ﴿شُوَاظٌ﴾ بضم الشين وكسرها، وهما لغتان. وقرئ ﴿وَنُحَاسٌ﴾: بالرفع عطفا على ﴿شُوَاظٌ﴾. وبالخفض عطفا على ﴿نَارٍ﴾. ﴿فَإِذَا انشَقَّتِ السَّمَاءُ﴾ جواب ﴿فَإِذَا﴾ قوله: ﴿فَيَوْمَئِذٍ﴾. وقال ابن عطية: جوابها محذوف (١). ﴿فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾ معنى ﴿وَرْدَةً﴾: حمراء كالوردة.

стр. 2495

وقيل: هو من الفَرَس الوَرْدِ. قال قتادة: السماء اليوم خضراء ويوم القيامة حمراء. والدهان: جمع دُهْنٍ كالزيت وشبهه، شبَّه السماء يوم القيامة به؛ لأنها تذاب من شِدَّة الهول. وقيل: شبه لمعانها بلمعان الدُّهن. وقيل: إن الدهان هو الجلد الأحمر. ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنبِهِ إِنسٌ وَلَا جَانٌّ﴾ السؤال المنفي هنا هو على وجه الاستخبار وطلب المعرفة؛ إذ لا يُحتاج إلى ذلك؛ لأن المجرمين يُعرفون بسيماهم، ولأن أعمالهم معلومة عند الله مكتوبة في صفائحهم، وأما السؤال الثابت في قوله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٩٢] وغيره، فهو سؤال على وجه الحساب والتوبيخ، فلا تعارض بين النفي والإثبات. وقيل: إن ذلك باختلاف المواطن. والأول أحسن. ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ﴾ يعني: بعلامتهم (١) وهي سواد الوجوه وغير ذلك. و ﴿الْمُجْرِمُونَ﴾ هنا الكفار؛ بدليل قوله: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ﴾. ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ﴾ قيل: معناه: يؤخذ بعض الكفار بناصيته وبعضهم بقدميه.

стр. 2496

وقيل: بل يؤخذ كل واحد بناصيته وقدميه، فيطوى ويطرح في النار. ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ (٤٤)﴾ الحميم: الماء السُّخْن، والآني: الشديد الحرّ. وقيل: الحاضر من قولك: أَنَى الشيء: إذا حضر. والأول أظهر.

стр. 2497

[﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٧) ذَوَاتَا أَفْنَانٍ (٤٨) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٩) فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ (٥٠) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥١) فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ (٥٢) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٣) مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ (٥٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٥) فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (٥٦) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٧) كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ (٥٨) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٩) هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (٦٠) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦١) وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ (٦٢) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦٣) مُدْهَامَّتَانِ (٦٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦٥) فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ (٦٦) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦٧) فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (٦٨) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦٩) فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ (٧٠) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧١) حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ (٧٢) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧٣) لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (٧٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧٥) مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ (٧٦) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧٧) تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٧٨)﴾] ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾ ﴿مَقَامَ رَبِّهِ﴾: القيام بين يديه للحساب، ومنه: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦)﴾ [المطففين: ٦]. وقيل: قيام الله عليه بأعماله، ومنه: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٣]. وقيل: معناه: لمن خاف ربه وأقحم المقام، كقولك: خفت جانب فلان. واختُلف هل الجنتان لكل خائف على انفراده أو لصنف الخائفين؟، وذلك مبني على قوله: ﴿وَلِمَنْ خَافَ﴾ هل يراد به واحد أو جماعة؟

стр. 2498

وقال الزمخشري: إنما قال ﴿جَنَّتَانِ﴾؛ لأنه خاطب الثقلين، فكأنه قال: جنة للإنس وجنة للجن (١). ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾ ثُنِّيَ «ذات» هنا على الأصل؛ لأن أصله: «ذوات»، قاله ابن عطية (٢). والأفنان: جمع فَنَنٍ، وهو الغصن. أو جمع فَنٍّ، وهو الصنف من الفواكه وغيرها. ﴿فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ (٥٢)﴾ أي: نوعان. ﴿وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ﴾ الجنى: هو ما يجتنى من الثمار، و ﴿دَانٍ﴾: قريب. وروي أن الإنسان يجتني الفاكهة في الجنة على أيِّ حال كان؛ من قيام أو جلوسٍ أو اضطجاع؛ لأنها تتدلى له إذا أرادها. وفي قوله: ﴿وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ﴾ ضربٌ من ضروب التجنيس. ﴿قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ ذكر في «الصافات» (٣). ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ المعنى: أنهن أبكار، و ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ﴾ معناه: لم يفتضَّهُنَّ. وقيل: الطمث: الجماع سواء كان لبكر أو غيرها.

стр. 2499

ونفى أن يطمثهن إنس أو جان؛ مبالغةً وقصدًا للعموم، فكأنه قال: لم يطمثهن شيء. وقيل: أراد: لم يطمث نساء الإنس إنسٌ ولم يطمث نساء الجن جنٌّ، وهذا على القول بأن الْجَنَّ (١) يدخلون الجنة وَيَتَلَذَّذُون فيها بما يَتَلَذَّذُ الْبَشَرُ. ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ (٥٨)﴾ شَبَّه النساء بالياقوت والمرجان في الحمرة والجمال. وقد ذكر معنى المرجان في أول السورة. ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (٦٠)﴾ المعنى: أن جزاء من أحسن بطاعة الله أن يحسن الله إليه بالجنة. ويحتمل أن يكون الإحسان هنا هو الذي سأل عنه جبريل رسول الله ﷺ فقال له: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك» (٢)، وذلك هو مقام المراقبة والمشاهدة، فجعل جزاء ذلك الإحسان بهاتين الجنتين، ويقوي هذا: أنه جعل هاتين الجنتين الموصوفتين هنا لأهل المقام الْعَلِيِّ، وجعل جنتين دونهما لمن كان دون ذلك، فالجنتان المذكورتان أَوَّلًا للسابقين، والمذكورتان بعد ذلك لأصحاب اليمين حسبما ورد في «الواقعة». وانظر كيف جعل أوصاف هاتين الجنتين، أعلى من أوصاف الجنتين اللتين بعدهما فقال هنا: ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ﴾، وقال في الأُخريين: ﴿عَيْنَانِ

стр. 2500

نَضَّاخَتَانِ﴾، والجري أشدُّ من النضح، وقال هنا: ﴿مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ﴾، وقال هناك: ﴿فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾، وكذلك صفة الحور هنا أبلغ من صفاتها هناك، وكذلك صفة البُسُط، ويفسر ذلك قول رسول الله ﷺ : «جنتان من ذهب آنيتهما وكل ما فيهما، وجنتان من فضة آنيتهما وكل ما فيهما» (١). ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ أي: تضربان إلى السواد من شدَّة الخضرة. ﴿عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ﴾ أي: تفوران بالماء، والنضخ - بالخاء المعجمة - أشد من النضح - بالحاء المهملة -. ﴿فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ خصَّ النخل والرمان بالذكر بعد دخولهما في الفاكهة؛ تشريفًا لهما، وبيانًا لفضلهما على سائر الفواكه، وهذا هو التجريد. ﴿خَيْرَاتٌ حِسَانٌ﴾ خيرات: جمع خَيْرة. وقال الزمخشري وغيره: أصله خَيِّراتٌ بالتشديد ثم خُفِّفت، كميت، وقد قرئ بالتشديد (٢). قالت أم سلمة: يا رسول الله! أخبرني عن قوله تعالى: ﴿خَيْرَاتٌ حِسَانٌ﴾ قال: «خيرات الأخلاق، حسان الوجوه» (٣). ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾ الحور: جمع حوراء، والمقصورات: المحجوبات؛ لأن النساء يُمْدحن بملازمة البيوت ويُذممن بكثرة الخروج.

стр. 2501

والخيام: هي البيوت التي من الخشب والحشيش ونحو ذلك، وخيام الجنة من لؤلؤ. ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ﴾ الرَّفرف: البُسُط. وقيل: الوسائد. وقيل: رياض الجنة. ﴿وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ﴾ العبقري: الطَّنافس. وقيل: الزَّرابيُّ. وقيل: الديباج الغليظ. وهو منسوب إلى عَبْقَرَ، وتزعم العرب أنه بلد الجن، فإذا أعجبها شيء نسبته إليه. ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ﴾ ذُكر ﴿تَبَارَكَ﴾ في «الفرقان» (١) وغيرها. والاسم هنا يراد به المسمى على الأظهر. وقرأ الجمهور ﴿ذِي الْجَلَالِ﴾ بالياء، صفة لـ ﴿رَبِّكَ﴾. وقرأ ابن عامر بالواو، صفة للاسم. وقد ذُكر معنى: ﴿ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾.

стр. 2502

(سورة الواقعة) روى ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: "من قرأ سورة الواقعة لم تصبه فاقة أبدًا" (١). ولما حضرت ابن مسعود الوفاة قيل له: ما تركت لبناتك؟ قال: تركت لهن سورة الواقعة. [﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (٢) خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ (٣) إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (٤) وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (٥) فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا (٦) وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (٧) فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (٨) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (٩) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (١٢) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤) عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (١٥) مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ (١٦) يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (١٨) لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ (١٩) وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (٢٠) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢١) وَحُورٌ عِينٌ (٢٢) كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (٢٣) جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤) لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (٢٥) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا (٢٦) وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (٢٧) فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (٢٨) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (٢٩) وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠) وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ (٣١) وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ (٣٣)

стр. 2503

وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (٣٤) إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (٣٥) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (٣٦) عُرُبًا أَتْرَابًا (٣٧) لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ (٣٨) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (٤٠)﴾]. ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١)﴾ يعني: إذا قامت القيامة، فالواقعة: اسم من أسماء القيامة تدل على هولها، كالطامة والصاخة. وقيل: الواقعة: الصيحة، وهي النفخة في الصور. وقيل: الواقعة: صخرة بيت المقدس تقع يوم القيامة، وهذا بعيد. ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (٢)﴾ يحتمل ثلاثة أوجه: الأول: أن تكون ﴿كَاذِبَةٌ﴾ مصدرًا كالعاقبة، والمعنى: ليس لها كذب ولا ردٌّ. الثاني: أن تكون ﴿كَاذِبَةٌ﴾ صفة لمحذوف، كأنه قال: ليس لها حالة كاذبة؛ أي: هي صادقة الوقوع ولا بدَّ، وهذا المعنى قريب من الأول. الثالث: أن يكون التقدير: ليس لها نفسٌ كاذبة أي: تُكَذِّبُ في إنكار البعث؛ لأن كل نفس تؤمن حينئذ. ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ (٣)﴾ تقديره: هي خافضة رافعة، فينبغي أن يوقف على ما قبله لبيان المعنى. والمراد بالخفض والرفع: أنها تخفض أقوامًا إلى النار، وترفع أقوامًا إلى الجنة. وقيل: ذلك عبارةٌ عن هولها؛ لأن السماء تنشق، والأرض تزلزل وتمدُّ، والجبال تُنْسَف؛ فكأنها تخفض بعض هذه الأجرام وترفع بعضها.

стр. 2504

﴿إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (٤)﴾ أي: زُلزلت وحركت تحريكًا شديدًا. و ﴿إِذَا﴾ هنا بدل من ﴿إِذَا وَقَعَتِ﴾. ويحتمل أن يكون العامل فيه ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ (٣)﴾. ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ﴾ أي: فُتِّتت. وقيل: سُيِّرت. ﴿هَبَاءً مُنبَثًّا﴾ الهباء: ما يتطاير في الهواء من الأجزاء الدقيقة، ولا تكاد ترى إلَّا في الشمس إذا دخلت على كُوَّة، قاله ابن عباس. وقال علي بن أبي طالب: هو ما تطاير من حوافر الدواب من التراب. وقيل: ما تطاير من شرر النار، فإذا طفئ لم يوجد شيء (١). والمنبثُّ: المفترق (٢). ﴿وَكُنتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (٧)﴾ هذا خطاب لجميع الناس؛ لأنهم ينقسمون يوم القيامة إلى هذه الأصناف الثلاثة، وهم: السابقون، وأصحاب اليمين، وأصحاب الشمال. فأما السابقون: فهم أهل الدرجات العلى في الجنة. وأما أصحاب اليمين: فهم سائر أهل الجنة. وأما أصحاب الشمال: فهم أهل النار.

стр. 2505

﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾ هذا ابتداء وخبر، فيه معنى التعظيم، كقولك: زيد ما زيد؟ و ﴿الْمَيْمَنَةِ﴾ يحتمل أن تكون: مشتقة من اليمن وهو ضد الشؤم، وتكون ﴿الْمَشْأَمَةِ﴾ مشتقة من الشؤم. أو تكون ﴿الْمَيْمَنَةِ﴾ من ناحية اليمين، و ﴿الْمَشْأَمَةِ﴾ من ناحية الشمال، واليد الشؤمى هي الشمال، وذلك لأن العرب تجعل الخير من اليمين، والشر من الشمال، أو لأن أهل الجنة يحملون إلى جهة اليمين، وأهل النار يحملون إلى جهة الشمال. أو يكون من أخذ الكتب (١) باليمين أو الشمال. ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠)﴾ الأول: مبتدأ، والثاني خبره: على وجه التعظيم، كقولك: «أنت أنت». أو على معنى أن السابقين إلى الطاعة هم السابقون إلى الجنة. وقيل: إن ﴿السَّابِقُونَ﴾ الثاني صفة للأول أو تأكيد، والخبر ﴿أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١)﴾. والأرجح أن يكون الثاني خبر الأول؛ لأنه في مقابلة قوله: ﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (٨) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (١٠)﴾ وعلى هذا يوقف على ﴿السَّابِقُونَ﴾ الثاني، ويبتدئ بما بعده.

стр. 2506

﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤)﴾ الثلة: الجماعة من الناس، فالمعنى: أن السابقين من الأولين أكثر من السابقين من الآخرين. والأولون: هم أول هذه الأمة، والآخرون: هم المتأخرون من هذه الأمة، والدليل على ذلك: ما روي أن رسول الله ﷺ قال: «الفرقتان في أمتي» (١)، وذلك لأن صدر هذه الأمة خير ممن بعدهم فكثر السابقون من السلف الصالح، وقلُّوا بعد ذلك، ويشهد لذلك قوله ﷺ : «خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم» (٢). وقيل: إن الفرقتين في أمة كل نبيٍّ، فالسابقون في كل أمة يكثرون في أولها ويقلون في آخرها. وقيل: إن الأولين هم من كان قبل هذه الأمة، والآخرين هم هذه الأمة، فيقتضي هذا: أن السابقين من الأمم المتقدمة أكثر من السابقين من هذه الأمة، وهذا بعيد. وقيل: إن السابقين يراد بهم: الأنبياء؛ لأنهم كانوا في أول الزمان أكثر مما كانوا في آخره. ﴿عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (١٥)﴾ السرر: جمع سرير. والموضونة: المنسوجة. وقيل: المشبكة بالدر والياقوت.

стр. 2507

وقيل: معناه: متواصلة قد أُدني بعضها من بعض. ﴿مُتَقَابِلِينَ﴾ أي: وجوه بعضهم إلى بعض. ﴿وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ الولدان: صغار الخدم، والمخلدون: الذين لا يموتون. وقيل: المقرَّطون بالخَلَدات، وهي ضرب من الأقراط. والأول أظهر. ﴿بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ﴾ الأكواب: جمع كوب، وهو الإناء وهو الذي لا أُذُن له ولا خرطوم يُمسَك به. والأباريق: جمع إبريق، وهو الإناء الذي له خرطوم أو أذن يمسك به. ﴿وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾ ذكر في «الصافات» (١). ﴿لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزَفُونَ﴾ أي: لا يلحق رؤوسهم الصداع الذي يصيب من خمر الدنيا. وقيل: لا يُفرَّقون عنها، فهو من الصَّدْع وهو الفُرْقة. معنى ﴿لَا يُنْزَفُونَ﴾: لا يَسكرون. ﴿وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (٢٠)﴾ قيل: يتخيَّرون ما شاؤوا؛ لكثرتها. وقيل: متخيَّرة؛ أي: مَرْضِيَّة. ﴿وَحُورٌ عِينٌ (٢٢)﴾ قدمنا معناه.

стр. 2508

وقرئ: [أـ] بالرفع: على تقدير: فيها حور. أو عطف على الضمير في ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ (١). أو على ﴿وِلْدَانٌ﴾. [بـ] وبالخفض: عطف على المعنى كأنه قال: ينعَّمون بهذا كله وبحور عين. وقيل: خفض على الجوار. ﴿كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ شبههن باللؤلؤ في البياض ووصفه بالمكنون؛ لأنه أبعد عن تغير حسنه، وسألت أم سلمة رسول الله ﷺ عن هذا التشبيه فقال: «صفاؤهن كصفاء الدر في الأصداف الذي لا تمسه الأيدي» (٢). ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (٢٥)﴾ اللغو: الكلام الساقط كالفحش وغيره. والتأثيم: مصدر، بمعنى: لا يؤثّم أحدٌ هناك نفسه ولا غيره. ﴿إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا (٢٦)﴾ انتصب ﴿سَلَامًا﴾ على أنه: بدلٌ من ﴿قِيلًا﴾.

стр. 2509

أو صفة له. أو مفعول به لـ ﴿قِيلًا﴾؛ لأن معناه: قولٌ، ومعنى السلام على هذا التحية، والمعنى: أنهم يفشون السلام فيسلمون سلامًا بعد سلام. ويحتمل أن يكون معناه: السلامة، فينتصب بفعل مضمر تقديره: اسلموا (١) سلامًا. ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (٢٧)﴾ هذا مبتدأ وخبره، قُصد به التعظيم فيوقف عليه، ويبتدأ بما بعده. ويحتمل أن يكون الخبر ﴿فِي سِدْرٍ﴾، ويكون ﴿مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾ اعتراضًا. والأول أحسن. وكذلك إعراب ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ﴾. ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (٢٨)﴾ السدر: شجر معروف. قال ابن عطية: وهو الذي يقال له: شجر أم غيلان (٢). وهو كثير في بلاد المشرق، وهي في بعض بلاد الأندلس دون بعض. والمخضود: الذي لا شوك فيه، كأنه خُضِد شوكه، وذلك أن سدر الدنيا له شوك، فوصف سدر الجنة بضد ذلك. وقيل: المخضود: هو المُوقَر الذي انثنت أغصانه من كثرة حمله، فهو

стр. 2510

على هذا: مِنْ خَضد الغصنَ: إذا ثنآه. ﴿وَطَلْحٍ مَنضُودٍ (٢٩)﴾ الطلح: شجر عظام كثيرة الشوك، قاله ابن عطية (١). وقال الزمخشري: هو شجر الموز (٢). وحكى ابن عطية هذا عن علي بن أبي طالب، وابن عباس، وقرأ علي ابن أبي طالب: «وطلع منضود» بالعين، فقيل له: إنما هو «وطلح» فقال: ما للطلح وللجنة! فقيل له: أنصلحها (٣) في المصحف؟ فقال: المصحف اليوم لا يغيَّر. والمنضود: الذي تنضَّد بالثمر من أعلاه إلى أسفله، حتى لا يظهر له ساق. ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠)﴾ أي: منبسط لا يزول؛ لأنه لا تنسخه شمس، وقال رسول الله ﷺ : «إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مئة عام لا يقطعها واقرؤوا إن شئتم ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠)﴾» (٤). ﴿وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ (٣١)﴾: أي: مصبوب، وذلك عبارة عن كثرته. وقيل: المعنى: أنه جارٍ في غير أخاديد. وقيل: المعنى: أنه يجري من غير ساقية ولا دلو ولا تعب. ﴿لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ (٣٣)﴾ أي: لا ينقطع إبّانها كفاكهة الدنيا، فإن

стр. 2511

شجر الجنة تثمر في كل وقت، ولا تمتنع ببعد تناولها ولا بغير ذلك من وجوه المنع. ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ هي الأَسِرَّةُ، وقد روي أن ارتفاع سرير منها مسيرة خمس مئة عام. وقيل: هي النساء، وهذا بعيد. ﴿إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ﴾ الضمير لنساء الجنة، فإن سياق الكلام يقتضي ذلك، وإن لم يتقدم ذكرهن، ولكن قد تقدَّم ذكر الفُرُش وهي تدل على النساء. وأما من قال: إن الفرش هي النساء فالضمير عائد عليها. وقيل: يعود على الحور العين المذكورات قبل هذا، وذلك بعيد، فإن ذلك في وصف جنات السابقين، وهذا في وصف جنات أصحاب اليمين. ومعنى إنشاء النساء: أن الله تعالى يخلقهن في الجنة خَلْقًا آخر في غاية الحسن - بخلاف الدنيا -، فالعجوز ترجع شابة والقبيحة ترجع حسنة. ﴿فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا﴾ روي: أنهن دائمات البكارة متى عاود الوطء وجدها بكرًا. ﴿عُرُبًا﴾ جمع عَروب، وهي المتوددة إلى زوجها بإظهار محبته. وعبَّر عنهن ابن عباس: بأنهن العواشق لأزواجهن. وقيل: هي الحسنة الكلام. ﴿أَتْرَابًا (٣٧) لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ (٣٨)﴾ أي: مستوياتٍ في السن مع أزواجهن، وروي أنهم يكونون في سن أبناء ثلاثة وثلاثين عامًا.

стр. 2512

و ﴿لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ يتعلق بقوله: ﴿أَنْشَأْنَاهُنَّ﴾ على ما قال الزمخشري (١). ويحتمل أن يتعلق بـ ﴿أَتْرَابًا﴾، وهذا هو الذي يقتضيه المعنى؛ أي: أترابٌ لأزواجهم. ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (٤٠)﴾ أي: جماعة من أول هذه الأمة وجماعة من آخرها، وقد قال رسول الله ﷺ : «الفرقتان من أمتي» (٢)، وفي ذلك ردٌّ على من قال إنهما من غير هذه الأمة. وتأمل كيف جعل أصحاب اليمين ثلة من الأولين وثلة من الآخرين، بخلاف السابقين فإنهم قليل في الآخرين؛ وذلك لأن السابقين في أول هذه الأمة أكثر منهم في آخرها؛ لفضيلة السلف الصالح، وأما أصحاب اليمين فكثيرٌ في أولها وآخرها.

стр. 2513

[﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (٤١) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (٤٢) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (٤٣) لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ (٤٤) إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ (٤٥) وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ (٤٦) وَكَانُوا يَقُولُونَ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٤٧) أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ (٤٨) قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٥٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (٥١) لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (٥٢) فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٥٣) فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ (٥٤) فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (٥٥) هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ (٥٦) نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ (٥٧) أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ (٥٩) نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٦٠) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦١) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ (٦٢) أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٦٧) أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ (٧٠) أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (٧١) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ (٧٢) نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ (٧٣) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٧٤)﴾]. ﴿فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (٤٢) وَظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ (٤٣)﴾ السموم: الحر الشديد. والحميم: الماء الحار جدًّا. واليحموم: هو الأسود. والظل من يحموم: هو الدخان في قول الجمهور. وقيل: سرادق النار المحيط بأهلها؛ فإنه يرتفع من كل جهة حتى يظلَّهم. وقيل: هو جبل في جهنم.

стр. 2514

﴿وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنثِ الْعَظِيمِ﴾ معنى ﴿يُصِرُّونَ﴾: يدومون من غير إقلاع. و ﴿الْحِنثِ﴾: هو الإثم. وقيل: هو الشرك. وقيل: الحنث في اليمين؛ أي اليمين الغموس. ﴿أَإِذَا مِتْنَا﴾ الآية؛ معناها: أنهم أنكروا البعث بعد الموت. وقد ذكرنا قراءة الاستفهامين في «الرعد» (١)، و ﴿أَوَآبَاؤُنَا﴾ في «الصافات» (٢). ﴿أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ﴾ خطاب لكفار قريش وسائر الكفار. ﴿فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ﴾ الضمير للمأكول. ﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (٥٥)﴾ وزن ﴿الْهِيمِ﴾ فُعْلٌ بضم الفاء، وكسرت الهاء لأجل الياء، وهو جمع أَهْيم، وهو الجمل الذي أصابه الهُيام - بضم الهاء - وهو داء معطش يشرب معه الجمل حتى يموت أو يسقم، والأنثى هَيْماء. وقيل: جمع هائم وهائمة. وقيل: الهيم: الرمال التي لا تروى من الماء، وهو على هذا جمع هَيام - بفتح الهاء -. وقرئ ﴿شُرْبَ﴾ بضم الشين، واختلف هل هو مصدر أو اسم المشروب؟

стр. 2515

وقرئ بالفتح، وهو مصدر. فإن قيل: كيف عطف قوله: ﴿فَشَارِبُونَ﴾ على ﴿فَشَارِبُونَ﴾ ومعناهما واحد؟ فالجواب: أن المعنى مختلف؛ لأن الأول يقتضي الشرب مطلقًا، والآخر يقتضي الشرب الكثير المُشْبِه لشرب (١) الهيم. ﴿هَذَا نُزُلُهُمْ﴾ النُزُل: أول ما يأكله الضيف، فكأنه يقول: هذا أول عذابهم فما ظنك بسائره؟ ﴿فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ﴾ تحضيض على التصديق إما بالخالق تعالى، وإما بالبعث؛ لأن الخلقة الأولى دليل عليه. ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (٥٨)﴾ هذه الآية وما بعدها تتضمن إقامة براهين على الوحدانية وعلى البعث، وتتضمن أيضًا وعيدًا وتعديد نعم. ومعنى ﴿تُمْنُونَ﴾: تقذفون المني في رحم المرأة. ﴿أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ (٥٩)﴾ هذا توقيف يقتضي أن يجيبوا عليه بأن الله هو الخالق لا إله إلا هو. ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ﴾ أي: جعلناه مقدرًا بآجال معلومة وأعمار منها طويل وقصير ومتوسط. ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٦٠) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦١)﴾ المسبوق على الشيء: هو المغلوب عليه؛ بحيث لا يقدر عليه.

стр. 2516

و ﴿نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ﴾: معناه: نهلككم ونستبدل قومًا غيركم. وقيل: نمسخكم قردة وخنازير. و ﴿نُنشِئَكُمْ﴾ معناه: نبعثكم بعد هلاككم. و ﴿فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ معناه: ننشئكم في خِلْقة لا تعلمونها على وجه لا تصل عقولكم إلى فهمه. فمعنى الآية: أن الله قادر على أن يهلكهم وعلى أن يبعثهم، ففيها تهديدٌ واحتجاج على البعث. ﴿فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ﴾ تحضيضٌ على التذكُّرِ والاستدلال بالنشأة الأولى على النشأة الآخرة. وفي هذه دليل على صحة القياس. ﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ المراد بالزراعة هنا: إنبات ما يُزرع وتمام خلقته؛ لأن ذلك مما انفرد الله به ولا يدعيه غيره، قال رسول الله ﷺ : «لا يقولنّ أحدكم زرعت، ولكن يقول حرثت» (١). والمراد بالحرث: قلب الأرض وإلقاء الزريعة فيها، وقد يقال لهذا: زرع، ومنه قوله: ﴿يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ﴾ [الفتح: ٢٩]. ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥)﴾ الحطام: اليابس المتفتت. وقيل: معناه تبنٌ بلا قمح.

стр. 2517

﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ أي: تَطْرِحون الفَكاهة وهي المسرَّة، يقال: رجلٌ فَكِهٌ: إذا كان مسرورًا منبسط النفس، ويقال: تفكَّه إذا زالت عنه الفَكاهة فصار حزينًا؛ لأن صيغة «تفعَّل» تأتي لزوال الشيء، كقولهم: تحرَّج وتأثَّم: إذا زال عنه الحرج والإثم. فالمعنى: صرتم تحزنون على الزرع لو جعله الله حطامًا. وقد عبر بعضهم عن ﴿تَفَكَّهُونَ﴾ بأن معناه: تتفجعون. وقيل: تندمون. وقيل: تعجبون. وهذه معانٍ متقاربة، والأصل ما ذكرنا. ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٦٧)﴾ تقديره: تقولون ذلك لو جعل الله زرعكم حطامًا. والْمُغرم الْمُعذَّب؛ لأن الغرام هو أشد العذاب. ويحتمل أن يكون من الْغُرْم؛ أي: مثقلون بما غَرِمنا من النفقة على الزرع. والْمحروم: الذي حرمه الله الخير. ﴿مِنَ الْمُزْنِ﴾ هي السحاب. والأُجاج: الشديد الملوحة. فإن قيل: لم ثبتت اللام في قوله: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ وسقطت من قوله: ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا﴾؟

стр. 2518

فالجواب: من وجهين: أحدهما: أنه أغنى إثباتها أولًا عن إثباتها ثانيًا مع قرب الموضعين. والآخر: أن هذه اللام تدخل للتأكيد، فأدخلت في آية المطعوم دون آية المشروب؛ للدلالة على أن الطعام أوكد من الشراب؛ لأن الإنسان لا يشرب إلا بعد أن يأكل. ﴿النَّارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ أي: تقدحونها من الزِّناد. والزناد قد يكون من حجرين، ومن حجر وحديدة، ومن شجر وهو المرخ والعَفَار، ولما كانت عادة العرب في زنادهم من شجر قال الله تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا﴾ أي: الشجرة التي تُزْنَد منها النار. وقيل: أراد بالشجرة نفس النار؛ كأنه يقول: نوعها أو جنسها فاستعار الشجرة لذلك، وهذا بعيد. ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً﴾ أي: تذكّر بنار جهنم. ﴿وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ المتاع: ما يُتَمَتَّع به. ويحتمل المقوين: أن يكون من الأرض القَواء، وهي الفيافي، فمعنى المقوين: الذين دخلوا في القَواء، ولذلك عبر ابن عباس عنه: بالمسافرين. ويحتمل أن يكون من قولهم: أقوى المنزلُ: إذا خلا، فمعناه: الذين خلت بطونهم أو مزاودهم من الطعام، ولذلك عبَّر بعضهم عنه: بالجائعين.

стр. 2519

[﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٨٠) أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (٨١) وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢) فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (٨٥) فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦) تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٨٧) فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (٨٩) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩٠) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩١) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (٩٢) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (٩٣) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (٩٤) إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (٩٥) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٩٦)﴾]. ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥)﴾ «لا» في هذا الموضع وأمثاله زائدة، وكأنها زيدت لتأكيد القسم، أو لاستفتاح الكلام، نحو: «ألا». وقيل: هي نافية لكلام الكفار، كأنه يقول: لا صحة لما يقول الكفار، وهذا ضعيف. والأول أحسن؛ لأن زيادة «لا» كثيرة معروفة في كلام العرب. و ﴿مَوَاقِعِ النجوم﴾ فيه قولان: أحدهما - قول ابن عباس -: إنها نجوم القرآن؛ إذْ أُنزل على النبي ﷺ مقطَّعًا بطول عشرين سنة، فكل قطعة منه نجمٌ. والآخر - قول كثير من المفسرين -: إن النجوم الكواكب، ومواقعها: مغاربها ومساقطها. وقيل: مواضعها من السماء.

стр. 2520

وقيل: انكدارها يوم القيامة. ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦)﴾ هذه جملة اعتراض بين القسم وجوابه. وقوله: ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ﴾ اعتراضٌ بين الموصوف وصفته، فهو اعتراض في اعتراض، والمقصود بذلك: تعظيم المقسم به، وهو مواقع النجوم. وجواب القسم: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧)﴾ وأعاد الضمير على القرآن؛ لأن المعنى يقتضيه، أو لأنه مذكور على قول من قال: إن ﴿مَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ نزول القرآن. ﴿فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨)﴾ أي: مصون، والمراد بهذا الكتاب المكنون: المصاحف التي كُتب فيها القرآن. أو صحف القرآن بأيدي الملائكة ?. ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩)﴾ الضمير يعود على الكتاب المكنون. ويحتمل أن يعود على القرآن المذكور قبله، إلَّا أن هذا ضعيف لوجهين: أحدهما: أن مسَّ الكتاب حقيقة، ومس القرآن مجاز، والحقيقة أولى من المجاز. والآخر: أن الكتاب أقرب، والضمير يعود على أقرب مذكور. فإذا قلنا: إنه يعود على الكتاب المكنون: [أ-] فإن قلنا إن الكتاب المكنون هو الصحف التي بأيدي الملائكة: فـ ﴿الْمُطَهَّرُونَ﴾ يراد به الملائكة؛ لأنهم مطهرون من الذنوب والعيوب،

стр. 2521

والآية إخبارٌ أنه لا يمسه إلَّا هم دون غيرهم. [بـ] وإن قلنا إن الكتاب المكنون هو المصحف الذي (١) بأيدي الناس: فيحتمل: أن يريد بالمطهرين المسلمين؛ لأنهم مطهرون من الكفر. أو يريد المطهرين من الحدث الأكبر، وهو الجنابة والحيض، فالطهارة على هذا: الاغتسال. أو المطهرين من الحدث الأصغر، فالطهارة على هذا: الوضوء. ويحتمل أن يكون قوله: ﴿لَا يَمَسُّهُ﴾: خبرًا، أو نهيًا. على أنه قد أنكر بعض الناس أن يكون نهيًا، وقال: لو كان نهيًا لكان بفتح السين. وقال المحققون: إن النهي يصح مع ضم السين؛ لأن الفعل المضاعف إذا كان مجزومًا واتصل به ضمير المفرد المذكر ضُمَّ عند التقاء الساكنين؛ إتباعًا لحركة الضمير. وإذا جعلناه خبرًا فيحتمل: أن يقصد به مجرد الإخبار. أو يكون خبرًا بمعنى النهي. وإذا كان لمجرَّد الإخبار، فالمعنى: أنه لا ينبغي أن يمسه إلَّا المطهرون؛

стр. 2522

أي: هذا حقُّه وإن وقع خلافُ ذلك. واختلف الفقهاء فيمن يجوز له مس المصحف على حسَب الاحتمالات في الآية: فأجمعوا على أنه لا يجوز أن يمسه كافر؛ لأنه إن أراد بالمطهَّرين المسلمين، فذلك ظاهر، وإن أراد الطهارة من الحدث فالإسلام حاصل مع ذلك. وأما المحدث ففيه ثلاثة أقوال: الأول: أنه لا يجوز أن يمسه الجنب ولا الحائض ولا المحدِث حدثًا أصغر، وهذا قول مالك وأصحابه، ومنعوا أيضًا أن يحمله بعلاقة أو وِسادة. وحجتهم: الآية، على أن يراد بالمطهرين الطهارةُ من الحدث الأكبر والأصغر، وقد احتج مالك في الموطأ بالآية على المسألة. ومن حجتهم أيضًا: كتاب رسول الله ﷺ إلى عمرو بن حزم: «أن لا يمس القرآن إلا طاهر» (١). القول الثاني: أنه يجوز مسه للجنب والحائض والمحدث حدثًا أصغر، وهو مذهب أحمد بن حنبل (٢) والظاهرية، وحملوا المطهرين على أنهم

стр. 2523

المسلمون أو الملائكة، أو جعلوا ﴿لَا يَمَسُّهُ﴾ لمجرد الإخبار. والقول الثالث: أنه يجوز مسه بالحدث الأصغر دون الأكبر، (وحمل صاحب هذا القول المطهرين على أنه يراد به: الطهارة من الحدث الأكبر) (١). ورخص مالك في مسه على غير وضوء للمعلم والصبيان؛ لأجل المشقة. واختلفوا في قراءة الجنب القرآنَ: فمنعه الشافعي وأبو حنيفة مطلقًا. وأجازه الظاهرية مطلقًا. وأجاز مالك قراءة الآيات اليسيرة. واختلفوا في قراءة الحائض والنفساء للقرآن عن ظهر قلب: فعن مالك في ذلك روايتان. وفرق بعضهم بين الكثير واليسير. ﴿أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (٨١)﴾ هذا خطاب للكفار، والحديث المشار إليه: هو القرآن. و ﴿مُدْهِنُونَ﴾: معناه متهاونون، وأصله من المداهنة وهي لين الجانب، والموافقة بالظاهر لا بالباطن. وقال ابن عباس: معناه: مكذِّبون. ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢)﴾ قال ابن عطية: أجمع المفسرون على

стр. 2524

أن الآية توبيخ للقائلين في المطر: إنه نزل بنوء كذا وكذا (١). فالمعنى: تجعلون شُكْرَ رِزْقِكُم التكذيب، فحذف «شُكْرَ»؛ لدلالة المعنى عليه. وقرأ علي ابن أبي طالب: «وتجعلون شكركم أنكم تكذبون»، وكذلك قرأ ابن عباس، إلَّا أنه قرأ «تُكذِّبون» بضم التاء وبالتشديد كقراءة الجماعة، وقراءة علي بفتح التاء وإسكان الكاف من الكذب، أي: يكذبون في قولهم: نزل المطر بنوء كذا. ومن هذا المعنى قول رسول الله ﷺ : «إن الله تعالى يقول: أصبح من عبادي مؤمن بي كافر بالكوكب، وكافر بي مؤمن بالكوكب، فأما من قال: مُطِرْنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكواكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا و (٢) كوكب كذا فذلك كافر بي مؤمن بالكواكب» (٣). والمنهي عنه في هذا الباب: أن يعتقد أن للكواكب تأثيرًا في المطر، وأما مراعاة العوائد التي أجراها الله تعالى فلا بأس به كقوله ﷺ : «إذا نشأت بحرية ثم تشاءمت فتلك عين غديقة» (٤)، وقد قال عمر للعباس وهما في الاستسقاء: كم بقي من نوء الثريا؟ فقال العباس: العلماء يقولون: إنها

стр. 2525

تعترض في الأفق بعد سقوطها سبعًا، قال ابن المسيب: فما مضت سبع حتى مطروا (١). وقيل: إن معنى الآية: تجعلون سبب رزقكم تكذيبكم للنبي ﷺ ؛ فإنهم كانوا يقولون: إن آمنا به حرمنا الله الرزق، كقولهم: ﴿إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾ [القصص: ٥٧]، فأنكر الله عليهم ذلك. وإعراب ﴿أَنَّكُمْ﴾ على هذا القول: مفعول بـ ﴿وَتَجْعَلُونَ﴾ على حذف مضاف تقديره: تجعلون سبب رزقكم التكذيب. ويحتمل أن يكون مفعولًا من أجله، تقديره: تجعلون رزقكم حاصلًا من أجل أنكم تكذبون. وأما على القول الأول فإعراب ﴿أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ مفعول، لا غير. ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ﴾ (٨٣) ﴿لَوْلَا﴾ هنا عرْضٌ. والضمير في ﴿بَلَغَتِ﴾ للنفس؛ لأن سياق الكلام يقتضي ذلك. وبلوغها للحلقوم: حين الموت. والفعل الذي دخلت عليه ﴿لَوْلَا﴾ هو قوله: ﴿تَرْجِعُونَهَا﴾؛ أي: هلاَّ رددتم النفس حين الموت. معنى الآية: احتجاج على البشر وإظهار لعجزهم بأنهم إذا حضر أحدهم الموت لم يقدروا أن يردّوا روحه إلى جسده، وذلك دليل على أنهم عبيد مقهورون.
следующие страницы →