← Тафсир

Тафсир · id 30186

تفسير ابن جزي التسهيل لعلوم التنزيل - ط طيبة الخضراء

ابن جزي الكلبي

Полный текст (3 030 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.

стр. 2521

والآية إخبارٌ أنه لا يمسه إلَّا هم دون غيرهم. [بـ] وإن قلنا إن الكتاب المكنون هو المصحف الذي (١) بأيدي الناس: فيحتمل: أن يريد بالمطهرين المسلمين؛ لأنهم مطهرون من الكفر. أو يريد المطهرين من الحدث الأكبر، وهو الجنابة والحيض، فالطهارة على هذا: الاغتسال. أو المطهرين من الحدث الأصغر، فالطهارة على هذا: الوضوء. ويحتمل أن يكون قوله: ﴿لَا يَمَسُّهُ﴾: خبرًا، أو نهيًا. على أنه قد أنكر بعض الناس أن يكون نهيًا، وقال: لو كان نهيًا لكان بفتح السين. وقال المحققون: إن النهي يصح مع ضم السين؛ لأن الفعل المضاعف إذا كان مجزومًا واتصل به ضمير المفرد المذكر ضُمَّ عند التقاء الساكنين؛ إتباعًا لحركة الضمير. وإذا جعلناه خبرًا فيحتمل: أن يقصد به مجرد الإخبار. أو يكون خبرًا بمعنى النهي. وإذا كان لمجرَّد الإخبار، فالمعنى: أنه لا ينبغي أن يمسه إلَّا المطهرون؛

стр. 2522

أي: هذا حقُّه وإن وقع خلافُ ذلك. واختلف الفقهاء فيمن يجوز له مس المصحف على حسَب الاحتمالات في الآية: فأجمعوا على أنه لا يجوز أن يمسه كافر؛ لأنه إن أراد بالمطهَّرين المسلمين، فذلك ظاهر، وإن أراد الطهارة من الحدث فالإسلام حاصل مع ذلك. وأما المحدث ففيه ثلاثة أقوال: الأول: أنه لا يجوز أن يمسه الجنب ولا الحائض ولا المحدِث حدثًا أصغر، وهذا قول مالك وأصحابه، ومنعوا أيضًا أن يحمله بعلاقة أو وِسادة. وحجتهم: الآية، على أن يراد بالمطهرين الطهارةُ من الحدث الأكبر والأصغر، وقد احتج مالك في الموطأ بالآية على المسألة. ومن حجتهم أيضًا: كتاب رسول الله ﷺ إلى عمرو بن حزم: «أن لا يمس القرآن إلا طاهر» (١). القول الثاني: أنه يجوز مسه للجنب والحائض والمحدث حدثًا أصغر، وهو مذهب أحمد بن حنبل (٢) والظاهرية، وحملوا المطهرين على أنهم

стр. 2523

المسلمون أو الملائكة، أو جعلوا ﴿لَا يَمَسُّهُ﴾ لمجرد الإخبار. والقول الثالث: أنه يجوز مسه بالحدث الأصغر دون الأكبر، (وحمل صاحب هذا القول المطهرين على أنه يراد به: الطهارة من الحدث الأكبر) (١). ورخص مالك في مسه على غير وضوء للمعلم والصبيان؛ لأجل المشقة. واختلفوا في قراءة الجنب القرآنَ: فمنعه الشافعي وأبو حنيفة مطلقًا. وأجازه الظاهرية مطلقًا. وأجاز مالك قراءة الآيات اليسيرة. واختلفوا في قراءة الحائض والنفساء للقرآن عن ظهر قلب: فعن مالك في ذلك روايتان. وفرق بعضهم بين الكثير واليسير. ﴿أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (٨١)﴾ هذا خطاب للكفار، والحديث المشار إليه: هو القرآن. و ﴿مُدْهِنُونَ﴾: معناه متهاونون، وأصله من المداهنة وهي لين الجانب، والموافقة بالظاهر لا بالباطن. وقال ابن عباس: معناه: مكذِّبون. ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢)﴾ قال ابن عطية: أجمع المفسرون على

стр. 2524

أن الآية توبيخ للقائلين في المطر: إنه نزل بنوء كذا وكذا (١). فالمعنى: تجعلون شُكْرَ رِزْقِكُم التكذيب، فحذف «شُكْرَ»؛ لدلالة المعنى عليه. وقرأ علي ابن أبي طالب: «وتجعلون شكركم أنكم تكذبون»، وكذلك قرأ ابن عباس، إلَّا أنه قرأ «تُكذِّبون» بضم التاء وبالتشديد كقراءة الجماعة، وقراءة علي بفتح التاء وإسكان الكاف من الكذب، أي: يكذبون في قولهم: نزل المطر بنوء كذا. ومن هذا المعنى قول رسول الله ﷺ : «إن الله تعالى يقول: أصبح من عبادي مؤمن بي كافر بالكوكب، وكافر بي مؤمن بالكوكب، فأما من قال: مُطِرْنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكواكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا و (٢) كوكب كذا فذلك كافر بي مؤمن بالكواكب» (٣). والمنهي عنه في هذا الباب: أن يعتقد أن للكواكب تأثيرًا في المطر، وأما مراعاة العوائد التي أجراها الله تعالى فلا بأس به كقوله ﷺ : «إذا نشأت بحرية ثم تشاءمت فتلك عين غديقة» (٤)، وقد قال عمر للعباس وهما في الاستسقاء: كم بقي من نوء الثريا؟ فقال العباس: العلماء يقولون: إنها

стр. 2525

تعترض في الأفق بعد سقوطها سبعًا، قال ابن المسيب: فما مضت سبع حتى مطروا (١). وقيل: إن معنى الآية: تجعلون سبب رزقكم تكذيبكم للنبي ﷺ ؛ فإنهم كانوا يقولون: إن آمنا به حرمنا الله الرزق، كقولهم: ﴿إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾ [القصص: ٥٧]، فأنكر الله عليهم ذلك. وإعراب ﴿أَنَّكُمْ﴾ على هذا القول: مفعول بـ ﴿وَتَجْعَلُونَ﴾ على حذف مضاف تقديره: تجعلون سبب رزقكم التكذيب. ويحتمل أن يكون مفعولًا من أجله، تقديره: تجعلون رزقكم حاصلًا من أجل أنكم تكذبون. وأما على القول الأول فإعراب ﴿أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ مفعول، لا غير. ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ﴾ (٨٣) ﴿لَوْلَا﴾ هنا عرْضٌ. والضمير في ﴿بَلَغَتِ﴾ للنفس؛ لأن سياق الكلام يقتضي ذلك. وبلوغها للحلقوم: حين الموت. والفعل الذي دخلت عليه ﴿لَوْلَا﴾ هو قوله: ﴿تَرْجِعُونَهَا﴾؛ أي: هلاَّ رددتم النفس حين الموت. معنى الآية: احتجاج على البشر وإظهار لعجزهم بأنهم إذا حضر أحدهم الموت لم يقدروا أن يردّوا روحه إلى جسده، وذلك دليل على أنهم عبيد مقهورون.

стр. 2526

﴿وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤)﴾ هذا خطاب لمن يحضر الميتَ من أقاربه وغيرهم، يعني: تنظرون إليه ولا تقدرون له على شيء. ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ﴾ يحتمل أن يريد: قُرْب نفسه تعالى بعلمه واطلاعه. أو قرب الملائكة الذين يقبضون الأرواح، فيكون من قرب المسافة. ﴿وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ إن أراد بقوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ﴾: الملائكة فقوله: ﴿لَا تُبْصِرُونَ﴾ من رؤية العين. وإن أراد نفسه تعالى: فهو من رؤية القلب. ﴿فَلَوْلَا إِنْ كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦) تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ (٨٧)﴾ ﴿لَوْلَا﴾ هنا عرض كالأولى، وكررت للتأكيد والبيان لما طال الكلام، والفعل الذي دخلت عليه ﴿لَوْلَا﴾ الأولى والثانية قوله: ﴿تَرْجِعُونَهَا﴾؛ أي: هلَّا رددتم النفس إلى الجسد إذا بلغت الحلقوم ﴿إِنْ كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ أي: غير مربوبين ومقهورين، فافعلوا ذلك إن كنتم صادقين في كفركم. وترتيب الكلام: فلولا ترجعون النفس إذا بلغت الحلقوم إن كنتم غير مدينين؟؛ فارجعوها إن كنتم صادقين. ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨)﴾ الضمير في ﴿كَانَ﴾ للمتوفَّى. وكرر هنا ما ذكره في أول السورة من تقسيم الناس إلى ثلاثة أصناف: السابقين، وأصحاب اليمين، وأصحاب الشمال. فالمراد بـ ﴿الْمُقَرَّبِينَ﴾ هنا: السابقون المذكورون هناك.

стр. 2527

﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾ الرَّوح: الاستراحة. وقيل: الرحمة، وروي أن رسول الله ﷺ قرأ ﴿فَرُوْحٌ﴾ بضم الراء (١)، ومعناه الرحمة. وقيل: الخلود، أي: بقاء الروح. وأما الريحان: فقيل: إنه الرزق. وقيل: الاستراحة. وقيل: الطيب. وقيل: الريحان المعروف في الدنيا يلقاه في الجنة. وفي قوله: ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾ ضرب من ضروب التجنيس. ﴿فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩١)﴾ معنى هذا على الجملة: نجاة أصحاب اليمين وسعادتهم. والسلام هنا يحتمل أن يكون: بمعنى السلامة، أو التحية. والخطاب في ذلك يحتمل: أن يكون للنبي ﷺ ، أو لأحد أصحاب اليمين. [أـ] فإن كان للنبي ﷺ : فالسلام بمعنى السلامة، والمعنى: سلام لك يا محمد منهم، أي: لا ترى فيهم إلا السلامة من العذاب.

стр. 2528

[بـ] وإن كان الخطاب لأحد أصحاب اليمين: فالسلام بمعنى التحية، والمعنى: سلام لك، أي: تحية لك يا صاحب اليمين من إخوانك، وهم أصحاب اليمين، أي: يسلمون عليك، فهو كقوله: ﴿إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا (٢٦)﴾. أو يكون بمعنى السلامة، والتقدير: سلامة لك يا صاحب اليمين، ثم يكون قوله: ﴿مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ خبر ابتداء مضمر تقديره: أنت من أصحاب اليمين. ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ﴾ يعني: الكفار، وهم أصحاب الشمال وأصحاب المشأمة. ﴿فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (٩٣)﴾ النُّزُل: أول شيء يقدَّم للضيف. ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (٩٥)﴾ الإشارة إلى تضمنته هذه السورة من أحوال الخلق في الآخرة. و ﴿حَقُّ الْيَقِينِ﴾: معناه الثابت من اليقين. وقيل: إن الحق واليقين بمعنى واحد، فهو من إضافة الشيء إلى نفسه، كقولك: مسجد الجامع. واختار ابن عطية أن يكون كقولك في أمر تؤكده: «هذا يقين اليقين» أو «صواب الصواب»، بمعنى: أنه نهاية الصواب (١).

стр. 2529

﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٧٤)﴾ لما نزلت هذه الآية قال رسول الله ﷺ : «اجعلوها في ركوعكم» فلما نزلت ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ قال ﵇: «اجعلوها في سجودكم» (١). فلذلك استحب مالك وغيره أن يقول في السجود: «سبحان ربي الأعلى» وفي الركوع: «سبحان ربي العظيم». وأوجبه الظاهرية. ويحتمل أن يكون المعنى: سبّح الله بذكر أسمائه، والاسم هنا: جنس الأسماء، و ﴿الْعَظِيمِ﴾ صفة للرب. أو يكون الاسم هنا واحدًا، و ﴿الْعَظِيمِ﴾ صفة له، فكأنه أمره أن يسبح بالاسم الأعظم، ويؤيد هذا ويشير إليه: اتصال سورة «الحديد» بها، وفي أولها التسبيح وجملةٌ من أسماء الله وصفاته. قال ابن عباس: اسم الله الأعظم موجود في ست آيات من أول سورة الحديد. وروي أن الدعاء بعد قراءتها مستجاب.

стр. 2530

(سورة الحديد) [﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢) هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣) هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤) لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٥) يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٦) آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (٧) وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٨) هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٩) وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٠)﴾]. ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ هذا التسبيح المذكور هنا وفي أول سائر السور المسبِّحات يحتمل: أن يكون حقيقة.

стр. 2531

وأن يكون بلسان الحال؛ لأن كل ما (١) في السموات والأرض دليلٌ على وجود الله وقدرته وحكمته. والأول أرجح؛ لقوله: ﴿وَلَكِن لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤]. وذكر التسبيح هنا وفي «الحشر» و «الصف» بلفظ الماضي، وفي «الجمعة» و «التغابن» بلفظ المضارع، وكل واحد منهما يقتضي الدوام. ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ﴾ أي: ليس لوجوده بداية، ولا لبقائه نهاية. ﴿وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ أي: الظاهر للعقول بالأدلة والبراهين الدالة عليه، الباطن: الذي لا تدركه الأبصار، أو الباطن الذي لا تصل العقول إلى معرفة كُنْه ذاته. وقيل: الظاهر: العالي على كل شيء، فهو من قولك: ظهرتُ على الشيء: إذا علوتَ عليه، والباطن: الذي بطن كل شيء أي: علم باطنه. والأول أظهر وأرجح (٢). ودخلت الواو بين هذه الصفات؛ لتدل على أنه تعالى جامع لها، مع اختلاف معانيها.

стр. 2532

وفي ذلك مطابقة لفظية، وهي من أحسن أدوات البيان. ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ قد ذُكر، وكذلك ما بعده (١). ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾ يعني: أنه حاضر مع كل أحد بعلمه وإحاطته، وأجمع العلماء على تأويل هذه الآية بذلك. ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ﴾ ذكر في «الحج» (٢)، و «لقمان» (٣). ﴿وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ يعني: الإنفاق في سبيل الله وطاعته. روي أنها نزلت في الإنفاق في غزوة تبوك، وعلى هذا: روي أن قوله: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا﴾ نزلت في عثمان بن عفان ﵁، فإنه جهز جيش العسرة يومئذ. ولفظ الآية مع ذلك عام، وحكمها باق لجميع الناس. وقوله: ﴿مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ يعني: أن الأموال التي بأيديكم إنما هي أموال الله؛ لأنه خلقها، ولكنه متعكم بها وجعلكم خلفاء في التصرف فيها، فأنتم فيها بمنزلة الوكلاء، فلا تمنعوها من الإنفاق فيما أمركم مالكها أن تنفقوها فيه. ويحتمل أن يعني: ﴿جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ﴾ ممن كان قبلكم فورثتم عنهم الأموال، فأنفقوها قبل أن تخلفوها لمن بعدكم، كما خلفها لكم مَنْ كان قبلكم.

стр. 2533

والمقصود على كل وجه: تحريض على الإنفاق وتزهيد في الدنيا. ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ معناه: أيُّ شيء يمنعكم من الإيمان، والرسول يدعوكم إليه بالبراهين القاطعة والمعجزات الظاهرة؟ فقوله: ﴿وَمَا لَكُمْ﴾ استفهام يراد به الإنكار، و ﴿لَا تُؤْمِنُونَ﴾ في موضع الحال من معنى الفعل الذي يقتضيه ﴿وَمَا لَكُمْ﴾ (١)، والواو في قوله: ﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ﴾ واو الحال. ﴿وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ﴾ يحتمل أن يكون هذا الميثاق: ما جَعل في العقول من النظر الذي يؤدي إلى الإيمان. أو يكون الميثاق الذي أخذه على بني آدم؛ حين أخرجهم من ظهر آدم، وأشهدهم على أنفسهم: ألست بربكم؟ قالوا: بلى. ﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ﴾ يعني: محمدًا ﷺ ، والعبودية هنا: للتشريف والاختصاص، والآيات هنا: القرآن. ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ معناه: أيُّ شيء يمنعكم من الإنفاق في سبيل الله والله يرث ما في السموات والأرض إذا أفنى (٢) أهلها؟ ففي ذلك تحريض على الإنفاق وتزهيد في الدنيا. ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ الفتح هنا: فتح مكة. وقيل: صلح الحديبية.

стр. 2534

والأول أظهر وأشهر. ومعنى الآية: التفاوت في الأجر والدرجات بين من أنفق في سبيل الله وقاتل قبل فتح مكة، وبين من أنفق وقاتل بعد ذلك؛ فإن الإسلام قبل الفتح كان ضعيفًا، والحاجة إلى الإنفاق والقتال كانت أشد. ويؤخذ من الآية: أن من أنفق في شدةٍ أعظمُ أجرًا ممن أنفق في حال الرخاء. وفي الآية حذفٌ دلَّ عليه الكلام، تقديره: لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل مع من أنفق من بعد الفتح وقاتل، ثم حذف ذلك؛ لدلالة قوله: ﴿أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾. وفي هذا المعنى قال رسول الله ﷺ : «لا تسبوا أصحابي فلو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نصيفه» (١)، يعني: السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، وخاطب بذلك من جاء بعدهم من سائر الصحابة، ويدخل في الخطاب كل من يأتي إلى يوم القيامة. ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ أي: كل واحدة من الطائفتين الذين أنفقوا وقاتلوا قبل الفتح وبعده وعدهم الله الجنة.

стр. 2535

[﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ (١١) يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢) يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ (١٣) يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (١٤) فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٥) أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (١٦) اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٧) إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ (١٨) وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١٩)﴾]. ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ﴾ ذكر في «البقرة» (١). ﴿يَوْمَ تَرَى﴾ العامل في الظرف: ﴿أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾، أو تقدير: اذكر. ﴿يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم﴾ قيل: إن هذا النور استعارة يراد به الهدى والرضوان. والصحيح هو قول الجمهور: أنه حقيقة، وقد روي ذلك عن رسول الله ﷺ (٢)، فالمعنى على هذا: أن المؤمنين يكون لهم يوم القيامة نورٌ يضيء.

стр. 2536

قُدَّامهم وعن يمين كل واحد منهم، وقيل: يكون أصله في أيمانهم، يحملونه فينبسط (١) نوره قدَّامهم. وروي أن نور كل أحد على قدْر إيمانه، فمنهم من يكون نوره كالنخلة السَّحوق (٢)، ومنهم من يضيء ما قرُب من قدميه، ومنهم من يضيء مرة ويهُمُّ بالانطفاء مرة. قال ابن عطية: ومن هذه الآية أخذ الناس مَشْيَ المُعتق بالشمعة قُدَّام مُعْتِقه إذا مات (٣). ﴿بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ﴾ تقديره: يقال لهم ذلك. ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ ﴿يَوْمَ﴾: بدل من ﴿يَوْمَ تَرَى﴾. أو متعلِّق بـ ﴿الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾، أو بمحذوف: تقديره اذكر. ومعنى الآية: أن كل مؤمن ومُظْهِرٍ للإيمان يُعطى يوم القيامة نورًا، فيبقى نور المؤمنين، وينطفئ نور المنافقين، فيقول المنافقون للمؤمنين ﴿انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ أي: نأخذ منه ونستضيء به. ومعنى ﴿انظُرُونَا﴾: انتظرونا، وذلك لأن المؤمنين يسرعون إلى الجنة كالبرق الخاطف، والمنافقون ليسوا كذلك.

стр. 2537

ويحتمل أن يكون من النظر؛ أي: انظروا إلينا؛ لأنهم إذا نظروا إليهم استقبلوهم بوجوههم فاستضاؤوا بنورهم، ولكن يُضَعَّف هذا؛ لأن «نَظَر» إذا كان بمعنى النظر بالعين يتعدى بـ «إلى». وقرئ ﴿أَنظِرُونَا﴾ بهمزة قطع، ومعناه: أخّرونا، أي: أمهلوا في مشيكم حتى نلحقكم. ﴿قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾ يحتمل أن يكون هذا: من قول المؤمنين، أو قول الملائكة. ومعناه: الطرد للمنافقين، والتهكُّم بهم؛ لأنهم قد علموا أنهم ليس وراءهم نور. و ﴿وَرَاءَكُمْ﴾ ظرف العامل فيه ﴿ارْجِعُوا﴾. وقيل: إنه لا موضع له من الإعراب، وإنه كما لو قال: «ارجعوا ارجعوا». ومعنى هذا الرجوع: ارجعوا إلى الموقف فالتمسوا فيه النور. أو ارجعوا إلى الدنيا فالتمسوا النور بتحصيل الإيمان. أو ارجعوا خائبين، وتنحَّوا عنا فالتمسوا نورًا آخر، فلا سبيل لكم إلى هذا النور. ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَهُ بَابٌ﴾ أي: ضُرب بين المؤمنين والمنافقين بسور يفصل بينهم، وفي ذلك السور باب لأهل الجنة يدخلون منه.

стр. 2538

وقيل: إن هذا السور هو الأعراف، وهو سور (١) بين الجنة والنار. وقيل: هو الجدار الشرقي من بيت المقدس، وهذا بعيد. ﴿بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ باطنه: هو جهة المؤمنين، وظاهره: هو جهة المنافقين وهي خارجه، كقولك: ظاهر المدينة أي: خارجها. والضمير في ﴿بَاطِنُهُ﴾ ﴿وَظَاهِرُهُ﴾: يحتمل أن يكون: للسور. أو للباب. والأول أظهر. ﴿يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ أي: ينادي المنافقون المؤمنين فيقولون لهم: ألم نكن معكم في الدنيا؟ يريدون إظهارهم للإيمان. ﴿فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ﴾ أي: أهلكتموها وأضللتموها بالنفاق. ﴿وَتَرَبَّصْتُمْ﴾ أي: أبطأتم بإيمانكم. وقيل: تربصتم الدوائر بالنبي ﷺ وبالمسلمين. ﴿وَارْتَبْتُمْ﴾ أي: شككتم في الإيمان. ﴿وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ﴾ أي: طول الأمل والتمني، ومن ذلك أنهم كانوا يتمنون أن يهلك النبي ﷺ والمؤمنون، أو يُهزموا، إلى غير ذلك من الأماني الكاذبة.

стр. 2539

﴿حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ أي: الفتح وظهور الإسلام. أو موت المنافقين على الحال الموجبة للعذاب. ﴿الْغَرُورُ﴾ هو الشيطان. ﴿هِيَ مَوْلَاكُمْ﴾ أي: هي أولى بكم، وحقيقة المولى: الولي الناصر، فكأنَّ هذا استعارةٌ منه، أي: لا وليَّ لكم تأوون إليه إلاَّ النار. ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ معنى ﴿أَلَمْ يَأْنِ﴾: ألم يَحِنْ، يقال: أَنَى الأمرُ: إذا حان وقته. وذكرُ الله يحتمل أن يريد به: القرآن. أو الذكر. أو التذكير بالمواعظ. وهذه آية موعظة وتذكير. قال ابن عباس: عوتب المؤمنون بهذه الآية بعد ثلاث عشرة سنة من نزول القرآن. وسمع الفضيل بن عياض قارئًا يقرأ هذه الآية فقال: قد آن، فكان سبب رجوعه إلى الله. وحُكي أن عبد الله بن المبارك أخذ العود في صباه ليضربه، فنطق بهذه الآية، فكسره ابن المبارك، وتاب إلى الله.

стр. 2540

﴿وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ﴾ عَطَفَ ﴿وَلَا يَكُونُوا﴾ على ﴿أَنْ تَخْشَعَ﴾. ويحتمل أن يكون نهيًا. والمراد: التحذير من أن يكون المؤمنون كأهل الكتب المتقدمة وهم اليهود والنصارى. ﴿فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ﴾ أي: مدة الحياة. وقيل: انتظار القيامة. وقيل: انتظار الفتح. والأول أظهر. ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ أي: يحييها بإنزال المطر وإخراج النبات. وقيل: إنه تمثيل للقلوب؛ أي: يحيي الله القلوب بالمواعظ كما يحيي الأرض بالمطر، وفي هذا تأنيس للمؤمنين الذين نُدبوا إلى أن تخشع قلوبهم. والأول أرجح؛ لأنه الحقيقة. ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ﴾ بتشديد الصاد، من الصدقة، وأصله: «المتصدقين»، وكذلك قرأ أبيّ بن كعب. وقرئ بالتخفيف من التصديق، أي: صدَّقوا الرسول ﷺ .

стр. 2541

﴿وَأَقْرَضُوا اللَّهَ﴾ معطوف على المعنى، كأنه قال: «إن الذين تصدقوا وأقرضوا». وقد ذكرنا معنى ﴿وَأَقْرَضُوا﴾ في قوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ﴾ [البقرة: ٢٤٥] (١). ﴿الصِّدِّيقُونَ﴾ مبالغة من الصدق، أو من التصديق. وكونه من الصدق أرجح؛ لأن صيغة «فِعِّيل» لا تبنى إلَّا من فعل ثلاثي في الأكثر، وقد حُكي بناؤها من رباعي كقولهم: رجل مِسِّيكٌ: مِنْ أمسك. ﴿وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ يحتمل أن يكون ﴿وَالشُّهَدَاءُ﴾: مبتدأ وخبره ما بعده. أو يكون معطوفًا على الصديقين. [أـ] فإن كان مبتدأ: ففي المعنى قولان: أحدهما: أنه جمع شهيد في سبيل الله، فأخبر أنهم عند ربهم لهم أجرهم ونورهم. والآخر: أنه جمع شاهد، ويراد بهم الأنبياء ﵈؛ لأنهم يشهدون على قومهم. [بـ] وإن كان معطوفًا: ففي المعنى قولان: أحدهما: أنه جمع شهيد، فوصف الله المؤمنين بأنهم صديقون وشهداء

стр. 2542

أي: جمعوا الوصفين، وروي في هذا المعنى: أن رسول الله ﷺ قال: «مؤمنو أمتي شهداء» وتلا هذه الآية (١). والآخر: أنه جمع شاهد؛ لأن المؤمنين يشهدون على الناس كقوله: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣]. ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾ هذا خبرٌ عن الشهداء خاصة إن كان مبتدأً. وخبر عن المؤمنين إن كان ﴿وَالشُّهَدَاءُ﴾ معطوفًا. و ﴿نُورُهُمْ﴾ هو النور الذي يكون لهم يوم القيامة، حسبما ذكر في هذه السورة. وقيل: هو عبارة عن الهدى والإيمان.

стр. 2543

[﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (٢٠) سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١) مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢) لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (٢٣) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٢٤) لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢٥)﴾]. ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ﴾ الآية؛ معناها: تشبيه الدنيا بالزرع الذي ينبته الغيث في سرعة تغيره بعد حسنه، وتحطمه بعد ظهوره. و ﴿الْكُفَّارَ﴾ هنا يراد به: الزُّرَّاع، فهو من قولهم: كَفَرْتُ الحبَّ: أي سترته تحت الأرض، وخصَّهم بالذكر؛ لأنهم أهل البصر بالزرع والفلاحة، فلا يعجبهم إلا ما هو حقيقٌ أن يُعجب. وقيل: أراد الكفار بالله، وخصَّهم بالذكر؛ لأنهم أشد إعجابا بالدنيا وأكثر حرصا عليها. ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أي: سابقوا إلى الأعمال التي تستحقون بها المغفرة:

стр. 2544

فقيل: المعنى كونوا في أول صف من القتال. وقيل: احضروا تكبيرة الإحرام مع الإمام. وقيل: كونوا أول داخل إلى المسجد، وآخر خارج منه. وهذه أمثلة، والمعنى العام: المسابقة إلى جميع الأعمال الصالحة. وقد استدل بها قوم على أن الصلاة في أول الوقت أفضل. ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ السماء هنا يراد به جنس السموات، بدليل قوله في «آل عمران»: ﴿عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [آل عمران: ١٣٣]، وقد ذكرنا هناك معنى ﴿عَرْضُهَا﴾ (١). ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ المعنى: أن الأمور كلها مقدرة مكتوبة في اللوح المحفوظ من قبل أن تكون، قال رسول الله ﷺ : «إن الله كتب مقادير الأشياء قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وعرشه على الماء» (٢). والمصيبة هنا: عبارة عن كل ما يصيب (٣) من خير أو شر. وقيل: أراد به المصيبة في العرف، وهو ما يصيب من الشر، وخصّ ذلك بالذكر؛ لأنه أهم على الناس. و ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ يعني: القحوط والزلازل وغير ذلك.

стр. 2545

و ﴿فِي أَنفُسِكُمْ﴾ يعني: الموت، والفقر، وغير ذلك. و ﴿نَبْرَأَهَا﴾ معناه: نخلقها. والضمير يعود: على المصيبة، أو على أنفسكم، أو على الأرض. وقيل: يعود على جميعها؛ لأن المعنى صحيح في كلها. ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ المعنى: فعل الله ذلك وأخبركم به لكي تسلموا لقضاء الله، ولا تكترثوا بأمور الدنيا. ومعنى ﴿لَا تَأْسَوْا﴾: لا تحزنوا، أي: فلا تحزنوا على ما فاتكم منها ولا تفرحوا بها. وقرأ الجمهور: ﴿بِمَا آتَاكُمْ﴾ بالمدّ؛ أي: بما أعطاكم الله من الدنيا. وقرأ أبو عمرو: ﴿بِمَا أَتَاكُمْ﴾ بالقصر؛ أي: بما جاءكم من الدنيا. فإن قيل: إن الإنسان لا يملك نفسه عن أن يفرح بالخير ويحزن للشر، كما قال أبو بكر الصديق ﵁ لما أُتي بمال كثير -: «اللهم إنا لا نستطيع إلا أن يفرح بما زينت لنا». فالجواب: أن النهي عن الفرح إنما هو عن الذي يقود إلى الكبر والطغيان، وعن الحزن الذي يُخرج عن الصبر والتسليم. ﴿كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ المختال: صاحب الخيلاء، والفخور: الشديد الفخر على الناس. ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ بدل من ﴿كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾.

стр. 2546

أو خبر ابتداء مضمر تقديره: هم الذين. أو منصوب بإضمار: أعني. أو مبتدأ وخبره محذوف. ﴿وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ﴾ الكتاب هنا: جنس الكتب. والميزان: العدل. وقيل: الميزان الذي يوزن به. وروي أن جبريل نزل بالميزان ودفعه إلى نوح وقال له: مُرْ قومك يزنوا به. ﴿وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ﴾ عبّر عن خلقه وإيجاده بالإنزال. وقيل: بل أنزله حقيقة؛ لأن آدم نزل من الجنة ومعه المطرقة والإبرة. ﴿فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ يعني: أنه يعمل منه سلاح للقتال، ولذلك قال: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ﴾. والمنافع للناس: سكك الحرث والمسامير وغير ذلك.

стр. 2547

[﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٢٦) ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٢٧) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٨) لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩)﴾]. ﴿فَمِنْهُم مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ أي: من ذرية نوح وإبراهيم مهتدون قليلون، وأكثرهم فاسقون؛ لأن منهم اليهود والنصارى وغيرهم. ﴿قَفَّيْنَا﴾ ذكر في «البقرة» (١). ﴿وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً﴾ هذا ثناء عليهم بمحبة بعضهم في بعض، كما وصف أصحاب محمد ﷺ ، بأنهم ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩]. ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾ الرهبانية: هي الانفراد في الجبال، والانقطاع عن الناس في الصوامع، ورفض النساء وترك الدنيا. ومعنى ﴿ابْتَدَعُوهَا﴾: أحدثوها من غير أن يشرعها الله لهم. وإعراب ﴿وَرَهْبَانِيَّةً﴾ معطوف على ﴿رَأْفَةً وَرَحْمَةً﴾، أي: جعل الله في

стр. 2548

قلوبهم الرأفة والرحمة والرهبانية، و ﴿ابْتَدَعُوهَا﴾ صفة للرهبانية، والجعل هنا بمعنى الخلق. والمعتزلة يعربون ﴿وَرَهْبَانِيَّةً﴾ مفعولًا بفعل مضمر يفسّره ﴿ابْتَدَعُوهَا﴾؛ لأن مذهبهم أن الإنسان يخلق أفعاله، فأعربوها على مذهبهم، وكذلك أعربها أبو علي الفارسي. وذكر الزمخشري الوجهين (١) (٢). ﴿مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ﴾ كتبنا هنا: بمعنى فرضنا وشرعنا. وفي هذا قولان: أحدهما: أن الاستثناء منقطع، والمعنى: ما كتبنا عليهم الرهبانية، ولكنهم فعلوها من تلقاء أنفسهم؛ ابتغاء رضوان الله.

стр. 2549

والآخر: أن الاستثناء متصل، والمعنى: كتبناها عليهم ابتغاء رضوان الله. والأول أرجح؛ لقوله: ﴿ابْتَدَعُوهَا﴾ ولقراءة عبد الله بن مسعود: «ما كتبناها عليهم لكن ابتدعوها». ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ أي: لم يدوموا عليها، ولم يحافظوا على الوفاء بها، يعني: أن جميعهم لم يرعوها وإن رعاها بعضهم. والضمير في ﴿رَعَوْهَا﴾ للذين ابتدعوا الرهبانية، وكان يجب عليهم إتمامها، وإن لم يكتبها الله عليهم؛ لأن من دخل في شيء من النوافل وجب عليه إتمامه. وقيل: الضمير لمن جاء بعد الذين ابتدعوا الرهبانية من أتباعهم. ﴿وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ﴾ إن قيل: كيف خاطب الذين آمنوا وأمرهم بالإيمان وتحصيل الحاصل لا يُبتغى؟ فالجواب من وجهين: أحدهما: أن معنى ﴿آمِنُوا﴾ دوموا على الإيمان واثبتوا عليه. والآخر: أنه خطاب لأهل الكتاب، فالمعنى: يا أيها الذين آمنوا بموسى وعيسى آمنوا بمحمد ﷺ ، ويؤيد هذا: قوله: ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ أي: نصيبين، وقال رسول الله ﷺ : «ثلاثة يؤتَون أجرهم مرتين: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بي … » الحديث (١).

стр. 2550

﴿وَيَجْعَل لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ يحتمل أن يريد: النور الذي يسعى بين أيدي المؤمنين يوم القيامة. أو يكون عبارة عن الهدى. ويؤيد الأول: أنه مذكور في هذه السورة، ويؤيد الثاني: قوله: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ [الأنعام: ١٢٢]. ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ «لا» في قوله: ﴿لِئَلَّا﴾ زائدة، والمعنى: ليعلم أهل الكتاب، وكذلك قرأها ابن عباس. وقرأ ابن مسعود: «لكي يعلم». والمعنى إن كان الخطاب لأهل الكتاب: يا أهل الكتاب آمنوا بمحمد ﷺ ؛ ليعلم أهل الكتاب الذين لم يؤمنوا أن لا يقدرون على شيء من فضل الله الذي وعد من آمن منكم، وهو تضعيف الأجر والنور والمغفرة؛ لأنهم لم يسلموا، فلا ينالون شيئًا من ذلك. وإن كان الخطاب للمسلمين فالمعنى: ليعلم أهل الكتاب الذين لم يؤمنوا أنهم لا يقدرون أن ينالوا شيئًا مما أعطى الله المسلمين من تضعيف الأجر والنور والمغفرة. وقد روي أن سبب الآية: أن اليهود افتخرت على المسلمين، فنزلت الآية في الرد عليهم، فهذا يقوي هذا القول. وروي أيضًا أن سببها: أن الذين أسلموا من أهل الكتاب افتخروا على غيرهم من المسلمين بأنهم يؤتيهم الله أجرهم مرتين، فنزلت الآية مُعْلمةً أن المسلمين مثلهم في ذلك.

стр. 2551

(سورة المجادلة) [﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (١) الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٢) وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٣) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤) إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (٥) يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٦)﴾]. ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ نزلت الآية في خولة بنت حكيم. وقيل: خولة بنت ثعلبة. وقيل: خولة بنت خويلد. وقيل: اسمها: جميلة. وكانت امرأة أوس بن الصامت الأنصاري أخي عبادة بن الصامت، فظاهر منها، وكان الظّهار في الجاهلية يوجب تحريمًا مؤبدًا، فلما فعل أوسٌ ذلك جاءت امرأته إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله: إن أوسًا أكل

стр. 2552

شبابي ونثرتُ له بطني (١)، فلما كَبِرتُ ومات أهلي ظاهر مني!، فقال رسول الله ﷺ : «ما أراكِ إلا قد حرمتِ عليه»، فقالت: يا رسول الله لا تفعل!؛ فإني وحيدة، ليس لي أهل سواه، فراجعها رسول الله ﷺ بمثل مقالته فراجعته، فهذا هو جدالها (٢). ﴿وَتَشْتَكِي إِلَى اللهِ﴾ كانت تقول: «اللهم إني أشكو إليك حالي وانفرادي وفقري». وروي أنها كانت تقول: «اللهم إن لي منه صبيةً صغارًا إن ضممتهم إليَّ جاعوا، وإن ضممتهم إليه ضاعوا». ﴿وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ المحاورة: هي المراجعة في الكلام. قالت عائشة ﵂: سبحان من وسع سمعه الأصوات!، لقد كنت حاضرة وكان بعض كلام خولة يخفى عليَّ وسمع الله كلامها (٣). ونزل القرآن في ذلك، فبعث رسول الله ﷺ في زوجها وقال له: «أتُعتق رقبة؟»، فقال: والله ما أملكها. فقال: «أتصوم شهرين متتابعين؟»، فقال: والله ما أقدر، فقال له: «أتطعم ستين مسكينًا؟» فقال: لا أجد إلا أن يعينني رسول الله ﷺ بمعونة وصلاة، يريد الدعاء، فأعانه رسول الله ﷺ بخمسة

стр. 2553

عشر صاعًا، وقيل: بثلاثين صاعًا ودعا له، فكفَّر بالإطعام وأمسك زوجته (١). ﴿الَّذِينَ يَظَّهَّرُونَ مِنْكُمْ مِن نِسَائِهِم﴾ قرئ ﴿يَظَّهَّرُونَ﴾ بألف بعد الظاء وبحذفها، وبالتشديد والتخفيف، والمعنى واحد وهو إيقاع الظهار. والظهار المجمع عليه: هو أن يقول الرجل لامرأته: «أنتِ عليَّ كظهر أمي». ويجري مجرى ذلك عند مالك: تشبيه الزوجة بكل امرأة محرَّمة على التأبيد، كالبنت والأخت وسائر المحرمات بالنسب، والمحرمات بالرضاع والمصاهرة، سواءٌ ذكر لفظ الظَّهر أو لم يذكره، كقوله: «أنت علي كأمي» أو «كبطن أمي» أو «يدها» أو «رجلها»، خلافًا للشافعي؛ فإن ذلك كله ليس عنده بظهار؛ لأنه وقف عند لفظ الآية، وقاس مالك عليه؛ لأنه رأى أن المقصد تشبيه حلال بحرام. ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ ردَّ الله بهذا على من كان يوقع الظهار ويعتقده حقيقة، وأخبر تعالى أن تصيير الزوجة أُمًّا باطلٌ؛ فإن الأم في الحقيقة إنما هي الوالدة. ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ أخبر تعالى أن الظهار منكر وزور، فالمنكر: هو الذي لا تعرف له حقيقة، والزور: هو الكذب، وإنما جعله كذبًا؛ لأن المظاهر يصيّر امرأته كأمه. وهي لا تصير كذلك أبدًا.

стр. 2554

والظهار محرَّم، ويدل على تحريمه أربعة أشياء: أحدها: قوله تعالى: ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾؛ فإن ذلك تكذيب للمُظاهر. والثاني: أنه سماه منكرًا. والثالث: أنه سماه زورًا. والرابع: قوله: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾، فإن العفو والمغفرة لا تقع إلا عن ذنب. وهو مع ذلك لازم للمظاهر حتى يرفعه بالكفارة. ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ اختلف الناس في معنى قوله: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ﴾ على ستة أقوال: الأول: أنه إيقاع الظهار في الإسلام، فالمعنى: أنهم كانوا يظاهرون في الجاهلية، فإذا فعلوه في الإسلام فذلك عَوْدٌ إليه، هذا قول ابن قتيبة (١)، فتجب الكفارة عنده بنفس الظهار، بخلاف أقوال غيره، فإن الكفارة لا تجب إلا بالظهار والعَود معًا. الثاني: أن العود هو وطء الزوجة، روي ذلك عن مالك، فلا تجب الكفارة على هذا حتى يطأ، فإذا وطئ (٢) وجبت عليه الكفارة، سواء أمسك المرأة أو طلقها أو ماتت. الثالث: أن العود هو العزم على الوطء، وروي هذا أيضًا عن مالك، فإذا

стр. 2555

عزم على الوطء وجبت الكفارة، سواءٌ أمسك المرأة أو طلقها أو ماتت. الرابع: أن العود هو العزم على الوطء وعلى إمساك الزوجة، وهذا أصح الروايات عن مالك. الخامس: أنه العزم على الإمساك خاصة، وهذا مذهب الشافعي، فإذا ظاهر ولم يطلقها بعد الظهار لزمته الكفارة. السادس: أنه تكرار الظهار مرة أخرى، وهذا مذهب الظاهرية وهو ضعيف؛ لأنهم لا يرون الظهار يوجب حكمًا في أول مرة، وإنما يوجبه في الثانية، وإنما نزلت الآية فيمن ظاهر أول مرة، فذلك يردُّ عليهم. ويختلف معنى ﴿لِمَا قَالُوا﴾ باختلاف هذه الأقوال: فأما على قول ابن قتيبة والظاهرية: فـ «ما» مصدرية، والمعنى: يعودون لقولهم. وأما على سائر الأقوال فـ «ما» بمعنى «الذي»، والمعنى: يعودون للوطء الذي حرَّموه، أو للعزم عليه، أو للإمساك الذي تركوه، أو للعزم عليه. ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ جعل الله الكفارة في الظهار على ثلاثة أنواع مرتبة، لا ينتقل إلى الثاني حتى يعجز عن الأول، ولا ينتقل إلى الثالث حتى يعجز عن الثاني: فالأول: تحرير رقبة. والثاني: صيام شهرين متتابعين. والثالث: إطعام ستين مسكينًا.

стр. 2556

فأما الرقبة: فاشترط مالك أن تكون مؤمنة؛ لأن مذهبه حمل المطلق على المقيد، وجاءت هنا مطلقة، وجاءت في كفارة القتل مقيدة بالإيمان. وأما صيام الشهرين: فاشترط فيه التتابع، فإن أفسد الصائم التتابع باختياره: ابتدأه من أوله باتفاق. وإن أفسده بعذر كالمرض والنسيان: فقال مالك: يبني على ما كان معه. وقال أبو حنيفة: يبتدئ. وروي القولان عن الشافعي. وأما الإطعام: فمشهور مذهب مالك: أنه مدٌّ لكل مسكين بمد هشام (١)، واختلف في مد هشام: فقيل: إنه مدَّان غيرُ ثلث بمد النبي ﷺ . وقيل: إنه مدٌّ وثلث. وقيل: إنه مدان. وقال الشافعي وابن القصَّار: يطعم مدًّا بمد النبي ﷺ لكل مسكين. ولا يجزئه إلا كمال عدد الستين، فإن أطعم مسكينًا واحدًا ستين يومًا: لم يُجْزِه عند مالك والشافعي، خلافًا لأبي حنيفة، وكذلك إن أطعم ثلاثين مرتين.

стр. 2557

والطعام يكون من غالب قوت البلد. ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ مذهب مالك والجمهور: أن المسيس هنا يراد به الوطء وما دونه من اللمس والتقبيل، فلا يجوز للمظاهر أن يفعل شيئًا من ذلك حتى يكفِّر. وقال الحسن والثوري: أراد الوطء خاصة، فأباحا ما دونه قبل الكفارة. وذكر الله قوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ في التحرير والصوم، ولم يذكره في الإطعام، فاختلف العلماء في ذلك: فحمل مالك الإطعام على ما قبله، ورأى أنه لا يكون إلا قبل المسيس، وجعل ذلك من المطلق الذي يحمل على المقيد. وقال أبو حنيفة: يجوز للمظاهر إذا كان من أهل الإطعام أن يطأ قبل الكفارة؛ لأن الله لم ينص في الإطعام أنه قبل المسيس. ﴿ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا﴾ قال ابن عطية: الإشارة إلى الرخصة في النقل من التحرير إلى الصوم (١). وقال الزمخشري: المعنى: ذلك البيان والتعليم لتؤمنوا (٢)، وهذا أظهر؛ لأنه أعم. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ﴾ أي: يخالفون ويعادون. ﴿كُبِتُوا﴾ أي: أُهلكوا.

стр. 2558

وقيل: لعنوا. وقيل: كُبِت الرجل: إذا بقي خَزْيان. ونزلت الآية في المنافقين واليهود.

стр. 2559

[﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٨) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩) إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٠) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢) أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٣)﴾]. ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ﴾ يحتمل أن يكون النجوى هنا: بمعنى الكلام الخفي، فيكون ﴿ثَلَاثَةٍ﴾ مضافًا إليه. أو بمعنى الجماعة من الناس، فيكون ﴿ثَلَاثَةٍ﴾ بدلًا، أو صفة. والأول أحسن. ﴿إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ يعني: بعلمه وإحاطته، وكذلك ﴿سَادِسُهُمْ﴾، و ﴿هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾. ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى﴾ نزل في قوم من اليهود كانوا يتناجون فيما

стр. 2560

بينهم ويتغامزون على المؤمنين، فنهاهم رسول الله ﷺ عن ذلك فعادوا. وقيل: نزلت في المنافقين. والأول أرجح؛ لقوله: ﴿وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾؛ لأن هذا من فعل اليهود. والأحسن أن يريد اليهود والمنافقين معًا؛ لقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ فنزلت في الطائفتين. ﴿وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾ كانت اليهود يأتون رسول الله ﷺ فيقولون: «السام عليك يا محمد»، بدلًا من «السلام عليكم (١)»، والسام: الموت، وهو ما أرادوه بقولهم، فكان رسول الله ﷺ يقول لهم: «وعليكم»، فسمعتهم عائشة يومًا فقالت: بل عليكم السام واللعنة، فقال رسول الله ﷺ : «مهلًا يا عائشة!؛ إن الله يكره الفحش والتفحش»، قالت: أما سمعت ما قالوا؟ قال: «أما سمعت ما قلت لهم؟ إني قلت: وعليكم (٢)». ويريد بقوله: ﴿بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾: قوله تعالى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ [النمل: ٥٩]. ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾ كانوا يقولون: لو كان نبيًا لعذَّبنا الله بإذايته، فقال الله: ﴿حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ﴾ أي: يكفيهم ذلك عذابًا. ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قيل (٣): يعني: النجوى
следующие страницы →